والله أعلم| علي جمعة يتحدث عن بعض أحكام قراءة القرآن والفرق بين الترتيل والتجويد| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| علي جمعة يتحدث عن بعض أحكام قراءة القرآن والفرق بين الترتيل والتجويد| الحلقة الكاملة

30 دقيقة
  • القرآن الكريم قُرئ في مصر بموسوعية منقطعة النظير، وكان لمصر علماء مشهورون في القراءة كالشيخ المسلوب والشيخ درويش الحريمي والشيخ محمد رفعت.
  • تميزت قراءة القرآن باستخدام لحون العرب وليس لحون الأعاجم، وكان للقراء مقامات موسيقية مختلفة كالنهاوند والصبا والحجاز والرصد.
  • قسّم المسلمون القرآن بطرق مختلفة لتسهيل ختمه، فالحجاج قسمه على سبعة أقسام ليُختم في أسبوع، والإمام مجاهد قسمه إلى ثلاثين جزءاً.
  • هجر القرآن يشمل هجر الاعتقاد والعمل والتصديق والقراءة، وأقل تلاوة تكون بختمه مرة في السنة.
  • الفرق بين الترتيل والتجويد أن الترتيل يتبع القواعد فقط، بينما التجويد يضيف حسن الصوت والمقامات.
  • يحتاج ترتيل القرآن إلى ٢٣ ساعة، أما التجويد فيحتاج إلى ٥٦ ساعة.
  • الغفلة والنسيان من أسباب هجر المسلمين للقرآن، والذكر يجدد الإيمان ويطمئن القلوب.
محتويات الفيديو(34 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وموضوع ترتيل القرآن

[المذيع]:

﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ‎* وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ‏ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ‎‏ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى﴾[طه: 25-28]

أَهْلًا بِكُمْ فِي "وَاللهُ أَعْلَمُ"، نَسْعَدُ دَائِمًا بِصُحْبَةِ صَاحِبِ الفَضِيلَةِ مَوْلَانَا الإِمَامِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ عَلِي جُمْعَةَ بِهَذَا اللِّقَاءِ الَّذِي تَتَجَدَّدُ بِهِ حَيَاتُنَا دَائِمًا وَدَوْمًا.

وَنَحْنُ نَقْرَأُ مَعَهُ فِي هَذَا المَنْهَجِ الإِصْلَاحِيِّ وَالتَّجْدِيدِيِّ وَالإِجَابَةِ عَلَى أَسْئِلَةٍ مُلِحَّةٍ فِي هذه اللحظة الفارقة مع العقلية الفارقة. أهلًا بكم مولانا الإمام، اسمح لي في البداية أن أرحب بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: مولانا ونحن ما زلنا نتحدث ونستمتع ونمتع أنفسنا بالحديث عن القرآن الكريم، نصل إلى محطة مهمة جدًا وهي الترتيل والتجويد:

﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]

وسيدنا أبو موسى الأشعري يقول لسيدنا صلى الله عليه وسلم: والله لو كنت أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيرًا. ما معنى ترتيل القرآن ومعنى أن أحبره لك تحبيرًا؟

الأثر النبوي في قراءة القرآن بلحون العرب والإيقاع العربي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

ورد في الأثر:

«اقرؤوا القرآن بلحون العرب ولا تقرؤوه بلحون الأعاجم»

فكان هناك إيقاع، كان هناك نظام، كان هناك وزن يسير عليه العرب في أشعارهم. هذا الوزن هو الذي جعل العرب يقرضون الشعر.

فجاءنا الخليل بن أحمد عندما اكتشف الكامن من ورائه في نحو ست دوائر، واكتشف الخليل بن أحمد أن هذا الكامن في الكلام العربي وخاصة الشعر العربي - وإن كان القرآن ليس على هذه الأوزان التي تكلم بها العرب إطلاقًا - ولكن هناك أمر خفي وراء هذا النظم القرآني المعجز المبهر.

اكتشاف الخليل بن أحمد لنظام الساكن والمتحرك وبحور الشعر العربي

الخليل بن أحمد وجد أن الأمر بين الساكن والمتحرك، وأشار بالمتحرك بالتاء المفتوحة، وأشار بالساكن بالنون الساكنة. فأصبح "تَنْ" و"تَنْ" هذه أصبحت هي الوحدة التي تُركَّب منها المركبات حتى نصل إلى:

مَكَرٍّ مَفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ.

مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ، تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَنْ تَاتَا تَنْ، وهكذا.

وفي النهاية أصبحت هناك البحور التي جاء الأخفش [إمام النحو - أبو الحسن سعيد بن مسعدة البلخي] بعد ذلك وأتى ببحر زيادة وأسماه المستدرك، وسمى هذه البحور.

الشعر الغنائي والحداء وعلاقته بالمقامات الموسيقية العربية

لكن هناك أيضًا من تغنّى، ولذلك يسمونه عندنا الآن في عُرفنا بالشعر الغنائي؛ الشعر الغنائي لأنه يتحول إلى أغنية، يتحول إلى أن أنجشة يحدو به الإبل، فيقول [النبي ﷺ]: رفقًا يا أنجشة، رفقًا بالقوارير؛ لأن النساء ركبن الجمل، والجمل يبدأ بالطرب.

[المذيع]: عند سماع يا حادي العيس عرج؟

[الشيخ]: ويحدث للجمل حال، وهذا الحال يجعله يهتز، فالمرأة تتعب من ذلك، فيقول له: رفقًا.

كان أنجشة لديه صوت جميل، ولكن بالإضافة إلى الصوت هناك زمن، وهناك فواصل وهناك علو وهبوط يسمونه الجواب والقرار. ومن مجموع هذا أصبحت هناك، يعني، مقامات.

المقامات الموسيقية العربية وفروعها عند كامل الخلعي وعلاقتها بتلاوة القرآن

عندما جاؤوا ليحسبوها وجدوا هذه الأوزان التي نسميها النهاوند، والصبا، والحجاز، والرصد وهكذا. وأصبح هناك فروع لهذه المقامات الموسيقية.

وأصبحنا نتحدث كما يقول كامل الخلعي رحمه الله تعالى.

[المذيع]: أحد الملحنين الرائعين في بداية القرن العشرين.

[الشيخ]: هناك أربعة وسبعين اسمًا من هذه الأسماء، منهم خمسة أساسيين، ثم تتفرع هذه المقامات الموسيقية، وكل مقام له مدخل وله مخرج وله كيفية في الاتصال بالأشياء الأخرى.

«اقرؤوا القرآن بلحون العرب»

يعني بمثل هذه اللحون التي نجدها في قمتها عند الأكابر الذين بهروا الناس بها.

الشيخ عبد الرحمن المسلوب والمعلم شعبان وعبده الحامولي وجواب الجواب

كان الشيخ المسلوب [عبد الرحمن المسلوب]، الشيخ المسلوب كان في أواخر القرن التاسع عشر وعمّر في السن وعلّم الناس.

كان هناك المعلم شعبان الذي هو أستاذ عبده الحامولي، عبده الحامولي. وصل حاله من القرار إلى أن أتى بجواب الجواب، جواب الجواب هذا يعني شيئًا تألق في السماء.

كان هناك رجل حلبي اسمه الشيخ الرفاعي الحلبي، جاء وكان من كبار الموسيقيين أو من كبار المهتمين بهذه المقامات ليسمع عبده الحامولي. وبعد ذلك عندما سمعه في بداية الليلة، وكان يريد أن يغادر المكان.

فلاحظه عبده وأرسل مساعده ليقول له: عبده لم يُغنِّ بعد، لم يندمج ويتألق بعد، لم يصل إلى جواب الجواب بعد.

عبده الحامولي يؤذن بين يدي السلطان وأثر الأذان في إسلام الناس

كان عبده رحمه الله يؤذن ويقوم بالأذان، فذهب وأذَّن بين يدي السلطان. تخيل أن السلطان في الآستانة استدعاه لكي يسمع الأذان بصوته وطريقته الخاصة؛ لأنه كان شيئًا مميزًا عندما تسمع منه الأذان.

هناك أناس أسلموا ودخلوا الإسلام من النداء إلى الصلاة بهذا الصوت الندي وبهذه الأوزان أو بهذه الألحان إن صح التعبير.

كانوا أيضًا يتلون كتاب الله سبحانه وتعالى على لحون العرب، أي بالطريقة العربية وليست على لحون الأجانب. الذين أتوا بعد ذلك؛ لدينا موزارت ولدينا شوبان ولدينا باخ ولدينا بيتهوفن، وهؤلاء الجماعة. لا، هؤلاء على واحدة ونصف، لكن نحن على ربع تون.

أعلام القراءة القرآنية في مصر من الشيخ المسلوب إلى درويش الحريري ويوسف المنيلاوي

المهم أن هناك أشخاص لم ندركهم مثل الشيخ محمد المسلوب، مثل الشيخ درويش الحريري، مثل الشيخ يوسف المنيلاوي، مثل الشيخ محمد قناوي كان يحكي لنا عنه مشايخنا، كان يقرأ القرآن في مسجد فاضل الذي جاء بعده الشيخ رفعت.

[المذيع]: كان اسم المسجد فاضل باشا بدرب الجماميز.

[الشيخ]: كان اسمه الشيخ عبد الشافي، وكان الشيخ عبد الشافي هذا عندما يقرأ، كان مشايخنا يقولون كأنه شيء مميز هكذا، شيء تقشعر له الأبدان وهو يقرأ القرآن الكريم. والشيخ عبد الشافعي كان في ذلك الوقت لم يدخل الميكروفون بعد، وحتى أن الكهرباء نفسها لم تكن قد دخلت.

الشيخ أحمد ندا جد شريفة فاضل وجهوريّة صوته في مسجد الحسين

كان هناك شخص كبير مثل الشيخ أحمد ندا، الشيخ أحمد ندا هو جد المطربة شريفة فاضل، جدها. فالشيخ أحمد ندا كان يقرأ وكان جهوري الصوت، يعني صوته وهو يقرأ في سيدنا الحسين يصل حتى ميدان الأزهر.

[المذيع]: لم تكن هناك مكبرات صوت؟!.

[الشيخ]: نعم، لكن كانت الدنيا هادئة أيضًا، ليس فيها ضجيج، ولا سيارات، ولا سيارات أجرة، ولا أبواق. لا يوجد تلوث سمعي إطلاقًا.

فكان الشيخ - رحمه الله - الشيخ أحمد ندا أخذته الخاصة الخديوية وأصبح لديه عربة مثل الخاصة الخديوية تمامًا يتنقل بها وما إلى آخره.

جيل الشيخ علي محمود والشيخ رفعت وإحياء شباب الإسلام بالقرآن

هؤلاء لم يستعملوا ميكروفونات. الجيل الذي جاء بعدهم كان فيهم الشيخ علي محمود.

[المذيع]: والشيخ منصور بدار أيضًا.

[الشيخ]: والشيخ رفعت وهكذا.

الشيخ رفعت توفي عام ألف وتسعمائة وخمسين، وكان العلماء يقولون: أحييت شباب الإسلام، أي أرجعت للإسلام شبابه من الذي كان يقرأ فيه. ذات مرة ذهب الشيخ رفعت إلى أحد الباشوات ليقرأ. كان الباشوات يحبون دائمًا أن يُقرأ القرآن في بيوتهم هكذا، فيحضرون شخصًا كبيرًا مثل الشيخ رفعت. وبعد ذلك الباشا بعدما قرأ [الشيخ] دعاه إلى البيت، لقد قرأ في السرادق فأخذه معه إلى المنزل لكي يقرأ، وزاده في قيمة المبلغ الذي سيأخذه.

تقوى الشيخ رفعت وعلاقته بشيخه محمد أمين البغدادي النقشبندي

فالشيخ رفعت - يقول له لماذا؟ - حيث كان تقيًا وكان نقشبنديًا،فهو من تلاميذ سيدي محمد أمين البغدادي النقشبندي.

وكان الشيخ [محمد أمين البغدادي] يدعو له كثيرًا، حتى عندما كان يقرأ، مرة كان يقرأ في الإذاعة فحدث شيء من الحشرجة، فدعا له الشيخ فانطلق[الشيخ رفعت]. الشيخ منتبه له ويدعو له.

[المذيع]: هم أهل الله وخاصته.

[الشيخ]: أهل الله، ولأنهم كانوا متفاعلين مع هذه الحالة.

فالمهم أن الشيخ رفعت قال له: هذا كرم زائد، شاكرون، يكفي ما أخذته. فالرجل قال له: لا، أنت غير منتبه؛ لأنك ذكرتنا بالشيخ حسن إلياس.

قصة الشيخ حسن إلياس المجهول الذي ذكّر الشيخ رفعت الناس به

[المذيع]: مَن الشيخ حسن؟

[الشيخ]: فقال له: والله يا بني لا أعرف مَن هو الشيخ حسن. الباشا يقول للشيخ محمد رفعت: والله يا بني لا أعرف مَن هو الشيخ حسن إلياس، كان يأتينا وأنت شمة منه[شيء من رائحته].

حسنًا، إذا كان الشيخ رفعت شيء منه، شيء من حسن إلياس هذا، فماذا يكون حسن إلياس؟

الشيخ رفعت ثارت لديه شهوة المعرفة، يريد أن يعرف من هو حسن إلياس هذا الذي لم يسمع به أبدًا أو ما شابه ذلك.

الشيخ درويش الحريري يؤكد أن حب الناس لرفعت بسبب تذكيره بحسن إلياس

فعندما نزل ذهب إلى الشيخ درويش الحريري الذي كان بمثابة أبيهم جميعًا، فذهب وقال له: يا شيخ درويش، هل تعرف شخصًا اسمه حسن إلياس؟

قال له: الله، ولماذا تظن أننا نحبك يا رفعت إلا لأنك تذكرنا بحسن إلياس.

من هو حسن إلياس هذا؟ قال له: حسن إلياس هذا كان رجلًا فلاحًا، وكان يأتي وقد ربط رأسه بلفافة هكذا بمنديل محلاوي. وكان لديه شيء غريب جدًا

[المذيع]: ما هو هذا الأمر؟!

[الشيخ]: أنه إذا سمعته في الصباح فهو مثل قطار السكة الحديد، وإذا سمعته في الليل بعد العشاء صوته ملائكي.

سر صوت حسن إلياس وثراء مصر بقراء القرآن عبر التاريخ

كيف ذلك؟ ما الذي يحدث في صوت حسن إلياس ليختلف صباحاً عنه مساءاً؟ لا نعرف!.

وسألهم [الشيخ رفعت]: هل هو حي أم ميت؟ قالوا: لا نعرف أيضًا. مثلنا مثل الباشا كان لا يعرف سوى أنه جاء من القرية وذهب إلى القرية وانتهى.

كانت مصر مليئة [بالقراء العظام] حتى قال الناس إن القرآن قُرئ في مصر.

[المذيع]: بهذا المعنى وبهذه الموسوعية منقطعة النظير.

سؤال المذيع عن هجر القرآن وكيف يهجر المسلم القرآن الكريم

[المذيع]: أبان لنا مولانا الإمام هذا المعنى، كيف قُرئ القرآن في مصر، وأبان لنا ملامح هذه المدرسة القرآنية في مصر ما بين حلاوة الصوت وجمال الأداء وعبقرية التصوير الفني لهؤلاء الأكابر. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، مع كل ما تفضلت به من توضيح هذه الجماليات في الأداء والعلاقة بيننا وبين القرآن الكريم من خلال هؤلاء الأكابر الذين شنَّفوا آذاننا وأودعوا هذه الأسرار في قلوبنا. أريد أن أسأل فضيلتكم عن هجر القرآن، كيف يهجر المسلم القرآن وكل هذه الأمور بين أيدينا؟

[الشيخ]: حاول المسلمون عبر القرون أن يخدموا القرآن حتى لا يتم هذا الهجر.

الحجاج بن يوسف أول من قسّم القرآن إلى سبعة أقسام لختمه في أسبوع

وأول من حاول هذا كان الحجاج [الحجاج بن يوسف الثقفي]؛ لأنه كان قد افتتح كُتّابًا هو ووالده، كان الحجاج من حفظة القرآن ومحفظي القرآن أيضًا للأولاد والصبيان في الطائف.

فأمر بعدّ حروف القرآن وقسَّمه على ذلك إلى سبعة أقسام حتى يُنهي ختمته في أسبوع. وكان أول تقسيم للقرآن مبنيًا على الحروف.

وكانت الأقسام السبعة بحيث نقرأ كل يوم جزأين. نحن الآن في الأسبوع سبعة، فيُقسَّم إذن ثلاثون على سبعة يُصبح أربعة أجزاء وبعض الشيء، فأربعة أجزاء وبعض الشيء هذا كل يوم، بحيث أنك تُكمِل القرآن في أسبوع.

تقسيم الإمام مجاهد القرآن إلى ثلاثين جزءاً وتقسيمه إلى أحزاب وأرباع

بعد ذلك جاء الإمام مجاهد [ مُجاهِد بْن جَبْر - ويُقال: جُبير]، وكان إمامًا من أئمة القرّاء، فقسّمه أيضًا على الحروف إلى ثلاثين جزءًا حتى لا تمضي [الأيام] إلا وأنت معك الثلاثون جزءًا.

بعد ذلك قسّم المسلمون كل جزء إلى حزبين لكي يكون هذا للصباح وهذا للمساء، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع حتى تستطيع قراءة الربع في الركعة.

هذا التقسيم الذي قام به المسلمون هو للقرآن الذي يتكون من ستة آلاف آية وبعض الزيادة - ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.

ابتكار نظام الركوع في القرآن وتقسيم الآيات لختمه في شهر

فابتكروا شيئًا اسمه الركوع؛ كل عشر آيات تُرسم عين هكذا، وتجدها في الطبعات الهندية، بمعنى اركع هنا، كل عشر آيات.

وعلى ذلك فالستة آلاف على عشرة يساوي ست مئة، وعلى عشر ركعات نقرأ فيها الآيات، فيكون بستين، وعشرة في النافلة تكون بعشرين ركعة.

فإذن سوف تختم القرآن بهذا الركوع بطريقة تقسيم الركوع، تختمه في شهر. الذي ورد أنه اختم القرآن في شهر. بي قوة يا رسول الله [كما قال سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص للنبي ﷺ]، في أسبوع، في كذا، قال له حسنا أقلها ثلاثة أيام.

همة السلف في تكرار ختم القرآن والحد الأدنى لعدم هجره

إذن الإنسان عليه أن يتقن ولا يتعجل في تلاوة القرآن لمجرد ختمه، لا بد أن يقرأ القرآن وختمه على أقصى تقدير في عشرة أيام. فكان السلف من كثرة حبهم في القرآن يريد أن يقرأ العشرة ولا يريد أن يخالف سيدنا [رسول الله ﷺ]، فيكررها.

يعني يقرأ العشرة صباحًا ويقرأهم أنفسهم بالليل، فكم قرأ في الحقيقة؟ لقد قرأ عشرين، لكنه قرأ عشرة فقط وقرأ الثلث، ففي الثلاثة أيام يختمون مرتين.

طبعًا هذه همة عالية جدًا، ولكن السؤال المعاكس لذلك: متى أكون هاجرًا للقرآن؟ أقل تلاوة تكون مرة في السنة

[المذيع]: ختمه يا مولانا مرة في السنة؟

[الشيخ]: مرة في السنة يعني تقرأ القرآن كله من أوله لآخره في السنة مرة. أقل من ذلك يكون فيه نوع من أنواع الهجر.

معنى هجر القرآن بين هجر العمل وهجر القراءة وأهمية التدبر

طبعًا بعضهم يفسر الهجر بغير ذلك.

[المذيع]: ما هو معنى الهجر يا مولانا؟ هل المقصود به هجر العمل أم هجر القراءة؟

[الشيخ]: بعضهم يفسر الهجر بأنه عدم التطبيق، أي إنه هجر العمل.

فالهجر الذي هو منهي عنه هو هجر العمل، وليس هجر القراءة. طبعًا القراءة هي وسيلة أيضًا للعمل، فالإنسان وتشجيعًا للناس على القراءة، نقول لهم: لا تهجروا القرآن أو لا تهجروا قراءته أيضًا؛ لأن هذه القراءة هي الخطوة الأولى لنا للعمل، وللتصديق، وللفهم:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

إذن يجب علينا أن تكون لنا حصة من القرآن.

طرق كتابة القرآن وحفظه خمس آيات خمس آيات عند الصحابة

هذه الحصة جعلت الكتّاب يكتبون القرآن بطرق شتى؛ إذ جعلوا يكتبون خمسة عشر سطرًا في الصفحة الواحدة، ويجعلون كل خمس أسطر أن يقرؤوهم بمفردهم ويحفظونهم بمفردهم وهكذا إلى آخره.

فأصبح هناك فرص كثيرة، وكان الصحابة يحفظون القرآن خمس آيات خمس آيات، ولا يتجاوزونها إلا حتى يفهموها ويطبقوها ويعيشوا فيها.

وورد حديث في سنن البيهقي الكبرى:

«من حفظ القرآن خمسة خمسة لم ينسَه»

[المذيع]: من واظب على خمس لم ينسَ.

[الشيخ]: لكن ما ورد في البيهقي هكذا:

«من حفظ القرآن خمسة خمسة لم ينسَه» أخرجه البيهقي.

الهجر المنهي عنه هو هجر الاعتقاد والعمل والتصديق وضرورة ملازمة القرآن

المهم أن الهجر هو أساسًا هجر الاعتقاد وهجر العمل وهجر التصديق، وتبعًا لذلك هجر القراءة.

فينبغي على الإنسان ألا يحرم نفسه من القرآن بأي وسيلة، بشرط ألا تكون الختمة، في وقت أقل من ثلاث أيام، أي لا تقل عن ثلاثة أيام؛ لأن هناك نهيٌ عن هذا.

[المذيع]: مولانا الإمام، لو أنني كل يوم اعتدت أن أحفظ خمس آيات مثلًا وأخذت أردد هذه الآيات في كل صلاة من الصلوات الخمس في نفس اليوم، هل هذا يُعتبر أيضًا نوعًا من الترديد وعدم هجر للقرآن الكريم، وإن لم أقرأها خارج الصلوات [نفس الخمس آيات]؟

[الشيخ]: طبعاً طبعاً.

حفظ القرآن من خلال التلاوة في الصلاة وانتباه المشايخ لحال المصلين

هذا هو ما سار عليه المسلمون، فقد حفظوا القرآن من خلال التلاوة داخل الصلاة.

وكثيرًا ما كان مشايخنا يقولون لك: الله، إنه يسمع وهو يصلي [يقرأ في الصلاة ما قام بحفظه لتثبيت الحفظ]. كانوا ينتبهون إلى هذه الأمور، فيعرفون من الذي يتعبد، ومن الذي يقول ويكرر، ومن الذي يسير بانتباه ويسمع، وهكذا يظهر ذلك عليهم.

فكل هذا من أوجه الخير، وكل هذا من الرحمة، وكل هذا من تجربة المسلمين الثرية في ما وفقهم الله وأقامهم فيه في حفظ كتاب الله.

أسباب هجر المسلمين للقرآن الكريم والغفلة كسبب رئيسي

[المذيع]: مولانا الإمام، ربما يتساءل البعض عن أسباب هجر المسلمين القرآن الكريم بمعناه الشامل؛ الذي أوردته فضيلتك من خلال هجر العمل وهجر القول وهجر الاعتقاد، كما تراه فضيلتكم؟

[الشيخ]: الغفلة، وما سُمي الإنسان إلا لنسيه، وما أول ناسٍ إلا أول الناس. فعاهد آدم ربه فنسي، أول الناس الذي هو سيدنا آدم نسي، نسي العهد الذي قطعه على نفسه بألا يأكل من الشجرة، فكان ما كان.

فالغفلة: أن الإنسان عنده نسيان، ينسى وينشغل بما هو قائم فيه الآن، وينسى العهود، وينسى الطريق الصحيح، وينسى العمل الصالح، وينسى الطاعات، وهكذا.

أهمية الذكر في مواجهة الغفلة وتجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله

فنحن دائمًا نقول فذكر:

﴿فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

الذكرى ترقق القلب وتجعل الإنسان:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

الذكر هذا أمر مهم جدًا، والذكرى أمر مهم حتى أنه سمى القرآن ذكرًا:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فعلى الإنسان أن يجدد حياته وأن يجدد إيمانه.

حديث تجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله وأثرها على اللسان والقلب والروح

وكان سيدنا رسول الله ﷺ يقول لنا هكذا:

«جددوا إيمانكم. قالوا: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله»

انظر إلى البساطة، حلّ لنا كل شيء ببساطة. تخيل في الأوراد الخاصة بنا يقول لك: قل لا إله إلا الله مائة مرة في الصباح ومائة مرة في المساء، يسمونها الأساس.

[المذيع]: هذا يقال في وِرد الأساس يا مولانا؟ لا إله إلا الله.

[الشيخ]: حسنًا، بعض الناس يستهين ويقول ماذا يعني عندما نقول لا إله إلا الله؟ هكذا!!، ونحن نقول حتى وإن قلتها بلسانك فاستمر، فإن قلبك سيتحرك، وإن قلتها بقلبك فاستمر فإن روحك ستتحرك، وهكذا إلى أن تؤثر عليك فتمنعك من المعاصي وتدفعك إلى الطاعة.

سؤال المذيع عن الفرق بين الترتيل والتجويد والوحدة الزمنية في قراءة القرآن

[المذيع]: مولانا الإمام، بصورة دقيقة جدًا أوضحت لنا أن الوحدة الزمنية هي الأساس في الفنون والأداءات المختلفة والمتنوعة سواء في الشعر أو في الفنون الأخرى في قراءة القرآن،

﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]

هل هناك فرق بين الترتيل والتجويد؟ هل هي الوحدة الزمنية مع الحفاظ على المدود بنفس التوقيت الزمني في القراءة الطبيعية في القرآن الكريم للحفاظ على الأحكام؟

[الشيخ]: من الناحية اللغوية التجويد هو الترتيل والترتيل هو التجويد، أي أنه من الناحية اللغوية يوجد ما يسمى بالترادف، ولكن من الناحية الاصطلاحية فالتجويد يدخل فيه مراعاة المقامات.

مقام الحجاز والصلاة على النبي وارتباط المقامات بالمعاني عند المستمعين

يقول لك نعم، هذا داخل بياتي الآن، *بسم الله الرحمن الرحيم، فيقول ها هو داخل بياتي الآن.

وأحيانًا يُسمي الناس مقام الحُجاز وهو بالضم الحِجاز. فعندما يدخل القارئ إلى درجة الحجاز هذه، يقول [المستمع]: اللهم صلّ على النبي

[المذيع]: بنفس المقام.

[الشيخ]: لماذا قال؟ اللهم صلّ على النبي، لأنه اعتقد أن الحجاز [المقام الموسيقي] يعني هو أرض التي فيها المدينة ومكة وما إلى ذلك، لكنه ليس كذلك، ليس اسمه الحِجاز، هو اسمه الحُجاز، لكنه يظن أن هذا اسمه الحجاز ،وكلمة الحجاز أحدثت ارتباطًا ذهنيًا عنده أن يصلي على سيدنا الرسول ﷺ.

دلالة معرفة المقامات الموسيقية على الأذن المدربة وعبقرية الشيخ مصطفى إسماعيل

لكن هذا معناه أن أذنه [في غاية الدقة والفهم والتذوق لما يسمعه]، هذه الأذن وهي تسمع، فعرف أنه مقام الحُجاز، فيصلي على النبي. يعني كذلك الصلاة على النبي هذه، وإن كانت جاءت بهذه الطريقة، وإن كانت تشتمل على شيء من المخالفة الصحيحة، إلا أنها في الحقيقة تدل على شخص عجيب الشكل.

حسنًا، أنت الآن رجل عادي، ما الذي جعلك تعرف الرصد والحجاز وغيرهما من المقامات والسيكا والعجم وهذه المقامات؟ وكيف تفهم أنه دخل نهاوند وبياتي، فهم الدخول والخروج من هذه المقامات؟

كان مثلًا سيدنا الشيخ مصطفى إسماعيل شيئًا آخر، كيف يخرج ويقول له الله؟ حسنًا، أنت دخلت هكذا، كيف ستخرج؟ فيأتي له بمقام عجيب غريب يخرج به. ما هذا؟ إذن هذا فتح من الله، يسمونه فتح.

الفرق بين الترتيل والتجويد من حيث القواعد والمقامات وحسن الصوت

الترتيل يتبع القواعد، هذه القواعد تعني أن للحرف حقًا ومستحقًا، مخرجًا وصفات، فأنا أسير وفق القواعد تمامًا، كحرفيّ، فيكون هذا هو الترتيل.

أما التجويد فيضيف إلى هذا قضايا: أولها حسن الصوت، وثانيها المقامات. فهذه القضايا التي نضيفها تنقله من دائرة الترتيل إلى دائرة التجويد.

وتجد المنشاوي يرتل ويجوّد، سيدنا الشيخ الحصري رحمه الله تعالى يرتل ولكنه يجوّد. فالترتيل يأخذ من الواحد ثلاثًا وعشرين ساعة

[المذيع]: لتلاوة القرآن كله؟

[الشيخ]: نعم، القرآن كله ثلاث وعشرون ساعة. أما الآخر [التجويد] فقد استغرق ستًا وخمسين ساعة، وهو محافظ على نفس الأحكام.

أهمية الحفاظ على أحكام التلاوة في الترتيل والتجويد والفرق الزمني بينهما

إذا لم يحافظ على نفس الأحكام فسوف يسقط ولا يُعتمد. أهم شيء هو الحفاظ على الأحكام والقواعد، التي هي أحكام النون الساكنة وأحكام اللام والراء وما إلى ذلك، ومخارج الحروف إلى آخره وصفات الحروف. كل هذا لابد أن يكون محافظًا عليه هنا [في الترتيل] ومحافظًا عليه هناك [في التجويد].

أما طريقة الأداء تستغرق تلاوة القرآن كاملاً مدة زمنية من ثلاثة أو أربعة وعشرين ساعة إلى ستة وخمسين أو سبعة وخمسين ساعة، كم يكون الفرق؟ إنه الضعف وأكثر من الضعف. ثلاثة وعشرون ساعة وهذه ستة وخمسون ساعة، أي سبعة وعشرين ساعة لتصل إلى الخمسين، وفوقها أيضًا مثلها مرة ونصف.

التجويد يؤدى بمقامات متنوعة وليس بإيقاع واحد ومعنى النبر في القراءة

إذن التجويد يأخذ مسافة؛ لأنه يُؤدَّى بمقامات وليس بإيقاع واحد، ويؤدي بهذه المقامات ليس على سبيل التلاوة الرتيبة وإنما على سبيل الأداء الصوتي.

[المذيع]: والاسترس [النبر: وهو الضغط على حرف أو مقطع صوتي معين] على الحرف يا مولانا؟

[الشيخ]: لا، الاثنين أسترسهم واحد. جميلة كلمة أسترسهم هذه، حسنًا، هكذا هم المصريون، هكذا أسترسهم واحدًا.

أي النبر، الأسترس نسميه في العربية النبر. فالنبر واحد: يَعِظُكُمْ، يَعِظُهُمْ، يَعِظُكُمْ، فيها أسترس في النبر، فيها نبر. فيَعِظُكُمْ، أَفَلَا، أَفَلَ، أَفَلَ يعني اختفى، وأَفَلَ النجم، لكن أَفَلَا، فانظر ماذا بها؟ بها مسافة بالنطق.

فن النبر والضغط على مواضع الكلمة لإظهار المعاني المختلفة

النبر هو الضغط، كون أنك تضغط على مواضع من الجملة أو مواضع من الكلمة تُظهر بها معنى.

يقول لك: أنت مشغول، غير عندما يقول لك: أنت مشغول [بطريقة استفهامية]، غير عندما يقول لك: أنت مشغول [بطريقة استنكارية].

فانظر كيف هنا مستفهم وهنا مستغرب وهنا منكر وهنا يعني أنت تشغل نفسك لماذا هكذا؟ هذا الأسترس أو هذا النبر له فن قائم بذاته.

خاتمة الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة على إنارة العقول بعلوم القرآن

[الشيخ]: لا بأس، سيكون في حلقة أخرى نقولها.

[المذيع]: مولانا الإمام، إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، تعجز العبارة عن وصف ما تتفضل به دائمًا وتُنير به هذه العقول وتفتح به هذه الطرق التي نسير فيها دائمًا نحو المستقبل.

فضيلة الإمام ومولانا الإمام، رضي الله عنكم وشكر الله لكم دائمًا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: نلتقي بكم دائمًا على هذا الخير، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.