والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة القصاص في القرآن .. والفرق بينه وبين الثأر| الحلقة الكاملة
- •يشرح الإمام علي جمعة الفرق بين القصاص في الإسلام والقتل في الجاهلية، مبيناً أن عبارة "القصاص حياة" في القرآن أبلغ من "القتل أنفى للقتل" عند العرب.
- •القصاص نظام عادل يستوفي شروطاً دقيقة ويمر بمراحل متعددة تضمن العدالة، بينما الثأر افتيات على سلطة الإمام وظلم للأبرياء.
- •القصاص يستهدف إقامة العدل وتهدئة النفوس ووقف سلسلة الدم، ويشترط ثبوت الجريمة قضائياً ومعاقبة المجرم نفسه.
- •القصاص يحترم النفس البشرية ويتيح العفو أو الدية، ويتطلب إجماع القضاة واعتماد المفتي وتصديق رئيس الدولة.
- •مبدأ "القصاص حياة" فلسفة عميقة تنفع في علوم الاجتماع والسياسة والقانون، وتدركها العقول الراجحة.
- •القصاص حل وسط بين الإعدام المجرد من الضمانات وبين إلغاء العقوبة تماماً، وهو ما يحقق تقوى الله بإقامة العدل.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة لمناقشة مبدأ القصاص القرآني
[المذيع]: ربِّ اشرحْ لي صدري ويسِّرْ لي أمري واحلُلْ عُقدةً من لساني يفقهوا قولي. أهلًا بكم في برنامج والله أعلم، نسعدُ دائمًا ودومًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذا الحوار الذي نتعرف من خلاله على المبادئ القرآنية، وسنتناول اليوم القصاص. مولانا أهلًا بفضيلتكم.
الفرق بين مقولة الجاهلية القتل أنفى للقتل والتعبير القرآني عن القصاص
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: كان العرب قديمًا يقولون: القتل أنفى للقتل، ثم عندما جاء الإسلام بهذا المعنى وبهذه الكلمة القصاص، فما الفرق بين هذا وذاك؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ذكّرني سؤالك هذا بقضية كانت مثار كتابات متبادلة في الثلاثينيات من القرن الماضي [القرن العشرين]، وكان فارس الميدان مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى، وجمع هذه المقالات فيما جمع من كتابه [وحي القلم] في ثلاثة مجلدات.
شبهة تفوق عبارة الجاهلية على القرآن في الإيجاز ورد الرافعي عليها
وكان حينئذٍ بعض الناس يبدأ في الانبهار بالحضارة الغربية والتشكيك في القرآن الكريم، وخرج أحدهم ليثبت أن الإعجاز إنما هو في الإيجاز، وأن القرآن عندما قال:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]
كل ذلك كلمات كثيرة، ولكم في القصاص حياة أربع كلمات، في حين أن قول العرب القتل أنفى للقتل في ثلاثة فقط. إذن كلام العرب مقدمًا من ناحية البلاغة ومن ناحية القرب إلى الإعجاز الذي هو في إيجاز من كلام القرآن الكريم.
رد الرافعي على شبهة الإيجاز بتفكيك عبارة القتل أنفى للقتل
وتصدى له الرافعي وقال له: عندما تتم المقارنة بين معنيين فيجب علينا أن تتم في حدود المقصود. القتل أنفى للقتل في هذه الكلمات الثلاث معناها أن القتل بحق إنما هو ينفي القتل الباطل.
فإذا فككنا العبارة كانت خمس كلمات: القتل، ولا بد أن تجعل هذا القتل موصوفًا بأنه الحق، صحيح، أنفى للقتل، ولا بد أن تجعل هذا القتل الثاني هو القتل الباطل أو القتل العدواني.
وكذلك إذا نظرنا إلى العبارة القرآنية والتركيب القرآني، فالذي يقابل هذا المعنى إنما هو قوله: القصاص حياة فقط.
بلاغة التركيب القرآني في ولكم في القصاص حياة وزيادة المعنى
أما ولكم فهذا أمر آخر أزيد من معنى العبارة؛ لأنه يخاطب الهيئة الاجتماعية التي يوجهها إلى هدف هذا الأمر إلى آخره. ولكم في وفي أيضًا هنا جعلت القصاص أداة من الأدوات وليس لازمًا من اللوازم، إلى آخر ما فيها من بلاغة.
لكن التي أمام القتل أنفى للقتل الثلاثية الكلمات والقصاص حياة. إذن من الأبلغ؟ ومن الأقل حتى في عدد الكلمات؟ ومن الأوجز والأعجز؟
وجوه تفوق العبارة القرآنية على عبارة الجاهلية في التكرار والتركيب الصوتي
ثم جاء في وجوه أخرى قال [الرافعي]: انظر إلى هذه العبارة الجاهلية، إنها كررت الكلمة، والتكرار ضد الإعجاز، قالت: القتل القتل. ولكن هنا [في القرآن] قال: القصاص، فلخص ما هنالك أن هذا إنما هو قتل بحق؛ لأنه ليس قتلًا ابتدائيًا، بل هو قتل في مقابل عدوان سابق قد حُكِم عليه بهذا الأمر.
وانظر إلى هذا الترتيب في داخل الكلمة ما بين كلمة قصاص وما بين كلمة حياة، فكلمة قصاص لما تشتمل فيه من معنى العقوبة المقابلة للجريمة اشتملت على القاف والصاد وهي من الحروف المفخمة، وهدف هذه العقوبة بإزاء تلك الجريمة اشتمل على الحاء والياء وهي من الحروف المرققة.
خطأ عبارة الجاهلية وبيان أن القتل ليس دائماً أنفى للقتل
فإذا هذا التركيب أولى وأحلى وأعلى وأغلى من القتل أنفى للقتل، وبين [الرافعي] مدى تقدم القصاص حياة التي وردت في القرآن على كلام الجاهلية، فقال إن عبارة الجاهلية عبارة خاطئة.
[المذيع]: الرافعي الذي يقول هكذا؟ صاحب [وحي القلم]؟
[الشيخ]: نعم. القتل يا إخواننا ليس دائمًا أنفى للقتل. عندما يقول لك القتل أنفى للقتل، يعني كأنك تقتله من أجل أن تخيفه، لكنني لا أقتله من أجل أن أخيفه، بل أقتله بشروط معينة.
تميز نظام القصاص الإسلامي بعرض العفو والدية على ولي الدم
ولذلك ليس هناك نظام في العالم إلى الآن ارتقى إلى نظام القصاص؛ لأننا في القصاص ماذا نفعل؟ نُحضر ولي المقتول [ولي الدم] ونعرض عليه: هل يمكن أن تعفو عنه؟
يعني يمكن للقاتل إذا اكتنف قتله ظروف كثيرة أو معينة أن يتركه ولي الدم، كأن يكون المقتول فاسدًا أو اعتدى على عرضه أو ما شابه ذلك إلى آخره، فيتركه عفوًا طلبًا له، أو يتركه من أجل والديه أو من أجل كذا إلى آخره.
القتل يثير الضغائن وعبارات الجاهلية تدل على التجبر والطغيان
القتل لم يكن أبدا أنفى للقتل؛ ﻷن القتل يثير الضغائن بين الناس ويهيجهم. ولكن هؤلاء الجاهليون هم الذين قالوا: إنه إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابرة ساجدينا.
[المذيع]: واقتلوا أخي إن لم أجد من أقتله.
[الشيخ]: خذ ثأرك من جارك، يعني الجار يؤخذ بجريرة الجار، يعني ظلم بَيِّن. ويعني بقوله هذا تخر له الجبابرة ساجدينا يعني يريدها أن تصبح دمًا.
وكل الأشياء التي قالوها [العرب في القتل] تدل على ما الذي عنوه من القتل أنفى للقتل، أنه نوع من أنواع التجبر والطغيان والتخويف.
القصاص إقامة للعدل وأساس الملك بخلاف القتل الجاهلي
أما القصاص فإنه نوع من أنواع إقامة العدل، الذي هو أساس الملك، الذي فيه تهدئة البال، الذي فيه راحة الحال، الذي فيه تهدئة القلوب إلى آخره.
إذن نحن أمام عبارتين في الإيجاز أو في الإعجاز أو في المعنى، اتضح لنا فيها ما معنى القصاص حياة. القصاص حياة هدفها الحياة وليس محض العقوبة ولا محض القتل ولا محض المواجهة، ولا تأتي من أجل فساد في الأرض ولا من أجل استهانة ببنيان الرب. فإن
«الإنسان بنيان الرب ملعون من هدمه» أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
معنى القصاص العقوبة المستوفية شروطها والفرق بينه وبين قتل الثأر
[المذيع]: مولانا الإمام، إذن القصاص هنا ليس معناه القتل وإنما معناه العقوبة.
[الشيخ]: العقوبة التي استوفت شروطها، بمعنى أن الجريمة قد ثبتت. هناك في القتل أنفى للقتل أو في قضايا الثأر، الجريمة لا تثبت [بالطريقة الشرعية]. القصاص يكون من القاتل نفسه، ولكن هناك في القتل أنفى للقتل [الجاهلي] يكون القتل لكبير القبيلة !
يعني إذا قتل شاب صغير، فيُقتل كبيرهم ذو المكانة العالية. إذن هناك فرق كبير جدًا بين القتل وبين القصاص.
شروط القصاص من ثبوت الجريمة قضاءً والعرض بالعفو والدية
فالقصاص ثبتت فيه الجريمة قضاءً. وأن من جُوزِيَ بها هو المجرم نفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى. وأيضًا بعد استيفاء الشروط من العرض بالعفو أو العرض بالدية أو العرض بجزء الدية، فإن صمم الأولياء جميعًا، فإذا اختلفوا ترجح العفو.
إذا هذا نظامًا كاملًا متكاملًا يحترم الإنسان ويُعلي من قدره، حتى لو أنه قد نسي نفسه ووقع في تلك الجريمة الشنعاء التي هي قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
مبدأ القصاص حياة يمتد إلى عالم الحيوان وتوازن الأكوان
فنحن أمام مبادئ عميقة، وهذا المبدأ في القصاص حياة ليس موجودًا فقط ما بين البشر، ولكنه موجود أيضًا حتى في عالم الحيوان، موجود حتى في عالم توازن الأكوان.
فمن أراد إخلالها اختلت وأثّر هذا الاختلال بالسلب على بقية الكائنات. يعني هو القصاص حياة فعلًا؛ لأن الذي يقدم السبت يجد الأحد أمامه، وهذا هو القصاص.
فهي تنفع في علم الاجتماع، وستنفع في علم السياسة، سينفع في علم الديانة، وسينفع في الأحكام الشرعية، وسينفع في كافة الأماكن.
ختام الجزء الأول بالتأمل في إعجاز القرآن وأن القصاص حياة
أن القصاص حياة.
[المذيع]:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
كيف يكون القصاص حياة مع أنه إزهاق لروح وتطبيقه في الصعيد
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، كيف يكون القصاص حياة؟ كيف يكون حماية لحياة البشر مع أنه في تنفيذ هذه العقوبة إزهاقٌ لروحٍ من الأرواح؟
[الشيخ]: في الصعيد إجابة على هذا السؤال.
[المذيع]: الثأر؟
[الشيخ]: لا، ليس الثأر أيضًا.
[المذيع]: فما هو يا مولانا؟
[الشيخ]: عندما يأتي شخصٌ فيُقتَل ظلمًا، فأهله لا يأخذون العزاء. فإن قُبِضَ على القاتل وحكمت عليه المحكمة بالإعدام، فأُعدِم في يوم إعدامه يأخذون العزاء.
أي أن هؤلاء الناس لم يهدأ بالهم إلا بعد إيقاع العقوبة بما يُسمى في أدبيات عصرنا بـالعدالة الناجزة، عدالة وناجزة.
ضمانات قضايا الإعدام في القانون المصري لحماية النفس البشرية
طبعًا قضايا الإعدام تُحيطها مجموعة كبيرة جدًا من الضمانات حتى لا يحدث فيها خطأ، وحتى لا يحدث فيها تعجل، وحتى لا تحدث فيها استهانة بالروح البشرية.
فجعلوها في القانون المصري متعددة الدرجات، وجعلوا فيها نقضًا تدخل فيه محكمة النقض بشكل مباشر دون دعوى، وجعلوا الأمر في النهاية يتوقف على تصديق رئيس الجمهورية.
كل هذه المراحل، وجعلوا الحكم باتفاق الثلاثة الكبار الذين على المنصة، وجعلوا ذلك معروضًا على المفتي، حتى ما إذا تشكك النقض في أي شكل من أشكال الإجراءات عادت مرة أخرى لمحكمة أخرى ودائرة أخرى، ثم عُرضت على المفتي مرة أخرى.
الاحتياطات الكاملة لسلامة حكم الإعدام وتحقيق القصاص للعدالة
كل هذه الاحتياطات إنما هي للتأكد من سلامة هذا الحكم واتفاق العادلين عليه، وأيضًا مؤكد بالتوثيق من المفتي والتوثيق بعد ذلك من رئيس الجمهورية. فكل هذه ضمانات لعدم الخطأ واحترام النفس البشرية.
ولكن تم القصاص، وبذلك يتحقق هدوء للبال وثقة لدى الآخرين بأن المجرم قد نال عقوبته، فتتوقف سلسلة الدم.
أما غير هذه الصورة، كصور الثأر مثلًا المنتشرة في الصعيد، فنحن هنا ضربنا مثالًا بقبول هؤلاء الناس العزاء عند تحقق العدالة الناجزة.
الثأر جريمة لأنه افتيات على الإمام ومخالفة لأمر الله تعالى
لكن بعضهم أيضًا يقع في جريمة الثأر. الثأر جريمة، لماذا؟ لأنه افتات على الإمام، وهذا معروف عندنا في الفقه تحت هذا العنوان: الافتيات على الإمام.
ما معنى افتيات؟ أي ذهب وجعل نفسه إمامًا، وأخذ وظيفة الإمام وطبقها بيده، وكان ينبغي عليه أن يلجأ إليه [الإمام] حتى يطبقها هو كما أمر الله سبحانه وتعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
فهو أخذ هذا السلطان أو هذا الملك دون أن يعطيه الله سبحانه وتعالى إياه.
أنواع الثأر الثلاثة وبيان أنه حرام من كل وجه
لكن الثأر ماذا يكون؟ الثأر ليس فيه قصاص ممن يُثأر منه أو أولئك الجماعة المخطئة في الصعيد -ليس كلهم هكذا- فكثير منهم يتقي الله سبحانه وتعالى في هذا الشأن وتسير الأمور طبقًا للشريعة وتذهب إلى القاضي وما إلى ذلك. فالشريعة هي القانون، وليسا متخالفين. لكن بعض الناس تأخذهم الحمية والعصبية الممقوتة فيقيمون الثأر.
ما الفرق إذن بين الثأر والقصاص؟ حتى نفهم، القصاص يختلف عن الثأر في أن شخصًا من العائلة الأولى قتل فيقتلون كبيرها.
[المذيع]: كبير العائلة التي بدأت بالقتل؟
[الشيخ]: نعم.
المبادئ القرآنية التي تنقض الثأر وتحرمه من كل جهة
لكن نحن عندنا المبادئ تقول:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
عندنا المبادئ تقول:
﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: 13]
إذن، لا يصح، هذا نوع من أنواع الجاهلية [النوع الأول بالثأر من كبير العائلة] أن تقتل غير القاتل.
النوع الثاني: يقتل بناءً على الظن، أي أنه يظن أن فلانًا قتل، فيقتل دون أن يذهب إلى القاضي، ثم يتبين له أنه ليس هو القاتل.
أما النوع الثالث فيقول: لقد قتلوا ابني، أذا سأقتل سبعة أشخاص مقابل ابني؛ لأن ابني غالٍ وقيمته تعادل سبعة رجال.
الثأر حرام من كل جهة والقصاص من اختصاص القاضي ورب العالمين
إذن ذلك يفُتح باب فساد في الأرض لا داعي له. فالثأر حرام من كل جهة؛ حرام لأن فيه افتياتًا على الإمام، حرام لأن فيه ظلمًا، حرام لأنه فيه عجلة وعدم أناة، حرام لأن فيه عدوانًا، حرام لأنه ليس فيه تكافؤ، حرام من كل وجه.
أما القصاص فهذا من اختصاص القاضي، وليس فقط بل القضاة، وولي الأمر، والمجتمع كله، بل ورب العالمين من فوق سبع سماوات هو الذي أمر وهو الذي وجّه.
فإذن الثأر مخالفة، والثأر مصيبة، والثأر فساد، ولكن القصاص حياة.
القصاص حياة لأنه يحسم مادة النزاع ويوقف سلسال الدم
ﻷنه إذا كان الثأر فتنة، فيكون هذا [القصاص] حياة؛ لأنه هو الذي يؤدي إلى حسم مادة النزاع، وهو الذي يؤدي إلى وقف سلسال الدم، ووقف سلسال الدم معناه أنه حياة.
فالقصاص دائمًا وأبدًا، لأنه يشترط شروطًا ويستوفي هذه الشروط، ولأنه يتخذ إجراءات ودرجات ويلتزم بهذه الإجراءات والدرجات، هو دائمًا يؤدي إلى هدوء البال وإصلاح الحال، يعني يؤدي إلى الحياة.
من المسؤول عن تنفيذ القصاص والفرق بين خطاب الجميع وخطاب المجموع
[المذيع]: مولانا الإمام، إذا كان القتل يورث قتلًا وأن القصاص يورث حياةً، فمن المسؤول عن تنفيذ القصاص؟ إذا كان البعض ربما يتصور في بداية الآية ولكم في القصاص حياة أن الخطاب عام للجميع.
[الشيخ]: هذه الكلمة ولكم هي التي تشير إلى أن المسؤول هو الحاكم؛ لأن هناك شيئًا ما اسمه الجميع، وهناك شيء آخر اسمه المجموع. وقوله ولكم يخاطب المجموع وليس الجميع، ليس الأفراد.
أقيموا الصلاة هذا للأفراد، وآتوا الزكاة هذا للأفراد، ولكن ولكم من المقصود بـ كم؟ المقصود هذا المجتمع الذي يتمثل في حاكمه.
الله يؤتي الملك من يشاء والحاكم يفوض القاضي في تطبيق القصاص
ولذلك الله هو الذي يعطي هذا الحاكم السلطان، ولذلك يقول:
﴿تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]
فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعطي الملك وهو الذي يعطي السلطان. هذا السلطان وهذا ولي الأمر وهذا الحاكم وهذا الرئيس أو الملك يُعطى هذا السلطان لمن تدرب على العدالة، وهو حضرة القاضي.
الأمور المالية تُعرض على قاضٍ واحد فقط، أما أمور الدماء والأرواح فلابد أن تكون المنصة [بالمحكمة] فيها ثلاثة: رئيس وعضو يمين وعضو شمال.
مراحل تنفيذ حكم الإعدام من المفتي إلى النقض إلى رئيس الجمهورية
وبعد أن يصدر الحكم يذهبون إلى المفتي، وبعد أن يقول المفتي نعم هذا الكلام شرعي وجيد بعد دراسة الموضوع، تذهب للنقض، والنقض يقول نعم، الشكل صحيح، يذهب إلى رئيس الجمهورية.
إذا لم يقل صحيح يرجع مرة أخرى إلى دائرة أخرى مثلثة، ثلاثة غير السابقين. وعندما يأتي الثلاثة، إذا قال واحد منهم لا، هذا لا يستحق الإعدام، والاثنان قالا نعم يستحق، فيؤخذ بكلام من قال لا يستحق، وليس بكلام الأغلبية، بكلام واحد.
[المذيع]: ألا يُرجِّح الأغلبية هنا؟
[الشيخ]: لا، بل يُرجِّح الذي قال لا يُعدَم.
اشتراط إجماع القضاة الثلاثة في حكم الإعدام وضمانات عدم الخطأ
ﻷن الذي قال لا يُعدَم هذا قدح في الإجماع، ونحن نشترط في القضية أن الثلاثة مُجمِعون، يقولون بإجماع الآراء، لا بأكثرية ولا بأغلبية، فقط الإجماع.
فإذا قال حضرته لم يُحضر القاضي، أو حضرة القاضي نسي أن يكتب بإجماع الآراء، تُرد هذه القضية، لا تصلح.
فتكون هذه ضمانات كلها في إثر ضمانات في إثر ضمانات. ولماذا هذا؟ لماذا لا تقضون عليه؟ فهو مجرم. لا، ليست بهذه الاستهانة، هو مجرم نريد أولًا أن نتأكد أنه مجرم.
إمكانية تخفيف حكم الإعدام إلى الدية إذا وافق أهل المقتول
وهكذا، إذن هذه أمور تُعرض بأبدع ما يكون. وكثير جدًا من القضايا يتدخل ولي القاتل ويعرض الدية.
فيقوم القاضي بتخفيف الحكم قليلًا من الإعدام إلى كذا، إذا رأى أن في ذلك صلاحًا، وإذا وافق أهل المقتول، وإذا كانت الدية مجزية كما قررها الشرع، وإذا كان هناك في هذه الدية صلاح لأبنائه ولمن تركهم من بعده.
لأننا لا نريد قتل الناس، نحن نريد إقامة النظام والعدل في المجتمع والهدوء والأمن والأمان.
فاصل قبل استكمال الحوار حول مبدأ القصاص حياة في القرآن الكريم
[المذيع]: مولانا، اسمح لنا أن نأخذ فاصلًا قصيرًا، ثم نعود للسادة المشاهدين الكرام، لنعاود الحوار في هذه القضية وفي هذا الموضوع. ابقوا معنا.
دلالة ذكر أولي الألباب والتقوى في آية القصاص على عمق المبدأ القرآني
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، تقول الآية الكريمة:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]
لماذا جاء بالألباب وجاء بالتقوى هنا؟
[الشيخ]: كما ذكرنا من أول الحلقة إلى هذا المكان منها، كيف أن من تفكر وتدبر وتأمل في السياق القرآني من ناحية، وفي تجربة البشر من ناحية أخرى، وفي اللغة العربية من ناحية ثالثة، وفي القرآن الكريم من ناحية رابعة، يجد أن أصحاب العقول الراجحة هم الذين يدركون هذه الحقيقة.
القصاص حياة في كل العلوم وضرورة إدراك فلسفة الجريمة والعقوبة
ويدركون أن القصاص حياة في كل شيء: في علم السياسة القصاص حياة، وفي علم الاجتماع القصاص حياة، وفي علم القانون القصاص حياة، وفي علم الدين القصاص حياة، وهكذا.
وأنه لا بد من إدراك فلسفة الجريمة والعقوبة، وأنه لا بد ممن يرتكب الجريمة [أن يُعاقب]، حتى لا يطغى، حتى لا يكررها، حتى لا يفسد بها الأرض ومن عليها، حتى لا يؤذي بها الناس، حتى لا يضيع بها المصالح، حتى لا تضيع بها الأعراض ولا الأموال ولا الأنفس.
يجب إيقاع العقوبة، وحكاية أن المجرم يتمادى في إجرامه، ويلات كثيرة جدًا حدثت في البشرية من جراء هذا.
أمثلة تاريخية على ويلات ترك المجرم دون عقوبة من هتلر إلى الصليبيين
من ضمنها الويلات التي حدثت من هتلر والنازية، لأنه شعر أنه لا مُعقِّب له وأنه يستطيع أن يفعل كل شيء.
[المذيع]: أمن العقاب فأساء الأدب. يا مولانا.
[الشيخ]: فأساء الأدب. من ضمنها الخطأ الذي وقع فيه خوارزم شاه، عقب لنا، حيث قتل التجار المسلمين [الذين يعملون مع جنكيز خان] فهيَّج علينا التتر والمغول، وهؤلاء الناس لم يرقبوا في مؤمن إلًا ولا ذمة.
من ضمنها شعور الصليبيين بالقوة في إيذاء الآخرين أنه ليس أمامهم أحد، وكذلك شعور الأمريكيين الأوائل بالقوة حتى أبادوا شعبًا مثل الهنود الحمر.
إننا رأينا بلاءً من هذا الذي يرتكب الجريمة ويُترَك دون رد أو عقوبة أو ما شابه ذلك، إلى آخره.
فكرة القصاص حياة تنفع في كل مجالات الحياة ومن يدركها هو صاحب العقل
ولذلك هذا الفكر الذي هو أن القصاص فيه حياة، فكر سينفعنا كثيرًا في العسكرية، وفكر سينفعنا كثيرًا في الاجتماع الدولي، وفكر ينفعنا كثيرًا في عمارة العالم، وفكر سينفعنا كثيرًا في الأسرة وفي التربية، وفكر سينفعنا كثيرًا في كل شيء.
ولذلك، من يدرك هذا هو من كان صاحب عقل ولبٍّ.
معنى التقوى عند الإمام علي وعلاقتها بالرضا بالقليل ومنع الجريمة
إذا ما نحن أطعنا هذا وصلنا إلى التقوى، سماها الله ربنا سبحانه وتعالى لعلكم تتقون، وصلنا إلى تقوى الله. ما هي تقوى الله؟
يقول الإمام علي [رضي الله عنه] عن تقوى الله:
هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل.
أن تعرف أن هذه الدنيا فانية وأن هناك حياة أخرى. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةً، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرسَها فليغرسْها»
لأنه يفعل هذا لله، ليس لأجل أن تطلع نخلة ولا ليأكل منها بلحًا. ﻷن الساعة أمامه هكذا قادمة، فليغرسها لأن هذا الغرس عليه ثواب.
عقلية المتقين والرضا بالقليل ينفي أسباب الجريمة والفساد
[تكملة الحديث]
«فله أجرُها ما رُجيَ ثوابُها وتصديقُ مَوْعِدِها»
أدخله الله بها الجنة. فهذه العقلية التي تفكر بهذا الحال إنما هي عقليةَ المتقين: الخوفُ من الجليل، والعملُ بالتنزيل، والاستعدادُ ليوم الرحيل، والرضا بالقليل.
لو كان هناك رضًا بالقليل لما وُجد فساد، ولما وُجدت رشوة، ولما وُجد قتل، ولما وُجدت جريمة. لو كان هناك الرضا بالقليل لانتفت كلُّ أسباب الجريمة.
إنَّ الطمع هو كل أسباب الجريمة، هو أنَّ المال لا يكفيه، فيريد أن يضع يده على ما امتلك غيره، يمد عينه لما متع الله به أقوامًا آخرين، فيحدث العدوان والطغيان والفساد في الأرض بهذه الصورة القذرة التي يعيشها المجرمون.
علم الجريمة والعقوبة وفلسفة القصاص العميقة في القرآن الكريم
لما يأتي القانون وفلسفة القانون وتشتمل على الجريمة والعقوبة، هذا علم بحاله اسمه علم الجريمة والعقوبة، يكتب فيه حتى في إيطاليا انزيلوتي، ويكتب فيه [فلان وعلان]، هذا علم يُدرس في كلية الحقوق.
إذا نحن أمام فلسفة عميقة في قوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]
الرد على المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام وجهلهم بنظام القصاص الشرعي
[المذيع]: مولانا الإمام، في إزاء هذا التوضيح الرائع تأتي أصوات من هنا وهناك يريدون إلغاء عقوبة الإعدام لأنها لا تليق بالبشر بأن يُعدم الإنسان أو أن يُقتل جراء ما اقترفه من قتل، فما الرد على هذه الأصوات؟ ماذا سيكون حال العالم إذا أُلغيت هذه العقوبة بهذا الشكل؟
[الشيخ]: في الحقيقة، إن هذه النتيجة تؤكد من طرف خفي ماهية الشريعة، وتبين أن نظام الإعدام الذي اخترعه الغرب في الكرسي الكهربائي أو بالرصاص في الحالة العسكرية أو بالشنق أو كذلك إلى آخره أو بالحقنة، كل هذه الصور التي وضعها الغرب كانت صورًا متطرفة.
مقارنة نظام القصاص الشرعي بنظام الإعدام الغربي وجهل الغرب بالبديل
وبضدها تتميز الأشياء. لو قارنا نظام القصاص مع ما فيه من دية، أو مع ما فيه من عفو، أو مع ما فيه من تدرج، أو مع ما فيه من تهدئة للبال والاتفاق، وهذا الأمل الفسيح الذي يكون خلال عرض القضية وتأثير هذا الأمل على المجتمع ككل.
وبمقارنته بالإعدام، أدركنا أن جهل هؤلاء الناس بنظام القصاص وعدم الالتفات إليه وكأنه غير موجود - وهذا ديدنهم دائمًا - هذا التجاهل هو الذي دفعهم للهروب من بشاعة الإعدام.
ولكن للأسف عندما جاؤوا بنظام بديل جاؤوا بالعدم؛ لأن عقلهم دائمًا على الثنائية.
الثنائية المتطرفة عند الغرب والموقف الشرعي الوسط بين الإعدام وإلغائه
عقلهم قائم على الثنائيات، إما الإعدام أو لا إعدام، كلاهما خطأ وكلاهما طرفان متطرفان.
حسنًا، ماذا نفعل؟ هناك قصاص شرعي، ادرسه. يوجد حل ثالث ادرسه.
إذن، فقد نكون نحن مع من يقول بأنه ضد الإعدام، لكننا في ضدية للوسط وليس للطرف الآخر، أي نحن ضد الإعدام وليس إلى لا إعدام ولكن إلى نظام القصاص.
فإذا انتقلت من طرف الإعدام إلى طرف القصاص، فهذه هي دعوتي الشرعية. فأنا أشترك مع هذا الإنسان في أن الإعدام فيه مساوئ كثيرة.
الاشتراك مع الغرب في نقد الإعدام دون الوصول إلى التطرف في إلغائه
نعم، أشترك معه في ذلك [أن الإعدام له مساوىء كثيرة]، ولكنني آتي بعد هذا ولا أصل به إلى هذا التطرف.
بالضبط الذي حصل بيننا وبين الخُضْر [حزب الخضر]، عندما سمعناهم بأنهم يدافعون عن البيئة ويحبون البيئة وما إلى ذلك، حزب الخُضْر، فنحن معجبون بهم جدًا، وقلنا يا للعجب! هؤلاء الأولاد فاهمون، وهذا جميل جدًا.
وبعد ذلك اتضح أنهم يتحدثون عن التساوي المطلق. ما معنى التساوي المطلق؟ يعني أن المنهج الذي يُتخذ لدراسة البقر هو نفس المنهج الذي يُتخذ لدراسة الشجر، وهو نفس المنهج الذي يُتخذ لدراسة الإنسان.
تكريم بني آدم والموقف الوسط من حماية البيئة دون المنهجية المتطرفة
[المذيع]: وهل تستقيم الحياة على هذا النحو؟
[الشيخ]:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
من جانب الحفاظ على البيئة نحن معهم تمامًا، من ناحية الحفاظ على الحيوان وعلى البيئة الطبيعية والمحميات نحن معهم. لكن هذه المنهجية المتطرفة التي أتت من ثنائية التفكير، لا، نحن لسنا معهم. وهكذا.
ختام الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة على حواره حول المبادئ القرآنية
[المذيع]: مولانا الإمام، اسمح لنا، سوف يطول بنا النقاش في المبادئ القرآنية لنفهم قرآننا العظيم. شكر الله لك ورضي الله عنكم دائمًا، مولانا الأمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
[الشيخ]: شكرًا لكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
