والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة حرمات الله.. ولماذا كانت أحد المباديء القرآنية؟| حلقة كاملة - والله أعلم

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة حرمات الله.. ولماذا كانت أحد المباديء القرآنية؟| حلقة كاملة

39 دقيقة
  • حرمات الله هي ما اختاره الله وفضله وجعل له قدسية خاصة، وتشمل الأزمنة كالأشهر الحرم، والأماكن كالمساجد الثلاثة، والأشخاص كالأنبياء، والأحوال المختلفة.
  • تعظيم حرمات الله يبدأ بالإيمان بالله ثم الإيمان بالوحي والتكليف، ثم الالتزام بما شرعه من حلال وحرام.
  • قوله تعالى "والحرمات قصاص" يعني أن من اعتدى على الحرمات فيجوز الرد عليه بمثل ما اعتدى به، لكن مع الالتزام بقوله "واتقوا الله".
  • حرمات الله تشمل المقاصد الكلية الخمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
  • الوطن من حرمات الله وحبه مغروس في الفطرة البشرية.
  • باب التوبة مفتوح لمن انتهك الحرمات، والله يفرح بتوبة عبده فرحاً عظيماً.
  • تعظيم حرمات الله منهج حياة متكامل يتجلى في السياسة والاقتصاد والاجتماع وكل مجالات الحياة.
  • العلم شرط أساسي لتعظيم حرمات الله والإدراك الصحيح لها.
محتويات الفيديو(35 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن حرمات الله

[المذيع]: أهلًا بكم وأحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام: [السلام] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وسيدنا [رسول الله] دائمًا ينصحنا أن:

«أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ»

هذا السلام الذي يأتي من هذا المنهج التجديدي والإصلاحي الذي نُصلح به هذه الحياة بهذا الدين.

أهلًا بكم في "والله أعلم"، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الاستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: اسمح لنا مولانا أن نقف عند هذا المعنى في المبادئ القرآنية: معنى حرمات الله، وما أنواعها، وكيف نعظّم هذه الحرمات؟ ما معنى حرمات الله؟

تفضيل الله بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص على بعض

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، لمّا خلق الله الخلقَ سبحانه وتعالى، جعل الأمر دائرًا ما بين أمور أربعة؛ جعله دائرًا ما بين :

  • زمان وزمان.
  • مكان ومكان.
  • أشخاص وأشخاص.
  • أحوال وأحوال.

وفضّل بعض هذه الأمور على بعض:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

والصلاة في البيت الحرام بمائة ألف صلاة في أي مسجد مما سواه، والصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم بألف صلاة، والصلاة في القدس الشريف بخمسمائة صلاة.

وهكذا فضّل هذه الأماكن وتلك المساجد، ولا تُشَدُّ الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة.

[المذيع]: تلك سنة الله في عباده.

تفضيل ليلة القدر ومعنى الحرمات كانتهاك للاختيارات الربانية

[الشيخ]: نعم التفضيل، وفضّل ليلة القدر على سائر الليالي:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1-3]

فجعل ليلة واحدة هي خير عند الله وأرجى من ألف شهر.

فهذا التفضيل والتقديم والتأخير إنما هو بفعل الله سبحانه وتعالى.

الحرمات تأتي من انتهاك هذه الاختيارات الربانية؛ ربنا سبحانه وتعالى اختار بعض الأزمان على بعض، وبعض الرسل على بعض، وبعض الأشخاص على بعض، وبعض الأحوال على بعض.

فالله سبحانه وتعالى اختار وقت الزحف ووقت نزول المطر ليُستجاب فيهما الدعاء.

حرمة مكة المكرمة والاعتداء على الحرمات المكانية

تأتي هذه الاختيارات، ولأنها من عند الله، كأن لها حرمة ولها احترام.

فيأتي شخص ويعتدي على هذه الحرمات.

فالله سبحانه وتعالى حرّم رفع السلاح في مكة، وقال في شأن بيته العتيق:

﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]

فمن اعتدى وتجبّر على هذه الحرمة المكانية ولم يهتم ولم يبالِ بأن تكون معظّمة عند الله سبحانه وتعالى، فقد انتهك حرمة من حُرُم الله.

ومن اعتدى على سيدنا النبي وقد اختاره الله واصطفاه، ففي غزوة أُحُد أصابه ابن القَمِئة - وهو أحد المشركين وكان اسمه ابن القَمِئة - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«كيف يُفْلِحُ قوم شَجّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وهو يَدْعُوهُمْ إلى الله؟»

فهل يمكن لشخص أن يعتدي على النبي هكذا ويظن أنه سيُفلح؟ فهذا نوع من أنواع الخروج على حرمات الله سبحانه وتعالى.

الأشهر الحرم وتحريم القتال فيها وعدوان المشركين على حرمات الزمان

وكذلك عندما خلق الله سبحانه وتعالى الخلق، جعل الدنيا على اثني عشر شهرًا، ثم بعد ذلك جعل منها أربعة أشهر حُرُم، وهي:

  • شهر ذو القعدة.
  • ذو الحجة.
  • محرم.

وهي [سرد] أي متتابعة أي متتالية

  • والرابع هو شهر رجب الأصم الأصبّ.

ما معنى الأصم الأصبّ؟ يعني الشهر الذي يأتي وحده منفردا.

إذن، فهناك ثلاثة أشهر متتالية من الأربعة الحُرُم، وشهر منفرد.

﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ [التوبة: ٣‏]

وقد حُرِّم القتال فيها بين الناس جميعا، سواء كان بين المسلمين والمشركين أو كان بين المسلمين وأي أحد؛ فممنوع فيها القتال.

فيأتي المشركون ولا يبالون بهذه الحرمة ولا هذا الاحترام، فيقاتلون في الأشهر الحُرُم أو يقتلوننا في الأشهر الحُرُم.

إذن، فهذا عدوان صريح منهم على حرمات الله.

إباحة صد العدوان في الأشهر الحرم مع التقيد بالتقوى والمثلية

أباح الله لنا أن نصدّ العدوان وأن نردّ الاعتداء.

قال تعالى:

﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 194]

[المذيع]: واتقوا الله، ما هذا المعنى الجميل الذي ذُيِّلت به هذه الآية؟

[الشيخ]: إنها تربية، بمعنى أننا لا ننتقم، بل نحن نصدّ فقط، نرفع عن أنفسنا الأذى، ندافع عن أنفسنا.

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

فعندما يأتي العدو ويعتدي عليّ في الشهر الحرام، فربنا سبحانه وتعالى أباح لي أن أصدّ العدوان وأن أرفع الطغيان وأن أدافع عن نفسي، فلا أقول له: إذن اقتلني وأنا لا أمدّ يدي عليك، فكن أنت عبد الله القاتل ولا أكون أبدًا أنا عبد الله القاتل.

جواز الدفاع عن النفس بشرط المثلية وعدم الاعتداء

كان يمكن أن يفرض الله علينا هذا [عدم الرد] فنمتثل ونقول سمعنا وأطعنا، لكنه أجاز لنا أن ندافع عن أنفسنا وأن نردّ العدوان بالصدّ والردّ، بشرط أن يكون مثلًا بمثل.

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

فقال[الله سبحانه وتعالى]:

﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]

وذلك لأنه العدو دخل في العدوان في الشهر الحرام فأنا أردّ عليه.

[المذيع]: إذن فمتى تكون الحرمات قصاصًا؟

[الشيخ]: تكون الحرمات قصاصًا عندما أكون في موضع الدفاع وليس في موضع الهجوم.

﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]

المشاكلة في اللغة العربية وتسمية صد العدوان عدوانًا

وسمّى الله صدّنا إليهم عدوانًا لأننا نعتقد أنه لا يجوز أن نقاتل في هذا الشهر، إنما العدو هو الذي دفعني دفعًا.

وهذه في لغة العرب يسمونها المشاكلة.

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]

الله ليس ماكرًا، والله ليس خادعًا، والعقوبة والعقاب ليست إطلاقًا سيئة.

ولكن في الآية سُمّيت سيئة مشاكلةً للمصدر الذي دفعنا إليها، بمعني وكأننا نفعل هذه العقوبة رغمًا عنا أي متضررين.

حكمة اللغة في التعبير عن صد العدوان ومعنى الحرمات قصاص كمبدأ قرآني

إذن هذا تنزّهًا مما علّمتنا إياه اللغة وفلسفة اللغة وحكمة اللغة، وهذه اللغة من وضع الله سبحانه وتعالى، جعل هذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني، وهذه التراكيب بإزاء هذه المقاصد.

فقال تعالى:

﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 194]

هذا معنى الحرمات، وهذا معنى أن الحرمات قصاص، وهو المبدأ القرآني؛ لأنه أصبح يصلح في مجالات عدة:

  • في السياسة.
  • في الاجتماع البشري.
  • في مجال التربية.
  • في القانون.
  • في الاقتصاد.

إذن هذا [مبدأ الحرمات قصاص] ليس قاصرًا فقط على العدوان في الشهر الحرام الذي صددناه وتبرّأنا من هذا الصدّ وبرّرنا له هذا التبرير، إنما هو أصبح مبدأً قرآنيًا يجعلنا أمام موازنة لها غرض ولها هدف.

سؤال المذيع عن كيفية تطبيق مبدأ حرمات الله في مناحي الحياة المختلفة

[المذيع]: كيف تنضبط الحياة بهذه المبادئ القرآنية؟ كيف يدخل هذا المعنى - معنى حرمات الله - في كل هذه البنى الأفقية والرأسية في حياتنا؟

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم. مولانا، كيف نفهم أن يكون هذا المبدأ - معنى حرمات الله - في كل أفعالنا في الحياة، في السياسة، في الاقتصاد، كمنهج حياة، وفي السقف المعرفي الذي نصدّره للآخر أو يعرفنا به الآخر؟

تعظيم حرمات الله في سورة الحج وأول خطوة هي الإيمان بالله

[الشيخ]: بعد أن تكلّم ربنا سبحانه وتعالى في سورة الحج، قال بعدها: "ذلك"، والعلماء يقولون لنا: "ذلك" أي مضمون ما سبق.

"ذلك" هي إشارة إلى المضمون الذي سبق مما قرأته.

وقد قال تعالى:

﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]

إشارة لننظر إلى وجود شيء اسمه تعظيم حرمات الله، فهو خير له عند ربه. حسنًا، كيف نعظّم حرمات الله سبحانه وتعالى؟

أول شيء هو أن يؤمن الإنسان بوجود الله، فيصبح الإنسان الذي يُنحّي صلته بالله، فإنه لا يُعظّم شعائر الله ولا يُعظّم حرمات الله. لماذا لا يُعظّم؟ لأنه لا يرى إلا نفسه ومصالحه وحياته وشهواته ورغباته، لكنه لا يرى أن هذا الكون مخلوق لخالق.

فعندما نؤمن بأن هذا الكون مخلوق للخالق، فهذه هي الخطوة الأولى؛ لأن نُعظم حرمات الله، فنُحل ما أحلّه ونُحرم ما حرّمه، ونُجيز ما أجازه ونمنع ما منعه.

الإيمان بالوحي والتكليف كخطوات لتعظيم حرمات الله

[الشيخ]: نعم، ولكن ماذا يقتضي ذلك [تعظيم حرمات الله]؟

أولًا أن تكون مؤمنًا بالله. لكن كيف ستعرفها [الحرمات]؟ هل كلّمك الله؟ فالله سبحانه وتعالى لا يكلّم البشر:

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

فهل كلّمك الله؟ لا، لم يكلّمك. فلا بدّ إذن أن تؤمن بالوحي.

وإذا آمنت بالوحي فلا بدّ أن تؤمن بالتكليف.

[المذيع]: هل الوحي هو الخبر الصادق يا مولانا؟.

[الشيخ]: الوحي هو هذا الاتصال الذي بين الله سبحانه وتعالى وبين بعض عباده من الأنبياء والمرسلون.

والخبر الصادق هو ما أدّاه هؤلاء الأنبياء وهؤلاء المرسلون إلى من بعدهم، فهذا يكون خبرًا صادقًا.

لكن الوحي معناه أن الله سبحانه وتعالى كلّم موسى:

﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]

كلّم عيسى، كلّم النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح هذا الإنسان مؤيّدًا من عند ربه، مرسلًا برسالة بلّغها للعالم.

صدق النبي في التبليغ والفرق بين الوحي والخبر الصادق

كان سيدنا النبي يقول لقريش:

« أرَأيتَكُم لو أخبَرتُكُم أنَّ خَيلًا بالوادي تُريدُ أن تُغيرَ عليكم، أكُنتُم مُصَدِّقيَّ؟ قالوا: نَعَم، ما جَرَّبنا عليك إلَّا صِدقًا، وفي رواية: ما جرّبنا عليك كذبًا»

إذن، من أين جاء الخبر؟ جاء بعدما رأى جبريل وقال له:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 1-2]

فالوحي هو إنزال هذه السورة الكريمة على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر الصادق هو تبليغه لهم وأنه صادق فيما بلّغ عن ربه.

﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 18-19]

إذن:

  • فأول خطوة هي الإيمان بالله.
  • وثاني خطوة هي الإيمان بالوحي.
  • والخطوة الثالثة هي الإيمان بالتكليف.
  • ورابع خطوة هي تعظيم هذه الشعائر التي عظّمها الله سبحانه وتعالى، وحِلّ ما أحلّه وحُرّمة ما حرّمه.

وهذا هو معنى:

﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]

من لا يعظم حرمات الله بإنحاء قضية الألوهية أو إنكار التكليف

وأما الذي لا يعظّم حرمات الله بأن نحّي قضية الألوهية - انظر مدى حرصي في استخدام الألفاظ، فقد قلت نحّي وليس كَفَر، يُنحّي قضية الألوهية - لأن هناك كثيرون يقولون لك: هو [الله] موجود، لكن ليس له علاقة بنا.

أي انه معترف بوجوده، هو معترف بوجود الله، لكن ليس له علاقة بنا. دعنا نحن نعيش حياتنا هكذا بعقلنا.

لا يوجد شيء موجود في الحقيقة، إنما الذي موجود فقط هو الأنا، أنا فقط موجود وليس هناك أي شيء آخر موجود.

فهذا الشخص ليس بقادر على تعظيم حرمات الله.

فماذا ومن سيعظّم إذا كان هو أصلًا قد نحى قضية الألوهية أو لم يؤمن بالتكليف؟ قال: نعم يوجد إله وكل شيء، ولكنه ليس له علاقة بنا، وليس هناك تكليف، أو أنكر الوحي، أو أنكر التكليف، أو لا يعرف ولن يصل إلى ماهية حرمات الله.

المقاصد الشرعية الكلية الخمسة كحرمات الله الواجب تعظيمها

لكن هذه الحرمات بعد ذلك وبعد ما آمنّا بها، وأن:

  • السرقة حرام.

  • والاعتداء على الأعراض حرام.

  • والاعتداء على الدين حرام.

  • والاعتداء على النفس حرام.

  • والاعتداء على العقل حرام.

    وهذا ما استخلصه الفقهاء فقالوا:

  1. حفظ النفس.
  2. حفظ العقل.
  3. حفظ الدين.
  4. حفظ كرامة الإنسان.
  5. حفظ الملك [المال].

فهذه هي المقاصد الشرعية الكلية لخلق الله سبحانه وتعالى ولإنزاله هذه الشرائع فهذه هي حُرُمات الله.

فيكون إذن الذي يعتدي على النفس البشرية قد اعتدى على حُرُمات الله، كذلك الذي يعتدي على عقل البشرية بالخرافة والسحر والدجل والإهانة وعدم التعليم، كل هذا عدوان على العقل البشري.

التعليم أساس تعظيم حرمات الله وإدراك حقائق الأكوان

[المذيع]: هل عدم التعليم هذا عدوان على العقل البشري يا مولانا؟.

[الشيخ]: طبعًا، ومن يقول بغير ذلك فهو لا يفهم شيئًا، لأن هذا التعليم هو أول كلمة نزلت:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

إنه أمر.

"ما أنا بقارئ"

لا الإدراك هنا هو الأساس، أنا لا أريدك أن تقرأ حرفًا بجانب حرف وحسب، بل أريدك أن تُدرك.

تُدرك ماذا؟ تُدرك حقائق الأكوان وحقائق الإنسان وحقائق الشرع الشريف وحقائق الواقع.

وحينئذٍ تكون عالمًا مدركًا، فإذا كنت عالمًا ومدركًا، استطعت أن تعظّم حرمات الله.

﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]

دعوة من أنكر حرمات الله بالهداية والإيمان بالتكليف والأوامر والنواهي

الذين خرجوا عن هذا النطاق ولم يريدوا أن يعظّموا حرمات الله بأن أنكروا هذه الخطوات، فهم يسيرون فيها وفق أهوائهم، ليس لهم ضابط ولا رابط.

ولكننا نقول لهم: نحن ندعو الله لكم أن يهديكم.

ولكنننا مؤمنون بالله، مؤمنون بالتكليف، مؤمنون بأن في هذا التكليف أوامر ونواهٍ، وأن في هذا التكليف حرمات، وأننا نعظّم جدًا حرمات الله سبحانه وتعالى.

تطبيق مظلة الحرمات على الحياة واستقامتها بالمقاصد الخمسة

ليس هذا فقط، بل هناك خطوة ثانية، وهي أن نطبّق هذه المظلة التي تعلّمناها من احترامنا للحرمات المباشرة ونطبّقها في حياتنا كلها، لتستقيم بها الحياة.

[المذيع]: كيف تستقيم الحياة بهذا المبدأ القرآني يا مولانا؟

[الشيخ]: بالمقاصد الخمسة. ولذلك نحن نحافظ على النفس البشرية ليس في حالة أننا لا نعتدي على النفس فقط، بل بحالة أننا نرعاها وهي جنين ونحرّم الإجهاض.

وبأننا لسنا فقط لا نشرب الخمر ونبتعد عن المخدرات حتى يكون العقل واعيًا، بل إننا نفرض على سبيل الواجب وعلى سبيل الحق - الذي هو وجه آخر للواجب - التعليم.

وجعلنا هذا التعليم أساسًا لتلك الأمة.

«إنما بُعثتُ معلّمًا»

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

إذا أردنا أن نسير في طريق الله فلا بدّ من العلم.

حفظ الدين من حرمات الله والإخلاص فيه دون تردد أو تشكك

كذلك الديانة:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]

لا نتردد ولا نتشكّك في ديننا؛ لأن هذا الدين أمر من حرمات الله سبحانه وتعالى التي يجب علينا أن نحافظ عليها وأن نعظّم شأنها وألّا نعتدي عليها حتى يتمّ لنا المقصود.

هل لكل الحرمات قصاص ومن يستوفيه الحاكم أو الفرد أو الله

مولانا، هل لكلّ الحُرُمات قصاص؟

[الشيخ]: الألف واللام تدخل أيضًا للجنس، يعني جنس الحُرُمات لها قصاص.

فعندما يأتي ويقول:

﴿وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]

إذن يكون هناك عموم لهذا الجمع المُحلّى بالألف واللام.

فمعناها أن: كل الحُرُمات لها قصاص.

وهذا القصاص قد يكون استيفاؤه:

  • موكولًا للحاكم.
  • وقد يكون موكولًا للبشر.
  • وقد يكون موكولًا للنفس.
  • وقد يكون موكولًا لله سبحانه وتعالى وأن لا نتدخل في هذا.

فهناك درجات عند الله سبحانه وتعالى، وهنا تتنوع الحرمات.

تنوع الحرمات بين ما يقوم به الفرد والمجتمع وحدود الاستطاعة

وتصبح لها أنواع مختلفة.

فهناك أمور لا يستطيع الفرد كفرد أن يقوم بها بمفرده، لانه لا بدّ أن يقوم بها مجتمع.

وهناك أمور يستطيع الفرد في طوقه أي[طاقته] أن يقوم بها.

وهناك أمور بينهما فقد يستطيع في بعض الأحيان وفي بعض الأحيان لا يستطيع.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

ولكن الذي نستطيعه نقوم به تنفيذًا لحرمات الله وتعظيمًا لحُرُمات الله.

حرمات الله الزمنية والمكانية والشخصية وبر الوالدين حتى مع الشرك

[المذيع]: مولانا، هل معنى هذا الكلام لفضيلتكم أن هناك حُرُمات زمنية ومكانية مرتبطة بالزمان والمكان.

[الشيخ]: نعم، وحالية وشخصية

فهناك حُرُمات متعلقة بالأشخاص، فكما قلنا إن النفس البشرية ممنوع علينا أن نقتلها.

ولكن أيضاً يجب عليّ أن أحترم أبي وأمي.

﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]

﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]

حتى وهما [الوالدان] يجادلان أو يجاهدان على الشرك بالله:

﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]

بالرغم من ذلك لا يقدح هذا [الشرك] في هذا الاحترام الواجب الذي نسمّيه ببرّ الوالدين، والذي جعله الله سبحانه وتعالى مكافئًا للتوحيد.

حرمة الأشخاص للوالدين والعلماء وأولياء الأمور وتوقير الكبير

إذن الحرمة قد تكون للأشخاص، للوالدين، وقد تكون للعلماء لأن الله سبحانه وتعالى قدّمهم وفضّلهم.

فضّل بعض النبيين على بعض وبعض المرسلين على بعض، ولكن فضّل العلماء ورفع بعضهم فوق بعض درجات.

فأولياء الأمور، كان سيدنا النبي يقول فيهم:

«كبِّر كبِّر»

بمعنى أن كبير السنّ يجب أن تحترمه وتقدّمه، ولا تهجم عليه، ولا تتكلم أنت وهو جالس، اجعل لنفسك كبيرًا وارجع إليه وعظّمه.

هذا الكبير قد يكون في السلطان، وقد يكون في العلم، وقد يكون في السنّ، وقد يكون في الرحم.

وكل هذه الأشياء هي مما رسمه الله سبحانه وتعالى للإنسان حتى يسعد.

نتائج التفلت من حرمات الله والانحدار من سيء إلى أسوأ

وكثير منها تركها الشباب الآن بدعوى الحرية أو إن صح التعبير بسبب التفلت.

[المذيع]: وما الذي نتج عن ذلك يا مولانا؟

[الشيخ]: نتج عن هذا التفلّت فوضى وتعاسة وعدم حصول على الرضا وعلى السعادة.

كانوا يعتقدون أن هذا [التفلت] سيؤدي بهم إلى السعادة، وبعد ذلك اتضح لهم أنها سعادة وقتية وأنها سعادة محدودة وأنها سعادة وهمية أيضًا.

ولذلك تعجّبوا: ما هذا؟ هذا لا يوصلنا إلى الغرض.

فلجأوا إلى ما هو أخسّ وأشدّ منه، فلم يوصلهم إلى شيء، وأخذوا في هذا الانحدار من سيّء إلى أسوأ.

وفي كل مرة يأتيهم هاجس: ما فائدة هذه الحياة الدنيا وهي بهذا الكم الكبير من النكد؟ هي نكد لأنك أنت الذي جعلتها نكدًا، ولأنك أنت الذي حوّرتها وحوّلتها إلى هذا النكد.

هل الوطن من حرمات الله وورود ذلك في الكتاب والسنة

[المذيع]: هل هذا الوطن الذي نحيا عليه ويحيا فينا من حرمات الله أم لا؟

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم.

مولانا، أمير الشعراء [أحمد شوقي] يقول بعد أن عاد من منفاه بإسبانيا:

"ويا وطني لقيتك بعد يأسٍ كأني قد لقيتُ بكَ الشبابَ".

هل الوطن من حُرُمات الله، وإن كان البعض ينكر ذلك لعدم ورود ذلك صراحةً في القرآن الكريم، فكيف نردّ عليهم؟

[الشيخ]: في الحقيقة، الوطن ورد في الكتاب وورد في السنة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى مغادرة الأوطان كنوع من أنواع التضحية العظمى، بما يؤكد مكانة الأوطان في النفوس فطرةً؛ إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها.

مبادرة الشخصية الوطنية وحب الأوطان في القرآن والسنة

والمبادرة الآن التي أطلقها الشيخ أسامة الأزهري من مسجد "الفتاح العليم"، مبادرة الشخصية الوطنية - وهي مبادرة للدعوة إلى حب الأوطان - وأن حب الأوطان هذا له عناصر، تحدّث فيها كلامًا غريبًا عجيبًا لا يلتفت إليه كثير من الناس، في القرآن الكريم وفي السنة وفي غير ذلك مما هو متداول كثيرًا على ألسنة الناس في قضية الوطن وأهمية الوطن.

فالمشهور لدينا هي قصة سيدنا النبي حين قال وهو يخاطب أرض مكة:

قال النبي ﷺ: « واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ»

إلى آخره، في هجرته.

هجرة إبراهيم عليه السلام وصعوبة ترك الأوطان ومرض البعد عن الديار

وكذلك سيدنا إبراهيم يقول:

﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]

فكانت هذه مسألة صعبة وجرعة صعبة على سيدنا إبراهيم أنه يترك الأوطان ويترك الخلّان ويترك الذكريات ويترك الإلف.

ويوجد أمراض تُسمّى بمرض البعد عن الديار (الهوم سيكنس).

ماذا يعني ذلك؟ يعني أنك بعيد عن وطنك، فتأكل بطريقة مختلفة، وتنام في مكان مختلف، والهواء الذي تتنفسه ليس هو الهواء ذاته الذي تتنفسه كل يوم.

ونتيجة لذلك ومجموعة من الأمور المشابهة، يحدث لك مرض مثلا في الجهاز الهضمي، ولا يصبح الأداء جيدًا، ولا يصبح النوم جيدًا.

يحدث انعكاس نفسي على كل وظائف الجسد، وهو [مرض الحنين الى الوطن] مرض مشهور ومعروف يصيب خاصة من أكثر من السفر.

حب الأوطان فطرة والاكتفاء بدافع الطبع عن الشرع

ولذلك الناس أحبّوا الأوطان فعلًا. فليست محبة الأوطان فقط تربية، وإن كنا في أشدّ الحاجة إلى تربية أبنائنا على الانتماء، لكن هذا شيء مفطور.

وما كان مفطورًا في الطبع يُكتفى بالطبع عن الشرع.

بمعنى أنه عندما يجعلنا الله نكره الرائحة الكريهة، فليس هناك آية أو حديث يقول: اكرهوا الرائحة الكريهة.

وعندما جعلنا نحب الرائحة الزكية، كذلك ليس هناك آية في القرآن تقول: لا بدّ عليكم أن تحبوا الرائحة الزكية.

وعندما جعلنا نتشوّف للأكل، فليس هناك آية تدعونا إلى الأكل.

وقِس على هذا اكتفاءً بدافع الطبع عن الشرع.

لم يقل ربنا سبحانه وتعالى للناس أن تبتعد عن النجاسات؛ لأن الناس تنفر من النجاسات دائمًا، لم يذكر نصوصًا في هكذا أمور.

فيقول العلماء: اكتفاءاً بدافع الطبع عن دافع وأمر الشرع.

الفطرة والشرع وعلاقة الأوامر الشرعية بما هو مفطور في الإنسان

فدائمًا أي شيء موجود في فطرة الإنسان، فالشرع لا يأمرك بها لأنه يكتفي بأنك أنت ستفعلها بمفردك [بفطرتك].

[المذيع]: نحن مجبولون على الجمال.

[الشيخ]: بل إنه [الله] أيضًا أحيانًا عندما أكون نائمًا فيقول لي:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]

لأنني سأنام [بالفطرة] في الأصل، فهو لا يقول لي: نَم أو لا تنسَ نصيبك من النوم؛ لأن هذه طبيعة.

كذلك يقول لي: لا تأكل، بدلا من كُل حتى أمنع نفسي من الاستدراج مع طبعى.

تعليقات المشاهدين حول حرمة الوطن وأهميته

[المذيع]: مولانا، ونحن نتحدث عن هذه الأوطان، فاسمح لي أن أقرأ بعض تعليقات الفيسبوك.

والسؤال على صفحة الفيسبوك يقول: ما رأيك فيمن يقول بأن الوطن ليس من حرمات الله؟

دعونا نقرأ هذه المعاني الجميلة التي يتفضّل بها السادة المشاهدون دائمًا ونسعد بكل هذه الآراء:

  • تقول السيدة بهيرة عاشور: إنه إن لم يكن للوطن حرمة وواجب حمايته، كيف نستطيع أن نعيش في أمن وأمان واستقرار وسلام وضمان لشرف وعرض النساء والرجال.

  • الأستاذة ولاء حسين تقول: للأسف الناس لم تعد تعرف معنى كلمة حرمة، ولو عرفوا فيمكننا أن نتخلص من كمّ الجرائم التي نسمع عنها كل يوم.

  • الأستاذ محمد شمس يقول: الحرمة هي ما لا يحلّ انتهاكه، وهل توجد حرمة أعظم من الأوطان؟ لأن انتهاك حرمة الأوطان هى إنتهاك دين ومال وعرض وأرض.

حب الوطن من الإيمان ومخاطر العولمة وإلغاء فكرة الانتماء

هذه المعاني يا مولانا وهذه الكلمات التي يُدلي بها السادة المشاهدون في سياق ما يفهمونه من منهج فضيلتكم الإصلاحي،كيف ترونها فضيلتكم؟

[الشيخ]:** إنها تسير في الاتجاه السليم**

وحب الوطن كما قالوا قديمًا من الإيمان؛ لأن الشخص الذي هو مستعد للدفاع عن أهله ووطنه وناسه وما إلى ذلك هو شخص محبّ لوطنه.

فإذا فقد هذا الحب فقد كل هذه [المقومات]، كما يقول المشارك الأخير أنه فقد العرض وفقد الأرض وفقد الماء، فقد كل شيء.

ومن هنا كانت دعوات مدارس الغلاة فيما بعد الحداثة أن يُلغوا فكرة الأوطان ويجعلوها فيما أسموه العولمة، بحيث أن الإنسان لا يكون له انتماء.

وهذا تهيئة لقضية الاستهلاك، وفي النهاية هي مضبوطة بالسوق تكريسًا للنموذج الاستهلاكي.

يريد أن يستهلكك، ويوجد سوقًا لنفسه، يأخذ منك منتجاتك أو مجهودك ويعطيك منتجاته.

يأخذ منك القطن ويعيده إليك في صورة قماش لكي تفصّله وتستهلكه، المهم أن تستهلك؛ لأنه في النهاية يدخل في جيبه الدرهم والدينار أو الإسترلينى والدولار.

هل لمن انتهك حرمات الله توبة وباب التوبة مفتوح على مصراعيه

[المذيع]: مولانا، لمن تعدّى على حرمة من حرمات الله هل له توبة؟ وهل ثمة قصاص؟ وكنا سألنا منذ قليل حول هل لكل المحرمات قصاص، والآن هل من انتهك حرمة هذه المحرمات هل له توبة؟

[الشيخ]: طبعًا، كل من ارتكب معصية فإن باب التوبة مفتوح على مصراعيه.

فليس هناك من يتألّى على الله ويمنع التوبة.

أي شخص يستطيع أن يفتح صفحة بيضاء جديدة مع الله.

وربنا جعل لنا محطات ما بين الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، الجمعة للجمعة كفارة لما بينهما، من رمضان لرمضان كفارة لما بينهما، من العمرة للعمرة كفارة لما بينهما، من الحج إلى الحج كفارة لما بينهما

الحج يعيد الإنسان كيوم ولدته أمه وتجديد الحياة مع الله

فالإنسان يخرج من الحج كيومِ ولدته أمه، صفحة بيضاء، ويعود مرة أخرى وكأنه ابن يوم لم يفعل شيئًا، يعني يلقى الله سبحانه وتعالى وهو عنه راضٍ.

فكثير من الناس تكون متمسكة بالعمرة من أجل هذا الشعور أنه بدأ جديدًا.

جدد حياتك مع الله سبحانه وتعالى.

فمن ذا الذي يمنع أحدهم من التوبة؟ كائنًا ما فعل، هل هناك أكثر من الشرك؟ هل هناك أكثر من الوثن الذي عُبِد؟ هل هناك أكثر من الإلحاد؟ فكل هؤلاء قبل الله توبتهم.

[المذيع]: هل حتى لو أشرك الإنسان ورجع إلى ربنا سبحانه وتعالى مرة أخرى سيغفر الله له؟

[الشيخ]: نعم، مباشرةً، مثل كل الذي أشرنا إليه:

[المذيع]: > ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ [النساء: 48]

وحتى بهذا المعنى: ارجع فأجد الله يقبل توبتي.

فرح الله بتوبة عبده وحديث الرجل الذي فقد بعيره

[الشيخ]: نعم، بحيث أنه لا يموت على هذا الشرك.

فينقذ نفسه قبل فوات الأوان وباب التوبة مفتوح.

«إن الله ليفرح بتوبة عبده أشدّ من أحدكم نام فضلّ بعيره، فلما استيقظ لم يجده وعليه زاده وماؤه، فجلس تحت الشجرة ينتظر الموت، فنام، فلما استيقظ وجد الرَّحل عنده، فقال: اللهم - من شدة فرحه - اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح»

يعني أراد أن يقول لك: انظر كيف ستكون فرحتك شديدة عندما يُنقذ كل شيء دفعة واحدة ودون عناء أو بحث، وفجأة أصبح الأمر سهلًا؛ فهكذا يفرح الله سبحانه وتعالى.

الله لا يفرح مثل فرحنا وسرورنا، وإنما المثال هنا في هذا المثال المضروب لنا إنما فائدته توضيح شدة فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة عبده.

ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: مولانا الإمام صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وغفر الله ذنبكم دائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.