والله أعلم| علي جمعة يرد على الادعاء بأن الفتوحات الإسلامية تدعم فكر المتطرفين| الحلقة الكاملة

والله أعلم| علي جمعة يرد على الادعاء بأن الفتوحات الإسلامية تدعم فكر المتطرفين| الحلقة الكاملة - والله أعلم
المذيع [حسن الشاذلي]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أهلاً بكم في "والله أعلم" لنسعد دائماً بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، نناقش معه تلك العقلية وهذه الدعوات للمتطرفين، مولانا الإمام، أهلاً بكم، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، مرحباً، المذيع: هناك من يقول من العقلية المتشددة ومن الاتجاهات المتطرفة
أن الفتوحات الإسلامية كانت أحد أهم أسباب تكوين العقلية المتطرفة والقتل باسم الدين، فكيف بالبداية نوضح ما مفهوم الفتوحات الإسلامية؟ وهل بالفعل كما يقولون أو كما يقول البعض على هذا؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، المذيع: صلى الله عليه وسلم. الشيخ: هناك خطأ في الذهن البشري عند التفكير يقع فيه كثيرون من الناس، وهذه الأخطاء عندما تتراكم تؤدي إلى الضلال، من ضمن هذه الأخطاء الشائعة التعميم، كأن تقول مثلاً أنَّ فلاناً من المصريين فيه صفة رديئة خائن لص كذا
إلى آخره، فالمصريون كلهم هكذا، فهذا تعميم قبيح، ويقع فيه - لو وقع فيه الإنسان - لضلَّ عن سواء السبيل، لأن المعروف أن جماعات البشر فيها هابيل وقابيل، فيها القاتل والمقتول، فيها الظالم والمظلوم، فيها العالم والجاهل، فيها الغني والفقير، انكار التنوع وسحْبُ أمرٍ واحدٍ فقط على الجميع اسمه التعميم، وهو من مُضِلّات العقول وشَغَب التفكير, أيضاً الاجتزاء هو أنك تقتطع نصاً فيخرج نصاً آخر مختلفاً تماماً معك، واجتزاء
النص هذا أو اجتزاء الواقع أو اجتزاء الفهم مصيبة كبرى توقعك في الضلالة أو في الخطأ أو في المعصية، هم اجتزؤوا رسول الله، من أراد أن يفكر بهذه الطريقة الساذجة لا علاقة له لا بالإسلام ولا بعلم الإسلام ولا بهوية الإسلام، المذيع: وماذا يعني أنهم اجتزؤوا وكيف اجتزؤوا؟ الشيخ: رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله الله هداية للناس، وإنك لتهدي إلى الصراط العزيز الحميد، فالنبي عليه الصلاة والسلام هداية، رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه الوحي في غار حراء ظل الوحي يتتالى إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى
في المدينة المنورة بعد ثلاثة وعشرين سنة من حياته، جاءه الوحي وهو ابن أربعين وانتقل وهو ابن ثلاثة وستين، وثلاثة وعشرين سنة منها ثلاثة عشر ونصف في مكة ومنها عشرة في المدينة المنورة، المجموع عندما تحسبهم هكذا يكون ثلاثة وستين سنة، المذيع: ثلاثة وعشرين سنة كان يتلقى الوحي، الشيخ: في هذه الفترة كان النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة للمسلمين إلى يوم الدين في الفترة كلها، فجعلوه أسوة حسنة في السنتين الأخيرتين من عمره،
هذه أول تجزئة، المذيع: أي هم تركوا كل هذه السنوات وقفوا عند السنتين الأخيرتين، الشيخ: نعم، هذه مصيبة من المصائب وبلية من البلايا التي يُتهم بها هذا الفكر المتشدد وهذا الفكر الذي أفسد في الأرض، النبي صلى الله عليه وسلم عاش أغلب هذه المدة في وسط المشركين، فماذا فعل معهم وأين العنف الذي مارسه وهو مع غير المسلمين؟ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن ينجو بأصحابه أرشدهم إلى الحبشة فذهبوا إليها وجلسوا عند الأحباش هناك فعاشوا في وسط دولة تحميهم ولكنها
ليست على دينهم وشاركوا في جيشها، مرة رفضوا ومرة أخرى كأنهم حصلوا على الجنسية وافقوا في أن يشاركوا معهم في الحرب، الرسول صلى الله عليه عندما أتى إلى المدينة أراد أن يوحد من فيها مدنياً، ولذلك كتب صحيفة المدينة، الرسول بعد الجرائم المتكررة من اليهود ومخالفتهم للدستور الذي وافقوا عليه وهو صحيفة المدينة، وارتكابهم الخيانة العظمى ضد الأوطان أثناء الحرب، وصدور أحكام قضائية باتة في نظام قضائي فريد لم يكن كمثله حتى يومنا هذا وهو المتهم يختار قاضيه
المذيع: المحكمة الخاصة به، الشيخ: المحكمة الخاصة به هو الذي يختارها، يقول أنا هذا القاضي يعجبني وهذا القاضي لا يعجبني، لا يوجد شيء بهذا الشكل، فوزارة العدل هي التي تختار، والمجلس الأعلى للقضاء هو الذي يختار، أنا أذهب إلى القاضي، أي قاضٍ سيأتي، لكن هم يقولون لا، هذا طبعاً فكرة رد المحكمة هذه غير تلك، حيث أن النبي يقول لهم: "من تحبون أن يحكم؟" فقالوا: "سعد بن معاذ"، لأن بينهم وبينه مصالح متبادلة، آملين أن سعد بن معاذ يميل - رضي الله تعالى عنه وهو من أصحاب الجنة والمبشرين - ويحكم لصالحهم، فوافق النبي قائلاً: "تفضلوا، أحضروا سعد بن معاذ، كل هذه الأشياء حدثت في هذه الفترات الأربع في مكة، في الحبشة، في المدينة أولاً قبل طرد اليهود، وفي المدينة أخيراً عندما عاش
النبي وسط المسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتهت كل الأمور في المدينة من منافقين أو من مشركين وما إلى ذلك، وأصبحت المدينة خالية من تلك القبائل وليس مِن اليهود في المدينة، ظلَّ فيها يهودٌ حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، ودِرعُه مرهونة عند يهودي، المذيع: أي هذه النماذج الأربعة التي لا يخلو منها أي زمان أو مكان، الشيخ: فسيادته اقتصر على السنتين الأخيرتين من النموذج الرابع، هذا هو الاجتزاء، ومن هنا سيترتب عليه أن يَفهم فهماً خاطئاً، هذه نمرة واحد، البلية الأولى هي الاجتزاء، كما قلنا البلية من التعميم، فهناك بلية أيضاً في الاجتزاء، المذيع: مولانا الإمام، ربما
يأتي بعض المتسائلين والذين يثيرون الدنيا تساؤلات، ومن حقهم أن يسألوا ولنا أن نجيب، لماذا كانت الفتوحات الإسلامية؟ لماذا كانت هذه الحروب التي من أصحاب العقول الذين يطلقون على أنفسهم أنهم تنويريون؟ لماذا كانت هذه الحروب؟ لماذا كانت هذه الفتوحات؟ لماذا ذهب الإسلام وكان يُخيّر الشعوب ما بين الجزية الشيخ: الاستسلام؟ أو النبي صلى الله عليه وسلم في النموذج الأول أرادها سلمية، فجلس في مكة لا حول له ولا قوة ولا يريد منهم إلا أن يتركوه يبلغ عن الله سبحانه وتعالى، المشركون والوثنية عامة تؤمن بحرية العقيدة، ماذا تعني حرية العقيدة؟ تعني
أنها تؤمن بأن يعبد كل شخص ما يريد من أصنامه، أو لا يعبد ويكون ملحداً، أو يدخل في المسيحية أو في الإسلام أو في اليهودية وهكذا إلى آخره، هو حر أصل الوثنية هكذا، ولذلك كان هناك من كان على دين إبراهيم مثل أبي قيس بن السلت في المدينة أو عمرو بن زيد بن نفيل في مكة، كانوا موحدين ومتألهين وتركوهم، فالوثنية أصلاً مبنية على حرية المعتقد، فأنا آتٍ وأنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وآمركم بالطهارات وكذا إلى آخره، وبتوحيد الله، قالوا له: لا، ولكن أنت وأنت توحد الله، لا تريد الأوثان،
قال لهم: نعم، لا أريد الأوثان لأنها محدودة ولأنها مخالفة للحق والواقع، ولأنها تغضب الله، قالوا له: لا، إذاً نحن سنحاربك، وبدأت الحرب من هذه الفكرة، يعني من هذه القضية التي تتكون من أمرين، أن هذا الإسلام الجديد يدعو إلى المساواة، ويدعو إلى تحريم ما قد يؤثر في الاقتصاد المكي، ويدعو إلى أخلاق لا نريدها في هذا المجتمع، يدعو إلى تحرير العبيد، يدعو إلى عدم إهانة المرأة وعدم وأدها، وكل هذه الأشياء سوف تؤثر في اجتماعياتنا ولذلك لا بد أن نحاربها، وعلى عكس ما تأمرهم به أصول الوثنية
من حرية الاعتقاد إلا الإسلام، وأصبحت هنا كلمة "إلا الإسلام" هي التي توجد متصدرة هكذا لأن الإسلام حركي، الإسلام متحرك، أي الإسلام نشط متفاعل، فهو الذي حدث هكذا في مكة وهاجر حتى طُرد الصحابة إلى الحبشة، وحتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيذاء العظيم الذي صبر عليه ولم يتكلم في شيء، هذا نموذج، وهذا نموذج آخر في الحبشة، فأين إذاً ما يدّعونه؟ أصلاً، دعوة النابتة والإرهابيين هي في الحقيقة دعوة العلمانيين أن الإسلام يدعو
إلى القتال؟ لا يا أخي، الإسلام لم يدعُ إلى قتال ولم يقاتل طوال هذه الفترة، وعندما انتقل [النبي] جاؤوا يقاتلوننا، أنا أريد أن أسأل هؤلاء سؤالاً بيني وبينهم، ولا يقولوه لأحد: أين موقع بدر؟ المذيع: في المدينة، وأين موقع أُحد؟ في المدينة، وأين موقع الخندق؟ في المدينة، أين تقع خيبر؟ على بعد مائة وستين كيلومتراً شمال المدينة، أنتم يا إخواننا يا أهل مكة، لماذا تأتون لمحاربتنا؟ في بدر ثم في أحد ثم في الخندق ثم في غزوات عديدة ثم في ماذا بعد ذلك؟ المذيع: بعدما تركنا مكة، الشيخ: نحن تركناها لكم سهلة كما يقولون فى المثل، آتون ورائنا لماذا
تضربوننا؟ هذا السؤال يا أخي واضح كما ترى، أن كل هذه الحروب في السنة الثانية للهجرة وفي السنة الثالثة للهجرة وفي السنة الرابعة، إن في ذلك إصراراً وهناك اتفاق بين مكة وبين خيبر، أن يهجموا في وقت معين وساعة الصفر على هذه المدينة، ويقضوا على المسلمين، ولذلك حرب المسلمين لهم كانت دفاعاً عن النفس، والدفاع عن النفس مشروع في اتفاقية جنيف الأولى واتفاقية جنيف الثانية إلى الآن، الدفاع عن النفس هذا حق قررته كل الأديان وقررته كل المواثيق الدولية وقرره كل عقلاء البشر أن يدافع الإنسان
عن نفسه، فهناك أولاً الحرب الدفاعية، المذيع: اسمح لنا يا مولانا أن نطرح سؤالاً على النقطة الثانية ونخرج للفاصل ثم نعود، لماذا إذا كانت دفاعاً عن النفس حينما ذهبوا أو ذهبت هذه الجيوش إلى المدينة، ولكن انطلقت الجيوش الإسلامية شرقاً وغرباً في بقاع الأرض لتفتح هذه البلاد، لماذا كانت هذه الفتوحات؟ فاصل ونعود إليكم ابقوا معنا. أهلا بحضراتكم، مولانا الإمام، انطلقت الجيوش في عهد الخلافة الراشدة وفي عصر الدولة الأموية وفتحوا بلادًا حتى وصلوا إلى هنا وهناك، لماذا كانت هذه الفتوحات؟ الشيخ: كانت هذه الفتوحات لأنهم أرادوا القضاء على النبي، هذه الفتوحات جزء لا يتجزأ من الدفاع، وتسمى
الآن "الحرب الاستباقية"، والحرب الاستباقية لا تريد احتلالًا ولا تريد استعمارًا، هي تريد دفاعًا عن النفس وحفظًا للذات التي أقرها كل عقلاء البشر، عندما كان النبي عليه الصلاة والسلام يضرب هذه الضربات في هذه الأماكن المختلفة، ذهب مرة من المرات حتى يعتمر لبيت الله الحرام فمنعوه، فسميت هذه "بمعاهدة الحديبية"، وفي معاهدة الحديبية قالوا إننا لا نتحارب لمدة سنة، في هذه السنة أو لمدة معينة يمكن عشر سنوات أو ما يقرب، في هذه المدة خانوا العهد، لم يستطيعوا أن يكملوا
صلح الحديبية، في هذه الفترة خرج النبي إلى خيبر لفتحها وهي على بعد مائة وستين، لأن هناك ترتيباً عسكرياً للإتيان إليك للقضاء عليك، وهناك محاولات لهذا للقضاء على محمد في المدينة، فخرج أول ما خرج إلى خيبر من أجل كسر شوكة من سوف يعتدي علينا لأننا لم نعد قادرين على أن ننتظر الضربة حتى تأتينا، لسنا قادرين هكذا أنت ستهلكني فعلاً، فلا بد أن أذهب إليك وأضربك ضرباً شديداً، لأن هذه يسمونها الحرب الاستباقية، فهي أحد الحروب الدفاعية وليست حروب
الاستعمار التي شنتها فرنسا أو هولندا أو بلجيكا أو إنجلترا مع مصر مع الجزائر مع الشام مع الهند مع العالم كله، لم يحدث هذا إطلاقًا، فبدأت الفتوحات تتحرك بدءًا من هنا، خان أهل مكة الاتفاقية، المذيع: معاهدة الحديبية، الشيخ: وفتح مكة، إذا فُكَّ الكماشة، كان هناك كماشة عليه هكذا ستطبق خيبر من الشمال ومكة من الجنوب على المدينة، فالنبي صلى الله عليه وسلم علَّم أمته من بعده الآتي: علمهم المفاوضات وعلمهم المعاهدات وعلمهم فك الكماشة، علمهم أموراً عسكرية
وعلمهم الوفاء بالعهود وعلمهم الاجتهاد في شأن الحرب والسلام، وهكذا كيف يحسبون المصلحة وكيف يقدمون ويرتبون الأولويات علمهم تعليماً كبيراً لأن هذه مهمته وهو أنه معلم البشرية، ولذلك استمر الإسلام كل هذه القرون لأنهم التمسوا في النبي صلى الله عليه وسلم مراده وكيفيته، طلع لخيبر ففتحها، ثم نزل إلى مكة وفتحها وانتهى الأمر وهدأ البال، وعندما كان يفعل هذا كان يفعله بإنسانية، فلم يكره أحداً على الإسلام، لكنك الآن اعتديت عليا،
فيجب عليك أن تدفع إيجار هذه الحرب وهذا الإيجار الذي هو لهذه الحرب سماه "الجزية" التي لا تعجب الناس الآن هذه الكلمة "كلمة الجزية" إطلاقاً، والتي قد يكون قد حدث في تاريخ الإسلام في بعض المناطق وفي بعض الأزمان أنها طُبقت تطبيقاً سيئاً، المذيع: وكان فيها تجاوز، الشيخ: حدث تجاوز في تطبيقها لضعف المسلمين أو لطغيان الآخرين عليهم أو للجهالة، فكل هذا هو لا علاقة له بالإسلام، المذيع: إنه مجتمع بشري، الشيخ: هذا مجتمع بشري يخطئ ويصيب وتؤثر فيه المصالح، عندما تقرأ ما حدث بيننا وبين التتار في بداية الأمر، كان المسلمون هم المخطئين وليس التتار، لكن بعد
ذلك أصبح التتار هم المخطئين، يعني أنت كإنسان درست هذا الأمر، المذيع: هذه قراءة واقعية جداً للحدث التاريخي يا مولانا، الشيخ: قرأتُ ما حدث بشأن التتار أنّ أقواماً من المسلمين من التتار جاءوا في تجارة إلى خارزم شاه - وهكذا تنطق خارزم شاه وهي تُكتب خوارزمشاه أو خارزمشاه - هذا والده جلال الدين، وكان لديه جيوش وقوة مهولة، كان يمثل المسلمون حينئذٍ القوة الأولى الضاربة في الأرض، وبالرغم من ذلك قبض عليهم وقتلهم، أي مسلم يقتل مسلماً، أنا كرجل فقيه مسلم أخطأت خوارزم شاه، جنكيز
خان أرسل له وقال له: "أنت قتلت على فكرة أناس من أتباعي لكنهم مسلمون، يعني هؤلاء على دينك"، المذيع: جنكيز خان حينئذ لم يكن مسلماً، الشيخ: لم يكن مسلماً، المذيع: لكن كان سلطانهم، الشيخ: نعم، فأرسل له ارسل الدية يمكن أنت أخطأتُ أو شيء من هذا القبيل، فأهلهم هنا ينتظرون دية الثلاثة الذين قُتلوا كنت قد أرسلت لهم الدية وقلت إنهم مسلمون، وبعد ذلك أتوا وأنا فهمت خطأً، ولم تكن هناك أي إجراءات، ولا الشرطة أخطأت، ولا الجيش أخطأ، ولا أي شيء من هذا القبيل، دعونا نُصلحها، والنبي له سنة في هذا " عندما نخطأ نعترف بخطأنا" ولم يعترف خوارزم شاه بخطئنا وقتل رسله أيضاً، فقال له: "لا، أنا قادم إليك الآن"، وانفجر جنكيز خان بلاءً على
المسلمين وعلى العالمين، وعندما جاء التتار ودخلوا بلادنا ورأوا الحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي والعلم الإسلامي، أسلموا؟ هل رأيت شيئاً مثل هذا في الكون؟ المذيع: هم الذين أتوا ولم نذهب نحن، الشيخ: هم الذين جاءوا فعلاً، وعندما جاءوا أسلموا المذيع: وحسُن إسلامهم، الشيخ: وحسُن إسلامهم فعلاً، الصليبيون عندما جاءوا، جاءوا قبلهم وحاولوا أيضاً أن يساعدوهم، عندما جاءوا قبلهم استطعنا أن نقطع الميرة الخاصة بالإمدادات التي تأتي عبر طريق الحرير، والتي توصل الطعام والشراب إلى أوروبا، الميرة المذيع: ماذا تعني يا مولانا؟ الشيخ: الميرة تعني سلاح الإمداد والميرة التي هي التمويل، كان بإمكاننا أن نقطعه عليهم، المذيع: ولماذا لم نقطعه؟
الشيخ: لأن الشعب الأوروبي ليس له علاقة بالأفكار التوسعية الاستعمارية التي تنتمي لقيادته وللكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، إنه لا علاقة له بها أبداً، ولذلك لم نقتلهم، كان بإمكاننا لو منعنا ذلك أن نسبب مجاعة عندهم، لكننا لم يحدث ذلك، إذاً نحن أصحاب تاريخ مضيء وتاريخ يعلو على خلق الله هكذا، ولنرَ ما الذي فعله صلاح الدين مع ريتشارد، وما الذي فعله الذين يريدون الآن هدم كل المقدسات وكل الرموز وكل شيء إلى آخره، ويتصيدون كلمة هنا وسطراً هناك، المذيع: هؤلاء من المسلمين يا مولانا الشيخ: الذين هم في الحقيقة يتكلمون بألسنتنا وليسوا منا حقيقةً، أي أن فهمهم هذه الطريقة طريقة فهم خاطئ، نحن لسنا كذلك، نحن غير هذا،
لذلك يقول لك: اعتذروا، نعتذر على أننا قد علمنا العالمين كيف يحيون، على أننا قد أزلنا الظلمة والعدوان من الناس، فنحن عندما تحركنا ضد الروم كانوا يحشدون لنا عندما تحركنا ضد الفرس، وكان الفرس يحشدون لنا أيضاً. وعندما دخلنا مصر، كان المصريون هم الذين دعونا، وبعد ذلك انتشر الإسلام في بقية العالم دون فتوحات أو غيرها، فدخل إفريقيا وغرب البلاد، ودخل الفلبين وماليزيا، ورأوا منه قوة، أي لم يكن بالقوة. مثلاً يعدهم بالحياة الدنيا وما فيها من رفاهية أبداً، فآمنوا عن عقيدة، وظلت هذه العقيدة إلى الآن
تنتشر وتوجد في مشارق الأرض ومغاربها، فنحن يا أخي تاريخنا نظيف، والفتوحات لا علاقة لها بالفكر الإرهابي، والفكر الإرهابي لا علاقة له بالفتوحات، إنما الفكر الإرهابي له علاقة بأخطاء الفكر والتعميم بغير عدله، المذيع: يؤدي الوقوف في الخطأ العام، الشيخ: الاجتزاء بغير عدله، ثم بعد ذلك عدم فهم النصوص، فعندما يأتي ويقول: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"، فيتكئ عليها الإرهابي ليقاتل جميع الناس، فهذا نوع من أنواع الغباء، ونوع من أنواع التخلف العقلي الذي لا يجوز، لأنه قال "أُمِرتُ" وليس في أي رواية
"أُمِرتُم ولا أُمِرنا"، "أُمِرتُ" إذن أُمِرتُه، فلنرجع إلى الظروف والبيئة المحيطة بسيدنا الرسول صلي الله عليه وسلم، ما هي الظروف والبيئة المحيطة بسيدنا الرسول؟ أنه ضُرِبَ في بدر، وأنه ضُرِبَ في أُحُد، وأنه ضُرِبَ في الخندق، وأنه ضُرِبَ في ما حول المدينة، ماذا يريدون؟ يريدون أنهم كانوا يتصورون أن لا يبقى هذا الإسلام، ولكن الله "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [يوسف: ٢١] المذيع: مولانا الإمام، ألم تنطلق الفتوحات الإسلامية، هذه الجيوش لتحرر تلك الشعوب من ربقة الاستعمار الفارسي والروماني؟ الشيخ: هذا جزء مما فعل بالشعوب، وهل رحب الشعوب بذلك؟ الشيخ: بالطبع، كل الشعوب رحبت بهذا وهي التي دعتهم ورأت فيها وفي
وفيهم المنقذ والمخلص من البلاء الذي رسخوا تحته هذه المدة الطويلة، حدث هذا في الأندلس، هم الذين دعوهم، حدث ذلك في كل هذه الفتوحات من الأندلس حتى الهند، ولكن هؤلاء الناس في الحقيقة هم من الأشياء التي يتطلبها المؤرخ والمفكر ما يسمى بالإنصاف، ولكن هؤلاء ليس عندهم إنصاف إنما عندهم تلفيق من غير توفيق، المذيع: مولانا، اسمح لي في هذا السؤال، يعني رداً على من يثير هذه التساؤلات، ونقول إنه من حقه أن يسأل كما شاء وكما يحلو له: هل أقر الإسلام مبدأ الحرية وعدم الإكراه في الدين أم أنه أجبر
الناس على الدخول في الإسلام في تلك الفتوحات في تلك البلاد التي فتحها وحررها من ربقة الاستعمار سواء الفارسي أو الروماني؟ الشيخ: هيا بنا نذهب إلى القرآن ونذهب إلى الواقع، أما القرآن فيقول أمرين مهمين جداً لحرية الفكر والاعتقاد، الأمر الأول: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة: ٢٥٦] هو يقول إن أصل الديانة التي لنا لا نكره أحداً على الإسلام، يؤيد هذا ويرشحه ويؤكده قوله تعالى: "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" [الكهف: ٢٩] يؤيد هذا ويرشحه ويؤكده أيضاً: "فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا" [الشورى: ٤٨] "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" [الشورى: ٦] "لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ " ‎[الغاشية: ٢٢]،
انظر كيف جاء وصف النبي: "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ" ‎[النور: ٥٤] "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ" ‎[القصص: ٥٦]، فأول شيء هو عدم الإكرام، والشيء الثاني الذي لا ينتبهون إليه أننا نحكم بالدرك الأسفل من النار على المنافقين، فكيف يفعل الله هذا ويأمر به وينهى عن النفاق هذا النهي الكبير ثم ننشئ النفاق إن شاء الله بالإكراه، المذيع: هذا إذا أكرهنا الناس فسنخرج مسلمين منافقين أو شخصية منافقة، أظهرت الإسلام وأخفت معتقدها، الشيخ: فكيف أكون أنا الذي أقاوم النفاق وأُنشئ النفاق؟ هذا لا أساس له من الصحة في واقع الشريعة، فـ" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" [البقرة: ٢٥٦]، "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا" [النساء: ١٤٥]،
يمنع هذا التصور شرعاً، إذن وفي الواقع ماذا الذي حصل؟ ريتشارد بليوت وهو يؤلف في الحضارة الإيرانية ألف كتابًا نشره في نيويورك سنة ألف وتسعمائة ثلاثة وسبعين عن الحضارة الإيرانية أو الفارسية، يذكر فيه بعد تتبع معلومات كثيرة أعداد المسلمين في منطقة مصر والشام والعراق وإيران، هذه المنطقة التي يسمونها الآن الشرق الأوسط، فوجد أنه بعد مائة سنة من دخول دخل المسلمون مصر سنة عشرين، وبعد مائة سنة أي في سنة مائة وعشرين هجرية، كان خمسة في المائة من السكان
مسلمين والباقي غير مسلمين، وذات النسبة كانت موجودة في الشام وفي العراق حيث كان ثلاثة في المائة مسلمين والباقي غير مسلمين، وفي إيران كان خمسة في المائة مسلمين وهكذا، بعد مائة سنة من الفتح أي أين إذًن الإكراه؟ من الذي أكرهناه؟ إن الإكراه هو ذلك الذي فعله الرومان حتى يُدخلوا الناس في المسيحية، فهدموا لهم المعابد الوثنية وأدخلوهم في المسيحية قهرًا، ولكننا لم نفعل هكذا كما فعل الرومان، والرومان على كل حال لم يكونوا مسيحيين ولا شيء، فهم وثنيون أصلًا، لكنهم فعلوا هذا لكننا لم نفعل هذا، نحن تركنا الناس على أديانهم، كيف إذاً انتشر الإسلام؟ لأنه بعد مائتين وخمسين سنة، يقول ريتشارد أننا أصبحنا خمسة
وعشرين في المائة، المذيع: سنتعرف على كيف كانت هذه النسبة وكيف اعترف الآخر بهذا؟ ولكن بعد قليل ابقوا معنا، أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام خمسة وعشرون في المائة، هذه النسبة كيف ارتفعت الشيخ: بعد مائتين وخمسين سنة، المذيع: مائة سنة كانت خمسة في المائة، الشيخ: وبعد سبعمائة وخمسين سنة أصبحنا فوق التسعين، فما الذي حدث؟ الذي حدث أنه انتشر الإسلام بمجموعة من الأحكام التي هي أيضاً كثير من الناس لا تعجبه، أول هذه الأحكام أن الإسلام أجاز أن يتزوج
الرجل بغير المسلمة من المسيحيين أو اليهود أو ما إلى ذلك المذيع: من أهل الكتاب، الشيخ: فعندما استقر المسلمون تزوجوا بالمسيحيات وأنجبوا ذرية، فأصبح هناك رجل مسلم وزوجته مسيحية ولديهما أولاد، الرجل يذهب للصلاة في المسجد المذيع: ويحافظ على أدائها لمناسكها، وفي الوقت نفسه يحترم أداء زوجته لشعائرها، الشيخ: أي عاشت مسيحيةً وماتت مسيحيةً، غير مقتنعة بأن تغير دينها الذي خلقها الله لتولد عليه، والرجل لم يُكرهها ولم يَكرهها، لأنه هو نفسه يأكل من يديها، وهو يعاشرها، وهم يجلسون معاً والأولاد، فهي أم اولاده المذيع: هذا وحدثت هذه الألفة، فلم يُكرهها ولم
يَكرهها الشيخ: أبداً، هذا أحبها، عندما فعلوا هكذا والأطفال وجدت أباهم وأمهم منسجمين أقصى انسجام، والعائلة تأتي وتذهب وهكذا إلى آخره، فتزوج الصبيان من بنات خالتهم وبنات خالهم. من خالهم؟ مسيحي. وخالتهم مَن؟ خالتهم مسيحية فذهبوا وتزوجوا من أبناء خالهم وأبناء خالتهم، ولذلك حتى الآن في الصعيد نطلق على المسيحي لقب "يخال" أو "خال"، وذلك لأنه يصبح بمثابة خالي حيث كنت أنا وأمي هكذا وهو خالي، وهو يدخل علينا ويخرج من عندنا ويحضر لنا أشياء في الزيارات أو غيرها.
كان التفاعل الاجتماعي مستمراً، ولكن عندما حدث ذلك في ظل حكم آخر لم يعجبه، وهو أن ان الولد يتبع دين الرجل وليس المراة، ويتبعه في الديانة هذا هو الحكم الثالث: في الإسلام فإن إذا تزوج رجل مسلم وامرأة مسيحية وأنجبا أطفالاً، فإن الأطفال يكونون مسلمين. فهذه الشروط، فالناس وافقت. فالأمر أنه دين ليس سيئاً ولا شيء، إنه دين جميل. فالرجل المسلم الذي كان عشرة مسلمين في المدينة أنجب كل واحد منهم. الحكم الثالث الذي هو "تكاثروا تناسلوا"، الذي كان حينها لا زالوا يريدون نسله ويريدونه. المذيع: لنفهم إذاً هذه
الرواية بهذه الدراية. الشيخ: طبعاً، لقد أتممنا التكاثر حتى أصبحنا كغثاء السيل. فالقضية أن مشكلتنا الآن هي زيادة النسل، ولكن مشكلتنا حينها كانت قلة النسل. عبد الناصر عندما جاء أول مرة في الثورة دعا إلى زيادة النسل، وبعد سنتين أو ثلاثة وجد أن الوضع قد تغير الي الزيادة، فدعا إلى تنظيم النسل. كل عصر له مقتضياته. شيخنا وأستاذنا عبد علي عبد الواحد وافي ألّف كتاباً في الخمسينيات عندي اسمه مشكلة مصر العظمى "قلة النسل". المذيع: "مشكلة مصر العظمى قلة النسل"، ذلك في الخمسينيات، الشيخ:
في الخمسينيات الكتاب موجود في مكتبة الإسكندرية لمن أراد ان يطلع عليه لأن مكتبة وضعها ابنه الفاضل في مكتبة الإسكندرية المذيع: وهبها حتى يحافظ عليه، الشيخ: هذا صحيح، فأستاذنا هذا كان أستاذنا أيضاً يُدرِّس في الأزهر، وهو عالم الاجتماع الكبير، المذيع: كان أستاذاً في الأنثروبولوجيا. الشيخ: نعم، فالمهم أنه، انظر إلى وجهة النظر حينها، على فكرة هذا ليس خطأً، كان صحيحاً في ذلك الوقت، لكن عندما يرى أن قياسنا اربعين مليونا أصبحنا الآن مائة مليوناً، وهذا غير يفيد. فهذا التكاثر جعل الواحد منهم ينجب سبعة أو أحد عشر أو اثني عشر. المذيع: انتشر الموضوع الشيخ: الحكم الذي جاء بعد ذلك. تعدد الزوجات أربعة أو اثنتين فتكاثروا. طبعاً لا أحد الآن يدعو إلى هذا لأننا كثيرون بما يكفي،
وسيؤدي ذلك الى اطفال بلا مأوى، أبناء بلا مأوى، هؤلاء قادمون من هذا البلاء. فهذه الأشياء هي التي نشرت المسألة وجعلتنا بعد مئتين وخمسين سنة خمسة وعشرين في المئة. بعدها يصبح إذا كان هذا، نستطيع أن نقول إن الإسلام قد انتشر بالعائلة، وأن الإسلام انتشر بمجموعة من الأحكام، وليس بالإكراه ولا بالسيف ولا بالكلام الخطأ الذي يردده أعداء الإسلام لم يحدث أن أكرهنا أحداً، ولم يحدث أننا لم نفعل ما قلناه هذا إلى غاية سنة سبعمائة وخمسين، سبعمائة تسعة وأربعين حدث وباء عظيم في مصر كان اسمه الوباء الأسود، طاعون، وكان هذا في
حوض البحر الأبيض المتوسط كله وكنا حينها كثيرين. عدة ملايين، يعني عشرون مليوناً أو نحو ذلك. بعض الناس ينكر هذا، لكن هؤلاء العشرين مليوناً مات منهم ستة عشر مليوناً المذيع: من الطاعون. الشيخ: يقول ابن حجر العسقلاني: كانت التركة تُنقل في تسعة بيوت في يوم واحد. المذيع: أي أنَّ هذا يموت فيرثه ذاك، ثم يموت الوارث فيرثه آخر، وهكذا. الشيخ: وهذا يرث عائلة تلو عائلة. المذيع: في يوم واحد يا مولانا، الشيخ: نعم، في يوم واحد المذيع: تسع بيوت، تسع بيوت المذيع: من كثرة الموت ومصائبه. الشيخ: فخرجنا منهكين جداً في ذات الوقت. نحن هنا سبعمائة وخمسون. على فكرة، ابن
حجر توفي سنة ثمانمائة واثنين وخمسين، يعني بفارق مائة سنة بعد هذه الحادثة سبعمائة وخمسين، عندما تُضيف إليها ستمائة وخمسين، وهي التي ظَهَرَ فيها النبي ستمائة وعشرين، وهكذا سيصبح القرن الرابع عشر، وهو القرن الذي ذهب فيه فاسكو دي جاما ليكتشف رأس الرجاء الصالح، لكي لا يمشي من عندنا نحن الذين لم نقطع عليهم. الطريق أننا لم نفعل كذا ولكن كان المماليك يأخذون منهم ضريبة، فذهب ليكتشف راس الرجاء الصالح، فضُرِبنا بالوباء وضُرِبنا بقلة الموارد وضُرِبنا بقلة السكان. فبدأت الأحوال تتغير وبدأت نسبة المسلمين تزداد حتى وصلت
إلى ما فوق التسعين، التي هي النسبة الموجودة حتى الآن المذيع: في البلاد التي تم فتحها. الشيخ: في البلاد التي تم فتحها حتى الآن، ما حدث هكذا في وقائع تاريخية يجب أن تُقرأ كما هي، ولنتجنب الكذب لأن الكذب حرام. المذيع: مولانا، هل أيضاً - واسمح لنا بهذه التساؤلات - هل كان من أحد أهداف الفتوحات الإسلامية هو السيطرة على موارد هذه البلاد التي ربما تكون موارد غنية جداً، كما يحاول البعض أن يقارب ما بين الفتح الإسلامي وبين الاستعمار الحديث. الشيخ: هيا نرَ ما الذي فعلته إنجلترا في مصر حتى أنشأت مترو الأنفاق الخاص بها من القطن المصري ومن غيره، وهيا نرَ ما الذي استفاده الحجاز من هذه البلاد المفتوحة.
لا شيء، وظل الحجاز من أفقر بلاد الله لو كان هذا استعماراً، كانت حملت هذه العطايا والهبات إلى أن تجعل الحجاز بلداً حديقة غنّاء، ولكن لم يحدث، وظلت الحجاز إلى خروج البترول من أفقر بلاد الله عبر التاريخ. والحجاز من أفقر بلاد الله. السلطان قلاوون هو الذي كان يكسو الكعبة، ومن بعده إلى الملك فيصل رحمه الله تعالى الدنيا. كانت الدنيا هكذا، فلو كان هؤلاء الناس على سبيل الاستغلال أو ما
شابه ذلك إلى آخره، لا، لم يظهروا. حدث عام المجاعة الذي أنقذت فيه مصر الحجاز، المذيع: وذلك بعد عهد سيدنا عمر بن الخطاب. الشيخ: نعم، لأنه في المجاعة - المذيع: والمجاعة ظرف استثنائي - الشيخ: لا، ليس هكذا، هذا مثل الدول، المذيع: ترسل معونات الشيخ: ترسل معونات في كارثة مثل الكارثة في اليونان المذيع: عن طيب خاطر الشيخ: و في الصين أو نحو ذلك، فيقوم كل الناس وكل العالم ينهض بالذهاب لإرسال هذه المساعدات في ذلك المكان لكي ينقذوا طفولة ما، أو لا أعرف في كهف، أو لكي يروا أناساً في سيول، اي يوجد كارثة. فالمصريون من فضلهم ومن فضل بلادهم أنهم حملوا وأنقذوا الدنيا من أن تموت لأنه في ذلك الوقت كان عام الرمادة، أي لم يكن
هناك أي شيء إطلاقاً، ولا مطر، ولا شيء آخر. وأريد أن أقول لحضرتك لنرى الفرق بين المساعدة من قوم وآخر يأتي ويقول لك: لا، أنتم أخذتم من هنا. في الوقت الذي لم يحدث فيه ذلك، لو كان الأمر كذلك لاستنزفوا موارد البلاد مثلما فعل فينا العثمانيون؛ كانوا يأخذون الضرائب والمكوس وأشياء أخرى. المذيع: و الأيدي العاملة الماهرة الشيخ: فتلك قضية أخرى، لكنها ذهبت إلى هناك حتى أصبحت إسطنبول غناء وأصبحت قصورها يُضرب بها المثل، وكل ذلك من قوت البلاد، ولكن لم يحدث ذلك أبدًا. أولًا تزوجوا من أهل البلد واستوطنوا فيها، ولم يمارسوا أي نوع من أنواع التفرقة ولا أي نوع من أنواع
الاستغلال ولا أي نوع من أنواع التهجير القسري أو أي نوع من أنواع التمييز العنصري، بل إننا قبلناهم، وهذا لم يحدث في تاريخ البشرية عندنا لفترة طويلة. قد تصل إلى ألف سنة، اسمها المماليك. هل رأيت أحداً يجعل عبده رئيساً له؟ المسلمون فعلوا ذلك وجعلوا العبد سيداً. لماذا؟ لأن هذا العبد كفء، فقط. المذيع: وضعوه مكانه ومكانته الشيخ: كانوا يتعلمون في الطباق القضايا الشرعية، الأمر الذي جعل سلطان العلماء يبيعهم، وجعل الإمام يفتى ضد يفتي ضد بيبرس وأمور الواقعية العملية
شيء آخر في تطبيق الإسلام. كانوا مسلمين صحيحًا وكانوا أتقياء وطنيين ودافعوا عن البلاد وفعلوا كذا إلى آخره في فترة طويلة ألف سنة. ونحن نجعل عبيدنا ملوكًا علينا، المذيع: ملوكًا علينا وسلاطين. الشيخ: أبدًا، هو فقط ليس هناك إلا محمد علي الذي جاء وخلّص، لأنه قبله كان من؟ كان علي باشا الكبير، علي باشا الكبير هذا هو علي بك الكبير، عبد مملوك في عهد الشيخ الدردير. فحينما جاءت الحملة الفرنسية تحارب إبراهيم بك ولا أعرف مراد بك، إن هؤلاء الصبية قد أمسكوا بنا حتى الآن، وبعد ذلك كان أول شخص حر وكان محمد علي باشا
المذيع: بإرادة شعبية الشيخ: وبإرادة المشايخ والوجهاء وأعيان البلد. والمقصود بالمشايخ هنا ليس مشايخ الدين، بل مشايخ البلد. المذيع: لقد رفضوا أن يقولوا مشايخ الازهر رفضت ذلك . الشيخ: فهذه هي القصة. وأنا أريد أن أفهم فقط هنا على سبيل المسألة الشخصية، أين الافتراء الذي ارتكبناه؟ ونحن سيرنا، فلم نجد فيه تمييزًا عنصريًا، ولا إبادة للشعوب، ولا تهجيرًا قسريًا، ولا تجويعًا للناس، ولا إكراهًا، وليس فيه إلا دفاع عن النفس والذات، ولا يوجد فيه تخلف ولا غير ذلك إلى آخره، ولا جهالة تجعلنا في عصور مظلمة أو وسطى أو حديثة أو تنوير إلى آخر هذا أننا نسير على الصراط المستقيم في تاريخ جعله الله سبحانه وتعالى منيراً يُستنار به. المذيع: مع هذه القراءة
الواقعية المتأنية جداً، مولانا الإمام وضح لنا أنه ثمة أمور يجب أن نقف عندها ونعترف بها. هذه القراءة الحقيقية لهذا التاريخ مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، نصحح المفاهيم ونوقظ الوعي الذي يأتي من بعده السعي الصحيح. مولانا الإمام، شكر الله لكم ورضي الله عنكم دائماً. شكراً لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.