والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على اتهام المتطرفين الصوفية بالشرك| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على اتهام المتطرفين الصوفية بالشرك| الحلقة الكاملة

38 دقيقة
  • التصوف يمثل مرتبة الإحسان التي جاءت في حديث جبريل، وهي العبادة كأنك ترى الله.
  • الصوفية يحمون مرتبة الإحسان المذكورة في حديث جبريل، وطريقهم مقيد بالكتاب والسنة.
  • منهج التصوف مبني على الذكر والفكر والتخلية من القبيح والتحلية بالحسن.
  • المتشددون يتهمون الصوفية بالشرك والبدع، وكلما جاء جيل كان أسوأ من سابقه في التشدد.
  • كبار علماء السلف كابن تيمية وابن القيم لم ينكروا التصوف الصحيح، بل كتبوا فيه.
  • نظرية الأجيال المتتالية تشير إلى تزايد التطرف وانحراف المتشددين عن منهج السلف.
  • شيخ الطريقة ليس وسيطًا بين المريد والله، بل مرشد ومعلم كالعالم والمفتي.
  • السلسلة الصوفية تمثل بركة التلقي، وتحمي المريد من الانحراف والضلال.
  • التصوف ظُلم بين أعدائه المتشددين وأدعيائه الذين أساءوا إليه.
  • الغوث والمدد مطلب من النبي ومن الصالحين للدعاء، وليس لإنزال البركات بذاتهم.
محتويات الفيديو(40 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: أهلًا بكم وأحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وسيدنا دائمًا ينصحنا ويرشدنا قائلًا:

«أفشوا السلام بينكم»

هذا هو السلام الذي نحتاجه ليعمّ الحب هذا العالم. أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف؛ مولانا الإمام أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم مرحبا.

سؤال المذيع عن سبب اتهام المتشددين للصوفية بالشرك والبدع

[المذيع]: مولانا الإمام، المتشددون المتطرفون، أولئك القتلة، دائمًا ينشرون هذه الكلمات وهذه الأصوات العالية بأن الصوفية أهل شرك، وأن الصوفية ينشرون البدع. لماذا دائمًا يقفون عند هذا المعنى وينشرون هذا العنوان في أي مكان يحلّون فيه؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الأزهر الشريف عندما قام لحماية المنهج الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن صحابته الكرام، ثم عن الأئمة المتبوعين، ثم عن علماء الأمة المفكرين الأتقياء الأنقياء، قوّام الليل وصوّام النهار، حافظ على الإسلام في رونقه الذي عليه جماهير جماهير المسلمين.

أركان المنهج الإسلامي الموروث: العقيدة الأشعرية والمذاهب الأربعة والتصوف

وهو أن يكون [المسلم] في عقيدته تابعًا لما صاغه وقرره من كتاب الله وسنة رسوله أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، فيُقال إنه أشعري العقيدة. وأن يكون مذهبيًّا [يتبع] المذاهب الأربعة التي نُقلت بالتواتر عن أصحابها، والتي خُدمت وفُصِّلت فيها الأصول، وقُعِّدت فيها القواعد، وفُرِّعت فيها الفروع، وتمّ فيها التخريج، وتولّى أصحابها القضاء في بلاد المسلمين من طنجة إلى جاكارتا ومن غانا إلى فرغانة عبر التاريخ.

وأيضًا هو صوفي الأخلاق؛ لأن الصوفية جاءت لتحمي مرتبة الإحسان.

حديث جبريل وتقسيم الدين إلى إسلام وإيمان وإحسان

وجبريل عندما جاء يعلّم الأمة أمر دينها في الحديث الذي صدّر فيه الإمام مسلم صحيحه، والذي يرويه عمر بن الخطاب إمام أهل السنة، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو وزير رسول الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حيث قال:

«بينما نحن جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا وليس عليه أثر السفر، فجاء حتى جلس إلى النبي، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه»

كهيئة المتأدب يعني [جلس هكذا] للتعلم

«ثم سأله وقال: يا محمد، ما الإيمان؟ ثم قال: ما الإسلام؟ ثم قال: ما الإحسان؟ ثم قال: متى الساعة؟»

إجابة النبي لجبريل عن أركان الإسلام والإيمان والإحسان

هذه الأسئلة الأربعة التي وجّهها جبريل إلى رسول الله تلقّى لها جوابًا، فقال له:

«الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»

قال: صدقت. فعجبنا كيف يسأله ويصدّقه! حتى إذا ما سار جبريل، فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: أتدرون من هذا؟ هذا جبريل جاءكم يعلّمكم أمر دينكم. وكان [جبريل] يأتي في صورة صحابي معروف لديهم وهو دحية الكلبي، فإذا رأوه من بعيد ظنّوه دحية، فإذا اقترب وجدوا أن الملامح مختلفة.

سأله عن الإيمان وما الإيمان، قال:

«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»

ستة أركان. قال: فما الإحسان؟ قال:

«أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك»

تقسيم المسلمين لعلومهم بناءً على حديث جبريل وحماية مرتبة الإحسان

فقام المسلمون وقسّموا علومهم على هذا التقسيم الرباني، فجعلوا الإيمان مكوّنًا من:

  • إلهيات.
  • ونبوّات.
  • وسمعيات.

وجعلوا الإسلام مكوّنًا من فقه، ثم وضعوا له أصولًا ووضعوا له قواعد من أجل الاستنباط.

وقام الفقهاء لحماية هذا الدين في صورة أحكامه، وقام أهل التصوف من الأتقياء الأنقياء الأولياء لحماية جانب الإحسان. كيف، وما البرنامج الذي اتخذه من الكتاب والسنة؟ وكان سيد الطائفة الجنيد يقول:

«طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة»

كيف نضع من البرنامج هذا حتى نصل إلى أن نعبد الله كأننا نراه؟

منهج الصوفية في الذكر والفكر والتخلية والتحلية من الكتاب والسنة

فتكلموا عن الذكر والفكر مستدلّين بقوله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

تكلموا عن التخلية والتحلية؛ التخلّي من كل قبيح والتحلّي بكل صحيح، وأسموا هذا المهلكات والمنجيات، وأخذوها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: كله مردّه إلى الكتاب والسنة يا مولانا؟

[الشيخ]: ولا بدّ؛ وإلا لم يكن تصوفًا وإنما يكون بدعة مذمومة، فهو كله من الكتاب والسنة.

إجماع العلماء على أن التصوف جزء من الدين يحمي مرتبة الإحسان

ولذلك لم يُنكر التصوف أحد ذو قيمة، وحتى الذين اعترضوا على شأن المتصوفة الزهّاد في بدايات الأمور؛ رجعوا واتفقوا على أن التصوف جزء من دين الله، وهو الذي يحمي مرتبة الإحسان، وهي مرتبة في غاية العلوّ وفي غاية القيمة في دين الله سبحانه وتعالى.

لأنك لو نظرت في الكتاب؛ وجدت أن الآيات التي تتحدث عن الأحكام الشرعية التي حماها الفقه في صورة الإسلام،، تجدها ثلاثمائة آية من ستة آلاف آية ويزيد، ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية. فثلاثمائة على ستة آلاف؟ يعني معناها واحد على عشرين، معناها خمسة في المائة.

نسبة آيات الأخلاق في القرآن والسنة مقارنة بآيات الأحكام الفقهية

حسنًا، والخمسة والتسعون في المائة من القرآن هي الأخلاق المرتبطة بالعقيدة:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

فالقرآن؛ بما اشتمل عليه من قصص ومن أمثال، قد اشتمل كله على الأخلاق وربطها بالعقيدة.

السنة؛ عندنا ستون ألف حديث، نص الستين ألف حديث، منهم ألفان في كتاب [بلوغ المرام] أو في كتاب [منار السبيل] أو في أي شيء آخر ألفان: اثنان على ستون بواحد على ثلاثين، يعني ثلاثة في المائة. وماذا عن السبعة والتسعين بالمائة الباقية؟

ربط الأحاديث النبوية بالأخلاق والعقيدة وبعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق

قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن»

انظر إلى العقيدة:

«من بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم به»

«من لم يكرم ضيفه فليس منا»

«من غشنا فليس منا»

وما يربطها كونها أخلاقًا ويقول في النهاية:

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

فحسنًا، أنت الآن ترى أنها أخلاق حميدة، نعم قال:

«لا تغضب ولك الجنة»

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 31]

فهو يأمر بالحب وعدم الكراهية وبالاتباع وإلى آخر هذا النظام.

استدلال الصوفية بآيات الذكر من الكتاب والسنة في بناء منهجهم

فأخذوا [الصوفية] منها كما أخذ الفقهاء أحكامهم بأصول منضبطة، واجتهاد مشكور من الكتاب والسنة، أخذ الصوفية هذا البرنامج من الكتاب والسنة. وجدوا:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فعرفوا هكذا:

﴿وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 15]

فلما وجدوا أن الذكر موجود في كل شيء كتابًا وسنةً، جعلوا الذكر والفكر، الذين يذكرون الله ويتفكرون، وجعلوا التخلية والتحلية، وجعلوا قواعد معينة أن من كان ملتفتًا في طريق الله لا يصل.

إقرار محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية بالتصوف وذكره في كتبهم

إذن هذا هو التصوف الذي أقرّه البعيد والقريب. كان محمد بن عبد الوهاب لمّا خرج في نجد؛ يدعو إلى نبذ البدعة يقول في كتبه ورسائله وما إلى ذلك: وهذا ما عليه المفسرون والفقهاء وسادتنا الصوفية.

[المذيع]: كان يذكر هذا المعنى؛ السادة الصوفية؟

[الشيخ]: والشيخ عبد الحفيظ المكي أورد هذا، أي [ذكر] الصوفية في كلام أئمة السلفية. عندما جاء عبد العزيز القاسم رحمه الله، جمع كل ما كتبه ابن تيمية وجعلوه في سبعة وثلاثين مجلدًا؛ خمسة وثلاثين مجلدًا واثنين فهارس.

[المذيع]: ماذا وجدوا؟

[الشيخ]: لقد سُمّي الجزء العاشر التصوف، والجزء الحادي عشر علم السلوك، ووضع في التصوف هذا التحفة العراقية لابن تيمية.

دفن ابن تيمية في مدافن الصوفية وشهادته لابن عطاء الله السكندري

لا أحد أنكر أن ابن تيمية دُفن في مدافن الصوفية. ابن تيمية دُفن في مدافن الصوفية؛ وهي ما زالت موجودة هناك في دمشق موجودة إلى الآن، مدفون في مقابر الصوفية.

فابن قيّم الجوزية كان يقول: شيخنا؛ الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى، أعلم من كتب في التصوف.

[المذيع]: ابن القيم؟

[الشيخ]: ابن القيم الذي نعرفه لأنه ألّف كتاب [الروح]، ولأنه كتب [حادي الأرواح]، ولأنه خلّف وترك [نزهة المشتاقين]، وترك [زاد المعاد]، وترك [مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين] الذي هو أساس التصوف.

موقف ابن تيمية من ابن عطاء الله السكندري واعترافه بصدقه

والذي شهد على ابن تيمية فيما أخطأ فيه كان ابن عطاء الله السكندري. فلما خرج ابن تيمية من السجن قال [لابن عطاء الله]: أنت لست كشأنهم، إنك فعلت ما فعلت من شهادتك عليّ لوجه الله، أنا أعلم هذا.

ابن تيمية هو الذي يقول.

[المذيع]: يقول لسيدي ابن عطاء الله؟

[الشيخ]: نعم، يقول له: أنا أعلم أنك رجل طيب، وهذا لعقيدتك، هذه عقيدتك، أنت لم تكذب. وهو الذي يذكر هذا، وليس ابن عطاء.

قال: فلما التقيت ابن عطاء الله السكندري الصوفي قلت، وقال لي وفعلت وكذا إلى آخره.

نظرية الأجيال المتتالية في التشدد والتطرف وبداية إنكار التصوف

لكن نبت بعد ذلك نبت من جراء هذا التكفير وما إلى ذلك، في منتصف القرن التاسع عشر بدأ الإنكار على التصوف، وحتى أوائل القرن العشرين عادوا مرة أخرى، ولكن هناك اضطراب عند النابتة.

[المذيع]: ما الذي حدث؟ هذا ما سنتعرف عليه بالتوضيح بعد الفاصل، أبقوا معنا.

أهلا بحضراتكم، مولانا الإمام وضحت لنا من هم السادة الصوفية؛ ماذا حدث؟ لماذا جاء هولاء النابتة، أو هذه العقليات لتتّهم الصوفية بالشرك؟

[الشيخ]: هناك نظرية بعد دراسة حال التطرف والإرهاب وجدنا نظرية تُسمّى بـنظرية الأجيال المتتالية، حيث كل جيل يأتي ألعن من الجيل الذي قبله في التشدد، والتطرف والانحراف عن كتاب الله وسنة رسوله.

ظهور الخوارج في عهد سيدنا علي ومحاربة المسلمين لهم عبر التاريخ

عندما بدأت الخوارج تظهر في أيام سيدنا علي، وضعت لها قواعد وحاربها المسلمون وعلى رأسهم سيدنا علي، وجلس يحاربهم. حوربوا من سنة سبع وثلاثين إلى اثنتين وثمانين، خمسة وأربعون سنة والمسلمون يقاتلون الخوارج؛ الذين خرجوا على الحاكم الشرعي وخرجوا أيضًا على منهج الإسلام السُّنّي.

بعد ذلك وفي القرن الرابع؛ أولًا انقطع دابر الخوارج فلم يظهروا أبدًا. ظهروا في المغرب، وظهروا لمدة بسيطة جدًّا، فقاومهم المسلمون وحاربوهم حربًا ضروسًا وانتهوا.

بعد ذلك بدأوا يظهرون للخروج على الدولة العثمانية، بدأوا يظهرون فحكم عليهم ابن عابدين بأنهم خوارج، وحكم عليهم الشيخ الصاوي المالكي في تفسيره بأنهم خوارج.

تطور التشدد عبر الأجيال وتشريك البوصيري بسبب قصيدة البردة

وهكذا كان هذا الجيل أحسن، والجيل الذي بعده مباشرة أسوأ. ذهب [الجيل الثاني ]: وشرّك البوصيري! فإنك لو اتخذت هذه العقلية ستؤدي هكذا. بدلًا من الجيل الأول الذي لم يكن يُشرّك البوصيري ولا شيء، أتينا في الجيل الثاني بدأوا يُشرّكوا البوصيري؛ الذي يمدح في رسول الله مثل الخوارج الأوائل.

حسنًا، ما الذي تعترض عليه أيها الصغير في قصيدة البردة [البُرءة]؟ قال قوله [البوصيري]:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العَمِم

الرد على من يتهم البوصيري بالشرك في بيت اللياذ والاستدلال بحديث الشفاعة

حسنًا، وهذه كيف يفهمها ؟ قال: اللياذ والعياذ واللجوء، اللجوء إلى الله فقط.

[المذيع]: أن تلوذ بالله فقط؟

[الشيخ]: نعم؛ قلنا لهم: حسنًا، هذا ليس فهم السلف الصالح؛ لأن البخاري أخرج أن النبي صلى الله عليه وسلم [ذكر أنه] سيذهب الخلق إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم فموسى فعيسى، وكلهم يُحيل على أخيه لأمر بينه وبين الله، حتى يأتوا إلى النبي فيقول:

«أنا لها أنا لها» أخرجه البخاري

فيأتي إلى العرش فيسجد تحت العرش؛ فيُلهمه الله محامد كثيرة لم يُلهمها لأحد سواه، ثم يقول له: يا محمد، ارفع وقل تُسمع، واشفع تُشفّع.

الاستدلال بحديث الشفاعة على جواز اللجوء إلى النبي دون غيره

ها هي؛ ما لي من ألوذ به [غير النبي]؟ يعني سأذهب إلى آدم سيقول لي: لا، لست أنا. سأذهب إلى نوح، ثم سيقول لي: لست انا. سنذهب إلى إبراهيم، وسيفعل هكذا، فأذهب إلى موسى وعيسى، فيقولون هكذا.

فمن يا رسول الله سواك يمكن اللجوء إليه في هذا الموقف العصيب لأقول له: ادعُ لي؟

فهؤلاء الناس لا أعرف، لديهم حساسية عظيمة يا أخي.

[المذيع]: ضد الحب؟

[الشيخ]: لا، ضد رسول الله.

[المذيع]: أو ضد حب سيدنا صلى الله عليه وسلم؟

[الشيخ]: لا لا، هذا ضد رسول الله على الدوام هكذا، خائفون يا عيني لئلا الناس تألّهه [أي جعلوه إلهًا].

تميز الأمة الإسلامية بعدم عبادة النبي واستجابة الله لدعائه

ما رأيك أن الأمة الإسلامية تميّزت بأنها لم تعبد محمدًا أبدًا، ولا حتى شخص واحد مجنون.

[المذيع]: لم يحدث يا مولانا؟

[الشيخ]: إطلاقًا نهائيًّا البتّة.

[المذيع]: أي أنه يوجد من ادّعى النبوة، ولكن لا يوجد أحد [عبد محمدًا]؟

[الشيخ]: لا، بل يوجد من ادّعى الألوهية؛ فالحاكم بأمر الله ادّعى الألوهية، وكذلك كان عبد الله بن سبأ الذي ادّعى أن عليًّا إله، وكذلك البهاء، فهو واحد منّا أيضًا كان مسلما؛ لم يكن مسيحيًّا ولا كان يهوديًّا البهاء، فالبهاء كان مسلمًا ادّعى الألوهية وقال إن ربنا حلّ فيه.

إذن يا أخي، ادّعوا الألوهية وادّعوا النبوة وادّعوا المهدية، ادّعوا كثيرًا، ولكن ما رأيك؟ لم يدّعِ أحد لا مجنون ولا عاقل أن سيدنا النبي إله أو نصف إله أو جزء من الإله أو الإله حلّ فيه إطلاقًا.

دعاء النبي ألا يُجعل قبره وثنًا واتهام المتشددين لجميع المسلمين بالشرك

هذه المكرمة التي جاءت لأن النبي عليه الصلاة والسلام استجاب الله دعاءه:

قال النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

فلم يجعله وثنًا. هذه المكرمة ضيّعوها وادّعوا أن كل المسلمين هؤلاء مشركون. ليس الصوفية فقط، بل كل من يقول له: يا رسول الله أغثني.

فيقول [المتشدد]: حسنًا، إنه يقول: يا رسول الله أغثني، والغوث لا يكون إلا من الله.

[المذيع]: الغوث رسول الله، يعني الغوث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[الشيخ]: نقول له: حسنا، لكنك هكذا لم تقرأ السنة، أنت هكذا لست معنا، أنت هكذا تؤلّف دينًا من ذهنك.

حديث النبي في نداء عباد الله والإيمان بالملائكة والجن

النبي عليه الصلاة والسلام قال:

«إذا كان أحدكم في فلاة فضلّت ناقته، فليقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا»

إنه ينادي من؟ ينادي أحدًا غير الله. من هؤلاء الذين يناديهم؟ ملائكة، فإن لله عبادًا يحبسونها عليه.

ألسنا بمؤمنين بأن هناك جن؟ الجن موجود في القرآن وفي السنة، بأن هناك مخلوق عظيم من الجن اسمه إبليس، كما قال تعالى:

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِٓ﴾ [الكهف: 50]

وأن هذا الإبليس وسواس خنّاس. وماذا يفعل هذا الوسواس الخنّاس؟ إنه يوسوس في صدور الناس ويخنس. وهذا هو الخنّاس، ما صفاته؟ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.

الإيمان بالملائكة الحارسة ودعاء النبي واستغفاره لأمته

أليس كل هذا نحن مؤمنون به؟ فلماذا أنت لست مؤمنًا بالملائكة التي تحبس، ولا بالنبي عليه الصلاة والسلام الذي يدعو؟ فالنبي قال، ونحن نتبع السنة.

قال النبي هكذا:

«تُعرض عليّ أعمالكم فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم»

فالاستغفار هذا ما معناه؟ إنه طلب الغفران، ويعني ماذا؟ إنه الدعاء. حسنًا، وهل النبي عندما يدعو يجب أن يستجيب الله له؟ أبدًا؛ لأن الله قال له في سورة التوبة:

﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]

جواز طلب الدعاء من النبي لأن الأنبياء أحياء في قبورهم

إذن نحن الآن أمام أنني أسأل من رسول الله [الدعاء]. لماذا؟ لأن الأنبياء أحياء في قبورهم، وفي البخاري أن النبي مرّ على موسى وهو يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر في ليلة الإسراء والمعراج.

فماذا يجري؟ يعني هكذا سيدنا محمد يكون ربنا؟! يعتقدون أنه كلما نصلّي عليه فيردّ الله عليه روحه ويسلّم علينا. لا، إن ربنا يمنح خصائص، لجبريل، لإبليس، لسيدنا النبي، لموسى، يمنح خصائص كما يشاء.

﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

ولكن التصور العقلي وارد.

لا مانع عقلي ولا شرعي من طلب الدعاء من النبي والأولياء

فسيدنا النبي قال هذا الكلام فيما أخرجه البيهقي وصححه، وهذه الأحوال العقلية، فلا عقل يمنع ولا شرع يمنع. لماذا أنت تمنع؟ لماذا أنت متشدد هكذا؟ ممّ تخاف؟ فلن يحدث شيء عندما أطلب من سيدنا الرسول أو من الشافعي أو من الحسين أو من أي شخص أن يدعو لي.

[المذيع]: هم يقولون إنهم ماتوا كما يعبّرون، ماتوا. أنتم تطلبوا من موتى بتعبير أحدهم [ويقول]: أصبحوا عبّاد قبور أو أضرحة.

[الشيخ]: هل نحن نطلب من ذواتهم أم نطلب أن يدعوا لنا ربنا؟ ثم الأمر عندما يُعرض على الله إما أن يوافق ويستجيب أو لا.

النبي طلب من عمر الدعاء فكيف نُنكر طلب الدعاء من الأولياء

يا أخي، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لعمر:

«أشركنا في صالح دعائك يَا أُخَيَّ»

[لأن عمر مستجاب الدعاء] لماذا طلب النبي من عمر أن يدعو له؟ فأنا أيضًا طلبت من سيدنا الحسين أن يدعو لي، فدعا سيدنا الحسين واستجاب الله.

معي أنا؟ مع الأمم التي تذهب إلى سيدنا الحسين. هل تظن أن هذه الأمم كلها تذهب إليه عبثًا؟ لإنها جرّبت تجربة حقيقية.

لا، أنتم مشركون! هم لا يقولون عن الصوفية مشركين، بل هم يقولون عن المسلمين أنهم مشركون. فانتبه لهذه النقطة الدقيقة. ليس عندهم مانع أن تكون ذاكرًا، أن تكون [صوفيًّا].

بدعة الجيل الثالث في تقسيم السنة واختزال الدين في الصحيحين فقط

ولكن بدأوا في الجيل الثالث والرابع يُظهرون لنا بدعة جديدة.

[المذيع]: لنقف عند هذه البدعة الجديدة التي جاء بها الجيل الثالث، وكلما جاء الجيل كان أشدّ لعنًا من الذي سبقه، كما أشار فضيلة مولانا الإمام. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، إذن كلما جاء جيل كان ألعن من سابقه، ما البدعة الثالثة أو ما الأمر الثالث الذي علّقوا عليه هذه الآراء الباطلة في التصوف، وفي الصوفية؟

[الشيخ]: تقسيم السنة إلى صحيح وضعيف، ومعاملة الضعيف وكأنه موضوع ويقيمون عليه الحرب. فأصبح - يعني - كان هناك شخص في الماضي أراد أن يحصر الفقه الإسلامي في الصحيحين، بحيث أن أي دليل ليس في الصحيحين لا نعرفه.

[المذيع]: صحيح البخاري وصحيح مسلم فقط؟

[الشيخ]: نعم، البخاري ومسلم فقط. فهذا معناه اختزال الدين، ومعناه تضييع الموروث من الأمر، ومعناه أننا نبدّل ونحرّف على هوانا؛ فهؤلاء الناس.

الخلاف حول زيادة وإليك السلام في الدعاء بين رواية مسلم والبيهقي

جاءهم هذا [الاعتراض] أنه لا، هذا ليس صحيحًا. نقول له: حسنًا، مثلًا: اللهم منك السلام وإليك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. حسنًا، وإليك السلام ما رأيك؟

قال: لا، هذه غير موجودة في رواية مسلم. قلنا: لكنها موجودة في رواية البيهقي: وإليك السلام هذه.

قال: لا، إن فيها الوليد بن مسلم وهو من الحفاظ الكبار، لكن الوليد كان يدلّس تدليس التسوية. نعم، الهرت الذي تهرته الآن هذا في دعاء نعرضه.

وعبارة وإليك السلام هل فيها بدعة؟ أبدًا. حسنًا، هي فيها رواية، وهذه الرواية مقبولة، وفيها رأي الحفاظ الجيدون. لماذا تردّها؟ يردّها لأنه يريد أن يردّها.

[المذيع]: لأنها ليست على هواه؟

[الشيخ]: ليست على هواه.

الرد على من يبدّع السبحة بحديث ضعيف والخلاف بين التحسين والتضعيف

وقس من هذا؛ يعني أن شخصًا يقول لك مثلًا: حديث «نِعْمَ المذكّر السبحة» ضعيف، فالسبحة بدعة! كيف هذا؟

[المذيع]: الألباني هو الذي قال هكذا يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، الألباني هو الذي قال هذا الكلام المضحك. كيف تكون السبحة بدعة يا أستاذ وهي فيها أدلة ثانية؟ وهناك من ردّ عليه وفنّد وأثبت أن الحديث حسن.

فحضرتك مصرّ على أنه ضعيف. حسنًا، إذا كان الحديث عندي حسن وعندك ضعيف، وأنت تريد إلقاء الضعيف كله خارج الشريعة، فلماذا لا تتركني وأنا أحسّنه؟ كيف أعتبر أن هذا شيء حسن ولا أتبعه وفق منهجك؟

لماذا لا تتركني أعيش حياتي مع أدلتي التي استقرت عندي؟ وبمثل هذا اختلف السلف الصالح. فلا المنهج يسيرون عليه وفق السلف، ولا في الجزئيات يسيرون على نهج السلف.

إنكار المذاهب الفقهية وتفسيق الأئمة الأربعة وصولاً إلى تكفير داعش للمسلمين

بعد ذلك أنكروا المذاهب وقالوا: هم رجال ونحن رجال. هؤلاء الذين لا يقيمون كلمة؛ لا في الحديث ولا في المعقول، ولا في اللغة ولا في الفقه ولا في الأصول، أصبحوا يضعون أنفسهم في مقام أبي حنيفة بل وفسّقوه، وفي مقام أحمد وفسّقوه، وفي مقام الشافعي وكفّروه.

وهكذا؛ إن هؤلاء الناس ضُلّال، ضلال لماذا؟ لأنهم قد تجاوزوا الحد.

أما الجيل الذي أتى بعدهم، الجيل السادس، الذي يتمثل في داعش، فقد ذهبوا إلى تكفير المسلمين جميعا؛ الغير متوافق معهم ولا يسير على منهجهم فيصبحون ظالمين وكفارًا. كيف وصلنا إلى ذلك؟ من المنهج الأول المعوجّ الذي خالف العلماء الأتقياء الأنقياء.

التصوف هو مرتبة الإحسان والحرب عليه حرب على حديث جبريل

فالتصوف؛ أريد أن أقول لك إنه مرتبة الإحسان، وأن الحرب عليه هي حرب على مرتبة الإحسان، والحرب عليه إنما هي على حديث جبريل أصلًا، وكل هذا مرتّب بهذه الكيفية.

[المذيع]: مولانا الإمام، مما كنا نسمع كثيرًا من هؤلاء فيما جاء في قوله تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

فيقولون لنا: لماذا تجعلون بينكم وبين الله واسطة؟ بينكم وبين الله الشيخ، شيخ الطريقة، وربما يصل الأمر في حدّ أو في زعمهم أننا نقدّس شيخ الطريقة؛ فكيف نردّ على هذا المعنى؟

الشيخ ليس واسطة بل مرشد ودليل على الله كالعالم والمفتي والوالدين

[الشيخ]: قل له لماذا؟ هل أنت فوضوي أم ماذا؟ حسنًا، إن بينك وبين الله سبحانه وتعالى العالِم الذي تدرس عنده. حسنًا، إن بينك وبين الله سبحانه وتعالى المفتي. حسنًا، إن بينك وبين الله سبحانه وتعالى الوالدان. حسنًا، ودعاؤهم لك وبرّهم أصبح جزءًا لا يتجزأ من الدين.

أولًا أن الشيخ ليس وسيطًا بينك وبين الله، كما أن هؤلاء ليسوا وسطاء بينك وبين الله. هؤلاء يهدون ويرشدون ويدلّون على الله.

أنت الآن تحدث لك أحوال، وهذه الأحوال يرشدك فيها الشيخ لأنه قد سبق وسار في هذا الطريق.

دور الشيخ في حماية المريد من خداع الشيطان في الرؤى والمنامات

تقول له: يا سيدنا الشيخ، أنا رأيت رسول الله في المنام وقال لي افعل كذا وكذا وكذا. فيقول لك: لا تلتفت يا بني. هذه مهمة الشيخ. لماذا؟ لكي لا تُغَرّ.

حسنًا، افترض أنك تركت نفسك لهذا. حسنًا، هو النبي عندما جاءك في المنام ماذا قال لك؟ قال لك: أنت أفضل شخص موجود في الدنيا الآن. ستبدأ سيادتك وأنت صغير تظن أن هذا الكلام كلام مضبوط لأنك رأيت رسول الله.

فهو يقول لك: لا، المحفوظ هو الصورة وليس المحفوظ الكلام.

[المذيع]: ماذا يعني هذا يا مولانا؟

[الشيخ]: يعني الصورة، نعم.

التفريق بين صورة النبي المحفوظة في المنام وكلام الشيطان الملقى

عندما ترى النبي قد يأتي إبليس ويلقي إليك كلامًا، فتظن أن هذا الكلام صحيح وهو ليس صحيحًا. لكن الصورة، صورة النبي صحيحة لا يتمثَّل بها الشيطان به.

فالشيطان ينتهزها فرصة وهو يراك وأنت نائم، يرى أنك ترى النبي، فيأتي ليلقي لك الشيطان - وعنده قدرة على ذلك - فيرسل لك رسالة صوتية، فتقوم أنت بتركيبها على الصورة؛ والصورة لم تقلها [أي لم تفهم حقيقتها]، هذا هو الشيطان.

ومن الذي يكتشف هذه اللعبة؟ شيخي. ومن الذي نص عليها؟ بن حجر والنووي، لكنني لم أراها، فهذا هو سبب أن يكون لك شيخ لأنه رآها [من قبل].

خطورة ترك المريد بلا شيخ وادعاء الربوبية وإسقاط التكاليف

[الشيخ]: حسنا، وإذا تركنا الشخص وحده هكذا؟

[المذيع]: ماذا سيحدث له؟

[الشيخ]: في يوم من الأيام قد يقول: أنا ربنا! من كثرة الذكر والعبادة يقول: أنا ربنا دخل فيّ هكذا، حلّ فيّ. وهذه عقائد فاسدة.

أنا وصلت، أنا ليس عليّ تكليف، أُسقِطُ التكاليف؛ ما يتهمون به الصوفية من جهلهم.

هذا الشيخ مُعلِّم، هذا الشيخ هادٍ مرشد إلى طريق الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تربّى على يد شيخ آخر؛ وعندما يكون في هذه السلسلة، فتحصل لها بركة التلقّي.

أهمية السند والبركة في تلقي الأوراد من الشيخ لا من النفس

يحمل هذا العلم من كل خلف عدول.

[المذيع]: مولانا، السلسلة وإني آخذ من شيخي. نأتي أيضًا إلي سؤال مهم جدًّا لمن يريد أن يفهم ويعرف: فكرة أن آخذ الأوراد من فضيلتك، لا آخذ الأوراد مني لنفسي، ما الذي يحدث حينما آخذها من شيخي وما الذي يحدث حينما آخذها مني لنفسي هكذا؟

[الشيخ]: البركة، هذه الأمة صاحبة سند، وربنا ألهمها السند؛ ألهمها السند في القرآن، ألهمها السند في السنة، ألهمها السند في التصوف، ألهمها السند في الدفاتر.

يعني أنا عندما أروي عن النووي لي سند إلى النووي. فالسند بركة الأمة كما يقول الشعبي، فأنا أستفيد من هذه البركة كأنها خرطوم مياه وفُتح، فلأجل أن تجري المياه فيه، إذن السلسلة لا بد أن تكتمل.

حرية الاختيار في اتخاذ شيخ مع التحذير من التصدر بلا تعلم

حسنًا، لن أفعل ذلك [لن أتخذ شيخًا]. حسنًا، أنت حرّ. ولكن احذر أنك بهذا غير متعلّم، فلا تتصدّر ولا تفسر لنفسك ولا تضلّ الطريق.

[المذيع]: مولانا الإمام، هل بعض مظاهر الصوفية، هل كما يشير البعض، هل أصبح هناك ضعف عند الصوفية هو الذي جعل هؤلاء يتجرّأون ويدّعون ويزعمون؟

[الشيخ]: منذ زمان الصوفية تشكو؛ مثل الشيخ الشعراني الذي يقول إن الرجال الحقيقيين الذين هم الصوفية الكاملون غير موجودين. توفي الشعراني سنة تسعمائة وخمسة وسبعين، أي في القرن العاشر، ويقول إن الأمر قد انتهى.

شيوع المخالفات في كل عصر والحل في التعليم والتبليغ والدعاء

ففي كل عصر يحدث أن الناس يتربّون على غير القواعد الأساسية للمنظومة الأخلاقية، فيشيع كثير من المخالفات، ولكن ما الحل؟

[المذيع]: نعم، ما الحل؟ في نهاية هذه الحلقة.

[الشيخ]: هل نترك الخلق أم نعلّمهم؟ نعلّمهم ونقول: يا رب. فالفلاح يلقي الحبّ ثم يدعو قائلًا: يا رب. فنحن نعلّم الناس الخير والملائكة تضع أجنحتها لمعلّم الناس الخير - صلى الله عليه وسلم.

فنحن نُعلِّم، لكن من هو الهادي؟ إنه الله.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

لكن:

﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَٰطِ ٱللَّهِ﴾ [الشورى: 52-53]

فإذن؛ النبي يهدي لكنها ليست هداية ذاتية، الهادي الذاتي هو الله فقط وحده لا شريك له.

وصايا النبي في التبليغ والنفع والعمل رغم شيوع النقص والمخالفات

فنحن نقوم بما أوصانا به الرسول:

قال النبي ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»

«والعلماء ورثة الأنبياء»

هذه هي الحكاية؛ ولكن شاعت مظاهر كثيرة وشاع نقص كثير ونحتاج إلى عمل كثير. طبعًا إذا كان في القرن العاشر يقول إن هذه الحكاية انتهت، فماذا نقول ونحن في القرن الخامس عشر؟

ولكن بالرغم من كل ذلك، فإننا نأخذ بوصية رسول الله:

«فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة»

«بلّغوا عني ولو آية». نأخذ بها

«من استطاع منكم أن ينفع أخاه بشيء فليفعل»

إلى آخر الوصايا الربانية النبوية التي أرشدنا لها رسول الله.

ظلم التصوف بين أعدائه وأدعيائه وختام الحلقة بالدعاء

[المذيع]: مولانا، في عجالة هل في المتصوفة من يسيء إلى التصوف؟

[الشيخ]: بدون شك. وكان سيدنا الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم يقول: ظُلِمَ التصوف بين أعدائه وأدعيائه.

[المذيع]: مولانا الإمام، مما تعلّمنا منكم أصحاب الفضيلة: اللهم دلّني على من يدلّني عليك. شكر الله لكم ورضي الله عنكم وغفر الله ذنبكم مولانا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.