والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن حقيقة مبدأ عدم تكليف الإنسان ما لا يطيق| الحلقة الكاملة
- •بنى الله الكون على مبادئ أساسية منها التوازن والعدالة والحب، ومنع كل ما يؤدي إلى اختلالها.
- •"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" مبدأ قرآني عظيم يمنع تكليف النفس فوق طاقتها، فإذا كلفت بأكثر مما تطيق اختل توازنها وضاع العدل.
- •حذر النبي من المنبت الذي يكلف نفسه فوق طاقته فلا يصل إلى هدفه ويفقد وسيلته.
- •رفعت الشريعة الحرج بعدم تكليف المحال (الصبي والنائم والمجنون) وعدم التكليف بالمحال (الأفعال غير المقدور عليها).
- •التكليف بما لا يطاق يرتبط بأربع جهات: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
- •خفف الله العبادات في الحالات الاستثنائية كالسفر والمرض والحرب، لكن دون إسقاطها.
- •يحقق هذا المبدأ العدالة والسعادة والمساواة دون اختلال الاجتماع البشري، فالإسلام جاء لتهذيب الطبيعة البشرية لا لمخالفتها.
تقديم الحلقة والتعريف بمبدأ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها
[المذيع حسن الشاذلي]: أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وهي حلقة جديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذا الحوار المهم حول المبادئ القرآنية.
مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: نقف عند هذا المبدأ الغاية في الأهمية، وهو:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة: 286]
ما هذا المعنى وما هذا المبدأ؟ وكيف يكون في البُنى الأفقية في حياتنا: سياسةً واقتصادًا واجتماعًا وعلم نفس وكل شؤون الحياة؟
أسس الكون الثلاثة التوازن والعدالة والحب وعلاقتها بالتشريع
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بنى الله سبحانه وتعالى هذا الكون على عدة مبادئ وأركان، من ضمن هذه المبادئ التوازن؛ فخلقه متوازنًا، فكل ما يؤدي إلى الاختلال والخروج عن التوازن منعه وحرّمه، وأمر بضده من أجل الوصول إلى هذا الأصل الأصيل وهو التوازن.
بنى الله سبحانه وتعالى هذا الكون على العدالة؛ ولذلك كل ما يؤدي إلى تأخير العدالة، أو كل ما يؤدي إلى الظلم والتظالم بين الناس وضياع الحقوق وتكثير الهرج بينهم والنزاع والصدام، فإن الله منعه وأمر بضده.
فعندما بنى هذا الكون على التوازن وعلى العدالة، بناه أيضًا على الحب وليس على الكراهية؛ فكل ما يؤدي إلى الكراهية أو يقدح في الحب بجميع أنواعه وأشكاله، فإنه قد مُنع ونُهي عنه وأُمر بضده.
معيار القبول في الأعمال وشرط الصواب والإخلاص والإنتاج
فترى مثلًا: من أجل الحفاظ على التوازن يأمر بهذا الأمر، ومن أجل الحفاظ على العدالة يأمر بهذا الأمر، ومن أجل الحفاظ على الحب يأمر بهذا الأمر، ومن أجل الحفاظ على النجاح بنى الله سبحانه وتعالى هذا الكون وجعل للعمل معيارًا.
أسماه معيار القبول؛ العمل المقبول.
**[المذيع]:**كيف يكون العمل مقبولًا؟،
[الشيخ]: يجب أن يكون صوابًا وأن يكون مخلصًا، فيكون منتجًا.
منتج ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه يأتي بثمرته؛ كل عمل له ثمرة، وإذا لم يأتِ العمل بثمرته يكون قد فشل؛ فكل الشريعة مبنية على هذا الأساس.
هدف الأكل في الإسلام عمارة الحياة لا التخمة والسرف
فعندما يأتي ويقول:
«بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»
يصبح: ما هو هدف الأكل؟ ليس هدف الأكل التخمة، وليس هدف الأكل هو التلذذ فقط، بل هدف الأكل عمارة الحياة؛ فالذي يؤدي إلى هذا الغرض هو لقيمات، أما الذي يؤدي إلى ضد هذا فهو السرف.
فيقول:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
لا نريد تخمة، وسنرى الآن [عدة أمثلة].
عقوق الأبناء وأثره في انهيار الأسرة والمجتمع الغربي
فعندما تسألني الآن عن: عندما أُمِرنا ببر الوالدين، فإن أمر الحياة جاء للعدل، وليس من العدل أن نعقّ الوالدين. جاءت الحياة من أجل التوازن، وليس من التوازن أن نقدم كمية معينة من العطف والحنان وما شابه، ثم يقدم الأولاد في مقابلها كمية أقل أو أدنى أو عكس هذا، وتستقيم الحياة.
ما الذي حدث عندما شاع العقوق في الأبناء في دول كثيرة؟ عزف الناس عن الزواج، واستبدلوا بالأولاد الكلاب، وربوا الكلاب واستغنوا بهم عمّن لبس الثياب. ما هذا؟ لماذا فعلوا هكذا؟ لماذا حدث هذا الخلل؟ من أين أتى هذا الخلل؟ من العقوق.
عندما عقّ الأبناء، ورأى الآباء أنه ما دام كل واحد حرًا، وما دام الولد بعد سن الثامنة عشرة يفعل ما يشاء، وما دامت الروابط الأسرية غير موجودة، فلماذا أُنجب؟ ولماذا أتعب؟ ولماذا يحترق قلبي عليك؟ ولذلك انهارت الأسرة، وسينهار بذلك بنيان العالم.
أسس الكون الكبرى وارتباط مبدأ عدم التكليف بها
كل هذا من ماذا؟ من عدم البر، وقس على هذا أبدًا؛ فهناك أسس بنى الله سبحانه وتعالى هذا الكون عليها، وهذه الأسس هي: التوازن، هي العدالة، هي الحب، هي الجمال، وهكذا.
وعندما نأتي ونسأل عن الأمر الذي يتعلق بهذا الخصوص، يقول[الله سبحانه وتعالى]:
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
تخيّل أنني قد كلّفت النفس، أو كلّفت الحكومة، أو كلّفت الجماعة، أو كلّفت المسجد، أو كلّفت العالم، أو كلّفت الجاهل، أو العامل؛ كلّفت أي شيء، فرضًا جماعةً أو مجتمعًا أو دولةً أو دنيا وأمة، لو كلّفتها بأكثر مما تطيق لاختل توازنها.
فإذا اختل التوازن ضاع العدل، وإذا ذهب هذا ضاع هذا في الدنيا،
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
لأن كل واحد سيكون منشغلًا بنفسه، جالسًا في طاحونته، وليس لديه وقت ليذكر الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ولا أن يتفكر في خلق السماوات والأرض.
مبدأ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وتجلياته في كل مجالات الحياة
تخيّل إذن وانظر الى هذا الضابط ولماذا صار هذا مبدأً؟، لأنه موجود ويذهب بشعاعه في كل مكان، في:
- •العدالة
- •التوازن
- •الحب
- •عمارة الأرض
- •عبادة الله
- •تزكية النفس
[المذيع]: يعمل على صيرورة الحياة يا مولانا؟
[الشيخ]: وانتشار الحضارة، واستقرار الأمن والاجتماع البشري، وسعادة الإنسان، سعادة الدارين.
فهل كل هذا بسبب أنني لم أكلّفك [ما لا تطيق]؟!. نعم، طبعًا. تعال الآن ونطبق هكذا ونرى: لو كلّفتك فوق ما تطيق ماذا يحدث؟،
«إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
ستسقط مني في الطريق.
قصة المنبت في الصحراء ومعنى الفشل عند تجاوز الطاقة
شبّه رسول الله ﷺ المُنبتّ؛ من هو المنبتّ؟ هو شخص معه جمل ويسير في الصحراء ويريد أن ينجز، لكن الإنجاز هو الذي يشغله وليس أي شيء غير الإنجاز.
وماذا يفعل حتى يصل إلى هدفه؟ هو يريد أن يذهب إلى أين؟ يذهب إلى الإسكندرية. حسنًا، فمشى اثنتي عشرة ساعة، فيجب عليك أن تريح الجمل وتستريح، لكي تدخل الحمام وتذهب للصلاة وتأكل وتتقوى وتستريح.
قال: لا، عندما أفعل ذلك سأجلس ساعةً أو ساعتين أو ثلاثًا، ولماذا أفعل؟ فمشى أكثر. فعندما مشى أكثر، عطش البعير الذي يمتلكه فمات.
وعندما مات البعير، رأى أنه قطع مسافةً معينة، لكنه مشى نصف المسافة ولا يزال هناك نصف المسافة متبقٍ، ولم يصل بعد. وليس هذا فحسب، بل أيضًا مات البعير؛ من الذي سيقله إن شاء الله؟ لقد فقد الوسيلة؛ لأنه كلّف نفسه ما لا يطيق، فوق طاقته.
الحديث النبوي عن المنبت وتطبيق مبدأ عدم التكليف في كل المجالات
«إن المُنْبَتّ - المُنْبَتّ الذي يسير بلا راحة ولا استراحة - لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع»
الإبل التي نطعمها ونسقيها ونريحها وننزل عنها الحمولة لكي ترتاح قليلًا وتخفف هكذا وتستطيع أن تكمل معي، ولكنه قطع نصف المسافة وغرق في النصف الثاني ولم يستطع أن يصل. وهل هذا نجاح أم فشل؟ فشل.
وربنا بنى هذه الدنيا على النجاح وليس على الفشل؛ يعني هذا الفشل ليس هو مقياس النجاح. لا يا حبيبي، حاول مرة أخرى بطريقة مختلفة، لأنك هكذا قد فشلت.
فإذا كان الأمر كذلك، والله أعلم بما هنالك، تعرف أن هذا [تكليف النفس ما تطيق] مبدأ، وسنراه في:
- •الاقتصاد
- •الاجتماع
- •السياسة
- •التربية
- •الدين
- •العلم
- •كل شيء
لا تكلف أحدًا ما لا يطيق. وهذا المبدأ الإداري الذي معمول به في كل الدنيا.
[المذيع]: سنعود بعد هذا الفاصل لنفهم أكثر وأدق هذا المبدأ وما يتعلق به من أمور كثيرة ابقوا معنا.
المثل العليا في الحياة والرد على من يصفها باليوتوبيا
[المذيع]: أهلا بحضراتكم، مولانا الامام نفهم من هذا السياق أن تلك المُثل العليا التي كان ينشدها الفلاسفة والفنانون والمبدعون: الحب والعدل والجمال والمساواة، هي الأصل في الحياة، وأي شيء يعيق المسير إليها يحرّمه الله سبحانه وتعالى؟
كما فهمنا من فضيلتكم أكثر من مرة: المشقة تجلب التيسير، ورفع الحرج عن المكلف.
[الشيخ]: نعم، ولذلك دائمًا في تعبيرات المسلمين أن هذا الدين يدعو ويؤكد ويأخذ بيد الإنسان إلى سعادة الدارين؛ سعادة الدار الدنيا التي فيها هذه المعاني:
- •العدل: الذي يستشعر معه الإنسان بالراحة والأمن والأمان
- •المساواة: التي لا يستشعر فيها بالصدام والخصام
- •الحب: الذي يستشعر فيها بالسعادة والهناء والألفة والعلاقات الاجتماعية المستقرة إلى آخره.
الرد على اتهام الإسلام بالدعوة إلى اليوتوبيا وشهادة أهل التصوف
لدرجة أن هذه الأشياء عندما نذكرها سويًا يقولون لنا: إنكم تدعوننا إلى المدينة الفاضلة، اليوتوبيا!.
على فكرة، هذه اليوتوبيا عندنا ليست هكذا فحسب، بل عشناها، بل أنكى من ذلك أننا نعيشها. وهذا هو الذي يقول أهل التصوف وأهل الله: معنا ما لو عرفه الملوك لقاتلونا عليه. لماذا؟ بسبب السعادة سعادة الدارين وكيف تتحق؟، يتذوق كل شيء، ومن ضمن هذا أنه لا يكلّف نفسه ما لا تطيق.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عندما رأى السيدة زينب بنت جحش عليها السلام، وهي أم من أمهات المؤمنين، وكانت كريمة وكانت معطاءة وكانت عابدة، لديها همة عالية في العبادة رضي الله عنها.
قصة السيدة زينب بنت جحش والحبل وحديث اعبدوا ربكم بنشاطكم
فكانت تصنع في حجرتها حبلًا بالطول هكذا مثل حبل الغسيل، حتى إذا جاءت وأُصيبت بالدوار أثناء الصلاة اعتمدت عليه أو رمت نفسها عليه، فهذا الحبل يمنعها من السقوط.
فسيدنا النبي ﷺ رآها، وبعد ذلك قال لها: ما هذا الذي فعلتِه؟ قالت له: هذا من أجل منعى من السقوط [أثناء العبادة].
قال ﷺ:
«ليعبد أحدكم ربه طاقته»
أي بمقدار طاقته، ليعبد أحدكم ربه حسب طاقته؛ يكون نشيطًا؛
«فإن الله لا يمل حتى تملوا»
إذن قال لنا صلي الله عليه وسلم: ليس بهذه الطريقة [فوق طاقاتنا] نعبد الله.
قصة الثلاثة الذين أرادوا التشديد في العبادة وموقف النبي منهم
وعندما جاء جماعة يسألون عن عبادة رسول الله ﷺ، فكأنهم استقلّوها، قالوا: أين نحن من رسول الله؟ رسول الله وصل بالفعل وهو في الحضرة القدسية الربانية:
«أبيتُ عند ربي يطعمني ويسقيني».
أما نحن فسنفعل شيئًا آخر، فواحدٌ قال: أصوم ولا أفطر، والثاني قال: أقوم ولا أنام، والثالث قال: أنا لا أتزوج النساء.
فالنبي ﷺ سمع بهم فقال:
«ألا إني أصوم وأفطر»
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول لا يصوم صلى الله عليه وسلم.
النبي وصيام التطوع وحديث من رغب عن سنتي فليس مني
وكان في بعض الأحيان يدخل على التوكل فيقول: هل عندكم شيء؟ شعر بقرصة جوع في بطنه الشريفة، فتقول: لا يا رسول الله، فيقول:
«اللهم إني صائم»
[المذيع]: برغم هذا الجوع والألم؟!.
[الشيخ]: قال العلماء: وإذا كان ذلك قبل صلاة الظهر انعقد الصيام، يعني أنا لم أنوِ هذا الصيام من الليل، ولكن هذا حال.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من أن هذا أمر عملي، لكنه لم يكلّف نفسه ما لا تطيق. فلما سمع [بالثلاثة] قال:
«إلا أني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»
وهذا يسمونه منحنى الجرس.
منحنى الجرس وقانون التناقص عند تجاوز الطاقة في العبادة
منحنى الجرس هذا على شكل الجرس هكذا، يعني يصعد إلى نقطة معينة ثم ينزل.
سيادتك تصعد حتي تصل إلى المثال النبوي. فاذا قمت بالزيادة عليه ستنقص، ان زدت ستنقص. لن تزيد هكذا على طول خط مستقيم؟ لا، إنه منحنى جرس؛ كلما تزداد كلما تنقص، إلى أن نجدك اعتزلت في كهف بالجبل، إلا لسبب معقول مثل الفتن والكوارث والحروب وما شابه ذلك، أو لأنك لا ترضى أن تشترك في فتنة، فهذه قضية أخرى وهي مسألة خاصة. ولكن
«من رغب عن سنتي فليس مني».
الفرق بين تكليف المحال والتكليف بالمحال عند الأصوليين
ماذا يوضح هذا الحديث [من رغب عن سنتي فليس مني]؟ أنه :
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]
رأينا أن الشريعة حتى تحقق هذا المبدأ وحتى يصير ملكةً عند المسلمين في كافة تصرفاتهم في الإدارة، في الاقتصاد، في السياسة، في الحكم، في الدين، في الدنيا، رأينا أنه لا يكلِف المحال ولا يُكلِف بالمحال.
فقلنا للأصوليين: هل يوجد فرق بين العبارتين 'يُكلِف المحال' و'يُكلِف بالمحال'؟ يعني عندما أضفنا الباء هكذا، هل حدث شيء؟ 'لا يُكلِف المحال' وهذه 'يُكلِف بنفس المحال'.
[الشيخ]: قال: لا، يوجد بينهما وبين بعضهما فرق كبير جدًا.
[المذيع]: ما الفرق بينهما يا مولانا؟
تكليف المحال الخلل في الفاعل كالنائم والمجنون والصبي
سألنا [مشياخنا] سؤالك هذا [الفرق بين لا يُكلِف المحال ولا يُكلِف بالمحال]، فقال: تكليف المحال الخلل فيه راجع إلى الفاعل؛ هو نفسه محال أن يفهم الخبر. لماذا؟ قال لي: نائم، مجنون، صبي صغير، يسمونه في العربية بابوس، بابوس صغير هكذا، وهو لا يعلم شيئًا.
وجءت أنا للبابوس الصغير هذا، وأقول له يعني: جاهد في سبيل الله، أو أقول له: قم حج، فينظر إليّ هكذا ويضحك فقط، لأنه لا يفهم شيئًا. قم صلِّ، قم توضأ؛ طفل في المهد عمره شهر تقول له قم توضأ، هو لا يفهم.
فهذا يسمى المحال؛ هل الله كلّف المحال؟ أبدًا. قال:
«رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ»
اذن الذي حيل بينه وبين فهم الخطاب، هو مُحال.
موقف الأشاعرة والماتريدية من تكليف أهل الفترة ونجاتهم
ولذلك من هنا انطلق الأشاعرة والماتريدية وقالوا بعدم تكليف أهل الفترة، لأنه لم يأتهم رسول، فبماذا سيكلَّفون؟ هل هم يفهمون شيئًا؟ ذلك مبلغهم من العلم.
وقالوا بنجاتهم؛ ينجون عند الله سبحانه وتعالى.
إذن فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها؛ جعلت الشريعة لا تخاطب إطلاقًا المحال الذي يكون الخلل فيه راجعًا إلى الفاعل الشخص نفسه، وهو الشخص الذي لا نستطيع أن نوصل له التكليف.
[المذيع]: سواء كان مجنونًا أو نائمًا أو بابوس (صبي).
[الشيخ]: ولا يمكن أن يُكلَّف بالمحال؛ والتكليف بالمحال الخلل فيه راجع إلى الفعل، فلم يأتِ الشرع قط وأمرني : أن أحمل هذا الجبل فوق رأسي، ولم يأت الشرع وقال لي: اشرب البحر لكي أرضى عنك.
استحالة التكليف بما لا يطاق وضرب المثل بشرب البحر
كيف أشرب البحر إذن؟! من بطن بهذا الحجم والبحر هذا شيء كبير، عندما تمتلئ بطني من مياه البحر، خلاص، لو زدت قليلًا أغرق، فأكون لا شربت البحر ولا شربت نهر.
الشرع عمره ما قال لي هكذا، عمره ما أمرني بأمر خارج عن نطاق التكليف، خارج عن نطاق الإمكانية.
هذا كله هو عدم تكليف المحال، أي المختل في الخطاب، وعدم التكليف بالمحال يعني التكليف بالفعل غير المقدور عليه؛ يخدم
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]
الذي قاله لي كله، حتى على سبيل الاختبار والابتلاء في ديانات أخرى، والحمد لله ليست في ديانتنا.
قصة ذبح سيدنا إسماعيل دليل على أن التكليف الصعب ممكن لا مستحيل
أنه قال لسيدنا إبراهيم: اذبح ابنك! اذبح ابنك؟! يا لها من مصيبة كبيرة جدًا! نعم، لكنها ممكنة.
انظر الفرق بينها وبين أن أحمل الجبل فوق كتفي، انظر الفرق بينها وبين أن أشرب مياه المحيط. يقول لي: اذبح ابنك، فقام ليذبحه :
﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ* وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ﴾ [الصافات: 103-105]
إذن فهذا كله سعي من الشريعة من أجل إقرار مبدأ قرآني عظيم أنه
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
[المذيع]: نعود بعد الفاصل لنعرف تجليات هذا المبدأ في الطاعة وفي العبادة وفي العمل وفي الحياة، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
رفع الحرج في الدين وعدم تكليف المحال من الصبي إلى الناسي
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا يقول: ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78]
هذا الحرج كيف رفعه الله سبحانه وتعالى في الدين؟
[الشيخ]: أولًا بأنه لم يكلّف المحال؛ بأن لم يخاطب الصبي ولا السكران ولا المجنون ولا المعتوه ولا الغافل ولا الناسي ولا الساهي ولا النائم وهكذا.
وفرّق حتى ما بين الساهي والناسي؛ أن الناسي إذا ما ذكّرته لا يتذكر، تأتي لتذكره فتقول له: ألست تتذكر كذا؟ فيقول لك: أبدًا، لست أتذكر. هذا يكون ناسيًا.
أما الساهي فإذا ما ذكّرته تذكّر، وقال: نعم والله،كنت نسيتها، ساهٍ عنها. فهناك فرق بين النسيان والسهو، وبالرغم من ذلك يُسمى الغافل وهو غير مكلّف.
قضاء الصلاة الفائتة وحكم من نام عنها أو نسيها
ولذلك من نام عن صلاة أو نسيها أو يتهيأ له أنه صلى، فليصلها حينما يستيقظ أو يتذكرها بمنتهى البساطة والشفافية، وحيثما أدركتك الصلاة فصلِّ.
فمن هنا عرفنا أنه لا يكلَّف بما لا يطيق.
وكذلك الأفعال، فهو لا يكلّفنا بما لا نطيقه إطلاقًا. وكذلك أمرنا أن نفعل هذا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في العلاقة التي بيننا وبين عبيدنا وخدامنا وما إلى ذلك، يتحدث عن هذه:
«ولا تكلّفوهم ما لا يطيقون»
لا تقل له: احمل هذا الزنبيل أو هذه السلة وهو يزن مئتي كيلوغرام! كيف يحمله؟ لا بد أن يحمله اثنان أو ثلاثة لأنه ثقيل.
«فإذاكلّفته فأعنه»
أي قم بمساعدته، يدك مع يده حتى تعرف أن هذه المسألة ثقيلة أو صعبة أو ما شابه ذلك.
النبي يعمل بيده مع أهله ويحفر الخندق دليل على مبدأ المعاونة
علينا أن ننجز هذا الآن، فتكون يدي مع يدك. فكان النبي صلى الله عليه وسلم في مهنته مع أهله يدًا بيد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحفر مع من يحفر الخندق.
فإذن فهذه المعونة جزء لا يتجزأ من عدم التكليف بما لا يطاق.
ماذا يعني التكليف بما لا يطاق؟ التكليف بما لا يطاق معناه أن هناك أربع جهات لا بد أن ننتبه إليها:
- جهة متعلقة بـالزمان
- وجهة متعلقة بـالمكان
- وجهة متعلقة بـالأشخاص
- وجهة متعلقة بـالأحوال
لا يمكن أن يرتد الخارج عن الطاقة عن واحدة من هذه الجهات الأربع. هذه الجهات الأربع هي التي دائمًا ننتبه إليها أثناء الفتوى، وننتبه إليها عند تغير المعاني الدقيقة، وننتبه إليها عند تنزيل النص المقدس على الواقع المتشابك إلى آخره.
استحالة التكليف بزمن مضى أو مكان مستحيل كالصلاة بالأمس
هذه الجهات الأربعة [الزمان والمكان والاشخاص والأحوال] لا يمكن الله سبحانه وتعالى [ان يكلف من غير مراعاة لهم]، لا يمكن ان يقول لي: تعال صلِّ بالأمس. أصلي بالأمس كيف ذلك؟ صلاة من ثلاث ركعات الساعة العاشرة صباحًا؟ العاشرة صباحًا متى؟ بالأمس؟ لكن الزمن قد انقضى، لم يحدث أنه يفعل بنا هكذا، هذا غير ممكن.
أنا أريد أن أرى إن كنت ستذهب للوضوء أم لا وهتمتثل أم لا، مثل قصة ذبح سيدنا إسماعيل هذه التي هي أن سيدنا إبراهيم شرع، "فلما أسلم" الاثنان
﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ * وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ﴾ [الصافات: 103-104]
لكن هذا مقدورًا عليه، لكن هذا [الصلاة فى زمن انقضي] غير مقدور عليه أن أوقع الفعل في زمن مضى.
لو سمحت: صلِّ لي في أمريكا الآن.كيف أصلي في أمريكا؟ كيف هذا؟ ماذا أفعل؟ سنرى ماذا ستفعل، فكّر!. ولذلك ربنا لم يفعل فينا أبدًا هكذا.
صلاة شدة الالتحام في المعركة وأهمية الصلاة في أحلك الظروف
أو مثلًا حتى في حالة الحرب خفّف الله عنا وجعل هناك شيء يُسمى صلاة القتال وصلاة الجهاد.
يقول إسحاق بن راهويه وهو من المجتهدين العظام في الإسلام: ويصل الأمر عند الالتحام، كأنني في سنة ثلاثة وسبعين ومشتبكين، كما حدث في حرب أكتوبر ثلاثة وسبعين ونحن فى وسط الاشتباكات، ثم حان وقت الصلاة.
قال: حتى يقول الله أكبر فكأنها كبّرت تكبيرة الإحرام:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
فقد قرأ آية، ثم السلام عليكم. هذه يسميها إسحاق صلاة شدة الالتحام؛ أي أنني والعدو فى اشتباك - مع ذلك - الصلاة لا تسقط، لدرجة أنني فوق العدو هكذا، أقول: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين، السلام عليكم. انتهى الأمر هكذا، صليت الظهر، ونؤدي مثلها مرة أخرى وبذلك أكون صليت العصر.
أهمية الصلاة والتخفيف فيها تجليان لمبدأ رفع الحرج والتوازن
[المذيع]: إلى هذا المدى تصل أهمية الصلاة يا مولانا؟
[الشيخ]: إلى هذا المدى تصل أهمية الصلاة من ناحية، والتخفيف من ناحية أخرى!
وأهمية الصلاة يعني أنه لا يرضى أن يجعلنا ننساها أو نؤجلها أبدًا، بهذه الكيفية إلى هذا الحد بلغت أهمية الصلاة التي هي عماد الدين، والتي هي ذروة سنامه، والتي هي الفارق الذي بيننا وبينهم.
وفي الناحية الثانية، التخفيف الذي يصل برفع الحرج عن الناس إلى هذا الحد، لأن المشقة تجلب التيسير؛ رمضان، وبعد ذلك يأتي التيسير في السفر ويبيحه لي، وفي المرض يبيحه لي، وفي كِبَر السن يبيحه لي، والمرأة عندما يأتي لها الحيض وهكذا.
خلاصة مبدأ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وتجلياته في الحياة كلها
إذن هذا هو المبدأ الذي سنراه كثيرًا متشعبًا في كل مجالات حياتنا، والذي هو مستقر، يحقق العدالة، ويحقق السعادة، ويحقق المساواة، ويحقق الحب، ويحقق الجمال، ويحقق كل هذه العمارة، يحقق العبادة، يحقق التزكية للنفس، يحقق كل ذلك.
وبدونه تختل الإدارة، فيختل الاجتماع البشري، فتختل كل هذه المعاني الكبرى.
[المذيع]: لذلك لم يأت الإسلام ليقف ضد هذه الطبيعة البشرية، ولكن جاء ليهذب هذه الطبيعة. مولانا الإمام علي وعد باستكمال هذه المبادئ القرآنية ومناقشة هذا المبدأ تحديدًا في الحلقات القادمة. شكرًا لكم مولانا الإمام فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وحفظه، إلى اللقاء.
