والله أعلم| الدكتور علي جمعة يرد على اتهام التراث والمذاهب بنشر الفكر المتطرف| الحلقة الكاملة - التراث, والله أعلم

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يرد على اتهام التراث والمذاهب بنشر الفكر المتطرف| الحلقة الكاملة

49 دقيقة
  • النص القرآني والسنة النبوية يمثلان محور الحضارة الإسلامية، منهما الانطلاق وإليهما الرجوع وبهما التقويم ولهما الخدمة.
  • التراث الفقهي الإسلامي اتسم بالاتساع زماناً ومكاناً وتنوعاً، وينبغي التفريق بين مناهج الفقه ومسائله.
  • المناهج الفقهية وضعت محددات لفهم النص، منها: حجية السنة، اللغة العربية، الإجماع، القياس، دلالات الألفاظ، المقاصد والمصالح.
  • فهم الشريعة يتطلب ثلاثة أمور: فهم النص، فهم الواقع، وكيفية تطبيق المطلق على النسبي.
  • الجماعات المتطرفة كداعش خلطت بين المسائل والمناهج، واشتغلت بمفهوم النص دون محدداته.
  • قضايا الرق والسبي كانت مرتبطة بزمانها وأهدافها ومصالحها، والإسلام نظمها وقلل مواردها.
  • بعد انتهاء الخلافة أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالهرب والاعتزال لا بإنشاء الجماعات المتطرفة.
  • المشكلات التاريخية في العالم الإسلامي ناتجة عن طبيعة البشر لا عن الإسلام، والإسلام هو المقياس لتقويم الأفعال.
محتويات الفيديو(55 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة لمناقشة التراث الفقهي

[المذيع (الأستاذ/ حسن الشاذلي)]: أهلًا بحضراتكم وأحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام هي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وهذا هو نبينا وسيدنا صلى الله عليه وسلم يطلق هذه الكلمات الشريفة من فمه الشريف:

قال رسول الله ﷺ: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»

هذا هو السلام الذي يحتاجه العالم على المستوى النفسي وعلى مستويات مختلفة ومتنوعة.

أهلًا بكم في والله أعلم، نسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة لنناقش معه الكثير من التساؤلات حول التراث الفقهي. ويرى البعض من أصوات متنوعة ومختلفة أن التراث الفقهي هو الذي يُورث أو يُؤسس أو يكرِّس للعقلية المتطرفة.

سؤال المذيع: هل يوجد في التراث الفقهي ما يؤسس للعقلية المتطرفة؟

[المذيع]: إذا كان البعض يضع يده ويطلق لسانه على الكثير من الاتهامات حول تراثنا الفقهي، فهل بالفعل يوجد في تراثنا الفقهي ما يدعو أو ما يؤسس لهذه العقلية المتطرفة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

تراثنا الفقهي في غاية الاتساع زمانًا ومكانًا وتنوعًا في اختلاف المدارس والمشارب.

يجب علينا أن نحدد ما المقصود بتراثنا الفقهي؟؛ فهذه الهجمات الشرسة الغبية الجاهلة التي تتخذ الكذب طريقًا من أجل الوصول إلى قناعات مزيفة، هذه الطريقة الغبية، في الحقيقة لا علاقة لها بواقع التراث الإسلامي.

مصادر التراث الإسلامي ومحورية الكتاب والسنة في بناء الحضارة

يجب علينا أن ندرك مصادر هذا التراث؛ فمصادر التراث الإسلامي تمثلت أساسًا في أنْ جَعَلَ المسلمون كتابَ الله وسنةَ نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم محورًا لحضارتهم.

ومعنى كلمة محور أنَّ من هذا المحور: الانطلاق، وبهذا المحور: التقويم، ولهذا المحور: الخدمة.

والعلوم نشأت من أجل خدمة هذا المحور، من أجل الالتفاف حول هذا المحور، من أجل الانطلاق من هذا المحور، وكذلك من أجل تقويم أي أفكار جديدة أو واقع معيش بهذا المحور.

هذا معنى محورية الكتاب. كل حضارة نشأت في الأرض كان لها محورًا، ومحور حضارة المسلمين كان النص من كتاب ومن سُنَّة.

حديث أبي هريرة عن تراث محمد ﷺ ومعنى كلمة تراث لغويًا

هذه الحقيقة البسيطة يذكرها سيدنا أبو هريرة عندما جاء أحدهم وقالوا إن تراث محمد يوزَّع بالمسجد، فذهب الصحابة يجرون [إلى المسجد يبحثون عن] تراث محمد الذي هو ماذا؟ فوجدوا دروس قرآن، فيه هذا هو التراث.

والتراث كلمة آتية من الوراث، وجه يقول لك وجاه تجاه، الواو تتقلب تاء، وراث انقلبت التاء فأصبحت تراث.

فكلمة تراث هذه نبحث عنها في وَرِث وليس في تَرَث، فلا يوجد شيء اسمه ترث؛ فالواو انقلبت تاءً عندما تصدرت بداية الكلام. وجاه أو وجَاه تجاه أصبحت اتجاه، ورَاث أصبحت تراث.

الميراث والتراث والوراثة هذه إنما تكون بالنقل الصحيح وبالملكية لهذا الشيء.

تراث محمد هو القرآن وهو السُّنَّة، ومن أجل هذا وفَّق الله المسلمين لجعل هذا الكتاب والسُّنَّة اللذان هما النص محورًا للحضارة.

الفرق بين النص وفهم النص والبحث عن الحجة في مصادر التشريع

هناك فارق كبير بين النص فيما هو ألفاظ وتراكيب منقولة في لغة معينة وهي لغة العرب، وبين فهم النص.

وبدأ المسلمون في دراسة هذه الظاهرة: الفرق بين النص، وبين فهم النص.

فوجدوا وسألوا أنفسهم: ما الحجة؟ السؤال الأول هكذا: ما الحجة؟ فقالوا: الحجة هو كتاب الله. قالوا: فقط؟ فذهبوا إلى كتاب الله لكي يروا الحجة في الكتاب فقط.

[المذيع]: الحجة التي هي الدليل؟

[الشيخ]: الحجة هي المصدر. المصدر، الحجة هي من أين نجيب على الأسئلة؟ من أين نأخذ الأحكام؟ من أين نعلم رضا الله سبحانه وتعالى؟

الآيات القرآنية الدالة على حجية السنة النبوية وإجماع المسلمين عليها

نعم، فوجدوا الكتاب يقول:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

ووجدوه يقول:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]

ووجدوه يقول:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

ووجدوه يقول:

﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]

قالوا إن الله ربنا يأمرنا أن نأخذ بهذه السُّنَّة؛ فأصبحت السُّنَّة بإجماع المسلمين حجة، وأصبح هذا هو -إذا صح التعبير- الفلتر الأول للفهوم المخالفة للدِّين.

خطورة الاكتفاء بالقرآن واللغة دون السنة النبوية في فهم النص

هو [منكر السنة] يريد أن يفهم النص لكن يريد أن يفهمه بعيدًا عن السُّنَّة فلن ينفع ذلك. يعني ما شكل هذا الفهم؟ سيكتفي باللغة ويأتي ليقول لك: طيب أنا سأكتفي بالقرآن مع اللغة.

قلت له: ماذا ستفعل إذن؟ أنت هكذا ستصل إلى أشياء غريبة عجيبة لا يعرفها المسلمون. قال: أنا أريد أن أفعل ذلك. قلنا له: لا، هذا تفلتًا وليس هذا علمًا.

المحددات الثمانية لفهم التراث الإسلامي فهمًا صحيحًا

أول محدد هو حجية السُّنَّة، هذا أول محدد. ثاني محدد هو اللغة العربية. ثالث محدد هو إجماع الأمة.

رابع محدد هو طريقة الإلحاق المسماة بالقياس.

خامس محدد هو دلالات الألفاظ والتراكيب. سابع محدد هو تحقيق المصالح والمقاصد والمآلات، وهكذا.

هناك محددات واضحة ومحددة تجعل أي فهمًا للتراث مخالفٌ لهذه المحددات يكون فهمًا منحرفًا، بدون هذه المحددات سيكون الفهم منحرفًا.

وقوع الانحراف في التاريخ الإسلامي وتشكيك المنحرفين في المصادر والمحددات

السؤال: هل حدث في التاريخ الإسلامي انحراف؟

الإجابة: نعم، حدث انحراف

[المذيع]: هل ما زال يحدث؟

[الشيخ]: بشدة أكثر من الأول؟ .

هذه أول مصيبة يفعلونها أنهم يقدحون في المصادر؛ فيشككون في السُّنَّة، ثم يشككون في اللغة، ثم يشككون أو ينكرون الإجماع، ثم بعد ذلك يشككون في قضايا المقاصد والمصادر التي هي المحددات، فيهدمون المحددات.

ثم بعد ذلك يشككون في حملة هذا العلم، ثم بعد ذلك ينكرون أنه علم بل يدَّعون أنه مجرد سلوك، ثم بعد ذلك لا يدركون الواقع، ثم بعد ذلك يطبقون تطبيقًا سيئًا للواقع.

الهجوم على القرآن بالباطل كنتيجة نهائية لهدم المحددات الشرعية

ثم بعد ذلك يهجمون على القرآن في النهاية.

الأمر الذي لا ينتبه إليه الناس أنهم سيكرون على القرآن بالبطلان، وسيقول أحدهم بعدما هدموا كل هذا الهدم: إن القرآن متناقض، ويأتي بأيِّ شيء في أيِّ شيءٍ، ويتكلم بما لم ينزل الله به من سلطان.

لأنه كَرهَ الناس قبل ذلك في التفكير المستقيم، كَرهَ الناس قبل ذلك في الوعي المؤسس عليه السعي، كَرهَ الناس قبل ذلك في إدراك الواقع، كَرهَ الناس قبل ذلك في مجهودات أُناسٍ اتقوا الله سبحانه وتعالى، قاموا الليل وصاموا النهار وأخلصوا في تحصيل العلم ونقله، وأرادوا أن يضعوا قواعد وقلوبهم مليئة بالخوف من الله والرغبة فيما عنده.

المنحرفون يتصيدون كلمات من التراث ويهدمون ولا يبنون

وهؤلاء قد رغبوا فيما سوى الله؛ مجالسهم فيها مجالس خمر، وبعد ذلك نقول لهم، فيقولون لك: حرية شخصية أو أنت ما شأنك أو أنت تدخلت بيني وبين ربي، إلى آخر هذه الضجة التي نعيش فيها.

عبر التاريخ، هل كانت هناك مفاهيم منحرفة خارجة عن تلك المحددات؟ نعم، كان في [التاريخ ذلك]. وهؤلاء يذهبون يتصيدون كلمة هنا أو سطرًا هناك أو نصف سطر في كتاب، ويريدون أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها من هذه الفهوم التي رُدّ عليها والتي ذهب زمنها والتي راح ناسها والتي انتهينا منها والتي لم تُبنَ عليها الحضارة الإسلامية.

الحضارة الإسلامية بُنيت على محور النص وليس على الفهوم المنحرفة

لأن الحضارة الإسلامية بُنيت على محور وهو النص، ووضعت قواعد لفهم النص.

وهؤلاء الذين يذهبون فيأتون بكلمة مِن هنا وكلمة مِن هناك بطريقة تضحك منها الثكلى وتسقط منها الحبلى ويشيب منها الأقرع، هؤلاء الناس يهدمون ولا يبنون، وهؤلاء الناس أصحاب جهالة واسعة.

العلماء في بعض الأحيان لا يعرفون من أين يردون؛ لأنها جهالة طبقات بعضها فوق بعض.

[المذيع]: ويتصور البعض أنهم يعني انتصروا أو فازوا على العلماء.

[الشيخ]: نعم، يعني وجد [من يظن أنه وجد] التائهة وهي ليست تائهة ولم تكن تائهة، ولا أصلًا رجعت ولا شيء ارتدته ولا شيء، بل هي أصلًا كانت في البيت وليس هناك أي شيء من هذا القبيل.

تلخيص محورية النص الشريف في حضارة المسلمين وأبعاده الأربعة

أنا أريد فقط أن نضع للناس المحددات.

نقول: النص الشريف من القرآن والسُّنَّة هو محور حضارة المسلمين؛ منها ينطلق وإليها يرجع، وله الخدمة وبه التقويم.

إن محور الحضارة الإسلامية هو النص. النص منه ننطلق.

وله الخدمة وبه التقويم، وله المرجعية. ننطلق منه ونرجع إليه وبه التقويم ونقوم به ونخدمه. ها هي الحضارة الإسلامية بُنيت على ذلك ابتداءً من النحو والصرف وعلوم اللغة وانتهاءً بالطب والهندسة والفلك وغيرها إلى آخره.

كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور والمحددات الشرعية لفهم النص

يعني هم خدموا هذا لأنهم اعتبروا هذا كتاب الله المسطور وهذا كتاب الله المنظور، وقرأوا القراءتين: قراءة في كتاب الله المنظور، [وهو] الكون، وقراءة في كتاب الله المسطور، [وهو] الوحي من كتاب وسُنَّة.

فوضعوا محددات؛ هذه المحددات منها حجة السُّنَّة، ومنها حجة الإجماع، ومنها طريقة القياس الدقيقة التي وضعوها، ومنها الفهم للمفردات وللتراكيب وللسياق وللسباق وللعموم وللخصوص وللإجمال وللتفصيل وللبيان والإطلاق والتقييد، [هذه هي] أسس الفهم.

وأيضًا إدراك الواقع، وأيضًا كيفية الوصل بين هذا وذاك عن طريق المقاصد الشرعية المرعية، عن طريق الممارسة، وعن طريق المصالح، وعن طريق المآلات، وعن طريق الالتزام بهذه المحددات.

التراث الفقهي يبين المرونة في المناهج لا الجمود عند المسائل

كل هذا جعل الفهم سليمًا وواعيًا؛ راعى الزمان وراعى المكان وراعى الأشخاص وراعى الأحوال.

أصبح عندنا تراثٌ يبين لنا في مناهجه المرونة، ويبين لنا في مناهجه، ونقف مع مناهجه ولا نقف عند مسائله، ونُكمل في هذه المناهج، ولا نقف عند زمان أو مكان أو شخص أو غير ذلك من الأمور المحددة.

وهذه طريقة التعامل مع التراث: كل الاحترام والتقدير، كل الاستفادة، كل التطبيق بعد ذلك، وبعد أن نراعي ما أمرنا به التراث.

سؤال المذيع عن سبب وجود مسائل قابلة للفهم الخاطئ في كتب التراث

[المذيع]: فضيلة مولانا أجاب على السؤال الذي لم أطرحه، ولكنني سأطلب من فضيلته التوضيح أكثر وأكثر. دائما ما تقولون لنا كلمة مهمة جدًّا: الميثودولوچي أو المنهجية. يعني البعض يقول: لماذا هذا السطر الذي يمكن أن يأتي شخص ويضع يده عليه؟ لماذا هذه الكلمة موجودة في التراث؟ ولماذا لم يتم حذف هذه السطور وهذه المسألة التي تم فهمها بشكل خاطئ، ولكن كان الذي أفتى فيها عالِمُ من العلماءِ المعتبَرين؟ لماذا، لماذا جاءت كل هذه المسائل في هذه الكتب ونتوارث هذه الكتب في إطار ما نسميه بالتراث؟

الأمة الإسلامية أمة أمينة منهاجها العلم وليس التبديل والتغيير

[الشيخ]: لأننا أمة أمينة. نحن لسنا دجالين ولا لصوصًا ولا محرفين ولا مغيرين ومبدلين. نحن أمة أمينة، والأمة الأمينة منهجها العلم وليس التبديل والتغيير.

قصة رقصة الجوجو عند الكعبة ومنهج التعليم بدلاً من التحريف

عندما حججتُ بيت الله الحرام ونحن في القرن العشرين، وكان ذلك في سنة ألف وتسعمائة ستة وسبعين، فوجدت أناسًا من قبائل إفريقية موغلة في البدائية كأنهم يرقصون رقصة معينة حول الكعبة وهم يطوفون.

وبدأت في البحث عما هذا، فقالوا: هذه رقصة الجوجو.

قلت: وما الجوجو؟ قالوا: صنم يُعبد في هذه البلاد. وهؤلاء يقلدون هذا الحال عند الكعبة؛ لأنهم فهموا أن هذا بيت الله فيكون ربنا بداخله -على اعتقادهم- إذ ليس من المعقول أن يكون لديه بيت ويسكن خارجه مستأجرًا! هكذا تصورهم.

واختلاطهم مع الوثنيين مع قلة التعليم وندرة العلماء جعل هذا التصور تصورًا عاميًّا ساذجًا سوقيًّا شائعًا.

الرد على من يطالب بهدم الكعبة بسبب جهل بعض الأفراد

ماذا نفعل بهؤلاء؟ هذا الكلام كمثال لشخص يخرج ويقول لنا: ما فائدة أنه ما دامت الكعبة يُفعل عندها هكذا من نحو خمسة عشر شخصًا هكذا من القبائل، فلماذا لا تهدمونها وتلغون الحج؟

إنه رجل أحمق الذي يقول هذا الكلام. إننا نشيد بهذه العبارة وأمثالها، الحقيقة يعني فيه حماقة وليس فيه علم.

لا، هؤلاء نأتي بهم ونعلمهم ونفهمهم ونقول لهم إن هذا بيت الله (مضاف ومضاف إليه)، أضيفت كلمة البيت لله تعظيمًا؛ لأنه تُستجاب الدعوات في هذا المكان.

والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، والله سبحانه وتعالى منزّه عن هذه الأكوان وعن الحلول فيها والاتحاد. وأنتم لا ترقصوا ولا تعقدوا تشابهًا بينكم وبين جوجو ولا بين أيِّ أحد، نعلمهم.

حديث ذات أنواط ومنهج النبي ﷺ في تعليم حديثي العهد بالإسلام

هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له الأعراب: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؛ شجرة كانوا يجعلون عليها النياشين والأنواط وما شابه ذلك ويعبدونها ويقدسونها.

فقالوا له: يا رسول الله، ألا تجعل لنا واحدة جميلة مثل هذه نعبدها أيضًا ونقدسها ونسجد لها؟

قال رسول الله ﷺ: « اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً﴾ [الأعراف: 138]»

فقال لهم: لا إله إلا الله، وعلَّمهم أنه لا شريك له، وأمرهم أن اعبدوا الله. هؤلاء كانوا حديثي عهد بالإسلام، فخطر في أذهانهم أن الشجرة جميلة هكذا ومزينة هكذا، وأنه -على تصورهم- ما المانع أن نصنع واحدة مثلها؟

أثر المحاكاة في السلوك ومنهج النبي ﷺ في التعليم لا العقاب

كأنه يريد المحاكاة التي يسمونها في التسويق Demonstration effect (تأثير العرض التوضيحي)، يعني أثر المحاكاة؛ فأثر المحاكاة أثرهم في تفكيرهم.

فقابل ذلك رسول الله ﷺ بأنه علَّمهم، ولم يضربهم مثلا أو عاقبهم أو حتى يفعل أي شيء أبدًا.

قصة المرأة التي غنت للنبي ﷺ يوم العيد وتصحيحه لخطئها بلطف

فعلمهم بقوله «اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى»

كذلك المرأة التي كانت تضرب يديها على الطار (الدُّفّ) وهي فرحة في يوم عيد وجلست تغني، فالنبي أثناء دخوله البيت، فأول ما رأتْهُ -يعني أنت ترى النبي داخلًا، يعني شيء تقشعر له الأبدان- وكانوا يهابونه ويعظمونه ويحترمونه ويحبونه.

**فقالت: «وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ».

هو سمعها من الخارج، ليس فيها هذه العبارة. فلما رأته تريد ماذا؟ يعني تعطيه شيئًا خاصًّا هكذا، تحييه تحييه هكذا، فذهبت مخطئة هذا الخطأ: وأن لنا نبيًا يعلم ما في غدي.

فقال: ويحكِ يا امرأة، إن الله علَّام الغيوب، خوضي فيما كنت فيه تخوضين. ابقي فيما أنتِ فيه، ابقي في الأغنية التي كنت تغنينها، ما بها؟ علَّمها أنه ليس هناك داعٍ للغلو في الأوصاف الزائدة عن اللزوم.

منهج الأمة الأمينة هو التعليم وليس التحريف والتبديل

نحن منهجنا التعليم وليس منهجنا التحريف والتغيير والتبديل؛ لأننا أمة أمينة،

[المذيع]: دعاة لا قضاة. وهذا هو الفهم الحقيقي لعلمائنا الربانيين، فهم من الورثة المحمديين.

سؤال المذيع عن سبي النساء وعلاقته بالتراث الفقهي والقانون الدولي

واسمح لي أن أقف عند بعض الأمور التي نراها أحيانًا في بعض مَن يدّعون أنهم يتحدثون باسم الإسلام عن سبي النساء، ويجعلون أطرافًا أخرى تقول إن سبي النساء جاء من خلال فتوى علماء أفتوا بها عبر التاريخ.

[الشيخ]: الواقع كان هكذا، القانون الدولي كان هكذا، كل قانون حاكم للبشرية من مشرقها إلى مغربها كان يُقِرُّ نظامًا -والعياذ بالله تعالى- كان اسمه نظام الرق.

الإسلام ضيّق منابع الرق ووسّع مصارفه حتى اتفقت البشرية على إلغائه

عندما جاء الإسلام ونظَّم هذا النظام وقلَّل من موارده، فجعل الوارد قليلًا، بدرجة أن أبا حنيفة كان يريد جارية فبحث عنها بالشروط الشرعية عشرين سنة حتى وجد واحدة!

فكان الدين عندما جاء ضيَّق المنابع ووسَّع كثيرًا المصارف. وظل هذا الأمر إلى أن اتفقت البشرية كلها بما فيها المسلمون على إنهاء هذا النظام السيئ الذي تشوَّف الشرع إلى إلغائه.

لكن كون الإسلام أتى والبيوت مليئة بمثل هذا، ونفسية العبيد في هذا الزمان كانت تتحدث تناشد المجتمع: أأنتم ستتركوننا؟ مع مَن سنكون؟ نحن نحب أن نكون عبيدًا. وتحدث عنها الجاحظ -نفسية العبيد هذه- نفسية العبيد لا تريد أن يواجه ولا تريد أن يتحمل مسؤولية ولا مسؤولية نفسه.

الفرق بين مسائل الفقه ومناهج الفقه وخطأ الخلط بينهما

فالوضع اختلف، ولذلك فإن الأذى الذي يتسبب به هؤلاء وهم يقرؤون فلا يفهمون أنهم يخلطون بين مسائل الفقه وبين مناهج الفقه، ولو تم حل في أذهانهم هذا الإشكال لعرفوا مدى خطئهم.

بين المسائل والمناهج، إذ الفقهاء لهم مناهج رائقة فائقة سابقة، ولكن المسائل مرتبطة بأزمانها، مرتبطة بأهدافها، مرتبطة بمصالحها، مرتبطة بارتكاب أخف الضررين.

فعندما يجد أمامه أن دولة الإسلام تُضرب مِن كلِّ جهةٍ، فإنه يأمر بالدفاع عن النفس.

المسلمون لم يبدأوا عداءً مع أحد ولم يستعمروا بلادًا ولم يظلموا شعوبًا

فالمشركون واليهود اعتدوا علينا، وبعدهم الرومان والفرس اعتدوا علينا، وبعدهم الصليبيون والتتر اعتدوا علينا، وبعدهم الحركة الاستعمارية اعتدوا علينا.

ونحن كمسلمين ليس لدينا عداء مع أحد إطلاقًا، نحن لم نبدِ أي عداء تجاه أحد، نحن لم نفعل شيئًا على الإطلاق. لا استعمرنا بلادًا، ولا أبدنا شعوبًا، ولم نُهِن امرأة، ولا نقلنا الثروات إلى الحجاز حتى تصير جنات!

ظلت الحجاز أفقر بلاد الله إلى أن ظهر البترول سنة ألف وتسعمائة واثنى عشر. نحن ليس لدينا تفرقة عنصرية؛ أكثر من ألف سنة حكامنا كانوا عبيدنا، المماليك.

ألف سنة من حكم المماليك والعبيد للمسلمين حتى انتهاء نظام الرق

فكيف يصح التمسك بهذه الشبهات؟ وهكذا لفترة ألف سنة منذ زمن الإخشيد ومنذ زمن ابن طولون وحتى مراد باشا وإبراهيم باشا، وإلى أن دخلنا في المعاهدة عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين ميلادية وانتهت الحكاية [نظام الرق].

لكن ألف سنة هؤلاء كانوا حكامنا. أنا أريد أن أفهم، يعني أي مخ أو أي عقل يترك كلَّ هذه الحقائق الصارخة التي هي حقائق معيشة، يعني عشناها، ويقول الفقه الإسلامي فيه سبي ولذلك هو هذا سبب داعش!

داعش خلطت بين المسائل والمناهج ولو طبقت المناهج لاستقامت الأمور

[المذيع]: نعم، متصورون ما تفعله داعش والجماعات المتطرفة يعني من سبي النساء وقتل النساء.

[الشيخ]: هذا عبارة عن فهم للنص دون إدراك للواقع، فيكون هذا تطبيقًا للمسائل دون المناهج. ولو طبّق داعش المناهج دون المسائل لاستقامت الأمور، ولتحققت المصلحة، وتحققت المقاصد، وروعيت المآلات، وكان الوعي قبل السعي إلى آخره.

هذا ما يحدث في المسائل وفي المناهج؛ إذن لا بد من اتباع المناهج وسوف ترى؛ من ضمن المناهج تقول لك إنه لا بد من إدراك الواقع، ولابد من إدراك النص، ولا بد من إدراك كيفية الوصل بينهما.

تطبيق الشريعة يحتاج فهم النص وفهم الواقع وكيفية الوصل بينهما

يعني أنا عندما أطبق الشريعة أحتاج إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: فهم النص. والأمر الثاني: فهم الواقع. والأمر الثالث كيفية تطبيق هذا المطلق على ذلك النسبي.

لكن هذه السبهللة التي يتبعها تنظيم داعش، هذا من الجهل وليس من العلم، وذلك لأنهم خلطوا بين المسائل والمناهج. فجاء صاحبنا هذا الذي يتحدث ووقف مع داعش. أتعلم لماذا؟ لأنه لم يفرق هو أيضًا بين المسائل والمناهج.

لو كان هذا فهم، لكان قال لداعش: يا داعش، أنت أخطأت، وخطؤك هو عدم التفريق بين المسائل والمناهج. لكنه ذهب وقال: الفقه الإسلامي هو الذي أخطأ؛ لأن فيه مسائل!

مسألة الرق كانت جزءًا من القانون الدولي والنظام العام العالمي

من الطبيعي أن تكون هناك مسائل خاصة بواقعة ومختلف فيها. لا، حتى لو كان متفقًا عليها في وقتها.

لأن مسألة الرق هذه كانت متفقًا عليها. ولكن عندما اتُفق عليها حينئذٍ اتُفق عليها كجزء من القانون الدولي من النظام العام العالمي.

ولذلك هؤلاء الناس في الحقيقة يتكلمون بما لا يعلمون ولا يفهمون.

حديث النبي ﷺ عن فشو الكذب وسلب العقول في آخر الزمان

فهذا الكلام الكثير هو تصديق لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

عند تقارب الزمان: «ويفشو الكذب»

يفشو الكذب وينتشر بين الناس حتى يصدقوا. فقالوا له أو معهم عقولهم يومئذ يا رسول الله، وهل هناك أحد يُخيَّل إليه هكذا؟

قال ﷺ: «نعم، يومئذ يسلب الله عقول أهل هذا الزمان»

وهو الذي نحن فيه الآن. يكذب ويستمر في الكذب وهو نفسه لا يعرف ماذا يقول، وفي النهاية بعض الناس -يا حسرة عليهم- ينبهرون أو يتبعونه وراء هذه الحكاية.. إلخ.

خطورة الكلام عن سوق النخاسة وموقف مصر والمنطقة من فكر داعش

[المذيع]: يعني عندما يسمع الآخر أنه لو فتحنا أوروبا سيكون لدينا سوق للنخاسة، وهذه الكلمات التي لا تضر بالإسلام بشكل بسيط، ولكنها تضر بالإسلام بشكل أكبر.

[الشيخ]: ليستمع المستمعون: نحن أشد الأقوام -الجيش المصري والمنطقة الإسلامية والعربية- قد واجهنا داعش وفكر داعش وتصدينا لهما بالسلاح، قاومناها بالأفكار، حتى في حياتنا قاومناها بكل طريقة.

الحقيقة أن الذي أراد أن يستغل داعش ليس نحن، بل جهات معروفة مفهومة تنبئ عن أحوالها كل حين. فنحن -والحمد لله- قوّمنا هذا البلاء ولم يقف معنا الناس مواقف قوية.

فكر داعش المنحرف وأسباب انحرافه بين النص ومفهوم النص

فكر داعش هو فكر منحرف؛ لأنه خلط بين المسائل والمناهج، ولأنه خلط بين النص ومفهوم النص، ولأنه اشتغل بمفهوم النص دون محددات، ولأنه لم يدرك الواقع، ولا المآلات، ولا المقاصد، ولا المصالح، ولأنه فَقَدَ كيفية التطبيق بين المطلق والنسبي، ولأنه أفسد في الأرض ولم يعمِّرها كما أمرنا الله سبحانه وتعالى فكرًا وعملًا وقوةً وحربًا.

فنحن الذين دفعنا الفاتورة كلها لهؤلاء الناس، وأول من قتلوا قتلوا رؤساءنا وضربوا جيشنا واسْتُشِهد من أبنائنا مَن استشهد، وكل ذلك لمقاومة هذا البلاء والفكر المنحرف الذي تبين للعالمين الآن أنه أشد من مرض السرطان في جسم الإنسان.

فهم المنهجية يؤكد أن الإسلام صالح ومصلح لكل زمان ومكان

[المذيع]: إذَا فهمنا هذه المنهجية وليس الوقوف عند المسائل، نفهم أكثر وأكثر أن الإسلام صالح ومصلح لكل زمان ومكان وليس لفترة ما أو لزمن ما.

[الشيخ]: نحن سعداء به، نحن نحيا حياة سعيدة بالإسلام فرحين به، نحن فرحون به وفرحون بما مَنَّ الله علينا به من نِعَم، وهذه الفرحة يشعر بها من عاش في بلاد غير المسلمين.

الآن المسائل أصبحت غاية في الترابية الحيوانية من نواحي التفلت، ومن نواحي تغييب العقل، ومن نواحي تشيؤ الإنسان وتحويله إلى شيء، ومن نواحي استغلال المرأة تحت عنوان الحرية، ومن نواحي الاستخفاف بالإنسانية والاستخفاف بحقوق الإنسان والخلط في ذلك كله.

الإسلام هو المنجى والملجأ لكل البشرية إذا أرادت العودة إلى وعيها

فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فـالإسلام كان ولا يزال وسيبقى إن شاء الله هو المنجى والملجأ لكلِّ البشرية أن تلجأ إليه إذا أرادت أن تعود إلى وعيها أو تعود إلى هُويتها وأمنها.

سؤال المذيع عن مفهوم الخلافة والجماعات التي تزعم إعادتها

[المذيع]: دائمًا أيضًا يقفون عند مصطلح الخلافة، وأن الخلافة حينما انتهت تحولت إلى جماعات تحاول أن تؤدي نفس الدور وتزعم أنها سوف تصل إلى هذا المفهوم.

[الشيخ]: نحن كما قلنا النص هو محور حضارتنا؛ فإذا جاء ورأينا أن الخلافة قد انتهت في السادس من مارس سنة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين على يد كمال أتاتورك عندما أخرج تركيا من العالم الإسلامي، فذهبت آخر خلافة للمسلمين في الأرض وهي خلافة الدولة العثمانية.

عندما نفعل ذلك نذهب مباشرة إلى رسول الله، ونذهب إلى القرآن؛ لأن النص هو المرجع.

حديث النبي ﷺ عن لزوم الإمام وحالة انعدام الخلافة

فحينما ذهبنا إلى رسول الله قال:

قال رسول الله ﷺ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ -أي الرواي-: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ»»

هذه رواية البخاري، وعند الإمام أحمد:

**«إِنْ كَانَ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَالْزَمْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ».

فلما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نصحنا بهذه الحالة الفريدة التي لم يمر بها العالم الإسلامي من قبل.

استمرار الخلافة من أبي بكر إلى سقوط الدولة العثمانية وحالة انعدام الخليفة

فمنذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن انتقل إلى الرفيق الأعلى تولى أبو بكر الخلافة، وتولى قواد المسلمين الخلافة إلى محمد رشاد الذي أطاح به كمال أتاتورك ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين ميلادية.

حالة فريدة أن يكون ليس هناك خليفة. فماذا قال لنا رسول الله؟ قال لنا: فالهرب الهرب. لم يقل: كوّنوا سنة ثمانية وعشرين [أي عام 1928] جماعة الإخوان المنحلة الفاسقة. لم يقل لنا هكذا.

خالفوه ورأوا في أنفسهم حولًا وقوة، فلم يمكنهم الله. والله سبحانه وتعالى يمكن لعباده المؤمنين، لكنه لم يمكن للإخوان. لماذا؟ لأنهم أرادوا الملك، والله هو الذي يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممن يشاء كما جاء في نص القرآن الكريم.

الإخوان اتبعوا مسائل التراث لا مناهجه ووصف النبي ﷺ لحالة انعدام الخلافة

قالوا أبدًا وبدأوا في مسائل التراث لا مناهج التراث. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصف وصفًا دقيقًا بانعدام الخلافة، وحينئذٍ نرفع أيدينا ونتركها لله؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينشر الإسلام.

أتعرف السَّنَة التي كانت الدنمارك تشتم فيها سيدنا رسول الله ﷺ؟ اعتنق ستة وخمسون شخصًا الإسلام بعد هذه الحادثة في الأزهر في هذه السَّنَة فقط من أجل الإسلام.

ولا علاقة بين الأمرين، هذا من فعل الله، فقد كنا نسير بشكل جيد جدًّا حتى الحادي عشر من سبتمبر، فهجم علينا العالم بهذه الطريقة الغبية التي تتخيل الواقع على غير حقيقته.

المليارات التي أُنفقت على الفتن بين المسلمين ومرجعية النص في حالة غياب الخليفة

كم من المليارات أُنفقت في داعش هذه أو فيما حدث في العراق أو سوريا أو السودان أو ليبيا أو اليمن الآن؟ كم من المليارات أُنفقت، وكلها من أجل هذه الفتن، وكلها بين المسلمين والمسلمين.

إذن نحن نذهب إلى رسول الله، ماذا قال رسول الله؟ قال عندما لا تجد الخليفة: الهرب الهرب. حسنًا، وعندما لا تجد الخليفة وتجد الإمام فعليك بالإمام، لنفترض أن الإمام نفسه لم يعد موجودًا، فعليك أن تعتزل إذن. انتهى الأمر.

هذه هي السُّنَّة وهذه هي مرجعية النص. لم يقل لي أن أصنع داعش، أو أحارب، أو أجمع، أو أسوي، أو أرجع الخلافة، أو أفرض، أو أعرف.

مخالفة هؤلاء لسنة النبي ﷺ وخروجهم عن الحكم الشرعي

لو كان [رسول الله ﷺ] قال ذلك لوفقنا الله من أقرب طريق، لكنه لم يقل. إنما قال لنا شيئًا فعصاه هؤلاء الأوباش. خالفوا سُنّة نبيهم وخرجوا عن الحكم الشرعي.

[المذيع]: إذن، نحن كما يشير مولانا الإمام بين أعداء وأدعياء، ونصطلي نحن بنارهم.

سؤال المذيع عن الخلافات التاريخية بين المسلمين واعتبارها صورة من الإرهاب

[المذيع]: هناك بعض المشاهد في تاريخنا يثيرها المشككون وهي خلافات حصلت بين المسلمين والمسلمين على أن هذه المسائل والخلافات كانت صراعات. ولماذا تحدث هذه الصراعات في التاريخ الإسلامي ما دام الإسلام جاء ليهذب هذه الشخصية ويبني هذه الشخصية؟ واعتبروا هذه الخلافات من صور الإرهاب ومن الصور التي تورث التطرف.

الإسلام نموذج وكلمة نهائية وليس مأخوذًا من تصرفات أحد

[الشيخ]: الإسلام جاء كنموذج وككلمة نهائية، والإسلام ليس مأخوذًا من تصرفات أحد. الإسلام جاء في الكتاب والسُّنَّة.

ولما جعل المسلمون الكتاب والسُّنَّة المحور ولم تكن لهم علاقة بالأحداث المتتالية؛ لأن هذا الملك أو هذا السلطان أو هذا الحاكم أو هذا الوالي أو هذا الأمير أو نحو ذلك أصلًا لم يكن يعلم الإسلام عِلمًا كعلم المجتهدين الذين علموا الإسلام عِلم المجتهدين.

الخلفاء الراشدون فهموا فهمًا عميقًا وضرب الله بهم المثل للأمة

كانوا كبارًا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهؤلاء فهموا فهمًا عميقًا ما الذي يحدث، وضرب الله لنا بهم المثل.

فسيدنا عمر مثلًا قتله مجوسي، وهذا قدرٌ. فما الذي صنعه المسلمون من أجل هذا القتل أو نحو ذلك؟ حوكم القاتل وصدر عليه حكم قضائي وما إلى ذلك.

وتولى من بعده بطريقة تنظيمية دستورية، فتولى عثمان بالرغم من أن عليًّا كان أكثر من وَرَدَ فيه فضائلُ عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

مقتل عثمان وعلي على يد الخوارج كمثال للتعامل مع داعش والتطرف

وعثمانُ عندما يُُقتَل من الخوارج فهذا مثالٌ لنا كيف نتعامل مع داعش ومع غير داعش؟ والإمام عليٌّ عندما يُقتل من الخوارج فهذا مثالٌ لنا على ما يحدث في مسألة مهمة، هي:

هل نتبنى أهل الثقة أو نتبنى أهل الخبرة؟ هل نصدر المسائل الشخصية أم نصدر المصالح المرعية؟ هناك أشياء كثيرة جدًّا للاستفادة لمن أراد أن يستفيد.

أما من أراد أن يتكلم ويهرف بما لا يعرف فهذا شأنه مع نفسه.

التاريخ الإسلامي بُني على محور النص وليس على تصرفات الحكام

أما التاريخ الإسلامي فقد بُني على محور لم تكن منه تصرفات الناس سواء صحت أم أخطأت؛ لأنه وبه التقويم.

هم ليسوا أهلًا للتقويم. أنهم يقولون هؤلاء عملوا وصنعوا وتركوا وكان هناك صراعات وكان هناك معارك وكان هناك قتل. لا، إننا لا ندعو إلى يوتوبيا [مدينة فاضلة مثالية]، هذه الصراعات ليست مثالية أبدًا.

الصراعات موجودة في كل الحضارات لأنها طبيعة بشرية والإسلام أداة التقويم

هذه الصراعات موجودة في العالم كله؛ موجودة في إمبراطورية الصين كما أنها موجودة في أمريكا، موجودة في إسبانيا عند فرديناندو وموجودة في جنوب أفريقيا، صراعات دائمة بين المصالح والمبادئ، وهي موجودة عند المسلمين أيضًا.

فهي موجودة لأننا بشر، وليس لأننا مسلمون أو غير مسلمين، وهي موجودة لأن هذا هو جريان الحياة.

ولكن الإسلام شيء يُقوَّم به أي فعل من هذه الأفعال؛ مثل القتل، ومثل انتهاك حقوق الإنسان، ومثل الظلم، أو مثل العدل، تقويمه بالإسلام.

آية العدل أساس التقويم والفرق بين عدل الحاكم وظلمه

عندما يأتي الإسلام ويقول:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

فهذا هو الأساس الذي أُقوِّم به. أما كون الحاكم أصبح عادلًا أو ظالمًا فهذه قضية ترجع إلى مسألة أخرى.

الإمام النووي ينتقد الظاهر بيبرس لأن محوره كان النص لا فعل الحاكم

ولذلك ظل الفقه، وظل الإمام النووي وهو ينتقد الظاهر بيبرس، الحاكم المنتصر الذي دافع عن الإسلام وصدَّ التتار صدًّا شديدًا. فيؤنبه الإمام النووي حتى قال بيبرس عندما قال: أحضِروا لي هذا الرجل لأرى ماذا نفعل به؟

فذهب إليه الإمام النووي، فقال له: تفضل يا مولانا مع السلامة. فقالوا له: كنت تقول: أحضِرْه لنجلده أو نضربه أو نفعل به كذا. قال: والله رأيتُ فوق رأسه فحل إبل يكاد يلتقمني.

لماذا كان هؤلاء الناس منفصلة هكذا؟ هل من أجل الكرامات فقط؟ لا، لأن محوره كان النص ولم يكن فعل بيبرس، ولم يكن في انتصاره على التتار وهو أمر حسن.

ظلم بيبرس في المكوس والضرائب والفرق بين الدولة القديمة والحديثة

أو في ظلمه للناس، والضرائب والمكوس التي كان يفرضها عليهم وهو أمر ينافي العدالة؛ لأنه كانوا يجمعون هذه المكوس لأنفسهم لكي يشتري جواري وعبيدًا ويبني قصورًا، ليس للدولة.

هذا ليس كالدولة الحديثة التي تأخذ الضرائب وتوجهها للتعليم والصحة والمرافق.. إلخ، لم تكن كذلك، فهذه الدولة الحديثة، هي دولة عمر بن الخطاب.

إذن فأنا أمام تاريخ جعل النص محورًا له ولم يجعل الأحداث هي المحور.

أزمة المنتقدين ليست مع المسلمين بل مع الله والتكليف الشرعي

فيأتي من يترك النص، ويجعل المحور هو الأحداث.

[المذيع]: لماذا يقدح في النص؟ هل عنده أزمة مع الإسلام؟

[الشيخ]: نعم، عنده أزمة مع الإسلام.

إنه في أزمة مع الله. هو لا يريد التكليف. هو يريد أن يذهب ويشرب الخمر، يريد أنه لا يترك أنثى إلا وتحرش بها، يريد أن يعيش حياته كما يشاء، يريد أن يكون منطلقًا حرًّا.

لكنك تقول له: افعل ولا تفعل، وافعل ولا تفعل شيء مؤلم بالنسبة إليه وشيء مقيِّد بالنسبة إليه، وهو لا يرضى بهذا التقييد. فالمشكلة بينه وبين الله، ليست بينه وبين الإسلام ولا بينه وبين المسلمين. هذه المشاكل بينه وبين الله.

التسلسل المنطقي للإلحاد من رفض التكليف إلى إنكار وجود الرب

ومن هنا وحتى يطمئن ويرى، فلا بد أنه يقول: إذن فالمسلمون على خطأ، إذا صحت مقولة "المسلمون على خطأ"، إذن الإسلام على خطأ. حسنًا، الإسلام على خطأ. وهكذا يكون إذن لا يوجد رب.

وهكذا قصة سخيفة موجودة عبر التاريخ لكنها مكشوفة. فنحن نقول لهم: يا إخواننا هذه مكشوفة. فيقولون لنا: لا، لا أحد يعرف. فهل يوجد من يقرأ؟ والشباب لا يقرأون.

فنحن نحاول لكي نُرضي أنفسنا ولكي يكون الشباب معنا، ولكي نعيش معًا سواء في "جهنم"، أن نفعل نفس ما فُعِل في القرون الماضية.

تكرار نفس الأخطاء عبر العصور وأثر وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيمها

يعيدونه هو هو بغفلة شديدة، يعيدونه بنفس الطريقة.

[المذيع]: يعيدونه بنفس الطريقة ويحصلون على نفس النتيجة، النتائج واحدة في كلِّ عصرٍ.

[الشيخ]: في كل عصر تكون له مقتضيات تجعل تأثيره مختلفًا. لم تكن هناك وسائل التواصل الاجتماعي ولم تكن الاتصالات والمواصلات والتقنيات حتى عام ألف وتسعمائة وثلاثين كانت محدودة.

لكن بعد ذلك مع هذا الخضم الهائل من التواصل الاجتماعي أصبح هناك أشرس وأخطر وأكثر شيوعًا؛ لأن الذي يسمع هذا لا يسمع ذاك، والذي يتأمل هنا، ولا يوجد وقت للتفكير والتدبر. فسبق النشاطُ الفكرةَ، وهذه مصيبة كبرى من المصائب التي نبهنا إليها.

خاتمة الحلقة والتأكيد على أهمية الوعي قبل السعي

[المذيع]: ولكن صاحب الفضيلة دائمًا يضع -كما يضع الأكابر دائمًا- الوعي قبل السعي.

شكر الله لكم مولانا الإمام، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. نلتقي دائمًا على خير، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.