والله أعلم| الدكتور علي جمعة يرد على ادعاءات ارتباط الفكر الإرهابي بكتب التراث| الحلقة الكاملة

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يرد على ادعاءات ارتباط الفكر الإرهابي بكتب التراث| الحلقة الكاملة - والله أعلم
المذيع/ حسن الشاذلي: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. أهلاً بكم في "والله أعلم". يتجدد اللقاء دائماً مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام أهلاً بفضيلتكم، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، مرحباً. المذيع: إسمح لي مولانا، قضية التراث التي تشغل بال الكثيرين وتحديداً حول المتطرفون الذين يدّعون دائماً أن كل ما يفعلونه موجود في كتب التراث. الباب الذي يُفتح من جانب آخر حول من يشن حرباً شرسة
على التراث، بإعلان القطيعة معه. لماذا يُصر المتطرفون دائماً على أن كل ما يفعلونه موجود في التراث؟ وأنهم يستندون إلى هذه النصوص الموجودة في هذه الكتب؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كلمة تراث في اللغة العربية أتت من ورث، ولذلك هي من الكلمات التي انقلبت فيها الواو تاءً عندما وقعت في أول الكلام، مثل وجه ومنها وجاه فجاء منها تجاه، أي وجه، أي شيء في وجهه شيء، ومنها ورِاث، جاء منها تراث. فمعنى التراث أنه شيء قد نُقِل إلينا من الماضي، من قَبل. عندما نذهب
إلى هذا التراث الذي نُقِل إلينا، نجد أن منه نصوصاً مقدسة هي هوية الإسلام، مثل الكتاب والسنة. في دين الإسلام، أي الكتاب والسنة هما مصدر الإسلام وهما التراث المقدس الذي لا يستطيع المسلم أن يكون مسلماً إلا بهما، وهناك فهم لهذه النصوص، هذا الفهم تم من جيل الصحابة وجيل التابعين وجيل تابعي التابعين والأئمة المتبوعين، وبُذِل مجهود كبير في نقله وفي فهمه وفي الحفاظ عليه أظن أنه لم يكن إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى حيث تعهد
بحفظ المقدس فقال "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ" [الحجر: ٩] وأصبح عندنا قسمان في التراث الإسلامي، قسم مقدس وقسم هو فهم لهذا المقدس. هذا الفهم يرتبط بالنسبي؛ لأن من فهم يعيش في زمان، ويعيش في سقف معرفي معين، وله نموذج معرفي معين، وبالتالي يعيش في عصر له أهدافه وأدواته ونظامه العام وقواعده. فهو يفهم النص من خلال هذه المعطيات حتى يحقق الغاية التي تغياها الله من خلق عباده لعبادة الله، من عمارة الأرض، أيضا من تزكية النفس، من
الحفاظ على النفس البشرية، على العقل الإنساني، على كرامة الإنسان، على دين الإنسان، على ملك الإنسان، ولذلك، فهناك ما يسمى بالمقاصد الشرعية وهناك ما يسمى بالمصالح المرعية وهناك ما يسمى بالمآلات المعتبرة ومن خلال كل هذه العناصر استطاع هؤلاء الأكابر، بواسطة اللغة وبواسطة العقيدة وبواسطة الفقه وبواسطة هوية الإسلام المنقولة وبواسطة العبادة وبرامج العبادة التي وضعها الأكابر من خلال الكتاب والسنة. طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، استطاعوا من مجموع هذه العلوم ومن هذه الخبرات ومن هذه السقوف المعرفية أن ينتجوا لنا نتاجًا
يسمى بالتراث غير المقدس، وهو عبارة عن عقائد وأفكار وأخلاق صاغها الأولون، "كالإمام الشافعي" "والإمام مالك" "والإمام أبي حنيفة" "الإمام الأوزاعي" كذلك "الطبراني" و "البخاري" و"مسلم" وغير أولئك كثيرون. عدد الرواة من الصحابة ألف وسبعمائة، ويتراوح عدد الرواة من التابعين ثلاثة آلاف راوٍ، عدد الرواة من تابعي التابعين ستة آلاف، وعدد الرواة من طبقة الأئمة المتبوعين حوالي عشرة آلاف. المجموع كل الرواة الذي في الأسانيد التي عندنا، عشرون ألف شخص من هؤلاء، أي من حملوا العلم. "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، هذا التراث عندما وصل إلينا وقرأناه ودرسناه وجلسنا
بقواعده، اكتشفنا فيه كثيراً من المهمات التي يجب على الجميع أن يلتفت إليها عندما يتلقى العلم من أهله، عندما يتلقى العلم من الراسخين في العلم، عندما يتلقى العلم في معاهد مثل الأزهر الشريف أو الزيتونة أو نحوها من الشرق أو الغرب من مدارس العلم العريقة العميقة، ما هذه الحقيقة؟ أن هناك فارقاً كبيراً بين المقدس لأنه نص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبين فهم المقدس الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. هناك فرق بين المطلق والنسبي، وهى بهذه العوامل الأربعة: اختلاف الزمان يؤدي إلى اختلاف الفهم، واختلاف
المكان يؤدي إلى اختلاف الفهم، واختلاف المصالح أى الأحوال يؤدي إلى اختلاف الفهم، وكذلك اختلاف أحوال الأشخاص يؤدي إلى اختلاف الفهم، وذلك ابتغاء ماذا؟ ابتغاء أن نحقق مراد الله من هذا الكلام. (المذيع متسائلا): إذاً هذه هى الجهات الأربعة؟ (الشيخ): التي يجب أن ندركها ما بين المطلق والنسبي. إذن، أنا عندي مقدس وغير مقدس. والحقيقة الثانية، الأمر المهم الثاني، هو أن غير المقدس منه ما هو مناهج عليا للتفكير. يقول لك، تحقيق المناط تنقيح المناط أى عملية تسمى بعملية التجريد؛ ثم عملية الجمع؛ ثم عملية الأشباه والنظائر؛ ثم عملية "التقعيد [أي نصيّر المسألة قاعدة]" ويلتفت إلى
ماهية الفكر وكيف نتلقى ثم كيف نفهم ثم كيف نحفظ ( يشير الشيخ بإصبعه على رأسه في حركات دائرية ليشرح خطوات الفكر) ثم كيف نسترجع ثم كيف نربط المعلومات ثم كيف نؤدي ثم كيف. إذن، هذا علم أصبح وله علماء لأنه في كل مرحلة من هذه المراحل حذر من الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها فيشتبه علينا. بَيّن أمور لا يلتفت إليها الإنسان وهو في حالة تفكير سطحي، لكنه يلتفت إليها عندما يكون في حالة تفكير عميق. وأمور لا يلتفت إليها الإنسان عندما يكون تفكيره مجرداً لكنه يلتفت إليها عندما يكون تفكيره مستنيراً ليس مجرداً فقط وإنما فيه تطبيق، وفيه غاية يسعى
إليها، والغاية هو الله. فأصبح التراث غير المقدس هذا منه مناهج ومنه مسائل. المذيع: بماذا نأخذ وماذا نترك؟ الشيخ: نترك المسائل لأنها مسائل تتعلق بالزمان، فإذا تغير حولنا ما يقتضي أن يتغير من المسائل، غيّرناها وكنا بذلك متبعين للسلف الصالح، وكنا بذلك نعيش حياتهم ولا نقف عند زمانهم. إذن، المسائل قابلة للتغيير. أم لابد أن تتغير كلها؟ لا أبداً، لأن البشرية لم تتغير كلها. إن الذي تغير عندنا هو برنامج يومي تغيرت ملامحه، فتتغير الأمور بقدر هذا التغير
وما الذي غيّر الملامح؟ ثلاثة أشياء: الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة. سيدنا عمر وهو يستيقظ من النوم، فإذا ما زالت البشرية تنام وتستيقظ، فاستيقظ مع الفجر، فذهب فتوضأ بالماء. ما زالت البشرية محتاجة إلى الماء إلى الآن في طهاراتها وفي حياتها، وما زال أن الله قد أحوج إلى الماء كل شيءٌ حيٌّ. وبعد ذلك، ذهب ليصلي في المسجد، فما زالت الصلاة تُقام في المسجد، هل تلاحظ؟ وما زلنا نبني المساجد، وما زال المؤذن يؤذن في مشارق الأرض ومغاربها من واشنطن إلى طوكيو، لم يحدث شيء. كان عندما يأتي عليه رمضان يصومه، وما زال رمضان يأتي، رمضان لم يذهب، والزمن لم يختلف أقول لك هذا الكلام: إنه كان
يحب أن يسافر من مكة إلى المدينة فيستغرق خمسة عشر يوماً، أما اليوم فأنا أسافر من مكة إلى المدينة وأستغرق ثلاث ساعات أو أربع ساعات أو ساعتين عندما تكون بالطائرة، والله أعلم غداً إن كنا سنستطيع أن نقطع المسافة في وقت أقل، لكنها مسافة أربعمائة كيلو معروفة منذ ذلك الوقت وهي أربعمائة كيلومتر، لم يغيروا المسافات، أي إنها أربعمائة كيلومتر في أيام النبي وهي أربعمائة كيلومتر الآن، المذيع: لكن ما هي الآلية المتبعة؟ الشيخ: أين الزمن؟ الزمن، أتذكر عندما أوصلت والدي ووالدتي للحج، وكنا في سنة ألف وتسعمائة واثنين وسبعين، فرجعت إلى بيتنا، كنا في الدقى، نسكن في الدقى، وهم قد وصلوا إلى جدة فاتصلوا بي في البيت فلم يجدوني لأنهم وصلوا
قبلي، فهذا الأمر لم يكن موجوداً في عهد سيدنا عمر. حسناً، وماذا فعلت هذه؟ لا، تغيّر الأمر. كان لدينا مؤرخ عظيم اسمه "إلياس الأيوبي" ألّف كتاباً اسمه [عهد الخديوي إسماعيل] ، في مجلدين كبيرين، اقرأ ما الذي حدث في عهد الخديوي إسماعيل، تغيير تام في البرنامج اليومي. المذيع: إذن، علينا أن ننتبه لكلمة البرنامج اليومي وما تغير فيه. الشيخ: نعم، الرجل الغني ينام بعد العشاء لأن الكهرباء لم تدخل بعد، وعندما ينام بعد العشاء ويرتاح هكذا، يستيقظ قبل الفجر. قليلاً لكي يصلي قيام الليل ثم يذهب إلى المسجد ليصلي الفجر ثم كذا وكذا. عندما دخلت الكهرباء دخلت معها دار الأوبرا، فأصبح يسهر حتى الساعة الواحدة والثانية فجرا، لكي يشاهد أوبرا عايدة في
دار الأوبرا. حين يعود هذا الغني إلى منزله، بالتالي يكون السائق مستيقظاً والحارس والبواب متيقظين. أيضا، الخادم الذي في داخل البيت مستيقظاً لكي يطعم سيده قبل أن ينام. ترتب على ذلك، الغني إستغرق في النوم ولم يستيقظ لصلاة الفجر، فمتى إستيقظ؟ في أي ساعة؟ استيقظ الساعة الحادية عشرة والنصف. كان في السابق يستيقظ لصلاة الفجر ويتناول قهوته وفطوره وأشياء أخرى. إذن، تغير البرنامج اليومي للناس واستمر في التغير حتى وصول الاحتلال الإنجليزي. عندما دخل الاحتلال، أربك لنا الحياة حتى المقاييس حتى طريقة الملبس وظللنا هكذا حتى المصيبة التي حدثت من اعتداء المحتل علينا في سنة تسعة عشر، كل هذا غير البرنامج اليومى. وأدرك المسلمون بعد ذلك كيف يتوائمون مع البرنامج الجديد، فرجع الإسلام
كشبابه الأول. سبحان الله! والناس مستغربة: كيف يرجع الإسلام هكذا؟ يرجع لأنه قادر على البقاء في كل حالة، لأن المنهج مطلق، ولأننا لا نقف عند المسائل ونتمسك بها، ولذلك فهذا غير المقدس نأخذ منه مناهجه ونترك مسائله. المذيع: إذًا سنتعرف بعد الفاصل على حقيقة ما يدّعيه المتطرفون، أن التراث يشجعهم على ذلك فاصل ونعود إليكم ابقوا معنا. أهلا بحضراتكم. مولانا الإمام، اذن حدث ما يسمى إستلاب المصطلح
[أي اختطاف المصطلح واحتلاله وإختلاله] من خلال فهم ما يسمونه بالسلفية، وأنهم يتبعون السلف، وأن ما جاء من خلال السلف ومن كتب التراث، يشجع على ما يقومون به من أفعال تبدأ بالتكفير وتنتهي بالتفجير والقتل. حسناً، في هذه الحالة كيف نفهم هذا الفهم الخاطئ؟ كيف أصبحت. الشيخ: إن العملية أوضح من الواضحات وأجلى من البينات وذكرناها مراراً وتكراراً في الحقيقة أنهم يريدون سحب زمن السلف على زمننا، يريدون أن يمسكوا بالزمن الذي عاش فيه السلف ويحضرونه هنا، ما الذي يميز زمن السلف؟ لم تكن فيه مواصلات، فالسلفية أصلاً لا يريدون المواصلات ولا التقنيات ولا أي شيء. وكان هناك شخص يؤلف في هذه
الأمور بوضوح، كان اسمه "الشيخ حمود التويجري"، وهذا الشيخ حمود التويجري، كان يُعظّمه السلفيون جداً، وكان رجلاً تاجراً وقد درس العلم على "بن عتيق" في نجد، وأساسًا كان حنبلي المذهب. ولكن كانت القصة بالنسبة إليه غريبة، فهو يريد أن يعيش حياة السلف بمعنى زمانهم، فكان يحرم ارتداء الساعة وكان يحرم ارتداء العساكر للقبعة . وكان يحرم ويقول بأن الأرض كرة ولكنها لا تدور وأن دوران الأرض هذا مخالف للقرآن الكريم لقوله تعالى " وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ" [يس: ٣٨]
وكان يُحرِّم استعمال الملعقة في الأكل، فلا بد أن تأكل بخمسة، وهي الأصابع الخمسة وأن وتأكل بيدك. ويُحرِّم كذلك، وكان في البداية تمامًا يُحرِّم السيارات، وكان بعض أصحاب هذا التوجه كانوا يُحرِّمون الميكروفون، وكانوا يُحرِّمون أيضًا المنبه والمذياع، كل هذا حرموه. وبدأ الشيخ حمود رحمه الله تعالى يصطدم بأن الواقع يتغير، فبدأ يستعمل الساعة لكنه يضعها في جيبه ويخفيها، يخرجها لينظر كم الوقت ثم
يعيدها، وبدأ يركب السيارة لكنه لم يستطع إزالة المذياع منها فلا يستعمله ولا يفتح ذلك الجهاز. وعندما جاء ابن من أبنائه ليتزوج، إشترط أهل العروس عليه أنه يجب أن يكون المذياع في المنزل، فسمح به لكنه لم يسمح بالتلفاز. بمعنى هل تلاحظ أنه قتال في غير معركة، من سُلَم إلى سُلَم. هذا وله كتب [التبيين في موافقة المسلمين لكثير من الكفار المشركين]، وفيه أن المسلمين أصبحوا يأكلون بالملعقة وأنهم يركبون الطائرة وأنهم إلى آخره، لا تتعجب من هذا إن هذه كانت هى العقلية
السائدة التي تولدت منها هذه الجماعات. الجماعة السلفية في مصر يتعجبون كثيراً لأنهم لم يقرؤوا، ولأنهم لم يشاهدوا، ولأنهم لم يسافروا، ولم يذهبوا، المذيع: إذن ما الذي حدث لهم؟ ما الذي إعترى تفكيرهم؟ أو رسَّخ هذا التفكير في عقولهم؟ الشيخ: الذين رسَّخ هذا التفكير في عقولهم، أنه دخل إليهم من قبيل أمرين: التوحيد المثلث أن في ألوهية وربوبية وصفات، والمال، وأنه لا بد أن نحرر الناس من الشرك لأنه مادام هناك توحيد مثلث، فإن المسلمين كلهم مشركون.فلو قال واحد والنبي يصبح مشركاً. شخصٌ زار سيدنا الحسين يصبح مشركاً. المذيع: هذه هي الأبجدية التي تحدثتَ عنها فضيلتك. الشيخ: فبه يسهّل على الإنسان التكفير، لكن الواقع مختلف عن ذلك. الواقع أنك أنت أيها
السلفي تريد أن، أنك غير قادر نفسياً أن تعيش في مجتمع فيه سيارة ولا طائرة ولا أشياء أخرى. بالرغم من أنهم قد دخلوا في هذه الأمور واشتغلوا في الإنترنت وما شابه، بالرغم من أن هذا ضد المبدأ الأول، لكنهم تطوروا وخطوا خطوة تغافلوا فيها عن كتب الشيخ حمود التويجري، وانتقلوا إلى مرحلة "بن باز"، ومن مرحلة ابن باز انتقلوا إلى مرحلة "بن عثيمين"، ومن مرحلة ابن عثيمين انتقلوا الآن الى مرحلة جديدة يجوز فيها للمرأة أن تقود السيارة، ويجوز فيها ما غير ذلك. هؤلاء الناس كانوا أناساً طيبين متدينين، وأناساً قد يكونوا عاشوا على ما تربوا عليه. بمعنى أن الناس تربت على شيء فتريد الاستمرار عليه. أنا لا أقول لك إنه يجب
عليك أن تخرج مما تربيت فيه أبداً، لكن أقول لك لا تضيق على المسلمين واسعاً، فأنت يا سيدي الفاضل بدلاً من أن تجعلها قضايا وتُشغل بال الناس، ما رأيك أن تعتزل في الجبل؟ والحديث في "البخاري" يؤيدك في هذا: "خير مال المرء غنيمات يتتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن". ألا ترى أن التلفاز فتنة، وأن المذياع فتنة، وأن هذا كله فتن؟ فلم لا تنسحب هكذا بهدوء وتنعزل عن هذا الأمر كله وتعيش حياتك. حينئذ فماذا نسمي هذا في أدبياتنا؟ الخصوصية. هذه العزلة تكون خصوصية وتفعل ما تشاء، المذيع: تصبح خاصة بك أنت. الشيخ: أنا أريد أن أعيش هكذا. عش هكذا لكنك
الآن لا تعيش هكذا، أنت تدعو الناس. أنت تتناقض مع نفسك، أنت تريد سحب الزمان وليس سحب المناهج. أنت لا تريدني أن أكون صاحب منهج الشافعي، بل تريد أن ألبس مثل الشافعي، وآكل مثل الشافعي، وأتعالج مثل الشافعي، وهذا سيؤدي إلى الهلاك وليس إلى التقدم. الإمام مسلم توفي بسبب أنه ظل يأكل التمر وهو يبحث عن بعض الأحاديث فأدى إلى ارتفاع نسبة السكر بالدم، لكننا الآن في وضع تأخذ فيه حقنة هكذا وتنتهي هذه المسألة. الإمام الشافعي توفي بسبب البواسير، لم يستطع أحد إجراء عملية البواسير أو الناسور له، وهي عملية تُجرى في عشر دقائق وتعد من أبسط العمليات، ولكن لم يحدث ذلك، هكذا قدّر الله.
كان السقف المعرفي محدوداً، فنزف الامام الشافعي فمات الإمام النووي مات وعنده خمسة وأربعون سنة، فكل عصر له مقتضياته. هذا لا يجعلنا أن نقف من التراث موقف أن نرميه أو نتعالى عليه أو ما شابه ذلك. لا، نحن موقفنا من التراث واضح: أننا ندرسه دراسة عميقة حتى نستنبط منه المناهج ولا نقف عند المسائل. معنى لا نقف عند المسائل، أي أن المسائل الموجودة في الفقه في التراث، وهي مليون ومائتا ألف مسألة. يمكنني أن أقلد مليون مسألة. المذيع: ماذا يعني التقليد يا مولانا؟ الشيخ: أي عندما يقول لي "توضأ ثلاثاً" فأقول له: "حاضر، سأتوضأ ثلاثاً". وعندما يقول لي "امسح رأسك لأن مسح الرأس هو السنة وليس غسله"، فأقول له: "حسناً، حاضر" سأفعل هكذا، يقول
لي "حسناً، اجعل لحيتك كثيفة"، واللحية الكثيفة معناها كذا، واللحية التي ليست كثيفة معناها كذا. أقول له "حاضر، سأجعل لحيتي كثيفة". يقول لي أن التوالي سنة، فتُتابع أمور الوضوء وراء بعضها، أركان الوضوء وراء بعضها. أقول له "حسناً، حاضر". عندما حصى هذه الأمور تجدها مليون مسألة وبعد ذلك توجد مسائل أخرى كما يقول لى يحرم عليك أن تبيع ثمرة الحديقة قبل بداية صلاحها، صحيح؟ حسناً، هذا ما يقوله النص بالفعل. انظر كيف أصبح الأمر؟ نحن نضرب أمثلة. حسناً، فما هو المخرج من ذلك؟ عندما آتي إلى حديقة البرتقال التى لدى، إذا انتظرت على بيع البرتقال حتى يبدو صلاحه، يكون كل السوق
قد امتلأ وترتب، والرجل لا يشتريه مني، فيفسد علي، ولا أحد سيأكله، فأكون قد أفسدت في الأرض وخسرت وتسببت في كذا وكذا. ما الحل في مثل هذا الموقف؟ فابن تيمية جاء بحل جميل. ما الحل الذي جاء به؟ ولم لا نؤجر الشجر ؟ وَيَصير الإيجار غير البيع لأن عقد الإيجار له مفهوم وعقد البيع له مفهوم آخر. والله يا ابن تيمية أنت ذكي وتُفَكِّر، انظر، ابن تيمية بالرغم من كل خلافاتنا معه على مسألة التوحيد المثلث الذي أدى إلى مصائب كثيرة لأنه غير موجود عند علماء الأمة، نقف معه في هذه المسألة. ونقول له تعالى يا ابن تيمية قل لنا رأيك في العقود لأن عقلك ذكى في التعامل في العقود، المذيع: وهذا رأي معتبر، الشيخ: رأي معتبر، وله كتاب في العقود وله كتاب في، أي أننا جمعنا له أربع مجلدات في الأمور المالية، فنقول نعم إن ابن
تيمية ينفع في هذه الأمور المالية ويُنقذنا. المذيع: وتأخذوا منه؟ الشيخ: ونأخذ منه، حسناً، ويتساءل البعض/ فلماذا تسبونه؟ ولماذا أنتم غاضبون منه؟ ولماذا تنتقدونه؟ أقصد بذلك في الأمور الأخرى. لأن الأمور الأخرى ترتب عليها ضرر. لا، الأمور الأخرى خطأ لأن الأمور الأخرى خالف فيها العلماء الكبار، ولأن الأمور الأخرى انتقدها عليه علماء عصره، لكن هذا لم ينتقده عليه علماء عصره. رأي جميل وجيد، فكرة طيبة. فابن القيم وابن تيمية هؤلاء عبارة عن فقهاء يُؤخذ منهم ويُرد عليهم. لكن لأن هناك سبعة وثلاثين مجلداً لا يصح منها إلا مجلدان فقط، فلنأخذ المجلدين ونترك الباقي الذي فيه إشكالات مع علماء الأمة. ثانياً: الذي فيه إشكالات عند التطبيق. ثالثاً: الذي عندما اختبرناه وجدناه لا، يصح يا أخي، ابن تيمية لم يكن نبياً، لا
لم يكن نبياً، بل كان عالماً من علماء الأمة يُؤخذ منه ويُرد عليه، ولا داعي للخلاف. ثم تجد شخصاً يكفره وآخر كأنه يقدسه. المذيع: يؤيده. الشيخ: لا، يقدسه. المذيع: يوصل إلى هذه الدرجة؟ الشيخ: إلى القداسة نحن نحترم كل العلماء ونفعل ذلك. أتعرف أن الكلام الذي أقوله الآن سيُغضب منا بعض الناس من جماعتنا. يقول لي: "ابن تيمية جيد" ويهز رأسه هكذا. (الشيخ يميل رأسه) لا، إنه ليس جيداً في العقائد التي دخل فيها بغير معلم كما قال "بن السبكي"، فأخطأ، وكل من اتبعه فيها أخطأ. ولكن له تراث فقهي يُنظر فيه ويُؤخذ، انظر، يُؤخذ منه، انظر إلى دقة الكلام لا يُؤخذ به بل يُؤخذ منه،
أي نأخذ منه أو لا نأخذ منه طبقاً لماذا؟ طبقاً للأدلة وطبقاً للبحث وطبقاً للمصلحة وطبقاً للتطبيق وهكذا. فإذن هذه هي العدالة، يجب أن تكون منصفاً عادلاً وأنت تتخير. إن التراث له مناهج، ما هي المناهج الخاصة به؟ الحُجَّة، وهذا منهج. التوثيق، و هو منهج. الفهم وقواعد الفهم، إذ لابد أن تفهم وفقاً للقواعد وهو أيضا منهج. التجريد، ها هو منهج. القطعية والظنية، وهى منهج. الإلحاق، إنه منهج. الاستدلال. إنها منهج. إنها المناهج التي نأخذ بها. حسناً، ولو طبقناها الآن؟ مرة قدمنا محاضرات لطلبة الجامعة الأمريكية في النظريات السبع في الأصول التي سردت بعضها الآن. المذيع: الحجية
والتحقيق والتوثيق. الشيخ: والفهم وما إلى آخره. قلت لهم: اذهبوا الآن إلى أساتذتكم وطبقوها في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم كذا، فذهبوا وعملوا بها، فتعجب الأساتذة جداً. المذيع: ماذا وجدوا؟ الشيخ: لهم إنكم تتحدثون في المنهجية، من الذي أخبركم بهذه الأمور؟ هذه منهجية، هذا أبو العلوم، وأنتم تتحدثون فيه هكذا رغم سنكم وهيئتكم، وفي المرة السابقة لم تكونوا بهذا الشكل. وتعجبوا غاية العجب، وهذا يفتح لنا آفاقاً عندما ندرس بهذه الطريقة التي استفدناها من التراث ،لأننا لم نغلق باب التراث وألقينا به في غياهب التاريخ،لا لم يحدث هذا، ونحن ندرس العلوم الاجتماعية والإنسانية التي هي الأداة الوحيدة لفهم الواقع،
الأداة الوحيدة لفهم الواقع. ولذلك تجد أن منشأ العلوم الاجتماعية والإنسانية، كان في أواسط القرن التاسع عشر عندما نشأت الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة. وفي ذات الوقت، عندما وجدوا أن الدنيا تغيرت والبرنامج اليومى تغير، احتجنا إلى دراسة الواقع فأنشأنا كل هذه العلوم بدلاً أن كانت صفحات في مادة الفلسفة؛ أصبحت علوماً مستقلة تفرعت وتشعبت حتى تكون نظارة، تكون أداة لفهم الواقع، لأن فهم الواقع جزء لا يتجزأ من الاجتهاد الإسلامي. الاجتهاد لا يتأتى إلا بإدراك الواقع وإدراك النص والوصل بينهما. هذا موقفنا من التراث، نحن نعتقد أن في التراث مقدساً وغير مقدس، ونعتقد في التراث أن منه مناهج ومسائل، ونعتقد في التراث أننا نأخذ بالمناهج
وقد نأخذ بالمسائل، قد نأخذ (تقصد بها التقليل). وفيما يتعلق بالمقدس، هناك فرق بين النص والفهم، والفهم لا يكون إلا بعلوم، وهذه العلوم موجودة في مدارسنا ومعاهدنا فلنقرأ. ما الفرق بيني وبين الداعشي؟ ما هو هذا الفرق؟ إنه لا يملك هذه العلوم، وإنه يذهب ليأخذ من المسائل دون المناهج، وإنه يأخذ من زمنٍ دون زمن ومكانٍ دون مكان، وهكذا إلى آخره. إنه لا يفرق بين النص وفهم النص، ولذلك أتعبنا وأتعب نفسه وأتعب العالم معنا، فحسبنا الله ونعم الوكيل. المذيع:
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام، ما دام الأمر واضحاً بهذا الشكل، لماذا يذهب الإرهابيون ويأخذون بهذه الفتاوى التي يُقال عنها فتاوى تكفيرية؟ ولماذا يأتي طرف آخر ويُهيل الثرى على التراث ويقول لابد من القطيعة مع التراث؟ الشيخ: إن الذي يدعو إلى القطيعة مع التراث لم يقرأ وإنما هناك ما يسمى، كان مشايخنا يعلموننا أن هناك فرقاً بين القراءة عن الشيء والقراءة في الشيء. فهو لم يقرأ في التراث ولم يجربه ولم يستوعبه، بل قرأ عنه، أي أنه مثل مستشرق أو متفرج أو ما شابه ذلك إلى آخره. قال على فكرة هذا التراث سيئ. فيكونوا هم صدى صوت له ويقولوا "نعم، صحيح هذا سيئ،
لم نرَ منه إلا كل ما يؤذينا، يردد خلف هذا الذي أنشأ هذا الكلام. المستشرقون قديماً في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين كانوا أكثر رصانة من هذا، فحاولوا أن يقرؤوا في التراث، لكن قراءة أولاً انتقائية، وثانياً تربصية، أي يبحث في التراث لكي يسبه ليس لأنه يستفيد منه، ليس لأنه يجرده ويأخذ مناهجه، ليس لأنه يبني عليه، ليس لأنه يستشعر أن هذا هويته أبداً. هو يفعل العكس، لقد حدث نوع من أنواع عدم الإنصاف مع المستشرقين الذين أرادوا أولاً التجزئة، ثانياً الانتقاء، ثالثاً
الترصد. المذيع: والتربص؟ الشيخ: التربص والترصد للشيء الذي يريدون أن ينتقوه. أي يريدون، إذا كان في التراث نقاط سوداء، أن يجمع السواد كله ويقول ها هو التراث أسود. النقطة التالية هي التعميم، لأنه عندما يجمع العشر نقاط السوداء، التي نعلم أنها سوداء وليست عندنا في التوثيق بشيء، عندما يجمعها بجانب بعضها هكذا، أصبحت سوداء، فقال له كل التراث هكذا. هذا يكون غرض، وأصبح هذا الغرض مرضاً كما نقلتَ وتقول هكذا، الغرض مرض. فاكتشف علماء المسلمين هذا فردوا على المستشرقين كثيراً، لكن الآن حتى المستشرقون، حتى المستشرقين لا ينظرون في التراث، بل يقرأون أكثرهم مما كُتب عن التراث، لا يقرأون في التراث، بل يقرؤون عنه.
التُّرَاث فَصَدَى الصَّوْتِ دَائِمًا يَكُونُ أَيْضًا قَارِئًا عَنِ التُّرَاثِ وَلَيْسَ فِي التُّرَاثِ. "زَكِي نَجِيبْ مَحْمُودْ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَكَانَ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِ وَضْعِيًّا، عِنْدَمَا بَدَأَ يَقْرَأُ فِي التُّرَاثِ وَالْتَفَتَ إِلَى هَذِهِ النُّقْطَةِ الدَّقِيقَةِ، أَلَّفَ وَكَتَبَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي مَالَ فِيهَا إِلَى أَنَّهُ: لَا، هُنَاكَ كَنْزٌ هُنَا، نَحْنُ لَسْنَا منتبهين له. المذيع: في أخريات حياته يا مولانا. الشيخ: في أخريات حياته، وبناءً عليه لم يُدعَ إلى مؤتمر ولم يُدعَ إلى كذا، واتُّهِم بماذا؟ لأنه غيَّر رأيه، فربما حدث له شيء ما. وهكذا جميعهم عندما اصطدموا بهذه النقطة التفتوا ورجعوا. يقول لك سكرتير "الدكتور طه حسين" - رحمه الله ورحمهم الله - "الدكتور الدسوقى" أنه كان كلما
دخل على الدكتور طه حسين وجده يفتح إذاعة القرآن الكريم لأنه فَهِمَ أنه لابد من الرجوع إلى هذا. فحضرتك الموضوع هذا يطول الكلام فيه، ولكن كل من أراد أن يُهيل التراب على التراث وأن لا يستفيد من مناهجه وأن يذهب هو ومناهجه إلى النار، كل من فعل هذا فإنه لم يقرأ في التراث اطلاقا نهائي البتة، إنما قرأ عن التراث. أما الذي قرأ في التراث ولم يكن معه أدوات الفهم، ولم يكن معه جهات التغير الأربعة التي نص عليها "الإمام القرافي"، ولم يكن معه تمكن في أصول الفقه من علو من شرفة عالية هكذا يرى بها المسائل، ولم يكن معه إدراك عميق للغة ولمقاصد الشريعة، فإنه ينضم مباشرة إلى زمرة الإخوان المسلمين والقاعدة
وداعش وغيرهم، فإنهم يتبنون دائماً الأمور النصية ويسيرون خلفها مثلما فعل الكاتب الصحفي الأديب "سيد قطب". ما هي أدوات سيد قطب التي تعلمها؟ وما هي الملكات التي ترسخت فيه على يد المشايخ حتى يذهب إلى كتاب الله فيقرأ عن وعي؟ ليس لديه شىء، فماذا فعل؟ بعض الاختلاجات في ذهنه من تفخيم للذات من ناحية، ومن الصدام مع الآخر من ناحية ثانية، ومن حدث وقع له فظن فيه ظناً ورتب فيه ترتيباً من ناحية ثالثة، وقد ذكرناها قبل ذلك وهى حادثة المستشفى أنه كان في مستشفى ورأى الناس يصخبون، وكان ذلك اليوم هو الرابع عشر من فبراير،
بعد مقتل حسن البنا بأربع وعشرين ساعة. فسأل المذيع: "وهو في أمريكا؟" الشيخ: وهو فعلاً في أمريكا، فسأل الممرضة أو السيدة: "ما هذا؟ لماذا يصخبون هكذا؟" وهو لا يعرف الإنجليزية، فقالت له: "إنه فلانتين داى" [معناها يوم الحب باللغة الإنجليزية]. ففهم خطأ أن هناك شخصاً مات فهم يحتفلون لأن شخصاً مات، إذاً من هو هذا الشخص؟ إنه حسن البنا. لماذا يفرح هؤلاء الناس بموت حسن البنا؟ ولماذا يفرح الغرب بموت حسن البنا؟ إذا لابد أن حسن البنا كان على الحق. يا الله، ما هذه الاستنتاجات المتتالية كلها وهي تقول لك يوم الفالنتاين وأنت لأنك جاهل لم تأخذها يا سيد، لم تكن موجودة في مدرستك. عيد الحب هذا أنت فهمته بشكل خاطئ، انتهى الأمر. لقد مات. من هو فالنتاين هذا الذي مات؟ بالطبع لم
يفهم معنى كلمة فالانتاين، فهمها (مات). هذا التصور العجيب الغريب الذي يعيشه سيد قطب، فيقيم الدنيا ويقلبها، أن الإخوان المسلمين هم الذين على الحق. المذيع: وأن العالم احتفل بموت، الشيخ: حسن البنا، ولم يحتفل به أحد ولم يدرِ به أحد أصلاً. وظل يقول هذا في مجالسه وما إلى آخره، مستدلاً كأنه خبير بأن العالم ضدنا وأنه يجب علينا ويجب علينا. هذه العقلية التي لا تعرف الأدوات والتي تهجم على النص بما تريد، يحدث منها هذا الهوى الذي انتشر وذاع، فأصبحت الأمة هشة. مَن هذه الأمة؟ ليست كل الأمة، بل الأمة التي اتبعته، الأمة التي عظمته، الأمة
التي جعلته قائداً لها. أمةٌ هشة، أصبحت أمةً هشةً عندما نرجع. للتراث الخاص بنا، نجده متيناً. المذيع: من الذي يرجع يا سيدي؟ هذا سؤال مهم جداً. الآن المشكلة تكمن في أن التناول المباشر، أي أن أي شخص منا يتناول هكذا تراثاً ويقرأ فيه من تلقاء نفسه. الشيخ: يقول "الإمام الرازي" المستفيد. المذيع: المستفيد ما معناها؟ الشيخ: المجتهد. المستفيد تعني المجتهد. المستفيد أي الناظر الذي معه أدوات النظر مستفيد. الألف والسين والتاء تدخل للطلب، المذيع: وليس المتربص. الشيخ: ليس المتربص، وليس المتلاعب، وليس السطحي، المذيع: وليس المتآمر على الإسلام. الشيخ: وليس التافه الذي يجعل السيد قطب إماماً. أنت تعلم أن الدواعش كانوا يُصوِّرون ملصقات من كتاب "في ظلال القرآن" ويلصقونها
على السيارات رباعية الدفع. أنت تعلم أن شخصاً كان منهم مات أو قُتل في الأحداث واسمه أبو محمد العدناني، يقول لك إنه كتب [الظلال] في عشرين سنة. تخيل شخصاً مختلاً كتب "الظلال" في عشرين سنة. المذيع: أي أنه أعاد كتابته. الشيخ: نعم، لمدة عشرين سنة. كل هذا يمثل موقفنا من التراث، وهو أن هذه العقليات ليست صالحة أصلاً لأن تقرأ فى التراث وليست صالحة لأن تكون مفكراً لهذا الدين العظيم الذي ملأ وسيملأ وانتشر واستقر بصورة ليست ككل الحضارات. انظر إلى الحضارة الرومانية والحضارة اليونانية والحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية، حينما
ذهبت دولتهم ذهبت. لكن الديانة الإسلامية لم تذهب بذهاب الدولة، ضعفت الدولة وأصبحت في المراتب الأخيرة وقلت قوتها العسكرية والمادية. ولكن الإسلام استمر في الانتشار، إذاً هذا نجاح فائق وباهر يغيظ بعضهم. المذيع: مولانا الإمام، إذا ما وضّحت لنا أن هناك قسماً - القسم المقدس في التراث والنص المقدس والنص الذي يأتي من خلال النتاج الفكري - ما الذي يجب تقديمه للأجيال؟ هناك سؤال ملح جداً ما الذي يجب أن يُقدّم من خلال هذا التراث، ما الذي يجب أن نقف عنده ولا يُعاد تكرار هذه الكتب التي تؤسس للفكر الإرهابي وتساعد الفكر الآخر على الحرب على التراث؟ الشيخ: خمسة أشياء مهمة نذكرها بشكل مُجمل لأنه ربما ليس
لديك وقت كافٍ أمامك، المذيع: أمامنا دقيقتين نعم، وهو ما يكون القول الفصل في هذا الموضوع. الشيخ: المنهجية والمعرفية والنموذج المعرفي والموقف من التراث وإدراك الواقع. وبهذه العناصر الخمسة التي تستطيع أن تجعل كل واحدة منها حلقة، ستحطم هذا الفكر المنحرف، وستتغلب على كل تعصب وانحراف وضياع وجهل، فتستطيع أن تبني منظومة علمية دينية تتواءم مع العصر. هذا هو تجديد الخطاب الديني. المذيع: اسمح لي مولانا، أن اقرأ بعض المداخلات للسادة المشاهدين حول سؤالنا،
ما رأيك في القول بأن فكر الإرهابيين مصدره كتب التراث؟ ليس كما تقول زينب مجدي "احتمال وارد إذا قرؤوه أو قرؤوها بفهم خاطئ ولم يدرسوها على شيخ متصل السند، فالعلم يؤخذ من صدور الرجال لا من الكتب. الأستاذ السيد يقول "هذا الفكر الإرهابي." لم يتجاوز المائة عام وكتب التراث يتجاوز عمرها ألف عام، فلماذا نلصق الإرهاب بها؟ الأستاذة هالة الديب ليس صحيحاً، ولكن الفهم الخاطئ لكتب التراث واستغلال أعداء الدين لها هو أحد الأسباب. الأستاذ محمود سعيد هم لا يعرفون قراءتها أصلاً، وإن استطاعوا ضلوا في الفهم. الأستاذ مجدي زهران فكر الإرهابيين مصدره المصلحة الشخصية واتخاذهم الهوى. الشيخ: ديننا موجود منذ ألف وأربعمائة سنة وليس ألف سنة والإرهابيون مشربهم العنف ودينهم التقتيل والفرقة، ولذلك هم يتلذذون بما يفعلون،
ولذلك انتقلوا من حد الفكر إلى حد الإجرام الموجب للعقوبة. المذيع: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم ورضي الله عنكم دائماً يا مولانا، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، دمتم في رعاية الله وأمنه. وإلى اللقاء.