والله أعلم| فضيلة الدكتور على جمعة يتحدث عن أنواع الحج.. وكيف حج الرسول؟| الحلقة الكاملة
- •الحج رحلة تُلقب برحلة العمر، والعاشق المشتاق لهذه الرحلة يُكتب له ثواب النية حتى لو لم يتمكن من الذهاب.
- •يشترط للحج المقبول تحري الحلال، فمن حج بمال حرام كان حجه مردوداً عليه وإن صحت أركانه.
- •للحج ثلاثة أنواع: التمتع وهو الأكثر شيوعاً حيث يُحرم بالعمرة ثم يتحلل ثم يُحرم بالحج، والقِران حيث يجمع بين الإحرامين، والإفراد وهو الإحرام بالحج فقط.
- •حج النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً، وقال: "خذوا عني مناسككم" ليكون دليلاً جامعاً لكل أسئلة الحج.
- •سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وقال: "عرفة كلها موقف"، ثم أفاض للمزدلفة وبات بها، ثم رمى جمرة العقبة وتحلل وطاف.
- •أيام منى (11-13 ذي الحجة) هي أيام أكل وشرب وذكر وعبادة، ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه.
- •الحج المقبول ليس له جزاء إلا الجنة، فمن حج بمال حلال ونية خالصة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
مقدمة اللقاء والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن رحلة الحج
[المذيع]: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا ودومًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل هذا الحديث الممتع عن رحلة الحج التي يسميها المحبون برحلة العمر. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: وكل عام وأنتم بخير.
[الشيخ]: وأنتم بخير جميعًا.
كيف نواسي المشتاق الذي لم يُكتب له الحج ورحمة الله بالنية الصالحة
[المذيع]: وذو الشوق القديم، وإن تعزى مشوق حين يلقى العاشقين، هذا المشتاق للذهاب إلى البيت وللطواف وللسعي ولم يُكتب له أو تُكتب له هذه الرحلة، كيف نواسي هذا المشتاق؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من رحمة ربنا بنا أننا إذا عزمنا على عمل من الأعمال الصالحة ثم حِيلَ بيننا وبين تنفيذه، فإن الله سبحانه وتعالى يكتبه لنا صدقة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنكم لا تطؤون موطئًا ولا تسيرون في وادٍ إلا وقلوب قومٍ في المدينة تتعلق بكم، فيأخذون من الثواب مثل ما تأخذون»
فهو في المدينة ولكنه منعه مانع شرعي من الجهاد في سبيل الله ومن السفر مع رسول الله وصحبته من أجل أداء هذا الواجب المهم من الدفاع عن الأوطان والأبدان، ولكنه يأخذ من الثواب بقدر ما كان هكذا.
من غاب عن الفتنة وقلبه معلق بها يأخذ إثمها والأعمال بالنيات
وكذلك أن من غاب عن الفتنة ولكن قلبه معلق بها وبأحداثها فإنه يأخذ الإثم وهو بعيد عنها. وهذا حال هذه الجماعات الإرهابية التي تحتمي الآن في قطر وتحتمي في تركيا وتحب الفتنة ولا تشارك فيها لأنها بعيدة بُعد الجرذان عن الموقعة.
[المذيع]: هي أشعلتها.
[الشيخ]: ولكن قلبهم يحبها، فحبهم لهذه الفتنة يجعلهم شركاء فيها، ورُبَّ بعيد عن الفتنة قلبه مقرٌّ لها فيأخذ إثمها وإثم ما يترتب عليها.
هذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
فالأعمال بالنيات والنية معتبرة، ولذلك في حديث أخرجه البيهقي: «إنما العمل بالنية»، يعني هذه النية هي التي توجه العمل، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
تحري الحلال للحاج والفرق بين المال الحلال والحرام في الحج
[المذيع]: مولانا الإمام، كيف يتحرى الحلال الحاج أو من سيذهب إلى هذه الرحلة الطيبة، الرحلة التي ينتظرها كل مسلم؟
[الشيخ]: الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، وهذا حديث من أصل الإسلام. فالإنسان عندما يكد، عندما يتاجر، عندما يصنع، عندما يعمر الأرض، عندما يرث مالًا، فكل هذا من أنواع الحلال.
ولكنه عندما يرتشي أو عندما يسرق أو عندما يغتصب أو عندما يظلم أو عندما يأكل مال اليتيم، فكل ذلك من أنواع الحرام. فلا يأتي وقد ظلم هذا وسرق هذا وارتشى من هذا ثم أنه يكون مالًا يريد أن يحج به.
فالحلال بيِّن، يجب على الإنسان عندما يريد - يعني مرة نشرت الصحف أن نوعًا من أنواع الرشوة هو الحج، يعني هو رشاه برحلة حج، فهذه من المضحكات المبكيات.
حكم التوصل إلى طاعة الله بما حرّم الله ورد الحج بالمال الحرام
[المذيع]: لماذا؟
[الشيخ]: لأنه توصل إلى طاعة الله بما حرّم الله، فالتوصل إلى طاعة الله بما حرّم الله يجعل الحج حتى لو كان مستوفيًا لأركانه مردودًا عليه.
وهذا ورد في الحديث أن إذا كان مال الإنسان من حلال طيب فإنه إذا وضع يده في الغرز (غرز الدابة) يقول بسم الله ويركب الدابة لكي يسافر، فإن الملائكة تقول له عندما يلبي: لبيك وسعديك، تقول له: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: الكل يرحب به.
[الشيخ]: أما الثاني الذي هو من حرام، يقولون له: لا لبيك ولا سعديك، حجك مردود عليك. وهذا ورد في الحديث الشريف.
العبادة بالمال الحرام مردودة ولو اكتملت أركانها وأمثلة على ذلك
فإذا الذي يعبد الله سبحانه وتعالى بما حرمه عليه فإن هذه العبادة حتى لو اكتملت أركانها فصحت من ناحية الظاهر، إلا أنها مردودة عليه لا ثواب فيها، حتى لو أسقطت عنه الفريضة فإنها لا تُقبل عند الله قبول غفران الذنوب، قبول الصفحة الجديدة، قبول الحياة الجديدة، قبول رحلة العمر كما يسميها بعضهم.
فرجل اغتصب ماءً فتوضأ به ثم صلى، فصلاته مردودة عليه. طيب، رجل اغتصب أرضًا ثم صلى فيها، أو اغتصب ثوبًا ثم صلى فيه. لماذا تغتصب الثوب؟ قال: لأجل أن أصلي، سبحان الله!
يصلي الفرض وينقب في الأرض والتناقض الذي يجعل العبادة مردودة
العوام قاموا بفلسفة هذا التناقض، لأن ربنا يقول:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]
فصاحبنا صلاته لم تأمره بالفحشاء.
[المذيع]: العوام سموها ماذا يا مولانا؟ هذه الحالة عندما...
[الشيخ]: يصلي الفرد وينقب في الأرض.
[المذيع]: نعم، يصلي الفرض وينقب في الأرض.
[الشيخ]: ينقب في الأرض يعني يصنع سردابًا هكذا لكي يسرق الناس الذين بجوار المسجد، يصلي الفريضة ثم يكملها ويزيل الحصيرة لكي ينقب الأرض ويصنع السرداب الذي سيسرق به الجيران.
وهذا التناقض يجعل العبادة مردودة على صاحبها وأنها لا ثواب فيها وأنها لا تُقبل من عند الله سبحانه وتعالى وأنها لا تؤتي فوائدها وآثارها التي رتبها الله سبحانه وتعالى عليها.
كتاب ابن حجر في عموم المغفرة للحجاج وشروط قبول الحج المبرور
الحج رتب الله عليه الغفران، ألَّف الإمام ابن حجر كتابًا لطيفًا صغيرًا أسماه [عموم المغفرة للحجاج]، يعني الحج المقبول ليس له جزاء إلا الجنة. يعني الحج المقبول تخرج منه كيوم ولدتك أمك.
قال: ماذا يعني هذا؟ يعني الكبائر تُغفر. قال: الكبائر تُغفر، يعني ما كان مضى من الأيام نسيناه، نسيناه بمعنى أننا نبدأ صفحة جديدة. نعم، نبدأ صفحة جديدة.
[المذيع]: نقطة من أول السطر.
[الشيخ]: وشرط ذلك هو أن يكون مقبولًا. ومتى يكون مقبولًا؟ إذا كان من نفقة حلال وإذا كان بنيةٍ خالصة، فهو ليس ذاهبًا ليتفاخر، وليس ذاهبًا لكي يُكتب أنه حاج، بل هو ذاهب بقلوب ضارعة متوكلًا على الله، عابدًا لله، جامعًا جميع عبادات الإسلام في هذا الحج الأكبر، فإن الله سبحانه وتعالى ينظر إليه بنظر الرحمة ويعفو عنه.
معنى الحلال ببساطة وأنواع المال الحرام التي لا يصح بها الحج
ما معنى الحلال؟ الحلال بَيِّن واضح، أنه يكون مما أحله الله سبحانه وتعالى له. يعني نستطيع أن نقول: الحلال هو الحلال، بمعنى أنها ليست بحاجة إلى تعريف أو تعريفات الفقهاء أو تعريفات العلم أو أي شيء. الحلال...
[المذيع]: ببساطة.
[الشيخ]: ببساطة أنه الحلال الذي أنت تعرف أنه حلال، الذي من عرق جبينك، الذي هو قرشك الذي أنت ورثته، الذي هو قرشك الذي أنت وُهِبَ لك، الذي هو قرشك الذي يأتي من غير الحرام.
ما هو الحرام؟ الرشوة حرام، والسرقة حرام، والاغتصاب حرام، وأكل مال اليتيم حرام، وشهادة الزور حرام، وما يترتب على كل ذلك من دخل فهو حرام. الربا حرام، الزنا حرام، وكل ما يترتب عليه من هذه الموبقات فهو حرام، فلا يصح به حج ولا تصح به عبادة.
إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً واستجابة الملائكة للحاج بالمال الحلال
[المذيع]: هل هذا المعنى الذي نفهمه إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا يا مولانا؟
[الشيخ]: كذلك، ما هو نص الحديث.
[المذيع]: نص الحديث.
[الشيخ]: وهذا هو بداية الحديث الذي قلناه الآن:
«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»
فإذا وضع الحاج [نيته للحج] وكان ماله من حلال، فإنه يقول: لبيك اللهم لبيك، فتقول الملائكة: لبيك وسعديك والخير بين يديك، حجك مقبول ومغفور لك.
وإذا كان ماله من حرام، قالوا: لا لبيك ولا سعديك، حجك مردود عليك. اللهم تقبل منا وتقبل من كل مسافر في هذه الرحلة، رحلة العمر. فاصل ونعود إليكم، أبقوا معنا.
أنواع الحج الثلاثة والتمتع هو الأكثر شيوعاً بين الناس
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، ما أجمل أن نعبد الله على علم، فما أنواع الحج وكيف يُحدد الذاهب لهذه الرحلة نوع حجه؟
[الشيخ]: الشريعة أباحت لنا ثلاثة أنواع من الحج:
النوع الأول وعليه أكثر الناس وهو التمتع، وهو أنني سوف أذهب لعمل عمرة، ثم بعد ذلك أتحلل وأعود حلالًا كما كنت قبل العمرة، خرجت من الإحرام أفعل ما أشاء، ربما أذهب إلى المدينة أو ربما أبقى في مكة، ولكن حياتي أصبحت في الحل وليس في الإحرام.
فالإحرام انتهى، ثم بعد ذلك عندما يأتي وقت الحج فإنني أُحرم بالحج سواء كنت في الخارج في المدينة أو كنت في مكة. وهذا النوع يسمى بالتمتع لأنني أتمتع بالفترة ما بين العمرة إلى الحج في نطاق الإحلال أو عدم الإحرام. والتمتع يفعله أغلب الناس، والتمتع سيترتب عليه أن يكون في ذمتي ذبيحة ينبغي علي أن أذبح.
النوع الثاني من الحج وهو القِران وصعوبته على أهل العصر
النوع الثاني هو أنني أظل محرمًا، وهذا فيه شيء من الشدة على أهل العصر المتأخر هذا، ويفعله كثير من أهل الريف أو من أهل الجبال أو من ساكني البادية لأنهم عندهم جَلَدًا وقوة على تحمل الإحرام لمدة طويلة.
فليس هناك حلق ولا تقصير، وليس هناك عطور، ويظل الرجل يلبس الإحرام (الرداء والإزار). وهكذا يعني إذا كان من الصعب قليلًا أن يبقى المرء طويلًا على هذه الحال، لكن هكذا هو القِران.
والقِران أيضًا فيه ذبح، وإذا أنا سُقتُ الهدي يعني أتيت بالهدي وأنا مسافر أخذته معي في السيارة مثلًا من المدينة، فهذا يعني أنني لا أستطيع أن أخرج من هذا القِرَان، لا يصح ذلك. أما لو كنت لم أصطحب معي هذه الذبيحة وذاهب وحدي هكذا، فيجوز لي أن أخرج من هذا القِرَان إلى التمتع، لأن التمتع فيه ذبيحة والقِرَان فيه ذبيحة.
النوع الثالث من الحج وهو الإفراد والفرق بين الصورتين الكبيرتين
النوع الثالث هو الإفراد، والإفراد معناه أنني أُحرم بالحج من مكاني الذي أنا فيه من الميقات الخاص بي، ثم أذهب ولا أخلع هذا الإحرام وأظل محرمًا مثل القارن، طالت المدة أو قصرت، وينتهي الحج فينتهي الإحرام.
وغالب الذي يفعل هذا يكون في المدينة المنورة ولم يذهب إلى الحج الآن يعني، لكن لو أنه ذهب إلى مكة قبل الحج بعشرين يومًا وهو محرم سيظل العشرين يومًا محرمًا، شأنه شأن القارن الذي لم يخرج من الإحرام.
إذن عندنا صورتان كبيرتان.
[المذيع]: ما هما؟
[الشيخ]: أدخل الإحرام وأخرج منه، أدخل الإحرام ولا أخرج منه. ها هي واضحة.
[المذيع]: الصورة الأولى: أدخل الإحرام...
[الشيخ]: ويجوز لنا الخروج منه، التمتع.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الصورة الثانية: أدخل الإحرام ولا أخرج منه، سواء كنت مفردًا أو سأذهب لأعمل عمرة قارنًا مع الحج. الاثنان لا يصح أن أخرج من الإحرام حتى أنهي الحج.
الخلاف بين الشافعي ومالك في أفضلية الإفراد أو التمتع بين الجبران والشكران
الإفراد ليس فيه دم، والقِران فيه دم. ولذلك يقول الشافعي: والله أنا يبدو لي أن الإفراد هو الأفضل. قلنا له لماذا؟ قال: لأن هذا الدم جعله الله للجبران حتى يكمل النقص، فيصبح الإفراد الذي ليس فيه دم هو الأعلى مكانة.
فالآخرون من الأئمة قالوا له: لا، هذا شكران وليس جبران. وهناك فرق بين الجبران والشكران يا مولانا، النقص والزيادة يعني. هذا ما أفعله أنا هدية لربنا زيادة في الثواب، أم أقوم بها لأنني ارتكبت نقصًا فأكمل بها؟ وهذا هو الجبران، شيء أكمله بشيء آخر. لكن الثاني شكران، معناه أنني أحج وأزيد عليه أيضًا أنني أذبح ذبيحة.
فاختلفت أنظار الأئمة: هل هذا من قبيل الجبران أم من قبيل الشكران؟ الشافعي يرى أنه من قبيل الجبران ففضل الإفراد. مالك يرى أنه من قبيل الشكران ففضل التمتع لأن التمتع أرفق وأحسن.
أغلب الناس يحجون بالتمتع ومن يختار الإفراد يتحمل طول مدة الإحرام
فهذه الأنواع الثلاثة من أنواع الحج تجد أن أغلب الناس الآن في عصرنا الحديث يقومون بالتمتع، حيث يذهبون لأداء العمرة ويفكون الإحرام، ثم عندما يأتي وقت الحج يحرمون مرة أخرى.
أما من يريد الإفراد هذا لأنه لا يريد مثلًا أن يذبح، فسيتحمل. افترض أنه أحرم من مكانه في اليوم السابع، فسيبقى محرمًا حتى العيد في اليوم العاشر وانتهى الأمر، فتكون ثلاثة أيام.
وافترض أنه ذهب في اليوم الخامس عشر من ذي القعدة وأحرم وذهب إلى الحرم، فسيبقى من الخامس عشر من ذي الحجة حتى العاشر من ذي الحجة إلى أن يتحلل، يبقى خمسة وعشرين يومًا، مسافة طويلة، مسافة طويلة عليه، ولكن بعض الناس تتحمل هذا.
إحرام المرأة أخف من الرجل وأحكام الرضاعة والعناية بالطفل أثناء الإحرام
وخاصة بعض الناس هؤلاء إذا كانوا من النساء تتحمل هذا. لماذا؟ لأنها وهي محرِمة، لن تقص شعرها حسنًا، لكنها لا تقص شعرها أصلًا. لن تضع الطيب، هي لا تريد أن تضع الطيب في هذه الفترة وهي ليست مرتدية شيئًا غريبًا.
لكن الرجل يصعب عليه هذا بشكل أشد لأنه أيضًا يخلع ملابسه ويرتدي الرداء والإزار. فإذن المرأة قد تتحمل أكثر من الرجل لأن المرأة ترتدي بشكل عادي تمامًا لباسها المعتاد، لكن إحرامها في وجهها وكفيها، فهي لا ترتدي قفازات ولا تضع النقاب، والباقي هي في عبادة، وتنزل لتصلي، وتنزل لتطوف، وتنزل لغير ذلك إلى آخره، لا يوجد مشكلة.
فتكون هذه القضية بالنسبة للسيدات أخف قليلًا. إحداهن تسأل وتقول: حسنًا، أنا أُرضع. فلترضع، فهذا ليس له علاقة بالإحرام، ليس له علاقة بالإحرام. حسنًا، أُغيّر للطفل وأنظّفه وأحمّمه، ليس له علاقة بالإحرام.
هذا لا يقدح في الإحرام أبدًا ولا يؤثر في الإحرام. ولا أي شيء، لا المرأة الحامل يقدح ذلك في إحرامها، ولا المرأة التي تُرضع يقدح ذلك في الإحرام.
محظورات الإحرام المشتركة بين الرجل والمرأة وما يختص به الرجل
نحن نعيش حياتنا بشكل طبيعي، ولكن بعيدًا عن التطيب، بعيدًا عن قص الشعر، قص الأظافر، الصيد، العلاقة بين الرجل والمرأة إلى آخر ما هنالك من محرمات الإحرام.
ويضاف إليها عند الرجل أنه لا يغطي رأسه، وأنه لا يلبس المخيط المحيط، وأنه... فالرجل أصعب قليلًا من المرأة.
خذوا عني مناسككم وكيف حج النبي صلى الله عليه وسلم قارناً
[المذيع]:
قال رسول الله ﷺ: «خذوا عني مناسككم»
هكذا قال سيدنا صلى الله عليه وسلم، وكان ميسرًا دائمًا في رحلة حجه التي تعلمنا منها كيف يكون الحج. كيف حج سيدنا صلى الله عليه وسلم؟ وهل حج متمتعًا؟
[الشيخ]: رسول الله صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، ولكنه عندما وصل إلى مكة أمر الصحابة، حتى من خرج قارنًا، أن يتمتع فتمتعوا.
وقال:
«لولا أني سقت الهدي لتمتعت»
هو ساق الهدي، ساق حوالي أربعة وثلاثين أو أربعين مثلًا، حوالي أربعين جملًا ساقهم من المدينة، وأرسل سيدنا عليًا ليكملهم إلى مائة من اليمن. فسيدنا علي سبقه إلى اليمن وأحضر الستين الباقية ولحق به صلى الله عليه وسلم في مكة بالستين، فتمت المائة.
قيمة هدي النبي صلى الله عليه وسلم مائة جمل وكرمه في الحج
وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة جمل. الجمل اليوم لو يُسأل عن ثمنه يساوي عشرين ألف ريال أو يساوون ثلاثين ألف ريال، فاضربهم إذن في مائة، فيصبح ثلاثة ملايين ريال، وتضرب في خمسة، فيصبح خمسة عشر مليون جنيه مصري. هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: على قدر أهل العزم تأتي العزائم. التي هي البدنة يا مولانا، اسمه الجمل هذا اسمه البدنة.
[الشيخ]: البُدن جمع كلمة بدن، البُدن التي هي الجمل. فنحن يعني انظر عندنا طبعًا الذي نقوله هذا الجمل الخاص بالأكل، لأن هناك جمل السباق، هذا الواحد منه يصل ثمنه إلى ملايين، جمل السباق هذا، جمل السباق الذي هو الهجن.
قصة حُمر النعم وقيمتها الكبيرة وكرم النبي صلى الله عليه وسلم
ولكن وهناك جمال تكون حمراء، وهذا نوع آخر. في قصة عنترة عندما قالوا له: أحضر مائة من الجمال الحمر لكي يكون مهرًا لعبلة حتى تفوز بها، فذهب إلى النعمان الذي كان يمتلك هذه الجمال الحمراء، وهي ليست شائعة، يعني لا تجد مائة جمل أو مائتي جمل، بل تجد جملًا واحدًا من النوع الأحمر.
[المذيع]: تلك التي تسمى حُمر النَعم يا مولانا؟
[الشيخ]: نعم هي، لأن ذلك خير له من حُمر النعم، أي كلها التي هي ملايين الملايين، إذ كان الجمل الواحد يساوي شيئًا كبيرًا جدًا.
ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عندما أتى من اليمن بالستين ومن هنا بأربعين، مائة بدنة، وهذه المائة بدنة تساوي خمسة عشر مليون جنيه الآن. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان كريم النفس وكان جوادًا صلى الله عليه وسلم.
خذوا عني مناسككم دليل جامع للإجابة على كل أسئلة الحج
إذن سيدنا صلى الله عليه وسلم علمنا وعلّم العلماء كيف يفتون في أمور الحج يا مولانا خلال هذه الرحلة، خلال هذه المشاهد.
قال:
«خذوا عني مناسككم»
حسنًا، يعني هنا تأتي هذه الكلمة التي أتاحت لنا كل إجابة على كل سؤال. شخص يأتي ويقول لي: يا الله، أنتم لماذا تجعلون البيت الحرام على يساركم؟ ألا تأتي وتطوف بالعكس؟ هل يحدث شيء؟ فأقول له: قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، فهو طاف هكذا، ولم يطف من الناحية الأخرى.
يقول لي: طيب، من الذي قال لك أنه بعد الطواف نذهب لنصلي ركعتين في مقام إبراهيم؟ خذوا عني مناسككم. ومن الذي قال لك أننا نذهب لنبيت في منى؟ خذوا عني مناسككم. ومن الذي قال لك نذهب إلى عرفات في اليوم التاسع؟ ذلك خذوا عني مناسككم.
خذوا عني مناسككم وصلوا كما رأيتموني أصلي دليل جامع لكل سؤال
من قال إننا نصلي في نَمِرة الركعتين على سبيل السنية؟ خذوا عني مناسككم. حسنًا، ومن قال إنها السنة؟ خذوا عني مناسككم، لأنه ترك الرعاء وغير ذلك إلى آخره. تذهب لتستقر في عرفة، وكلما سيقول: من أين تأتون بهذا الكلام في الحج، نعود لكلمة خذوا عني مناسككم.
الأمر يشبه قوله:
«صلوا كما رأيتموني أصلي»
أصلًا هو صلى هكذا، صلى بأنه استقبل القبلة، صلى بأنه وقف فقرأ، صلى بأنه وضع يده اليمنى على يده اليسرى تحت صدره، صلى بأنه ركع وقام وفعل كذا وكذا، والناس كلها تراه ويصلي خمس مرات في اليوم ويصلي فرضًا وسنة، فشاهدوه فتعلموا منه.
صلوا كما رأيتموني أصلي، خذوا عني مناسككم. هذه مثل الدليل الجامع لكل سؤال سنسأله، لأنها حجة النبي صلى الله عليه وسلم رواها عنه جابر فأفاض في كيفية تصرفه لفظًا وعملًا ومواقف وأحكام وكل شيء. فخذوا عني مناسككم، هذه نسميها الدليل الجامع لأنها مفتاح للإجابة على مئات الأسئلة في الحج، بل بالآلاف. بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقد جعل الله طاعتك طاعته.
معنى افعل ولا حرج وتيسير النبي على الناس في مناسك الحج
يعني كان سيدنا صلى الله عليه وسلم إذا سُئِل يقول: افعل ولا حرج، افعل ولا حرج. ما معنى هذه الإجابة الحلوة الرائعة الجميلة في الترتيب؟
طبعًا ظروف الناس مختلفة، فعندما يأتي ويقول: خذوا عني مناسككم، حسنًا أنا أريد أن أقلده بالضبط، هل انتبهت؟ يصبح صعبًا لأن ظروفي مختلفة عن الظروف الأخرى.
هناك أناس يا أستاذ حسن، حتى تصنع صورة لحج النبي عليه الصلاة والسلام بدقة، يجب عليك أن تخرج من مكة ماشيًا وتعود إليها ماشيًا، هل انتبهت؟ فتأتي في اليوم الثامن وتمشي إلى منى، تمشي، لأنه في الأصل لا يوجد وسيلة مواصلات إلى منى مثلًا أو حتى لا تصل المواصلات بك إلى منى نفسها.
تجربة الشيخ في حجته الأولى ماشياً والتيسير على الضعفاء في الحج
فلكي تفعل ذلك وتذهب لتصلي في مسجد الخيف، وبعد أن تنتهي من الصلاة في مسجد الخيف، تبيت وتصبح الصبح في اليوم التاسع، ثم تذهب إلى عرفات. لو فعلنا ذلك بالضبط فسيكون أحد أمرين: إما أن تحج في الضيافة الملكية، هل انتبهت؟ أو تمشي.
وأنا شاب، أظن ربما كانت الحجة الأولى، كانت أول حجتك في شبابك يا مولانا؟ نعم، في حجتي الأولى، لكن في الشباب الحقيقي يعني خرجت من مكة ماشيًا ورجعت إليها ماشيًا.
يا مولانا أنت تجدد شباب العقل وشباب القلب. ليكن ذلك كذلك. فذهبنا مشيًا إلى منى وبيتنا في منى كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتأتي اليوم الشركة لتقول لي: ليس لدي سيارات توصلك إلى منى، علمًا أن الناس الذين معنا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«الضعيف أمير الركب»
معنا نساء ومعنا شيوخ ومعنا مرضى ومعنا معاقين ومعنا أصحاب حاجة خاصة واحتياجات خاصة وهكذا. فيقول لي: أنا سأذهب مباشرة يوم التاسع من مكة إلى عرفات، فأفتينا بالجواز.
افعل ولا حرج توسعة من النبي في ترتيب مناسك الحج حسب الظروف
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما سُئل عن شيء من هذا النوع إلا وقال: افعل ولا حرج.
هذه كلمة «افعل ولا حرج» أنه بعد ما رسم لنا الصورة التي حج هو عليها وأمرنا أن نأخذ عنه مناسكنا، أيضًا وسعها بأن هناك من هذا الترتيب ما يجوز لك أن تفعله طبقًا لظروفك وصحتك وانتقالك وإمكاناتك ووضعك إلى آخره.
تفاصيل حج النبي من يوم الثامن إلى الوقوف بعرفات يوم التاسع
لننتقل الآن إلى كيفية حج النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في يوم الثامن وذهب إلى منى وصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من اليوم التاسع الذي هو يوم عرفات.
ثم دفع إلى عرفات فوصلها قريبًا من الظهر، عشرين كيلومترًا. فلما وصلها عند الظهر خطب بالناس وصلى بهم وانتقل.
لا تجلس في المسجد لأن المسجد ليس من عرفات، مسجد وادي عرنة أو مسجد نمرة أو مسجد إبراهيم، كل هذه أسماء تُطلق عليه. بل يجب أن تنتقل خطوة واحدة هكذا، هناك خط بين خارج عرفات وداخل عرفات، جزء من المسجد خارج عرفات وجزء من المسجد داخل عرفات.
الآن بعد التوسعة أصبح هناك جزء من المسجد داخل عرفات، لكنك إذا جلست في جهة القبلة لا يصح حجك لأنك تكون خارج عرفات والحج عرفة.
وقوف النبي بعرفة وقوله عرفة كلها موقف والدفع إلى المزدلفة
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، سيدنا صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة ماذا فعل؟
[الشيخ]: سيدنا وصل إلى عرفات وخطب فيها في مسجد نمرة أو إبراهيم أو وادي عرنة، وانتقل إلى داخل عرفات وصلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في هذا المكان المبارك.
ودخل إلى عرفات فوقف فيما يُسمى بـجبل الرحمة. الآن هذا كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: وقفت هنا، وعرفة كلها موقف. انظر إلى السعة، يعني أنا وقفت هنا، فلا يأتي كل أربعة مليون إنسان يريدون الوقوف هنا، لا، إنما عرفة كلها موقف.
فتكون إذن السنة الصحيحة ليست أنك تقف هنا، هذه السنة الصحيحة أن تطيع توجيهه وكلامه أن عرفة كلها موقف.
الذكر والدعاء بعرفة والدفع منها بعد الغروب والجمع بين طرفي النهار
وبقي هناك يذكر ويدعو ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى إلى أن غربت الشمس. فلما غربت الشمس دفع من عرفات، وأصبح من السُّنة أن تجمع بين طرفي النهار، تجمع بين دقيقة قبل الغروب ودقيقة بعد الغروب، فيكون ذلك جمعًا بين طرفي النهار والليل، أي تجمع بين طرفي الليل والنهار معًا في عرفات.
ثم بعد ذلك تدفع إلى المزدلفة، والمزدلفة تقع ما بين عرفات ومنى على بعد تقريبًا اثني عشر كيلومترًا أو شيء هذا القبيل.
المبيت بالمزدلفة وصلاة المغرب والعشاء عند المشعر الحرام
وصل المزدلفة فصلى المغرب والعشاء جمعًا وتأخيرًا وقصرها أيضًا عند المشعر الحرام. والمشعر الحرام معروف الآن ومكانه مسجد والناس تبيت فيه.
بات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشعر الحرام، وفي الصباح صلى الفجر قبل شروق الشمس، وأذن للناس أنه بعد منتصف الليل يدفعون إلى مكة: النساء والذين في الخدمة كالرعاة والسقاة وما إلى ذلك، فقد ذهبوا إلى مكة.
ولذلك يجوز بعد منتصف الليل أن نذهب إلى مكة من أجل طواف الإفاضة.
كيفية حساب منتصف الليل الشرعي وجواز طواف الإفاضة بعده
ويُحسب منتصف الليل من المغرب إلى الفجر. فلو كانت المغرب مثلًا الساعة السابعة والفجر الساعة الثالثة، فإننا نحسب من المغرب، نَحسُبُ الغروبَ إلى الفجرِ من السابعةِ إلى الثالثة، كم؟
فنقول: والله من السابعة إلى الثالثة فيها ثماني ساعات، تقسمهم على اثنين يُصبح أربعة، زائد السابعة يُصبح الحادية عشرة. إذن منتصف الليل هو الساعة الحادية عشرة.
وبذلك بعد الساعة الحادية عشرة يجوز لك طواف الإفاضة. انتصفت الليلة هكذا، انتصفت الليلة. نعم، وليست الساعة الثانية عشرة مثل الغربيين، لا، الساعة الحادية عشرة، الساعة الحادية عشرة لأنها تُحسب هكذا.
وهذه متحركة، أحيانًا تأتي الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة والنصف. يومين فقط في السنة، وهما يوم الواحد والعشرين من يوليو ويوم الواحد والعشرين من سبتمبر، اللذان هما الاعتدالان الخريفي والربيعي، اللذان يكون فيهما بالليل الساعة اثنا عشر المنتصف. فدائمًا هو قبل اثني عشر.
دفع النبي من المزدلفة قبل الشروق ورمي جمرة العقبة الكبرى يوم العيد
يعني دفع الناس قبله، ولكنه بعدما صلى الفجر واصفرت جدًا، اصفرت جدًا، يعني خلاص الشمس بقي لها خمس دقائق وتطلع، دفع من مزدلفة.
قدر الرمح يا مولانا هكذا؟ لا، قدر الرمح هذا عندما تطلع هي نفسها، وبعد ذلك تستقر قدر الرمح يعني حوالي أربع إلى خمس دقائق، خمس درجات، هذه تساوي رمح. فخمس درجات هذه يعني التي نصلي فيها العيد، لكن هذا بعد الشروق. أما هو فقد دفع قبل الشروق.
ذهب إلى منى وهي في الطريق، نعم وعلى بعد مثلًا خمسة ستة كيلومترات. ذهب إلى منى ورمى العقبة الكبرى.
أعمال النبي يوم العيد من الحلق والذبح والأكل من الهدي
وبعدما رمى العقبة الكبرى توجه إلى مكة. بعدما رمى العقبة الكبرى جلس فحلق شعره صلى الله عليه وسلم. إذن هو رمى وبعد ذلك حلق وذبح هديه.
جلس يذبح في المائة جمل تلك وأكل منه. طهوا له قطعة لحم صغيرة، فأخذوا قطعة لحم من كل جمل ووضعوها له في إناء هكذا لكي تكون تبركًا بهذا الهدي المقدم هدية إلى الله سبحانه وتعالى.
التحلل الأصغر والأكبر وقول النبي افعل ولا حرج في ترتيب المناسك
وبهذا الشكل عندما يفعل شيئين من ثلاثة يكون اسمه التحلل الأصغر: رمى الجمرات وحلق شعره، ويبقى عليه الطواف. إذا رمى وحلق يبقى الطواف.
فقال رجل: يا رسول الله، أنا طُفْتُ وَجِئْتُ وَرَمَيْتُ. قالَ لَهُ:
«افْعَلْ وَلا حَرَجَ»
يا رَسُولَ اللهِ إنِّي حَلَقْتُ ثُمَّ طُفْتُ ثُمَّ رَمَيْتُ، ثُمَّ رَمَيْتُ، ثُمَّ أَفْعَلُ ما تُرِيدُهُ. فَيَكُونُ كُلُّ شَخْصٍ بِظُروفِهِ وَحاجَتِهِ.
ذَهَبَ إلى الكَعْبَةِ وَطافَ بِها وَأَصْبَحَ هَكَذا مُتَحَلِّلًا التَّحَلُّلَ الأَكْبَرَ، وَلَبِسَ ثِيابَهُ، فَقَدِ اغْتَسَلَ وَارْتَدى ثِيابَهُ. خَلاصٌ، خَرَجْنا مِن نطاق الإحرام.
أحداث يوم العيد من المزدلفة إلى مكة والعودة إلى منى للمبيت
وبقي في مكة، وعندما جاء الغروب انتقل إلى منى ليبيت فيها. نحن الآن أصبحنا في يوم العيد، عندما اصفر جدًا في المزدلفة كان ذلك هو يوم العيد.
وصلنا إلى منى ورمينا وحلقنا وذبحنا، كان كل ذلك في يوم العيد. ذهبنا في يوم العيد ووصلنا مكة الساعة العاشرة صباحًا، طفنا وتحللنا وارتدينا ملابسنا، كان كل هذا الكلام حوالي الساعة الثانية عشرة.
ثم مكث في مكة وصلى فيها الظهر والعصر، ثم ذهب نازلًا إلى منى.
أيام التشريق في منى ورمي الجمرات الثلاث بعد الزوال كل يوم
نحن اليوم في منى بعد غروب يوم العيد، نحن في يوم العاشر من ذي الحجة. بات في منى وأصبحنا. متى أصبحنا؟ أصبحنا في يوم أحد عشر.
انتظر إلى الزوال وخرج بعد الزوال لكي يرمي العقبات الثلاث: الصغرى فالوسطى فالكبرى. الكبرى قريبة من مكة وقبلها الوسطى وقبلها الصغرى.
رمى الجمرات الثلاث وأصبحنا في الساعة الواحدة. هل انتبهت كيف؟ يجوز لك حينها أن تنزل إلى مكة ويجوز لك أن ترجع إلى منى. فرجع إلى منى للذكر وللعبادة وللتلاوة ولكذا إلى آخره من أنواع التعبد لله رب العالمين وبما في ذلك الدعاء وبما في ذلك الالتجاء.
أيام التشريق الثلاثة ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه
أصبحنا في يوم الحادي عشر وبتنا أيضًا في منى وأصبحنا في يوم الثاني عشر بنفس الخطة، وبعد أن أذّن المؤذن للصلاة ذهب ليرمي الجمرات الثلاث، ثم عاد يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام التي هي أيام أكل وشرب وذكر وعبادة ودعاء.
فعل هذا الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]
يعني [من تعجل] إلى اليوم الثاني عشر فلا إثم عليه، ومن تأخر يعني إلى اليوم الثالث عشر فلا إثم عليه. فتأخر إلى يوم ثلاثة عشر صلى الله عليه وسلم.
روحانيات يوم الثالث عشر في منى وذكريات الشيخ بعد أربعين سنة
لما تأخرنا في الحجة التي أقول لك عنها هذه يوم الثالث عشر وجدنا فيها روحانيات عالية جدًا، عالية جدًا، لا يعني أن الناس لا تنتبه لها.
روحانيات ما زال طعمها في حلوقنا بعد أربعين سنة حتى هذه اللحظة، حتى هذه اللحظة. ومن ذاق عَرَف، لأننا نتحدث هذا الكلام في سنة ستة وسبعين. ففي سنة ست وسبعين، أي أننا تجاوزنا اثنين وأربعين سنة، أو ما شابه ذلك.
أتتصور؟ اثنان وأربعون سنة ولا زلنا نتذكر حلاوة تلك الأيام إلى يومنا هذا.
عودة النبي إلى مكة ماشياً وقصة حيض ميمونة وطواف الوداع
فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة ماشيًا، ورجع إليها ماشيًا في طواف الإفاضة هذا، وظل ثلاثة أيام موجودًا في منى، يأكلون ويدعو وهكذا إلى آخره، وانتهى من هذه المسألة.
ورجع إلى مكة مرة أخرى، وبدأ يتهيأ للعودة إلى المدينة. فلما تهيأ لهذا وجد ميمونة قد أصابها الحيض، فقال: وماذا الآن؟ وقال كلمة من كلام العرب، قال: حالقة، حالقة أي: ماذا الآن؟ هكذا، مثلما يقول المرء: يا للمصيبة! يا للعجب! هكذا يعني، كما تقول: يا للعجب! وبعد ذلك تأسُفًا.
حالقة، ليست في وقتها، ليست في وقتها، ليس وقتها الآن، نحن نَعُدّ للرحيل وكذا إلى آخره.
سقوط طواف الوداع عن الحائض وجواز الجمع بين طواف الإفاضة والوداع
فقالوا له: لقد طافت طواف الإفاضة. ففرح وقال: حسنًا، انتهى الأمر. لأنها هكذا حُرمت من ماذا؟ السيدة عليها السلام حُرمت من الوداع.
لا يجري شيء، فهو ليس رُكنًا وليس جزءًا من الحج. لدرجة أن الأئمة أجازوا أنه لو أخّرتُ طواف الإفاضة، أستطيع أن أطوف الإفاضة مع الوداع، أطوف الإفاضة بنية الإفاضة والوداع معًا، ويصبح الأمر متكاملًا وأمضي مباشرة.
الفرق بين المتمتع والقارن والمفرد في الطواف والسعي وقاعدة السعي بعد الطواف
سيدنا لأنه كان قارنًا طاف ولم يسعَ، لكن المتمتع يطوف ويسعى، يطوف ويسعى. المفرد يطوف طواف القدوم ثم يأتي ليسعى، فيسعى قبل الطواف الذي للإفاضة، فيكفيه سعي واحد.
لكن السعي لابد أن يكون بعد طواف دائمًا، لا يوجد شيء اسمه إما طواف قدوم أو طواف ركن. نعم، لكن لابد أن يكون بعد طواف.
لا يوجد في الشريعة كما يقول العز بن عبد السلام عبادة بالركوعِ المفردِ. هناك بالسجودِ المفردِ: سجودِ التلاوةِ وسجودِ الشكرِ وسجودٍ كهذا وسجودِ الآيةِ وهكذا.
سجود ابن عباس عند موت ميمونة وقاعدة الطواف يعقبه السعي دائماً
لكن عندما ماتت ميمونةُ سجدَ ابنُ عباسٍ، فقالوا له: لماذا تسجدُ؟ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ:
«إذا رأيتم آيةً فاسجدوا»
فأنا رأيتُ آيةً، وموتُ المؤمنين هذه آيةٌ كبيرةٌ.
فالمهمُ الحاصلُ أنه لا يوجد ركوع وحده، ليس هناك طواف وحده، يجب أن يكون الطواف بعده السعي بين الصفا والمروة، ويكون بعد الطواف بالكعبة.
[المذيع]: مولانا يا إمام، شكر الله لكم، وفي الحلقات القادمة سنواصل الإجابة على أسئلة كثيرة حول الحج. متعكم الله بالصحة والعافية ورضي الله عنكم دائمًا مولانا. شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
