والله أعلم |د. علي جمعة يتحدث عن مدى ارتباط تفسير القرآن بالفقه وما هي آيات الأحكام| الحلقة الكاملة - فقه, والله أعلم

والله أعلم |د. علي جمعة يتحدث عن مدى ارتباط تفسير القرآن بالفقه وما هي آيات الأحكام| الحلقة الكاملة

49 دقيقة
  • القرآن الكريم مطلق يصلح لكل زمان ومكان وأشخاص وأحوال، وهذا الإطلاق يجعله حمّال أوجه، أي سقفاً معرفياً يصلح لكل العصور.
  • وضع الله محددات لفهم القرآن وهي: السنة النبوية، والإجماع، والقياس، واللغة العربية بمفرداتها وتراكيبها وخصائصها.
  • آيات الأحكام في القرآن اختلف العلماء في عددها، فمنهم من قال مائتان، ومنهم من قال خمسمائة، والاختلاف يرجع إلى المباشر وغير المباشر من الآيات.
  • التفسير الفقهي بدأ مع الصحابة وتطور مع علماء مثل البيهقي والكيا الهراسي وابن العربي.
  • علم الفرائض أسسه زيد بن ثابت، وحدد الورثة بعشرة من الرجال وسبع من النساء، وبين أنصبتهم.
  • نظام المواريث في الإسلام نظام متكامل يراعي المسؤوليات المالية لكل من الرجل والمرأة، فالرجل مكلف بالنفقة والمهر، بينما المرأة غير مكلفة بذلك.
  • الاجتهاد سيظل مفتوحاً إلى يوم القيامة لأن تسعين في المائة من الأحكام ظنية الدلالة.
محتويات الفيديو(54 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة لتدبر القرآن الكريم

[المذيع]: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ،

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

يا أرحمَ الراحمينَ، يا أرحمَ الراحمينَ، يا أرحمَ الراحمينَ، افتحْ علينا فتوحَ العارفينَ بكَ. أهلًا بكم في واللهُ أعلمُ، نسعد دائمًا بصحبةِ صاحبِ الفضيلةِ مولانا الإمامِ الأستاذِ الدكتورِ علي جمعة، وعضوِ هيئةِ كبارِ العلماءِ بالأزهرِ الشريفِ.

لنقرأَ ونتأملَ ونتدبرَ ونفسرَ القرآنَ الكريمَ من خلال هذه القراءة المتأنية مع صاحب الفضيلة، من خلال هذا المنهج الأصيل المتأصل. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

سؤال المذيع عن معنى أن القرآن حمّال أوجه وكيف نفهم الفقه من آيات الأحكام

[المذيع]: إن هذه الدعوة المفتوحة لكي نقرأ كتاب الله، نقرأ كتاب الله المنظور ونقرأ كتاب الله المسطور. إذن، كيف نستفيد وكيف نفهم الفقه من خلال آيات الأحكام في القرآن الكريم؟ ولكن اسمح لي في البداية مولانا الإمام، يقولون دائمًا إن القرآن حمَّال أوجه، ما هذا المعنى؟

إطلاق القرآن الكريم وصلاحيته لكل زمان ومكان والسنة تطبيقه المعصوم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تقرر عند علماء المسلمين من لدن الصحابة الكرام، وكل من مارس كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه، أن الكتاب مطلق وأن السنة هي التطبيق المعصوم لهذا الكتاب المطلق.

ومعنى إطلاقه أنه يصلح لكل زمان، ويصلح لكل مكان، ويخاطب كل الناس، ويخاطب الإنسان في جميع أحواله، وليس مقيدًا بقوم دون قوم؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتمًا للأنبياء والمرسلين، حتى قال:

«بُعثت والساعة كهاتين»

يعني ليس هناك نبي، فلا نبي بعدي ولا رسول.

حفظ الله للقرآن وإطلاقه من الزمان والمكان يجعله حمّال أوجه

[الشيخ]: ومن هنا لا بد من وحدة الأمة، فلم يُرسَل بعده رسولًا، ولذلك أبقى القرآن وحَفِظَ القرآن:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فحفظ، فالقرآن مطلق. وهذا الإطلاق من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال يجعله حمّال أوجه، يجعله سقفًا معرفيًا يصلح لكل الأسقف المعرفية التي مرت بالبشر وستمر، من خلال الجهات الأربعة، من خلال انطلاقه، من خلال أنه ليس محددًا بزمان وليس محددًا بمكان وليس محددًا بشخص، ولم يخاطب قبيلة أو عصرًا دون عصر.

الرد على تأريخانية القرآن ومخالفتها لعقيدة المسلمين

[الشيخ]: وهو ما يسمى بتأريخانية القرآن. الآن تأريخانية القرآن تفيد أن القرآن محصور في عصر النبوة، وبعد النبوة في كل عصر له آذان، وما علاقتنا بالأمر الذي نزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة؟ لقد تغيرت الدنيا.

وهذا مرفوض تمامًا يا مولانا، هذا مخالف لعقيدة المسلمين، وهو مرفوض باعتباره ليس من الإسلام. هذا فكر يمكن لأحدهم أن يأتي ويقول: والله أنا أرى أن هذا النبي هو نبي، ولكنني أرى أنه للعرب فقط. لا يكون مسلمًا، يعني رأيه هكذا، يرى أنه للعرب فقط.

قصة نظمي لوقا وإيمانه بنبوة محمد مع اعتقاده أنها للعرب فقط

[الشيخ]: مثل الأستاذ نظمي لوقا، فقد كان مؤمنًا بنبوة النبي، وكانت أمه ترسله في السويس إلى المسجد حتى يحفظ القرآن، حتى يستقيم لسانه في العربية وحتى تتسع مداركه. فنظمي نشأ وهو منبهر بهذا الدين ومنبهر بهذا القرآن، ولكنه لم يدخل الإسلام.

فكان عندما يُسأل: أنت يا الله، لماذا أنت حافظ للقرآن أو بعض القرآن، وأنك منبهر بالقرآن، وأنك كأنك تقر يا أخي في كلامك بنبوة محمد، لماذا لست مسلمًا؟ أو يعني لماذا لا تشهد الشهادتين؟ فكان يقول: إنني يعني أصل النبي للعرب وليس لنا نحن الناس المصريين.

التفريق بين الرأي الشخصي وهوية الإسلام الحقيقية التي نقلها العلماء

[الشيخ]: لكن النبي عندما جاء للعرب في شبه الجزيرة العربية، شبه الجزيرة العربية، هي رأي وفكر، أي وجهة نظر خاصة بنظمي لوقا. لكن هذا ليس هو الإسلام، ليس هو الإسلام الذي نقله لنا الإمام النووي أو الإمام الشافعي أو الصحابة الكرام علي بن أبي طالب، ليس هو الذي نقله إليّ أبي وجدي وجد جدي، ليس هو هوية الإسلام.

وكثير جدًا يختلط عليهم هذا المعنى، أن هناك رأيًا قد يكون في جزئه صواب أنه رسول الله، وهذا هو الصواب، لكن كونه للعرب فقط، فهذه هي الزيادة التي أفسدت عليه. ليس هو رسول الله للعرب، هذا كلام صحيح، والعجم والعالمين إلى يوم الدين.

مثال من أنكر نبوة موسى وتأثير الأهواء الشخصية على فهم الدين

[المذيع]: لا نضع النقطة، لنكمل الحديث.

[الشيخ]: فمن هنا تأتي المفارقة، ويأتي أنه حسنًا، افترض أن شخصًا ما قد ظهر فعلًا وألّف الكتب ودافع عن محمد ودافع عن صدقه ومصداقيته وما إلى ذلك، يعني ماذا أنه ليس مسلمًا؟ لقد آمن بالله وآمن برسول الله.

نعم، ولكنه لو جاء شخص مثلًا وقال: أنا مؤمن بأنه رسول الله، لكنني لست مؤمنًا بأن موسى رسول الله، يبدو لي أن موسى هذا رجل غير موجود في التاريخ. هذه وجهة نظرك، أنت هكذا، لا نعرف كيف توصلت بعقلك إلى هذه القصة؟

أنا والله أنا متضايق من اليهود، وهؤلاء اليهود، ولأجل الفتنة التي تسببها دولة إسرائيل يريدون ضرب الأحذية، فأنا لا أحب هذه الحقيقة. فقلنا له: حسنًا، هذه وجهة نظرك أنت، لكن هذا ليس الإسلام، هذا من عندك أنت.

نصيحة الإمام علي لابن عباس بعدم مجادلة الخوارج بالقرآن لأنه حمّال أوجه

[الشيخ]: وهكذا فالإطلاق الذي أقول لحضرتك عنه، وهو سبب كلام سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] عندما نصح ابن عباس وقال له: إذا أتيتهم - أتيت الخوارج - نعم، فلا تجادلهم بالقرآن، فإن القرآن حمّال أوجه. هذه هي الحكاية، جاءت من هنا.

[المذيع]: إذن فهي مقولة للإمام علي.

[الشيخ]: فأنا أتكلم الآن على الإطلاق وأفهمها من الإطلاق، لكي نحمل عليها الكلمة التي سألت عنها: ما هو أن القرآن حمّال أوجه. يعني القرآن يجوز لسقف معرفي خاص بمكان معين، لكنه يجوز لسقف آخر خاص بمكان آخر.

الرد على الليبراليين الذين يزعمون عدم وجود شريعة ثابتة بسبب إطلاق القرآن

[الشيخ]: وهذا هو الذي أتعب كثيرًا من الليبراليين. يقول: إذا هكذا لا توجد شريعة ثابتة؛ لأن كل شخص سيفهمه حسب هواه. قلنا له: لا، أنت فقدت المنظور الكامل.

القرآن مطلق، ولذلك فهو حمّال أوجه، ولكن القرآن المطلق حمّال الأوجه وضع لنا محددات آمنّا بها، وأنت غير راضٍ أن تؤمن بها. ما هي هذه المحددات؟

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]

الإجماع - هل تنتبه؟

﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]

القياس. ففي محددات حضرتك ترفضها وتسلط علينا الخلق لكي يرفضوها.

خطورة إنكار السنة والإجماع والقياس والاكتفاء بالقرآن وحده

[الشيخ]: فالذي يخرج ليقول لك: لا، أنا لا تعجبني السنة، والذي يخرج ليقول لك: لا، لا يوجد إجماع، والذي يخرج ليقول لك: لا، لا يوجد قياس.

[المذيع]: أنا اكتشفت جديدًا.

[الشيخ]: والذي يخرج ليقول لك: أنا اكتشفت جديدًا. أنا اكتشفت جديدًا، أعطيكم شيئًا جديدًا. نعم، لماذا هؤلاء مندسون علينا؟ لأنه كلام قديم. حسنًا، ماذا سننتج منه؟ الاكتفاء بالقرآن الذي هو حمّال أوجه.

فإذا كان حمّال أوجه فسيفسره كل واحد منا على قدر فهمه وعلى حسب فهمه. إذن ستكون هناك أديان متعددة اسمها دين الإسلام بعدد أنفاس الخلائق، فالطرائق هي طرائق المخلوقات.

نتيجة جعل الدين شخصيًا بلا سنة ولا إجماع ولا قياس

[الشيخ]: نعم، ما معناه نحن موجودون كم؟ مليار ونصف، فهذا يعني مليار ونصف تفسير. وماذا يعني ذلك؟ يعني أن الدين شخصي، وليس هناك شيء اسمه أن الدين له هوية، بل الدين كما تريده أنت.

وإذا قلت: أنا أعتقد هكذا، فالأمر كذلك، إذ لا توجد سنة ولا إجماع ولا يوجد قياس، وكل واحد وحده، ولا يوجد شيء، وأن أفهم وحدي، والقرآن مطلق وحمّال أوجه.

فأنا أريد أن أقول أنني أقيم الصلاة. هل تصلي الصلوات الخمس؟ قال: لا، أنا في الصباح أصلي ركعتين وأقول صباح الخير يا ربنا، وقبل أن أنام أتوضأ أيضًا وكل شيء وأصلي ركعتين وأقول مساء الخير يا ربنا. يكون بصلاة أم لا؟

قلنا له: في الحقيقة هذه ليست صلاة المسلمين، يعني أنت اخترعت شيئًا جديدًا لا علاقة له بهوية الإسلام، لا علاقة له بحقيقة الإسلام.

كون القرآن حمّال أوجه يؤكد وجوب حجية السنة والإجماع والقياس

[الشيخ]: إذن، إذا كان القرآن حمّال أوجه، فهذا يؤكد لنا وجوب حجية السنة؛ لأنه بدون حجية السنة وحجية الإجماع وحجية القياس يكون الدين فوضى.

وهذا هو المراد والغاية النهائية لهؤلاء الذين يصدوننا بالليل والنهار ويضجون هذا الضجيج. دعني أستعمل كلمة القذر؛ لأنك الآن لا تفهم غاية ما تقول.

ولذلك تجد كل من ينكر السنة ينكر الإجماع، وكل من ينكر الإجماع ينكر القياس، وكل من ينكر القياس يريد يتمسك بأهداب ما يراه هو من تفسير القرآن. ومن هنا أصبح في الطريق يدعو إلى الحرية ويدعو إلى - لا أعرف - التفلت، ويدعو إلى الاستقلال وإلى احترام العقل. لا علاقة لا بالحرية ولا بالاستقلال ولا باحترام العقل بهذه الأشياء، هذا نوع من أنواع التفلت من كل شرط وكل قيد.

سؤال المذيع عن الأسس العلمية التي تضبط فهم القرآن وتمنع التفلت

[المذيع]: في هذا النسق المعرفي، في هذا النموذج، في هذا الإطار العلمي، ما هي الأسس التي وُضعت لوضع حد لكي لا يتفلت الأمر بهذا الشكل، ولكي لا يقول كل واحد ما يشاء؟ القرآن حمّال أوجه، وليس لي أن أقول كما قال الآخر.

[الشيخ]: القرآن ورد إلينا ومعه تفسيره، يعني ليس بنصه فقط. نعم، بل ورد إلينا أن هناك من السنة ما أحاط به فحفظه. وانتبه، السنة القولية والسنة العملية.

الأدلة القرآنية على وجوب اتباع السنة النبوية في تفسير القرآن

[الشيخ]: لقوله تعالى:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

لقوله تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

لقوله تعالى:

﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]

لقوله تعالى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

لقوله تعالى، يعني من أوّلها لآخرها. فرقم واحد: نحن نفسر القرآن من خلال السنة النبوية المشرفة قولًا وعملًا.

ضرورة الرجوع إلى اللغة العربية بمفرداتها وتراكيبها وخصائصها لفهم القرآن

[الشيخ]: رقم اثنان: ربنا نبّه أن هذا القرآن إنما هو قرآن عربي غير ذي عوج، فكلمة عربي تعني أنه لا بد أن نرجع إلى معاني الألفاظ العربية. ظهرت أناس يُسمّون بالباطنية ينكرون معاني الألفاظ.

ولا بد علينا أن نتبع تراكيب اللغة العربية. ظهرت فئة تنكر التراكيب. ولا بد علينا أن نتبع خصائص اللغة العربية، وأن بها حقيقة ومجاز ومُجمل ومُبين، وأن بها مطلق ومقيد، وأن بها عام وخاص، وأن بها تراكيب اللغة العربية.

عندما أنكر الحقيقة والمجاز، وأنكر المطلق والمقيد، وأنكر العام والخاص، وما انتبهت إلى تراكيب السباق، كل هذه الأمور هي ما يجعلني خارجًا عن تراكيب العربية.

الضوابط السبعة لفهم القرآن من السنة واللغة والإجماع والمقاصد والاجتهاد

[الشيخ]: وبعد ذلك، هناك خصائص للغة العربية، وهذه الخصائص هي: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. بذل فيها الخليل بن أحمد وسيبويه والشافعي مبلغًا من الجهد كبيرًا جدًا، من أجل الوصول إلى الإجابة على سؤالك الكريم، حتى أنشأوا علومًا بأكملها خدمةً لهذا الكتاب حتى يكون منضبطًا.

فأولًا: السنة، وثانيًا: اللغة بمفرداتها وتراكيبها وخصائصها، وثالثًا: إجماع الأمة الذي يُبيِّن في هذا الإجماع هوية الإسلام، ورابعًا: إدراك الواقع المعيش ومقاصد الشريعة العليا، وخامسًا: إدراك المصالح، وسادسًا: حقيقة الاجتهاد والمجتهد وشروطه، وسابعًا: وهكذا انتهيت.

كتاب النبراس لبيان ضوابط فهم القرآن ومنع الضلال والتطرف

[الشيخ]: وقد ألَّفتُ في هذا النبراس حتى نُبيّن للناس ما هي تلك الضوابط والقواعد التي ينبغي عليَّ أن ألتزمها، حتى لا أصل إلى الضلال المبين وإلى هدم الإسلام من داخله وخارجه، وإلى التطبيق الصحيح بدلًا من التطرف والإفراط والتفريط، وإلى بيانٍ شافٍ.

ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. إذا هل تعلمت كل هذه الضوابط وكل هذه العلوم من مصادرها الحقيقية لكي تقف بجوار وبمحاذاة العلماء الربانيين؟ كل من يدعي في العلم فلسفة، تعلمت شيئًا وغابت عنك أشياء.

سؤال المذيع عن ماهية آيات الأحكام وسبب تسميتها بهذا الاسم

[المذيع]: فاصل ونعود. أهلًا بحضراتكم، كيف استفاد الفقيه من خلال علم أصول الفقه ومن علوم الآلة؟ كيف استفاد وفهم القرآن الكريم وفهم آيات المعاملات أو آيات الأحكام؟ مولانا الإمام، يعني كيف أو ما هي آيات الأحكام بدايةً ولماذا سُميت بهذا الاسم؟

هناك آيات في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية في رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود، وهي الرواية المطبوعة بين أيدينا في مصر والمشرق. في عدّ آياته هكذا تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الرواية.

اختلاف العلماء في عدد آيات الأحكام بين مائتين وخمسمائة آية

[الشيخ]: هذه الآيات يتكلم العلماء - صديق خان مثلًا - يقول: مائتا آية تتكلم عن الأحكام، يعني تتحدث عن قضيتين: أن الآية تتكلم عن الحكم مباشرة. ثم:

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]

فهذه الآية متعلقة ببداية الصيام ونهاية الصيام، ما الذي يباح لنا هنا وما الذي يمنع علينا هنا؟ وكذلك سمى قوم هذه آية الأحكام؛ لأننا نأخذ منها حكمًا شرعيًا عمليًا فقهيًا، وهو حقيقة الصيام وكيفية الصيام ووقت الصيام وكيفية الصيام ونهاية الصيام إلى آخره.

هذه الآيات المباشرة يقول مائتين. ثم نجد الإمام الغزالي يقول: ويجب على المجتهد أن يعلم آيات الأحكام وهي نحو خمسمائة آية.

سبب الاختلاف بين مائتي آية وخمسمائة آية في عدد آيات الأحكام

[الشيخ]: فسألنا مشايخنا: لماذا هذا يقول مائتين وهذا يقول خمسمائة؟ فقالوا لنا: لأن الأول أخذ الآيات المباشرة جدًا هكذا:

﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]

هكذا يعني:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

أي مباشرةً هكذا. فعندما نأتي لنعدها نجدها مائتين. لكن الرأي الثاني رأى ما تتضمنه الآيات من طريقة غير مباشرة، مثل قصة يوسف في الشهادات ومسائل الإثبات أمام القاضي، ومثل قصة سليمان مع أبيه داود في الحرث والغنم التي نفشت في حرث القوم، ومثل ذلك. فيعدها من الآيات باعتبار، ومن الممكن جدًا أن نأخذ هكذا من قصص الأنبياء أشياء تتعلق بالفقه، ومن هنا فدعوا، دخلوا.

الفرق بين الآية المرقمة والجملة المفيدة وأثره في عدد آيات الأحكام

[الشيخ]: ما هو السبب الثاني؟ هل هي آية ولا جملة مفيدة، تعني ماذا؟ ماذا تقصد بها؟ هل لها رقم أم ماذا؟ آية الدَّين هذه الآية خمسة عشر سطرًا تشتمل على خمسة عشر حكمًا تشريعيًا، فتكون كل جملة لها فائدة كأنها آية، كأنه حكم.

يعني المائتان تصبح خمسمائة، بل إن العز بن عبد السلام يقول: لا، ليسوا خمسمائة فقط، بل قد تصل إلى الآلاف.

أي حدث اختلاف في عدد آيات الأحكام بناءً على قضيتين: أولًا، معنى الآية هل هي جملة مفيدة أم التي لها أرقام؟ فتكون آية الدين هذه كلها الخمسة عشر سطرًا آية واحدة، لكن الثانية ستكون خمسة عشر آية؛ لأنها خمسة عشرة أسطر تعطي خمسة عشر حكمًا مختلفًا.

تحكم قضيتي المباشر وغير المباشر ومعنى الآية في عدد آيات الأحكام

[الشيخ]: الأولى: الآية المباشرة هي التي سنعدها، أم سنعد أيضًا غير المباشرة؟ فلو عددت المباشر فقط تحصل على مائتين، ولو عددت غير المباشر أيضًا تحصل على ألف وهكذا.

إذن يتحكم في عدد آيات الأحكام هاتان القضيتان: معنى الآية، والمباشر وغير المباشر.

وإنما الحقيقة أن القرآن كما قال العلماء أيضًا - منهم العز بن عبد السلام ومنهم إلكِيا الهراسي ومنهم غيرهم إلى آخره - يقولون إن القرآن هذا مصدر هداية، يمكنني أن أجد فيه ما لا يخطر على البال، وأجد فيه أحكامًا، فكله يصلح لاستنباط الحكم منه؛ لأن استنباط الأحكام موهبة وفتح من الله ربانية ومَلَكة عند المجتهد، لكنها بتوفيق الله، فكأنها غير محدودة.

سؤال المذيع عن فتح باب الاجتهاد مع وجود آيات الأحكام ونصوصها

[المذيع]: مولانا، وجود عدد من آيات الأحكام يمكن حصرها بهذا الشكل، هل يفتح باب الاجتهاد؟ أم كما يقول البعض: ما دام موجود نص فلا اجتهاد مع نص، وهذا أُغلق به باب الاجتهاد وتم تجنيب العقل؟

[الشيخ]: سيظل الاجتهاد مفتوحًا إلى يوم القيامة، وهذا سببه ما قدمناه من أن هذا النص مطلق، ولذلك سيختلف في تطبيقه من عصر إلى عصر، ومن مكان لمكان، ومن زمن إلى زمن، ومن فهم إلى فهم، ومن عقل إلى عقل، ومن كيفية إلى كيفية.

تسعون بالمائة من الأحكام ظنية الدلالة والاجتهاد فيها مفتوح إلى يوم الدين

[الشيخ]: صحيح أن هناك ثوابت في السنة تقيدنا. الذي معناه أنه لا اجتهاد مع النص، هذا جزءان: منهما ما هو قطعي الدلالة قطعي الثبوت، وهذا لا يتعدى عشرة في المائة من النصوص، ومنهما ما هو قطعي الدلالة ظني الثبوت، وهذا تسعون في المائة.

فالاجتهاد سيظل مفتوحًا. قل له: لا تخف، نم وارتح، سيأتيك النجاح. لا تخف يا أخي، لن يتوقف الاجتهاد أبدًا الأبدين؛ لأن تسعين في المائة من الأحكام ظنية الدلالة، يعني تختلف في وجهات نظر الإمام الأوزاعي مع أبي حنيفة مع مالك مع الشافعي مع غيرهم إلى آخره، إلى يوم الدين.

أما العشرة في المائة الثابتة فهي أن الخمر حرام، وأن الكذب حرام، وأن شهادة الزور تؤدي إلى النار، أن الافتراء سيء وأن الرشوة مرفوضة ويكرهها ربنا، الظلم ظلمات يوم القيامة. هذا هو الذي بقي إلى يوم الدين وليس فيه اختلاف.

سؤال المذيع عن بداية التفسير الفقهي للقرآن الكريم ونشأته

[المذيع]: مولانا الإمام، التفسير أو ما يمكن أن نسميه بالتفسير الفقهي، كيف أو متى بدأ هذا المنظور؟ كيف بدأ التفسير الفقهي للقرآن الكريم؟

[الشيخ]: طبعًا هو عندما بدأ، مع الصحابة، وبدأ بتلك الاستدلالات. وأكثر من فقه الصحابة وروايتها وضبطها ابن أبي شيبة في مصنفه، والثوري في تفسيره، والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه.

فأوردوا كثيرًا جدًا مما استدل به الصحابة الكرام بالقرآن الكريم على الأحكام الجزئية في الزواج وفي الطلاق وفي العدة للمرأة وفي القضاء وفي الشهادات وفي الأموال وفي الزكاة وفي الصلاة وفي كل هذا.

دور الإمام الشافعي والبيهقي في تأسيس علم أحكام القرآن كعلم مستقل

[الشيخ]: جاء الإمام الشافعي فأكثر الاستدلال بالقرآن في كتبه، خاصة كتاب الأم. ولما جاء الإمام البيهقي كان من أوائل الذين جمعوا آيات الأحكام وجعلوها علمًا مستقلًا بذاته.

وذلك أنه جمع من كلام الشافعي ما قاله في آيات الأحكام، فأنشأ كتابًا طُبع اسمه أحكام القرآن للإمام البيهقي. الإمام البيهقي في منتصف القرن الخامس الهجري، أي أربعمائة وخمسين تقريبًا.

تطور التأليف في أحكام القرآن من القرن الثالث إلى الخامس الهجري

[الشيخ]: جاء في نفس القرن عندما بدأت الأمور تتضح للناس هكذا. كان هناك في القرن الثالث بدايات؛ لأنه يجمع شيئًا من الصحابة ويجمع شيئًا من التابعين ويجمع شيئًا. مثل ذلك ابن حجر السعدي، ابن حجر السعدي هذا ليس ابن حجر الذي نعرفه أمير المؤمنين [في الحديث]، ولا الهيتمي، ولا العسقلاني، هذا شخص قادم من مكان آخر.

وصله كتاب من هذا، وبعده الكيا الهراسي ألَّف كتاب أحكام القرآن. ثم جاء ابن العربي المعافري أبو بكر بعد الإمام الغزالي، وألف كتاب أحكام القرآن. أحكام الكيا الهراسي طُبعت، وكذلك أحكام أبي بكر طُبِعَت، أحكام الشافعي وهكذا.

الرد على من يزعم أخذ الأحكام من القرآن مباشرة دون الحاجة للعلماء

[المذيع]: مولانا الإمام، هناك أصوات متداخلة متباينة ربما لا تبدو واضحة لكثير من الناس، يخرجون علينا ويتحدثون، يقولون: ما دام آيات الأحكام موجودة فخلاص، لسنا محتاجين للعلماء لنعرف منهم الأحكام، نحن نأخذ الأحكام من القرآن مباشرةً مرة واحدة.

[الشيخ]: إذا كان هو نفسه ليس فاهمًا الذي كتبه العلماء، ولا يوجد من يفهم ما هو مكتوب هنا. يعني أنا كنت أقرأ منذ عدة أيام لرجل لطيف هكذا، صحفي، فوالله كلامه تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع.

مثال الصحفي الذي أنكر فرضية الحجاب وجهله بعلم الحديث والأسانيد

[المذيع]: ماذا كان يقول ماذا؟

[الشيخ]: يقول إن الحجاب ليس فرضًا على المرأة، وبدأ يتفلسف ويأتي لنا بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، كلام سخيف ولا نعرف بدايته من نهايته.

فهو يقول فيما يقول إن حديث أسماء هذا حديث ضعيف؛ لأن خالد بن دريك لم يدرك عائشة. هل أنت تعلم أن خالد بن دريك أدرك عائشة أم لم يدركها؟ لا طبعًا، هو قرأ والتقط من هنا ومن هناك، ووجد خالد بن دريك يقولون عنه أنه لا يعرف مسألة العلو بالإسناد، ولا يعرف موضوع المستخرجات على الكتب، ولا أن هذا مروي من جهات متعددة، ولا الفرق بين الموضوع وبين الحديث.

حجاب المرأة ثابت بستين حديثًا وليس بحديث واحد والاختزال خطأ منهجي

[الشيخ]: القضية لها موضوع معين وهو حجاب المرأة. حجاب المرأة ليس ثابتًا بهذا الحديث فقط، بل ثابت بخمسين أو ستين حديثًا.

ستون حديثًا هؤلاء حضرتك اختزلتهم في ذهنك هكذا وأنت جالس تشرب الشاي لحديث عائشة، وذهبت تختزل حديث عائشة في سند أبي داود، وتختزل سند أبي داود لأن دور خالد بن دريد لم يدرك عائشة، وقمت باختزال هذا الكلام.

هل هو عن عمد؟ لا، إنه عن عدم معرفة، هو لا يعرف هذا العلم أصلًا. هو قرأ من واحد غير مختص، والثاني يقول هاتين الكلمتين، فذهب واصطادهما وأعجبه ذلك.

الرد على من يزعم عدم وجود دليل قرآني على الحجاب وتكفيره لغير المحجبات

[الشيخ]: وقال يخبرك أنه لا يوجد في القرآن شيء يدل على الحجاب. حسنًا، قل:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 59]

قال: أرأيت؟ قال المؤمنين وليس المسلمين. نعم، هكذا متبع داعش هذا، يكفر الرجال الذين متزوجون من نساء غير محجبات.

[المذيع]: لقد ضيق واسعًا.

[الشيخ]: نعم ضيق واسعًا. هذا كفر؛ لأنه جعل هؤلاء نساء المؤمنين. لا، هؤلاء هن نساء المسلمين، أي نساء المؤمنين. حسنًا، لو كنت تريد لانعكست معك القضية.

سخافة التصدر للفتوى بلا علم وضرورة المنهجية في فهم النصوص الشرعية

[الشيخ]: لا أفهمها، لا أفهم الفرق. العقلية الآن، هذا الخطاب لنساء المؤمنين، فأنت تقول أن التي تلتزم بالحجاب زوجها مؤمن، حسنًا، والتي لم تلتزم زوجها كافر؟ وهل هي أيضًا كافرة تبعًا لزوجها لأنها لم تتحجب؟

في الحقيقة هذا سخيف. لماذا؟ لأنه يتصدر لأمر لم يتعلم مفرداته، هو لم يتعلمها، وهو رجل كبير في السن يتجاوز الثمانين، ولكن أين المنهجية؟ لأجل المنهجية فقط، أين المنهجية؟

[المذيع]: يعني تعلم ثم تكلم يا مولانا؟

[الشيخ]: ليتك تفهم ثم تتكلم، لكن أن تصوغ صياغة يضحك منها البعيد والقريب وتصبح مضحكًا إلى هذا الحد؛ لأنك تدافع عن قضية لا تعرف مبتداها ولا منتهاها.

مشكلة فقدان المنهج في فهم النصوص وعدم أهلية غير المجتهد للاستنباط

[الشيخ]: يا أخي، زوجتك أو ابنتك أو أنت لا تريد أن تتحجب المرأة، فلتسكت، فذلك أفضل لك بدلًا من هذا الخلط الذي ليس له أساس.

فنحن في الحقيقة نواجه مشكلة متعلقة بفقدان المنهج وفقدان فهم نصوص الناس، وبهذه الطريقة هل سيفهم كلام الله؟ أريد أن أقول لحضرتك إن هذا ليس حجة؛ لأن الذي عَرَفَ آيات الأحكام لا يُغنيه ذلك عن كل ما ذكرناه من شروط الناظر في كتاب الله، والتي تؤهل الإنسان في أول درجاته للعلم، ثم بعد ذلك إلى الاجتهاد.

المجتهد وحده من له حق استنباط الأحكام من آيات القرآن الكريم

[المذيع]: إذن من له حق استنباط الأحكام من هذه الآيات، من آيات الأحكام في القرآن الكريم يا مولانا؟

[الشيخ]: المجتهد؛ لأنه أدون من المجتهد يخاف أنه عرف شيئًا وغابت عنه أشياء. الذي حضرتك استدللت بشطر بيت، البيت الخاص بها يعني الذي هو في شطر البيت هذا: وأشياء ممنوعة من الصرف.

حسنًا، فليقل لي ممنوعة من الصرف لماذا؟ لكن لا عليه، أتفهم؟ فحضرتك هذه القضية هي أن السياق والسباق واللحاق، الذي هو أن القرآن جملة واحدة، وهي أن هناك فرقًا بين جمع النصوص ونسخ النصوص وتغيير النصوص والخاص والعام.

إن هذا فن وصنعة، وهذه الصنعة إذا لم تكن مؤهلًا لها فلا تتكلم؛ لأن السكوت خير حينئذٍ من الكلام.

الرد على دعوى تأريخانية أحكام القرآن وأنها لم تعد مناسبة للعصر

[المذيع]: مولانا الإمام، وكذلك بعض الأصوات تقول: يعني جميل أن نتعبد بالقرآن ولكن الأحكام التي فيه لم تعد مناسبة لهذا العصر، فنبقي على قدسية القرآن في التعبد وليس لنا علاقة بهذه الأحكام، وأصبحت الأحكام...

[الشيخ]: تأريخانية القرآن التي رد عليها أحمد بن حنبل والتي رد عليها الشافعي والتي رد عليها غيرهم، أن القرآن متجاوز الزمان والمكان باعتبار أنه مطلق.

وهذا ينقض حتى الكلام الذي يقولونه بعد ذلك أننا نريد أن نتمسك بالقرآن. كلام أن نريد أن نتمسك بالقرآن دون فهمه ينقض كلامهم. هذا الذي يقولونه، هم في ذاتهم متناقضون.

تناقض دعاة التأريخانية بين إطلاق القرآن وتقييده وسبب اضطرابهم

[الشيخ]: الذي يقول إننا نريد أن نفهم، يعني هل القرآن هذا إذا كان مؤرخًا فليس مطلقًا، وإذا كان مطلق الفهم فهو مطلق. فنحن احترنا معهم، هل هو مطلق أم غير مطلق؟ فمرة يقولون هكذا ومرة يقولون هكذا.

إذن، ما سبب الاضطراب؟ هذا عندهم هم، إنهم لا يفهمون المسألة، هم لا يعرفون، هم يريدون التفلت لا أكثر ولا أقل.

أما الذي يريد أن يبني البنيان لكي يفهمه مَن يأتي بعده، ومَن يأتي بعدهم، وحتى لا تظهر لنا داعش وواغش، هذا هو. ولذلك متى ظهرت داعش؟ عندما تخلف المنهج الأزهري عن الحضور.

أسباب تخلف المنهج الأزهري عن الحضور ودور الأزهر في الحفاظ على الإسلام

[الشيخ]: حسنًا، ولم تخلف المنهج الأزهري عن الحضور؟ والأزهر يبذل أقصى ما في وسعه للحفاظ على الوجود. هناك أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية وغيرها إلى آخره، وأسباب تتعلق بالعولمة وما حول بالعولمة.

وفي النهاية الأزهر باقٍ، يحاول أن يحافظ ويحفظ وينقل بصورة لافتة للنظر لمن بعدنا.

[المذيع]: مولانا الإمام، بعد الفاصل نناقش مع فضيلتكم هذا التوضيح الرائع للمواريث في الإسلام، ولماذا كان هناك علم خاص برغم وضوح هذه الآيات وهذه التفاصيل في القرآن الكريم، ولماذا جاءت هذه الآيات مفصلة بهذا الشكل. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

سؤال المذيع عن سبب وجود علم خاص بالمواريث رغم وضوح آياتها في القرآن

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم معنا، أذكر حضراتكم بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: برأيك من له حق استنباط الأحكام من القرآن الكريم؟

مولانا الإمام، أعود إلى السؤال الذي طرحته منذ قليل قبل الفاصل، هو آيات المواريث، بالرغم من وضوحها بهذا الشكل في القرآن الكريم، وإذن لماذا وضحها الله سبحانه وتعالى بهذا التفصيل؟ بالرغم من كل ذلك صدر لها علم خاص بها، الأجدى أن يصدر لها علم خاص بها.

تأسيس علم الفرائض وزيد بن ثابت أفرض الصحابة بشهادة النبي

[الشيخ]: لأن الله سبحانه وتعالى لم يترك شاردة ولا واردة إلا أسّس لها وقعّد لها ووضع لها الأصول، وأصبح هناك علم اسمه علم الفرائض. والفرائض يُعنى بها هذا الذي فرضه الله سبحانه وتعالى للوارث.

هناك علم أسسه في الحقيقة من وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أفرض الصحابة فقال:

«أفرضكم زيد»

فأفرضكم زيد الذي هو زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. وزيد بن ثابت الذي جمع القرآن والذي راجع القرآن، رئيس اللجنة يعني. كان زيد بن ثابت أفرض الصحابة، فوضع هذا العلم.

الوارثون من الرجال عشرة ومن النساء سبع وتحديدهم في علم الفرائض

[الشيخ]: ماذا يقول هذا العلم؟ يقول أن هناك ورثة، وهؤلاء الورثة هم عشرة من الرجال وسبع من النساء، عشرة رجال وسبع نساء، وليس هناك سواهم يرث.

إذن عندنا الحكاية اتضحت، والوارثون من الرجال عشرة، أسماؤهم معروفة مشتهرة: فالابن وابن الابن مهما نزل، الأب والجد له وإن علا، والأخ من أي الجهات كان، قد أنزل الله به القرآن، وابن الأخ المدلي إليه بالأب، فافهم مقالًا ليس بالمكذب، والعم وابن العم من أبيه، فاشكر لذي الإيجاز والتنبيه، والزوج والمعتق ذو الولاء، فجملة الذكور هؤلاء عشرة.

أمثلة على من لا يرث كالخال وابن الخال والعم من الأم

[الشيخ]: يأتي واحد ويقول لي: حسنًا وخالي؟ أقول له: ليس من الورثة. فيقول لي: حسنًا، وابن خالي؟ أقول له: ليس من الورثة. فيقول لي: حسنًا، أنا لي يعني عم لكنه أخو أبي من أمه. أقول له: لا.

فيقول: والعمة؟ هو ابن العم من أبيه، لم يقل من أمه. في التحديد هنا، نعم من أبيه، فيكون إما شقيق وإما من أب.

يقول لي: حسنًا، وابنه؟ أقول له: ليس من الورثة. فيقول لي: حسنًا، وهكذا. فتكون الإجابة: حسنًا وزوجة جدي؟ نعم جدي، هذه زوجة الجد تقول: أنا كنت زوجة جدكم وأريد شيئًا. فنقول: حسنًا، إذن لنتحدث عن النساء بما أننا دخلنا في هذا الموضوع.

الوارثات من النساء سبع وأسماؤهن في نظم علم الفرائض

[الشيخ]: الوارثات من النساء سبع أنثى، لم يُعطَ أنثى غيرهن الشرع: بنت، وبنت ابن، وأم مشفقة، وزوجة، وجدة، ومعتقة، والأخت من أي جهة كانت، فهذه عدتهن بانت.

يبقى سبعة وستة [عشر] جمعهم في بيت واحد وهكذا. ويجلس الأطفال يغنونها ويحفظونها، ولكن الآن لم يعودوا يغنونها، هل تنتبه إلى ذلك؟

هذا هو العلم، هذا هو العلم. بدلًا من أن يغني "أهواك وأتمنى لو أنساك" يغني هذه، ويظل وهو يمشي وشباب القرية يغنون فيها وهم أطفال صغار هكذا وهم يغنون فيها. يعني انظر حتى إلى النمط في التعليم الإسلامي أنه حوّل الأمور إلى هذه التيسير والبساطة.

الأنصبة الستة في الميراث وأصل أربعة وعشرين قيراطًا في تقسيم التركة

[الشيخ]: هذا يعني أن لدي سبعة عشر شخصًا يرث، سبعة من النساء وعشرة من الرجال. طيب، الأنصبة كم هي؟ فوجدنا النصيب: الثمن والربع والنصف والسدس والثلث والثلثان، وهما التمام، فاحفظ فكل حافظ إمام.

فوجدنا الأرقام هكذا، يعني ثمن، ربع، نصف، وبعد ذلك سدس، ثلث، ثلثان. عندما نتأمل في هذه المسألة نجد أن الرقم الذي يصلح للجميع هو أربعة وعشرين.

فقال لك أربعة وعشرون قيراطًا، جئت من هنا وجعلوا هذه التقسيمة أربعة وعشرين قيراطًا تساوي في النهاية أربعة وعشرين. أي أنني أريد أن أقول إن الرقم الذي يقبل القسمة على ثمانية وعلى اثني عشر وعلى ستة عشر وعلى ستة وعلى الثلث الذي هو ثمانية وعلى الثلثين الذين هم ماذا؟ هو أربعة وعشرون الذي يقبل القسمة على كل هذه الحكاية.

مثال تطبيقي على تقسيم الميراث بنظام أربعة وعشرين قسمًا

[الشيخ]: فإذن يمكننا أن نحل كل هذه المسائل بتخيل أن الميراث أربعة وعشرون قسمًا، وسنعطي لمن كل الأقسام.

فمات رجل وترك زوجة وابنًا، فالزوجة تأخذ الثُمن، أي ثلاثة من أربعة وعشرين، والابن يأخذ واحدًا وعشرين من أربعة وعشرين.

طيب، ترك الثُمن هذا وترك ولدًا وبنتًا، فالولد وابنة يُعصِّبون بعضهم البعض، وأتينا إلى مسألة التعصيب، فأصبح هناك قضية أخرى وباب آخر.

أنواع العصبة بالغير ومع الغير وإثارة قضية التساوي في الميراث

[الشيخ]: ما هو الباب الآخر؟ الباب الآخر هو أن الابن بطريقة معينة وترتيب معين يصبح عصبة مع أخته، فهذا هو العصبة بالغير. ولكن هناك عصبة مع الغير، وهي أن بنتًا تُعصَّب بنتًا، فيكون هناك عصبة بالغير وعصبة مع الغير.

ففي العُصبة الأولى، الأخ يأخذ ضعف أخته، وهذه هي النقطة التي أثارت غضب بعض الناس. لماذا دائمًا يقفون عند هذه النقطة ويقولون: يجب أن يتساووا، يجب أن يكون هذا مثل هذا؟ ولا شأن لنا بهذه الأحكام الآن؛ لأنهم لم يفرّقوا بين التساوي والمساواة.

الفرق بين التساوي والمساواة في نظام الميراث الإسلامي

[الشيخ]: المساواة تشتمل على العدالة، المساواة جعلنا فيها أن المرأة تأخذ والرجل يأخذ، هذه مساواة. أما التساوي فمعناه أنه يجب أن يأخذ نفس القيمة التي تأخذها المرأة الأخرى.

لا، نحن الرجل عندنا وظائف وعندنا خصائص وعندنا مراكز قانونية، والمرأة لها خصائص ولها وظائف ولها مراكز قانونية.

الشريعة عندما أتت نظمتها هكذا، يمكن أن نضع أي نظام، ولكن الشريعة هذا النظام كما قلنا بالتفصيل. وأي نظام يمكن أن نجلس ننتقده طويلًا، هو نرد عليه أي نظام.

انتقاد أنظمة الميراث الغربية وغرابة توريث الحيوانات بدل الأقارب

[الشيخ]: الميراث الإنجليزي القديم أو الحالي عليه انتقادات، ونظام الميراث الأمريكي عليه انتقادات، حتى وصل الأمر إلى أن البعض عندما خُيِّروا ذهبوا يعطون ميراثهم للكلاب وللقطط ولأشياء مثل هذه.

يعني أمور غريبة غير معقولة المعنى أصلًا، وعمل هذيان وليس فيها أي نوع من أنواع الإنسانية ولا عمارة الأكوان.

لكننا لدينا نظام متكامل. ماذا يعني نظام متكامل؟ يعني أن الرجل مكلف بدفع المهر، والرجل مكلف برعاية أخته والإنفاق عليها عند عدم النفقة، والرجل مكلف بأبيه وأمه، وهكذا الرجل مكلف بالنفقة وبالمهر وبغير ذلك من مقومات الحياة.

المرأة غير مكلفة بالنفقة في الإسلام والفساد الاجتماعي لا يعالج بتغيير الشرع

[الشيخ]: والبنت ليست مكلفة، فهي ليست مكلفة وهي بنت، وليست مكلفة وهي زوجة، وليست مكلفة وهي أم، وليست مكلفة بأي شيء.

يقول لي: لكن الواقع غير ذلك؛ لأن هناك ما يسمى بالمرأة المعيلة، وهناك من تذهب للعمل بينما زوجها مستلقٍ في البيت ويجلس يشرب مخدرات. نعم، هذا فساد عريض، الشريعة لا تقره.

[المذيع]: يعني هذا لا يُقاس عليه يا مولانا.

[الشيخ]: هذا الكلام ليس لا يُقاس عليه، لا علاقة لنا به. العلاج يتم بأساليب اجتماعية وليس بتغيير شرع الله. هذا علاجه أن نرى ما هي القضية.

مشكلة أطفال الشوارع سببها عدم الالتزام بالشرع وليس علاجها تغييره

[الشيخ]: تمامًا مثل الأطفال بلا مأوى، الأطفال بلا مأوى هذا هو الرئيسي لديهم، أن شخصًا يخلف أحد عشر طفلًا وهو كان يجب عليه أن ينجب طفلًا أو اثنين.

فعندما لم يلتزم بما فرضه عليه الشرع من قوة ونظام وما إلى ذلك، ولم يدرك حقيقة الحياة الدنيا وإلى أين هو ذاهب، فأنجب أحد عشر طفلًا وله في كل قرية زوجة، وتجده يتزوج ويطلق حتى يصبح لديه أربعة وعشرون طفلًا، فأصبحوا أطفالًا بلا مأوى.

هل هذا تقره الشريعة إطلاقًا؟ لا. هل هذا غير معروف؟ حسنًا، وما علاج ذلك؟ ليس علاجه أن نغير الشرع، ولا علاجه أن نقتل هؤلاء الأطفال مثلًا، ولا علاجه أن نحرم الزواج، ولا علاجه أن نحن نغير الشرع.

العلاج الصحيح للمشكلات الاجتماعية يكون بوسائل متعددة لا بتغيير الشرع

[الشيخ]: بل لهذا علاجات اجتماعية وعلاجات نفسية وعلاجات إعلامية وعلاجات أخرى إلى آخره، يجب علينا أن نعمل عليها.

لكن هذه الطريقة الساذجة من تغيير الشرع ماذا تفعل؟ تغير المعالم ولا تحل المشكلة. يعني ها هي تونس قد حرمت التعدد من قبل، فأصبح التعدد يعمل خارج القانون؛ ولم [يتوقف] لأن الزنا صار مباحًا.

فتقول أنت: هذه زوجتي، فيقول: لا، إنها زوجتي، يلقي القبض عليك. فقلت له: حسنًا، إذا حوّلت عشيقتي، افعل ما تريد. قال: لا، عشيقتك خلاص. فكل شيء بالخلاف إلا العشق بالاتفاق، فتركوه.

مثال تاريخي على فشل تحريم التعدد وانتشار العشيقات في الغرب

[الشيخ]: حسنًا، ما الذي حدث الآن في الكون؟ أهو الملك لير أم الملك لويس أم لا أعرف جيمس أو غيره، كان متزوجًا واحدة طبقًا للديانة ولديه تسعة من العشيقات. ماذا فعلنا نحن؟ لا شيء، لا شيء.

إذا لم نعالج، لكن العلاجات تتم بطرق أخرى، منها اجتماعي ومنها نفسي ومنها ديني، منها موعظة ومنها علاجات أخرى.

[المذيع]: ولكن ليس بتغيير شرع الله.

[الشيخ]: إنما ليس بتغيير شرع الله.

نظام الميراث الإسلامي متكامل والمرأة ترث أحيانًا مثل الرجل أو أكثر

[الشيخ]: هذه قضية، والقضية الثانية لكي نثبت النظام، يقول لك أنت:

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

أمازلتم تتذكرون؟ لا، هذا أحيانًا الأنثى تكون مثل الذكر، وأحيانًا أقل، وأحيانًا تأخذ وهو لا يأخذ، وأحيانًا هو يأخذ وهي لا تأخذ.

نظام كبير في خمسمائة واثنتي عشرة مسألة لها أصول، وفروعها ستة وثلاثين ألف مسألة.

ختام الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم ورضي الله عنكم دائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.