والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على إدعاء المتطرفين وجوب تطبيق الفتوى بالقوة| الحلقة الكاملة
- •يستهدف المتطرفون المساجد بسبب فهمهم المجتزأ للنصوص الدينية وتعاملهم مع القرآن بانتقائية.
- •يطبق هؤلاء المتطرفون الفتاوى بالقوة والعنف رغم أن أساس الفتوى هو البيان وليس القهر.
- •سبب انحرافهم أنهم اتبعوا ما يسميه الدكتور علي جمعة "الهرم المقلوب"، فبدلاً من البدء بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وفهم الرحمة كأساس، بدأوا بآيات القتال وفسروها خارج سياقها.
- •النبي صلى الله عليه وسلم لم يقهر الناس بالسيف، ولم يُدخل أحداً في الإسلام غصباً، بل ترك الناس للهداية الربانية.
- •يحوّل المتطرفون المساجد إلى "مساجد ضرار" في نظرهم لتبرير تفجيرها، وهذا فهم خاطئ لأن مسجد الضرار أنشأه المنافقون ضد الإسلام.
- •وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بـ"كلاب أهل النار" لأنهم يشوهون صورة الإسلام ويستحلون دماء المسلمين.
- •تأثروا بفكر سيد قطب التكفيري الذي اعتبر المجتمعات الإسلامية جاهلية، مما أدى إلى ظهور "الذئاب المنفردة" والإرهاب الفوضوي.
مقدمة البرنامج وأسئلة الحلقة حول استهداف المتطرفين للمساجد
[المذيع]: أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وها هو اللقاء يتجدد دائمًا ودومًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، في برنامج "والله أعلم"، لنجيب على تلك الأسئلة المهمة جدًّا:
لماذا يستهدف المتطرفون المساجد؟ لماذا يحولون فتاوى التحريم إلى فتاوى تفجير؟ لماذا يحاولون دائمًا تطبيق الفتوى بالقوة؟ مرحبا مولانا. هل عند تطبيق الفتوى لا بد وأن نستخدم القوة كما يدعي هؤلاء المتطرفون؟
مشكلة المتطرفين في التعامل مع النصوص الشرعية بالتجزئة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.
قال النبي ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»
فالنبي صلى الله عليه وسلم جعله الله نبراسًا لنا وأسوة حسنة، وقال:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
**مشكلة هؤلاء الناس [أي: المتطرفون] ** أنهم تعاملوا مع النصوص على ما فهموه، لا على ما هي عليه. مشكلة هؤلاء الناس أنهم جزّأوا الفهم:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
المتطرفون ليسوا أصحاب سلطة والملك بيد الله وحده
فهؤلاء الناس الذين بغوا وطغوا في الأرض وأرادوا أن يطبقوا بهذا العنف، وهم ليسوا أصحاب راية ولا أصحاب سلطة، ولم يُمَّكنهم الله سبحانه وتعالى في الملك. والله سبحانه وتعالى قال:
﴿يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 247].
فالإنسان لا يسعى إلى تولي المُلك، بل هو أمر رباني يعطيه لمن يشاء من عباده. هؤلاء أبدًا، هم يرون لأنفسهم حولًا وقوة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة»
الآيات التي يتجاهلها المتطرفون في القتال والإكراه في الدين
هم يأتون إلى:
: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]
وينسون كلمة بسم الله الرحمن الرحيم، وينسون كلمة:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
وينسون قول الله تعالى:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256].
وينسون قوله تعالى:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
وينسون قوله تعالى:
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22].
وينسون قوله تعالى:
﴿مَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99].
وينسون جملة من الآيات القرآنية التي تقرر هذه المعاني؛ فهؤلاء أناس يفسدون في الأرض، يفسدون الدِّين والدنيا معًا.
أساس الفتوى هو البيان لا القهر وشروط إدراك حكم الله
فأساس الفتوى هو أن نبيِّن فيكون البيان وليس القهر، أن نبيِّن حكم الله في المسألة. وحتى أدرك حكم الله في المسألة، فلا بد لي أن أطلع على النص بوجهه الصحيح:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
ولا بد لي أن أطلع على الواقع بوضعه الصحيح، ولا بد أن تكون عند المفتي مَلَكة لإيصال هذا المطلق الذي هو النص، خاصة النص المقدس؛ القرآن الكريم وتفسيره السُّنَّة المطهرة.
كيف أوصل هذا للتطبيق في الواقع المتغير النسبي؟ فهذا يحتاج إلى إدراك لحقائق اللغة ولحقائق الإجماع، وإدراك لحقائق المصالح المرعية والمقاصد الشرعية والمآلات المعتبرة.
صناعة الفتوى يفتقدها من يطبقها بالإرهاب والقهر
كل هذه العملية هي عملية صناعة، هذه الصناعة يفتقدها مَن يقول إنني أطبق فتواي بالإرهاب، وأطبق فتواي بالإرجاف، وأطبق فتواي بالقهر.
والله سبحانه وتعالى حذرنا مِن هؤلاء الذين يتكلمون بألسنتهم بما يخالف الشريعة الإسلامية، وأسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخوارج، وقال في شأنهم:
«الخوارج كلاب أهل النار»
الخارجي قال في شأنه رسول الله:
«تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه»
إلى هذا الحد، من قتلهم كان أولى بالله منهم. لماذا؟ لأنه يدافع عن الدين والدنيا معًا، ولأنهم ينقلون الإسلام بطريقة فاسدة وبأساليب فاسدة، ويطبقونه بأساليب أفسد، من غير سلطان لهم من عند الله.
معنى أننا دعاة وهداة ولسنا قضاة أو أوصياء على الناس
[المذيع]: ماذا يعني وأنتم دائمًا تقولون في منهجكم الأصيل: نحن دعاة، نحن هداة، ولسنا قضاة أو أوصياء؟ في هذا المنهج، أما أولئك فلا منهج لهم، فكيف نفهم أو ماذا نفهم من هذا المعنى الجميل حينما تطبقونه بشكل عملي؟
[الشيخ]: ما فهمناه هو أننا العلماء ورثة الأنبياء، وما فهمناه هو أننا نبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في هذا المقام التبليغي لقوله صلى الله عليه وسلم:
«بلّغوا عني ولو آية»
فماذا كان رسول الله يفعل؟ لم يقهر الناس بالسيف، ولم يُدخل أحدًا غصبًا عنه في الإسلام، ولم يطبق على أحد شيئًا هو يأباه أو يرفضه، بل ترك الناس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
النبي لم يقهر أحدًا على الإسلام والله لم يأمرنا بصناعة المنافقين
تَرَكَ الناس ولم يقهر أحدًا، جلس أربعة عشر سنةً في مكة. الذي دخل الإسلام دخل بقناعته، الذي دخل الإسلام دخل بهداية ربه، الذي دخل الإسلام دخل عن مرادٍ في أن يعبد الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله لم يأمرنا بصناعة المنافقين.
أنا لو قهرت الناس فخافوا من السيف واتبعوا الكلام، اتبعوا وكانوا منافقين، والله سبحانه وتعالى أكد فقال:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
ما ينفعون شيئًا.
﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]
يقول له: لا يهمك.
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
كلامٌ أوضح من الواضحات وأجلى من البينات، ولا يحتاج إلى مزيد مناقشة ولا مزيد بيان.
مفهوم الهرم المقلوب وأهمية البسملة في التعليم الأزهري
فما الذي حدث؟ حدث ما أسميتُه بالهرم المقلوب. عندما علّمونا في الأزهر، علّمونا ماذا تعني بسم الله الرحمن الرحيم، ولماذا بدأوا بها؟ لأن الله بدأ بها. ودائمًا هم يكتبونها في كتبهم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
هم يقولون ماذا في الشرح؟ بدأ بالبسملة والحمدلة اقتداءً بالكتاب العزيز، يعني: بالقرآن الكريم، عندما أؤلف كتابًا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. بدأ بالبسملة، وثنَّى بالحمد اقتداءً بالكتاب.
انظر إلى جزئية الاقتداء بالكتاب، فأنا أذهب لأقتدي بالكتاب، فماذا أفعل؟ أقف عند البسملة.
شرح البسملة في الأزهر استغرق شهورًا لأن الإسلام كله فيها
وأخذوا يشرحون لنا في البسملة حوالي ستة أو سبعة أو ثمانية شهور في بداية الدراسة. وهل هذه تحتاج؟ هي مجرد كلمة فهل يستدعي الأمر ستة أو سبعة أشهر؟
نعم؛ لأن الإسلام كله في بسم الله الرحمن الرحيم. وتأتي المناقشات: ما هو الرحمن؟ وبعد ذلك الرحيم؟ نفس المادة، يعني رحمن ورحيم. فيقول لي: لا، هذه هي الحكاية كلها هكذا، هذا هو المفتاح الذي ستفتح به كل شيء.
صفات الله بين الجمال والجلال والكمال في البسملة
[المذيع]: ما الحكاية إذن؟
[الشيخ]: الله له صفات جمال وصفات جلال وصفات كمال.
فالله على صفات الكمال، والرحمن على صفات الجمال، والرحيم على صفات الجمال.
إذن أين الجلال؟ قالوا: لم يخاطب الله الناس بالجلال وحده. لا بأس، كان يقول: بسم الله الرحمن المنتقم، فيكون جمال وجلال حتى يخاف الناس. قال: لا، لا تطيق البشر هذا؛ أنه يواجهها بالجلال. جلاله مغلف بجماله!
سورة التوبة وعدم ذكر البسملة فيها دليل على تغليف الجلال بالجمال
وفي كلِّ القرآن ليس هناك -إلى درجة أن في سورة نزلت فيها شدة على المفسدين وعلى الكافرين وعلى المنافقين وعلى غيرهم إلى آخره- فسموها سورة التوبة. لم يقل فيها: بسم الله الرحمن المنتقم في هذه فقط، أبدًا.
تقرأها من غير البسملة:
﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 1]
تقرأوها مباشرة من غر بسملة إذن البشر فعلًا -سواء مؤمن أو كافر أو مفسد أو مصلح أو غير ذلك- لا يطيق أن يتجلى الله عليه بصفات الجلال.
الله لم يتجلَّ في القرآن بصفة جلال إلا ومعها صفة جمال
ولذلك خذ هذه المعلومة الغريبة التي أخذناها في الدرس الأول تمامًا. هذا هو الذي يتعلق بالستة أشهر التي هي في البسملة فقط، بكل ما فيها. الذي يتحدث في البسملة أنه لم يتجلَّ الله في القرآن كله بصفة جلال إلا ومعها صفة جمال.
[المذيع]: ماذا يعني أيضًا؟ ومثال للتوضيح
[الشيخ]:
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
يعني لا يوجد آية فيها عذاب إلا ومعها رحمة:
﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49]
هذا جمال؛ الغفور الرحيم. وبعد ذلك جاءت الآية:
﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 50].
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الحجر: 51]
إبراهيم هذا الذي هو أبٌ رحيمٌ.
الله يقدم الرحمة قبل العذاب والغاية من ذكر الوعيد هي التقوى
الله، يعني قبل أن يقول لهم أن عذابي هو العذاب الشديد الأليم، قال لهم:
﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49]
فلماذا تقول إن عذاب الله أليم مرة، وعظيم مرة، وشديد مرة، ومهين مرة، وغير ذلك إلى آخره؟
﴿يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16]
لأي سبب؟
﴿يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
إذن كلام الأشاعرة عندما يأتي ويقول لك: قد يتخلف الوعيد ولكن لا يتخلف الوعد. نعم، قلنا له: ما معنى هذا؟ قال: يمكن أن يغفر ربنا للجميع يوم القيامة، ومن الممكن ألا يحدث شيء [من العذاب].
الكريم يُخلف الوعيد ولا يُخلف الوعد والحكمة من ذكر العذاب
قالوا: حسنًا، وماذا عن الخبر؟ قال: الكريم يُخلِف الوعيد. عندما تقول لشخص: سأنتقم منك شر انتقام، وبعد ذلك تقول له: عفوت عنك؛ لأنه كريم، لأنه كريم لا يجري شيء، ولا يوجد نقص في هذا.
لكن لو قلت لك: أنا سأعطيك، وما أعطيتك، لا، هذا قدح [في الكرم]. ولذلك لا يمكن أن يتخلف الوعد، لكن ممكن أن يتخلف الوعيد.
الله! ولما جاز أن يتخلف الوعيد، فلِمَ أخبرنا به؟ أخبرنا بذلك لكي نخجل، ولكي نمتنع عن المعصية، ولكي نتشجع على الطاعة، ولكي لا نفسد في الأرض ونظلم الخلق ونؤذي البشر والعباد. هذا هو النمط الذي علَّمنا الله إياه.
من يعذب الناس على فتواه الظنية فهو في ضلال مبين مخالف لهدي الرسول
إذن أراد شخص أن يكون له حول وقوة وأن يعذب الناس على فتواه التي هي محض ظن، ثم بعد ذلك يتبين لنا أنها خطأ أيضًا، فهذه مصيبة فوق مصيبة.
إذن كل هذا ضلال مبين، وكل هذا مخالف لهدي الرسول، وكل هذا مخالف لأمر الله سبحانه فينا. وكل هذا نتج من أنهم تعلموا بالهرم المقلوب.
نحن بدأناها رحمة، فلما جئنا ووصلنا إلى:
﴿فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]
فهمناها من خلال الرحمة. هو لا، هو بدأ بها فغطت عليه الرحمة. عندما قرأنا الحديث قلنا: خلاص بقى، بسم الله الرحمن الرحيم، عرفنا من كل جانب.
علوم البسملة وحكمة البديع للشيخ عليش والحديث المسلسل بالأولية
وكان مشايخنا يقولون لنا: حسنًا، أين إذن المنطق الذي فيها؟ أين الأصول؟ أين اللغة؟ أين النحو؟ أين الصرف؟ أين البلاغة؟ أشياء كهذه.
وكان الشيخ عليش قد وضع حكمة البديع في بسم الله الرحمن الرحيم، فسبحان الله، فقد جمع العلوم كلها في البسملة.
وذهبنا إلى الحديث، حديث الأولية المسلسل بالأولية. المسلسل بالأولية، ما هو؟ نتوقف.
[المذيع]: حسنًا، نخرج إلى فاصل، نخرج إلى فاصل يا مولانا ونعود للحديث. نعود وبعد ذلك نقوم: اللهم إذا وعد وفّى وإذا أوعد عفا. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
الحديث المسلسل بالأولية ومعناه في تقليد نقل العلم عند المسلمين
[المذيع]: نأتي إلى التطبيق العملي للقرآن الكريم في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فنذهب إلى ما أسمَيتَهُ منذُ قليلٍ بالحديثِ المُسَلسَلِ بالأوليةِ. ما الحديثُ المُسَلسَلُ بالأوليةِ؟
[الشيخ]: بدأَ المسلمونَ لِتَعَمُّقِهِم في فَهمِ شريعةِ اللهِ ودينِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى بتقديمِ حديثٍ رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ تعالى عنهما، وجعلوهُ أوَّلَ حديثٍ يرويهِ الشيخُ لتلاميذِهِ، فسُمِّيَ بحديثِ الأوليةِ، وسُمِّيَ بالحديثِ المُسَلسَلِ بالأوليةِ؛ لأنَّ كلَّ شيخٍ يقول لتلميذه: وكان هذا الحديث أول حديث يحدثني به شيخي.
بناء المسلمين النقل على الرواية والمشافهة لا على الصحف وفكرة التسلسل
كان المسلمون قد بنوا النقل على الرواية، وليس على الصحف التي قد تُحرَّف أو التي لا نعرف مصدرها، بل لا بد من المشافهة والرواية والتعليم المنقول مِن جيلٍ إلى جيلٍ.
فبدأت فكرة الحديث المسلسل، فهناك حديث مسلسل بالحُسْن، وهناك حديث مسلسل بعاشوراء، وهناك حديث مسلسل بالعيد، وهناك حديث مسلسل بالأولية.
مُسَلْسَلٌ قُلْ ما على وَصْفٍ أتى *** مِثْلُ أما وَاللهِ أنْباني الفَتى
كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قائمًا *** أوْ بَعْدَ أنْ حَدَّثَني تَبَسَّما
هذا النقل هو صفة الزيادة التي في الحديث المسلسل، تبين أنه منقول ولم يكن في الكتب وجدناه هكذا وجادةً، بل هو منقول.
التسلسل في الرواية يعطي الطمأنينة لمعرفة كل راوٍ بالاسم والحال
لدرجة أنه حدثني قائمًا كما حدثه شيخُه قائمًا كما حدثه شيخُه قائمًا، وكما كل شيء. "قائمًا"، هذه الحال، هذه الحال هي التي تعطيني الطمأنينة؛ لأن هذا التسلسل تسلسل معروف، من هو وما اسمه.
وماذا كان يفعل حينها في هذه اللحظة، وكيف كانت هيئته.
أو بعد أن حدثني تبسم
هذا التبسم بعد الحديث، فمنذ ذلك الوقت، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى الآن، وهو يقول لك: أو بعد أن حدثني تبسم.
فيكون المسلسل بالتبسم.
المسلسل بالحسن وأنواع المسلسلات في الرواية النبوية
والمسلسل بالحسن كما يقول حدثني شيخي وكان وجهه حسنًا، قال: حدثني شيخي وكان خطه حسنًا، قال: حدثني شيخي وكان ثوبه حسنا، قال: حدثني شيخ وكان خلقه حسنًا، قال: حدثني شيخ وكان صوته حسنًا، قال: مسلسل بالحُسن هكذا حتى نصل إلى منتهاه.
إِنَّ أَحْسَنَ الْحَسَنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ
عن الْحَسَن، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْحَسَنِ ابن أَبِي الْحَسَنِ، عَنِ جد الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحْسَنَ الْحَسَنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ». [الْحَسَنُ الْأَوَّلُ ابْنُ سَهْلٍ، وَالثَّانِي ابْنُ دِينَارٍ، وَالثَّالِثُ الْبَصْرِيُّ وَالرَّابِعُ ابْنُ عَلِيٍّ].
هذا يعطيك شيئًا ما، فيقول: ها هو مسلسل،
قل ما على وصفٍ أتى مثل: أما والله أنباني الفتى.
المسلسل بالقَسَم، المسلسل بالقيام، المسلسل بالضحك، المسلسل بالحُسْن. هذا أصبح مسلسلًا بالأولية.
حديث الراحمون يرحمهم الرحمن وارتباطه بالرحمة والبسملة
يقول ماذا الآن؟
«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى»
الراحمون؟ هل سنعود للحديث عن الرحمة مرة أخرى، وأيضًا الرحمة هي أصبحت البسملة التي فيها رحمة في رحمة وجمال في جمال في المرتبة الأولى.
والحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى» في المرتبة الأولى أيضًا. أول ما علمني شيخي، أول كلمة قالها لي هي هذا الحديث، هذا هو أول كلام. الكلمة الأولى:
قال النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»
- •
وفي رواية: «يَرْحَمُكُمْ»
الضبط والتدقيق في الرواية كالقراءات وأن العلم يحتاج مشافهة ومصاحبة
[الشيخ]: هذه أيضًا ضبطها لي مرة "يرحمْكم" ومرة "يرحمُكم".
[المذيع]: لماذا الاختلاف في هذا الأمر؟
[الشيخ]: هذه مسألة ضبط وتدقيق مثل القراءات تمامًا؛ "يخادعون" أو "يخدعون"، فيقول لي: هذه قراءة كذا وهذه قراءة كذا. قُل إنها مسألة ضبط وتدقيق.
يعني معنى ذلك أن هذا الأمر ليس أي شخص يقول أي شيء وجده في كتاب هكذا ونقول له: لا، هذا علم، هذا علم وتربية ونقل ومشافهة ومخالطة ومصاحبة.
وبهذه المصاحبة تم الاتصال. نحن نعلم أن ما بيننا وبين سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شيء تفردت به الأمة.
تفرد الأمة الإسلامية بالسند المتصل في نقل القرآن والسنة
لا للأمراء ولا للأباطرة ولا للأنبياء ولا للأولياء.
[المذيع]: كلُّ هذه حكاية إخباريين!
[الشيخ]: غير موجودة أصلًا، لا إخباريين ولا غيرهم. لكن الذي هو موجود بالسند المتصل هذا فقط، وليس موجودًا إلا عند نقل المسلمين للقرآن والسُّنَّة.
فهذه هي قصة الرحمة، تعلمنا هذا أول ما تعلمناه. لكن ذاك -أي المتطرف- لم يتعلَّمَ هكذا، بل الهرم انقلب لديه. عندما جاء دخل في الرحمة لم يفهمها، لم يعرف كيف يطبقها. هو يريد بالقوة وبالدم وبالأذى وبكذا إلى آخره.
المتطرب لا يفهم البسملة ولا يعيشها بينما العالم يقف عند كل حرف فيها
فعندما جاء فوجئ بالرحمة، أصبح كلامًا ليس له معنى، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وهو غير فاهم لها، هو ليس يعيشها.
لكن الذي وقف عندها لأنها هي أول كلمة، قال: خذ، اقرأ الجواب هذا. قال: طوال حياتنا لازم نقرأ أول سطر فيه، لا يمكن أن أدخل من غير السطر الأول حتى أرى ماذا يقول لي؟
إذن فما دام أنه بسم الله الرحمن الرحيم أبدأ به. إذن المنهج الثاني الذي علمونا أننا لا نتعجل: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه قراءة صحفية.
الفرق بين القراءة الصحفية والقراءة التربوية وأحوال الباء في البسملة
لكن عندما نقول: الباء متعلقة بفعل أو بما هو في مقام الفعل، فهو إما أن يكون متعلقًا بفعل، أو أن يكون مبتدأً، أو أن يكون مؤخرًا، أو أن يكون عامًّا، أو أن يكون خاصًّا، ففيها تسعة أحوال. هذا منهج آخر.
فهذا يربطني؛ لأنه عندما أدخل على "الحمد لله رب العالمين" أتأمل وأقف على المعاني، ليس عند كلِّ كلمة فحسب، بل عند كل حرف.
لا، الإرهابي ليس هكذا، الإرهابي يقرأ قراءة صحفية وليست قراءة تربوية. نحن تربينا على كيفية القراءة، لكن هذا لم يتربَّ. هنا تربية وهنا لا تربية، هنا منهج وهنا لا يوجد منهج. إنهم مثل الأطفال المشردين بلا مأوى.
نتائج التفكير المعوج والهرم المقلوب من تفجير المساجد والأماكن
[المذيع]: كانت النتيجة أي نتيجة بشعة من أعمالهم، من هذا التفكير المعوج، الهرم المقلوب والقدم العرجاء وقدم واحدة: فجروا المسجد والمساجد، وفي أماكن احتفالات المسلمين يفجرون، فضلًا عن التفجيرات الأخرى التي كانت في الكنائس أو في أماكن كثيرة.
[الشيخ]: ما دمنا ركبنا القطار الخطأ فسنصل إلى هدف أبعد، وقد عبَّر ربنا عن ذلك بالضلال البعيد. فالضلال منه ما هو قريب، ومنه ما هو بعيد.
مثال القطار الخطأ من محطة مصر إلى أسوان بدلًا من الإسكندرية
وقد ضربنا مثلًا قبل ذلك بأن شخصًا ذهب إلى محطة مصر وأراد أن يركب إلى الإسكندرية فركب إلى أسوان، وهو بينه وبين الإسكندرية مائتا كيلو متر وهو في محطة مصر.
لما ركب لأسوان ووصل إلى بني سويف فأصبحت المسافة ثلاثمائة كيلو متر، وعندما وصل إلى المنيا أصبحت خمسمائة كيلو متر أو أربعمائة وخمسين.
وعندما وصل إلى أسيوط، انظر كيف تزداد المسافة تدريجيًّا حتى يصل إلى أسوان، فتصبح المسافة بينه وبين الإسكندرية نحو تسعمائة كيلو متر، أو ألف كيلو متر.
فنزل أسوان، فرأى النيل، قال: ها هو البحر! هذا ليس بحرًا، هذا النهر.
الخارجي يظن أنه على الحق لكنه يغضب الله بأفعاله
وخذ الضلالات التي سوف يعنت فيها، أنه هو على الحق. يقول لك: يوجد أناس، ها هم، وتوجد مدينة، ها هي. نعم، ولكن هذه أسوان وليست الإسكندرية!
أنت تريد الوصول إلى الإسكندرية، هذا ما يفعلونه بالضبط. أنت تريد أيها الخارجي أن تصل إلى الله أو إلى طاعة الله أو إلى مرضاة الله، لقد فعلت الآن فعلًا أغضب الله عليك، ففعلت عكس مرادك أنت نفسك.
يعني أنت تريد أن يرضى الله عنك، يرضى الله عنك من خلال من وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ»
سيد قطب لم يكن من العلماء وتغييره للتفسير تحت وطأة الظروف
سيد قطب لم يكن من العلماء، سيد قطب كان يعمل بمهنٍ مختلفة؛ النقد والصحافة وما إلى ذلك. لم يكن من العلماء، كان يعمل موظفًا هنا وهناك، أي أنه لم يكن من العلماء. فإذن لا يؤخذ عنه هذا؛ لأنه حالة نفسية وحالة جسدية ومَرَضية أصابته فجعلته يغير التفسير الأول.
كما ورد في مسند البزار بالضبط، حيث وصفه:
قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ اعْتَزَلَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، وَخَرَجَ عَلَى جَارِهِ بِسَيْفِهِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ»
نفس الذي حصل فيه -أي: سيد قطب- وثق الناس في هذا الشخص أنه أصبح من أهل القرآن. وقالوا: ها هو حافظ للقرآن ما شاء الله.
تغيير سيد قطب لتفسيره تحت وطأة السجن والمرض والانتماء لجماعة إرهابية
وقال إن "في ظلال القرآن" ليس تفسيرًا، وإنما هذه خواطر فقط، وطبعه عند عيسى الحلبي. وبعد ذلك بدأ يُغيِّر.
وعندما بدأ التغيير كان ذلك تحت أي شيء؟ تحت وطأة أنه منضم لجماعة إرهابية، وأنه في السجن، وأنه مريض ومعلول صحيًّا. فتحت كل هذه الوطأة غيّره.
غيّر خمسة عشر جزءًا منه، طُبع في حياته ثلاثة عشر فقط. وبعد ذلك ادَّعت الجماعة الإرهابية المحيطة به أنه أنجز الجزء الرابع عشر والخامس عشر، لا نعرف حقيقة هذا الأمر.
ولكن على كلِّ حال، سواء كان هو أو تلامذته الذين غيَّروا الجزء الأربع عشر، إلا أنه في الثلاثة عشر الأولى رجع من الاعتدال ومن عموم الدعوة إلى الإسلام، عاد إلى تكفير المسلمين واعتبار المجتمعات جاهلية!
أئمة الضلالة من أتباع سيد قطب ليسوا من العلماء ولا يفهمون كلام الله
وما تبناه أخوه محمد ومصطفى كامل زوج ابنة أختهم وفلان وعلان من أئمة الضلالة، ليس أحد منهم من العلماء، ولا أحد منهم درس الدراسات التي تؤهله لأن يفهم كلام الله على حقيقته. إنما هي وجدانيات موجودة ورغبات وشهوات.
ولذلك ترى أن الناس الذين يدخلون فيهم قليلًا وينحرفون مثل شكري مصطفى هكذا، قليلًا يدخلون فيهم ويتركونهم، قليلًا يدخلون فيهم. اسمهم الأجيال المتتالية.
[المذيع]: محمد عبد السلام فرج والفريضة الغائبة.
[الشيخ]: كل هؤلاء تأثروا بالفكرة ثم وجدوا أن هذه الجماعة لا تفهم شيئًا فأخذوها وتاهوا بها، مثل الذي ذاهب إلى الإسكندرية ركب طريق الصعيد.
كيف فهم المتطرفون مسجد ضرار وتفجيرهم للمساجد بناءً على ذلك
[المذيع]: وهكذا، كيف فهموا معنى مسجد ضرار؟ وكيف أنهم دائمًا يضعون المساجد التي يريدون تفجيرها كمساجد ضرار؟ أذكركم بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: برأيك لماذا توسعت الجماعات المتطرفة في تفجير المساجد؟
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
مرحبًا بكم.
مولانا الإمام، ما معنى مسجد ضرار؟ وكيف فهموا هذا المعنى لدرجة أنهم إذا أرادوا تفجير مسجد قالوا إنه مسجد ضرار؟
حقيقة مسجد الضرار أنشأه منافقون وليس أهل الله
[الشيخ]: لأنهم لا يعرفون المصادر الشرعية، فهم ظنوا أن المخالف يكون مسجدَ ضرار.
مسجد الضرار أنشأه منافقون، ولم ينشئه أهل الله، بل أنشأه أناس ضد الإسلام والمسلمين، اختفوا وراء كلمة مسجد.
هذا ليس ما كان عليه الشيخ البوطي رحمه الله تعالى عندما كان يدرس التفسير في المسجد ومعه نحو مائتين من الطلبة يدرسون كتاب الله ويجتمعون عليه، فتحفهم الملائكة وتتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن لأن هذا المسجد مخالف له فذهب ففجره وقتل الشيخ رحمه الله تعالى. لماذا؟ لأنه اعتبره مسجد ضرار.
الخوارج يظنون أنفسهم رسول الله ويستحلون دماء المسلمين
ضرار مع من؟ ذاك كان ضرارًا مع رسول الله. ولذلك نحن نقول لهم: أيها الخوارج، يا كلاب النار، أنتم تستبطنون أنكم تظنون أنفسكم رسول الله، وتظنون مَن حولكم أنهم من كفار قريش.
وهذا الظن الخائب والعقيدة الفاسدة التي أنتم عليها ستكون سببًا في دخولكم إلى النار، بل وإنكم تعوون فيها عواء الكلاب.
الأمر أني كنت أتعجب كثيرًا وأنا شاب من هذا: هؤلاء الخوارج يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كيف يكونون كلاب أهل النار؟
علة كون الخوارج كلاب النار أنهم يشوهون صورة الإسلام
الكلمة صعبة، فعندما رأيت عندما خرج الخوارج فعلًا وأصبحوا هكذا يسيئون لصورة الإسلام بصورة لا يستطيع عدو الإسلام أن يصل إليها، يشوهون صورة الإسلام في العالمين ويتكلمون باسم الإسلام لتحطيم الإسلام.
فعرفت عِلة كونهم كلاب أهل النار: أن هؤلاء يستحلون بتغيير الأسماء الشرعية، والنبي حذرنا من تغيير الأسماء الشرعية. فهو يسمي مسجد الهدى بمسجد ضرار، ويسمي المسلمين بالكفار.
تغيير الأسماء الشرعية وتسمية الحكام بالتتار رغم أن ابن تيمية أمر بالالتفاف حولهم
ويسمي الحكام والسلاطين الذين ما زال المسلمون يدعون لهم بالتوفيق وبحماية الحوزة وبالدفاع عن الأرض والعِرْض، يدعون لهم بالخير، سماهم بأنهم مثل التتار.
في حين أن ابن تيمية الذي يستدلون ببعض كلامه وينقضون كثيرًا منه، وكان هو أيضًا من غير ما يعلم سببًا في هذا بتقسيم التوحيد المثلث هذا الذي ابتدعه ابن تيمية.
عندما تحدث عن الخريطة، تحدث عن ضرورة أن نقف مع المماليك لأنهم حماة الحوزة ضد التتار. من المملوك هذا؟ كنا نقول في مصر هنا: ما بالك هكذا، مثل المملوك السكران. هذا المملوك سكران، يعني فاسق.
وجوب الالتفاف حول الإمام ولو كان ظالمًا دفعًا لأخف الضررين
وبالرغم من ذلك يأمر بأن نلتف حوله، وهو نفس المعنى النبوي الذي يقول:
«فعليك بالإمام ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»
والذي يضرب ظهري ويأخذ مالي رغمًا عني، أهو تقي يعني أم ظالم؟ إنه ظالم. كيف إذن أكون معه؟
لأنني لا بد أن أكون مع هذه الراية التي تدافع عن البلاد والعباد، وأن أرتكب بذلك أخف الضررين؛ بأن أصبر على أذيتي الشخصية في مقابل تعاوني، وفي مقابل دفاعي عن أوطاني وعن أعراضي وعن أموالي.
المتطرفون لا يقرأون ابن تيمية قراءة صحيحة ومنهجهم التجزئة في كل شيء
[المذيع]: ألم يقرأوا هذا الكلام لابن تيمية بالرغم من أنهم يضعون ابن تيمية رمزًا لهم في كل شيء.
[الشيخ]: لا، لم يقرأوا قراءتك، لم يقرأوا قراءة المسلمين، قرأوه أيضًا بالتجزئة.
إذا كانوا قرأوا كتاب الله بالتجزئة، وقرأوا سُنة الرسول بالتجزئة، وفصلوا الأمور عن سياقاتها، فهذا منهج عندهم، فعلوه هنا وفعلوه أيضًا في التراث الناتج من المجتهدين.
فعلوا هذا مع الشافعي؛ يأخذون منه كلمة خارج السياق ويطيرون بها، كما يفعلون مع القرآن والسُّنَّة. يفعلون أيضًا مع أئمة المسلمين أو علمائهم، أو كانوا حتى من الناس الذين هم مثل ابن تيمية، له ما له وعليه ما عليه.
منهج واحد للفهم الخاطئ والتجزئة وعدم إدراك الواقع والمآلات
ولكن بالرغم من هذا، هو منهج واحد: منهج الفهم الخاطئ، منهج عدم الوصول إلى الدلالة الصحيحة، منهج التجزئة والإيمان ببعض والكفر ببعض، منهج عدم إدراك الواقع، منهج عدم كيفية تطبيق ما فهموه في الواقع وعدم إدراك المآلات.
فهم لا يعرفون ما ستكون عليه نتيجة فعلهم، ولذلك فقد خسروا كثيرًا، وأخطأوا في التقويم، وأخطأوا في التطبيق، وأخطأوا في الفهم، وأخطأوا في إدراك المآلات.
أثر سيد قطب في تحويل الفساد المنظم إلى فساد فوضوي أشد خطورة
[المذيع]: إذن، كل هذا كانت النتيجة الحتمية له عندهم أنهم يفجّرون، فهل يعني سيد قطب عندما تأثروا بأفكاره وكلماته، إلى أي مدى أو ماذا غيَّر في التفكير الإرهابي عند الجماعة الإرهابية؟
[الشيخ]: الجماعة الإرهابية كان فسادها منظَّمًا، وسيد قطب جعل هذا الفساد فوضويًّا، فأصبح فسادًا فوق فساد، أشد خطورة.
لأن الفساد المنظَّم تستطيع أن تحارب تنظيمه وأن تحيط به وأن تسيطر عليه، لكن الفساد الفوضوي نتج عنه في الأجيال المتتالية ظاهرة الذئاب المنفردة أو ما يُسمى بإدارة التوحش.
مصطلح الذئاب المنفردة وعلاقته بأفكار سيد قطب عن الجماعة المؤمنة
لم يذكر سيد قطب مصطلح إدارة التوحش بشكل مباشر، ولكنها نتيجة مستنبطة من كلامه.
مصطلح الذئاب المنفردة يشير إلى الشخص الذي يعمل دون انضمام إلى تنظيم. في حين كان سيد قطب يتحدث عن الجماعة المؤمنة، وبكلامه عنها يعطي فرصة لفكرة الذئاب المنفردة؛ كالذي يفجر نفسه في المترو في لندن، والذي يفجر نفسه في السفارة في نيجيريا، والذي يفجر نفسه في باكستان، وهكذا.
يعني هؤلاء سيد قطب غضب الله عليه بأن جعله -بعد أن غيَّر القرآن كما في حديث البزار- غضب الله عليه فجعله سببًا لأجيال من الفساد تأتي حتى يكون ذلك يوم القيامة عليه لا له.
حيرة القرضاوي بين مدح سيد قطب وذمه والفرق بين الإرهاب المنظم والفوضوي
[المذيع]: حتى القرضاوي أشار في بعض لقاءاته أنه لا بد أن تكون هذه العمليات التي يصفونها بأي أوصاف من تفجير الأشخاص في هذه الأماكن أو في أوساط المدنيين، لا بد وأن تكون بموافقة من الجماعة ولا تكون فردية.
[الشيخ]: لأنه إرهابي منظم وليس إرهابًيا فوضويًّا، وهو الفرق ما بين سيد قطب وما بين حسن البنا؛ أن حسن كان إرهابيًا منظمًا، وهذا من تربى عليه القرضاوي. نعم، ولذلك القرضاوي كان يكره سيد قطب ويقول أنه يكفر المسلمين، ويرد عليه ورد عليه وانتقده.
فقالوا له الإخوان: لا، اسكت؛ لأن هذا أصلًا [من أصولهم]. ولكن حتى لا يُقال أن سيد قطب سيء، فأصبح حائرًا مسكينًا قبل أن يصيبه مرض الزهايمر: هل يسب سيد قطب أم لا يسبه؟ أم يسب ثم يتراجع عن السباب؟ أم يمدح ثم يتراجع عن المدح؟
الفرق بين إرهاب حسن البنا المنظم وإرهاب سيد قطب الفوضوي
وذلك لأنهم أصحاب ضلالة، لكن الفرق بين إرهاب حسن البنا وإرهاب سيد قطب، حيث تميز الأول بالإرهاب المنظَّم، والثاني بالإرهاب الفوضوي.
[المذيع]: أضاف هذه الخطورة لهذا الخطر الداهم. مولانا، دعني أنتقل إلى هذه المساحة. والدنيا كانت مبتهجة بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وفرح ظهرت معالمه في كل شيء؛ في الشجر والمدر، في البشر والحجر.
فيأتون ليفجروا الأماكن واحتفالات المساجد واحتفالات المسلمين هنا أو هناك في أي مكان في العالم، يعني إلى أي مدى استندوا إلى هذا التفجير ونحن نحتفي بسيدنا صلى الله عليه وسلم الذي علمنا الرحمة؟
المتطرفون لا يستندون إلى شيء بل حكم الله عليهم بالضلال البعيد
[الشيخ]: هم لا يستندون، وأيضًا هذا خطأ أن نقول إنهم يستندون، هم يفعلون هذا لأن الله حكم عليهم أن يضلوا ضلالًا بعيدًا، فهذا فعل الله فيهم أن يضلوا ضلالًا بعيدًا حتى يحاسبهم في الدنيا والآخرة.
في الدنيا بالخزي، ولذلك هو ربنا قال:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]
فهؤلاء الناس يفعلون هذا وقد مُسحت عقولهم.
حديث سلب العقول وحديث رمي الجار بالشرك وأن المكفِّر أحق بالكفر
ولذلك كان الصحابة في حديث أبي موسى الأشعري يقولون: أمعهم عقولهم يومئذٍ يا رسول الله؟ هذا عمل المجانين! قال:
«يومئذ يسلب الله عقول أهل هذا الزمان»
فهؤلاء أناس سلب ربنا عقولهم كما ورد في الحديث في وصفهم.
وفي الحديث الخاص بالتغيير قال:
«ويخرج على جاره فيرميه بالشرك ويقتله»
قالوا: يا رسول الله، مَن أحق بها [بالشرك]؟ الرامي أم المرمي؟ قال: بل الرامي. الذي يُشرّك المسلمين هو أحق بهذا؛ لأنه قال:
«إذا كفَّر أحدكم أخاه فقد باء بها أحدكم»
فمن إذن يا رسول الله فيهم؟ قال: لا، الرامي.
سيد قطب غيّر تفسيره وجمع ضلالاته في معالم في الطريق فأنتج أجيالًا من الفساد
هذا الذي -أي سيد قطب- غيَّر كتاب الله وغيَّر تفسيره، الذي ذهب فيه في أول مرة، وبدلًا من أن يطبع طباعة ثانية كما هي الطبعة الأولى، ثم ذهب مغيرًا لكي يُضل المسلمين، وجمع ضلالاته في "معالم في الطريق".
كل هذه القصة الواقعية التي مستنداتها مع الجميع وأمام الجميع هي التي أنتجت محمد مرسي، ومحمد بديع ومَن شابههم لاحقًا؛ لأنهم من ضمن العشرات الذين هم من تربية سيد قطب، واسمهم حتى داخل الجماعة القطبيون.
مداخلات المشاهدين حول أسباب تفجير الجماعات المتطرفة للمساجد
[المذيع]: مولانا، اسمح لي أن أقرأ مداخلة السادة المشاهدين حول سؤالنا على صفحة الفيسبوك: برأيك لماذا توسعت الجماعات المتطرفة في تفجير المساجد؟
تقول السيدة هدى معاطي: ظنًا منهم أنهم يعاقبون المصلين لأنهم ليسوا منهم.
الأستاذة إيناس أحمد علي تقول: اعتقادًا منهم أن أيَّ مسلمٍ غيرهم كافر وإن صلَّى وإن صام، فهم يكفّرون المجتمع ويطلقون عليه مجتمعًا جاهليًّا بسبب أفكار سيد قطب التكفيرية. لذلك قتلوا جنودنا وهم يتناولون الإفطار في رمضان، والمصلين في مسجد الروضة بالعريش أثناء صلاة الجمعة.
[الشيخ]: نعم، هو هكذا، والناس بدأت تكشفهم، والحمد لله رب العالمين.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء
[المذيع]: مولانا الإمام، شكر الله لك صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ورضي الله عنكم. دائمًا نستنير بآرائكم وبهذه الإجابات في هذه الحياة.
[الشيخ]: شكرًا.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
