والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على ادعاءات المتطرفين حول الخلافة| الحلقة الكاملة

المذيع حسن الشاذلي: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. أهلاً بكم في برنامج "والله أعلم"، لنسعد دائماً بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه توضيح هذه المفاهيم والرد على كل هذه الادعاءات اليوم حول هذا المفهوم الذي أُثير حوله الجدل حتى صار بسببه هناك مشهد ذو بُعد دموي في حياتنا حينما يدَّعي المتطرفون أن كل ما يفعلونه لعودة الخلافة. ما
الخلافة؟ هل ترك لنا سيدنا صلى الله عليه وسلم مفهوماً محدداً لهذه الخلافة أو لنظام الحكم فيما بعده؟ أسئلة كثيرة: هي حقيقة أم خيال لا بد من عودة الخلافة هذه أسئلة كثيرة سأطرحها على صاحب الفضيلة مولانا الإمام. أهلاً بفضيلتكم، الشيخ: أهلاً. وسهلاً بكم. المذيع: مولانا يعني نحن أمام أحاديث كثيرة ذكرها سيدنا صلى الله عليه وسلم: "إن كان في الأرض إمام فالزم الإمام، إن كان في الأرض خليفة فالزم الخليفة". كيف نفهم مفهوم الخلافة من هذين الحديثين؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الخلافة أمر واقع، وأمر مر به تاريخ المسلمين منذ انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وخلفه من بعده فسمي خليفة، "أبو بكر".
بويع "أبو بكر" في سقيفة بني ساعدة ولم يمتنع عنه إلا قليل جداً من الصحابة يمكن تقديرهم بخمسة أو شيء من هذا القبيل، ثم بايعوه بعد ذلك. الخلافة لم تكن لها ملامح واضحة إلا أنه "إذا أُمِّر عليكم أحد فاسمعوا وأطيعوا حتى لو كان عبداً حبشياً رأسه كزبيبة"؛ أي إنه يتحدث عن مفهوم القائد، عن مفهوم من بيده الأمر، عن مفهوم من يتولى الدفاع عن حوزة الوطن وحوزة العرض وحوزة المال وحوزة النفس، فهو يتكلم عن
هذا، فسُمي ذلك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو قائد الجيوش، وكان هو المبلّغ الأعظم، وكان هو المعلّم الأعظم وكان هو القاضي الأعظم وكان هو المفتي الأعظم وكان هو رأس الدولة، فهذا المفهوم، مفهوم الخلافة، لم يحدده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن تكلم بشيء، لأنه يقول: "ولو كان عبداً حبشياً رأسه كزبيبة"، ويقول: "ما صلوا" في الأئمة، "ما صلوا"، أي أن القضية فقط أنهم يصلون ولكن لا يمكن أن يعيش الناس في فوضى من لا قائد لهم، يعني دعاوى ما بعد الحداثة التي يُدعى
إليها الآن وهي أن يعيش الناس بلا دولة وبلا نظام وبلا رئيس، هذا سيكون انفراطاً لعقد البشرية وانفراطاً لعقد الاجتماع البشري. أبداً ستظل البشرية هكذا تعرف الأسرة وتعرف رب الأسرة و تعرف المجتمع وتعرف رئيس المجتمع وتعرف الأمة وتعرف رئيس الأمة، وهكذا ستظل الأمور هكذا إلى يوم الدين. المذيع: بهذه التراتبية. الشيخ: بهذه التراتبية، فإذا الخليفة، الحقيقة أنه قد ورد هذا اللفظ في السنة المشرفة، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن النبي: "فإن كان في الأرض خليفة فالزم الخليفة ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم يكن في الأرض خليفةٌ فالهرب الهرب"؛ وهذا سيفيدنا كثيراً في تفهم كيف يفهم هؤلاء
الإرهابيون الدين، وكيف يفهمه علماء الدين. إذن هناك خليفة وهناك إمام؛ لأنه في مرة أخرى قال: "فالزم الإمام ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم يكن في الأرض إمام فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن يأتيك الموت وأنت تعض على جذع نخلة مؤمناً بالله واليوم الآخر" أخرجه [البخاري]، إذن اللفظ ورد والمعنى ورد، ثم الواقع التاريخي يقر بأن كان هناك خليفة للمسلمين يجمع كلمتهم دائماً إلى نهاية الدولة الأموية، والدولة الأموية انتهت في مائة واثنين وثلاثين هجري. المذيع: في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري، الشيخ: فانتقل أمير المؤمنين الأموي إلى الأندلس وأصبح هناك للمسلمين خليفتان، خليفة عباسي
هنا في المشرق وخليفة أموي هناك في الأندلس، وظل هكذا الحال هناك خليفتان إلى أن انفصلت الشيعة بالدولة الصفوية وإلى أن سقطت الأندلس، فذهب الخليفة الأندلسي وظهر الخليفة الذي هو مع الصفويين؛ لأن الصفويين لم يكونوا مندرجين تحت شعار الأتراك ولا شعار الخلافة. استمرت الخلافة العباسية في مرحلتها الأولى (الدولة العباسية الأولى والدولة العباسية الثانية) وما إلى ذلك، عبر تاريخ طويل من الخلافة. ثم استمرت هذه الخلافة عندما انتقل الخليفة من بغداد في حادثة التتار سنة ستمائة وستة وخمسين هجرياً، حيث انتقل إلى القاهرة وكان اسمه "المتوكل على الله".
وظل المسلمون بلا خليفة عدة أيام، حوالي خمسة أيام، أثناء انتقال "المتوكل" من بغداد إلى القاهرة. وفي القاهرة عُيِّن خليفة على الفور. ليس هناك خلاف بين المسلمين أن يكون لهم قائدًا ورايةً ورمزًا يلتفون حوله، هذا كلام بلا خلاف. ثم بعد ذلك دخل "سليم خان الأول" سنة تسعمائة وخمسة وعشرين هجرية. دخل إلى مصر فوجد الخليفة العباسي، فأخذه معه إلى اسطنبول مكرماً معززاً، معاملاً إياه معاملة الخليفة، يُدعى له من على المنابر. المذيع: كل جمعة الشيخ: كل جمعة في اسطنبول وفي مصر وفي الشرق وفي الغرب، إلى أن مات هذا الخليفة، جاء أجله ومات، فأعلن "سليم خان" نفسه خليفة
على المسلمين حتى لا يخلو منصب الخلافة، وأخذ الخلافة، وظلت الخلافة في آل عثمان إلى عام ألف وتسعمائة وخمسة وعشرين ميلادي، حيث أعلن كمال أتاتورك - سامحه الله أو عامله بما يستحقه - المذيع: سنة أربعة وعشرين يا مولانا، الشيخ: سنة أربعة وعشرين، السادس من مارس سنة أربعة وعشرين، جلس يخطب في البرلمان التركي حوالي من ستة وثلاثين ساعة إلى ثمانية وأربعين ساعة وهو يخطب في كيف أنه سينفصل من هذه الدولة، وأنه سينشئ دولة جديدة تركية لا علاقة لها بالإمبراطورية الكبيرة الإسلامية التي كان آل عثمان فيها من الخلفاء. "الملك فؤاد" فكر
هنا في مصر أن يصبح خليفة مثلما فعل "سليم خان" عندما خلا منصب الخلافة، صدّر "سليم خان" نفسه للخلافة تشريفاً وتكليفاً. فأراد "الملك فؤاد" أن تستمر الخلافة، فعقد مؤتمراً هنا [في مصر] اسمه مؤتمر "الخلافة" في سنة خمسة وعشرين، فأفشله جماعة "الوفد" والجماعات الأخرى وما إلى ذلك. المذيع: هل كرر المحاولة مرة أخرى؟ الشيخ: تكررت المحاولة مرة أخرى في الهند في مؤتمر آخر للخلافة سنة ستة وعشرين لكن الإنجليز أفشلوه. فهذه هي قصة الخلافة، ولكن القضية ليست هكذا؛ القضية أننا نعلم الخلافة في الدين وما فوائد الخلافة، ثم نعلم أيضاً أن الخلافة لها نهاية، ولكن ما الذي يقوله سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم لنا عندما
تُفقد الخلافة؟ هذا هو مربط الفرس بيننا وبين الجماعات الإرهابية. المذيع: وهو الذي أثار الكثير من الجدل، لذلك وجب علينا العودة إلى علمائنا وإلى أكابرنا لنتعرف أكثر وأكثر على هذه المفاهيم الحقيقية والصحيحة لمفهوم الخلافة. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلاً بحضراتكم، اسمح لي مولانا أن أذكر السادة المشاهدين بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما رأيك في إصرار تيارات التطرف على وجوب عودة الخلافة؟ مولانا دعنا نعود مرة أخرى لنفهم حقيقة كيف فهم العلماء الربانيون مفهوم الخلافة في الإسلام؟ ولكن أقف مع فضيلتك على الحديث الشريف: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
كيف أفهم أيضاً هذا الحديث؟ الشيخ: يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لنا أن تطبيق المطلق الذي ورد في الكتاب والسنة سوف يكون في أزمان مختلفة وفي أماكن مختلفة وفي أشخاص مختلفة وفي أحوال مختلفة، ولذلك ضم سنة الخلفاء الراشدين المهديين كنوع من أنواع الدليل والهداية لنا، فتطبيقات عمر وهو رجل دولة وينشئ الدواوين ويجيش الجيوش وينظم التنظيمات وكذا إلى آخره، تطبيقات عمر بن عبد العزيز وهو يخدم القرآن ويبني الحضارة ويوزع الزكاة حتى تفيض؛ كل هذه الأشياء، إنما هي تطبيقات وإن كانت ليست معصومة إلا أنها محفوظة ومعتمدة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
فرسول الله يريد أن يبين لنا بهذا الحديث أن التطبيق غير النظر، وأن القرآن عندما أتانا، أتانا ليوضح لنا ويهدينا سواء السبيل، فكيف نطبقه؟ فقال: "عليكم بسنتي". سنته هي التطبيق المعصوم لهذا الكتاب المبارك، ولذلك هي ركن من أركان مصادر الشرعية ولا بد منها، "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". ولذلك أعلى أهل السنة والجماعة شأن هؤلاء الأربعة باعتبار أن ما قدموه للأمة كان في غاية الاجتهاد وغاية بلوغ الغاية في تطبيق الشريعة في واقع الناس. يأتي في مصنف "ابن أبي شيبة" أن أحدهم قد أتى بسارق إلى "عثمان" فقال: "هذا سرق فاقطع يده"، قال له:
"أسرقت؟ قل لا". سيدنا "عثمان" يقول للمتهم بالسرقة: "قل لا"، فقال: لا، أنا لم أسرق. قال: اذهب، فهو شخص يفهم الدين ويدرك أن الحدود ليست لإراقة الدماء ولا لإقامة العقوبة فحسب، بل هي للردع. نقول: احذر أن تسرق، لأن السرقة فيها قطع يد، وعلى المرء أن يخاف من أن يسرق ويُكشف ولا يستره الله. فسيدنا عثمان يفهم هذا بعمق الديانة وبعمق ما تعلّمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه "ابن أبي شيبة". هذه الأمور لن تصل إلى قلوب هؤلاء المتطرفين. المذيع: أولئك المتطرفين ماذا يريدون وكيف فهموها؟ هم فهموا ظاهر النص: "السارق
"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا" [المائدة ٣٨] فإذن هذا سارق فيجب أن تُقطع يده الآن، وهكذا فَقَدَ الشروط، يصلي من غير وضوء. وأن تدرك أيضًا أن الصلاة من شروطها الطهارة، ومن شروطها الوضوء، ومن شروطها استقبال القبلة، ومن شروطها دخول الوقت. فَقْد نظرية الشروط، وقد تحدثنا عنها بتوسع في مرة سابقة. فالنبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرنا أن هناك خليفة، لكنه أيضًا يخبرنا عندما ينعدم الخليفة وينقطع، ألا نحاول أن نظهر خليفةٌ بعده. لماذا؟ لأنك ستكون في هذه الحالة، وستكون الأمة معك في حالة تشرذم وضعف لا يُمكّنك من إعادة الخلافة مرة أخرى. فإذا حاولتَ كما حاولت القاعدة، وكما حاول حزب التحرير، وكما حاولت الإخوان المسلمين، وكما
حاولت داعش وأخواتها، فماذا سيكون؟ سيكون أن تكون ألعوبة في يد الآخرين من أعداء الملة والدين، الإنجليز والأمريكان وغيرهم، كل هؤلاء الناس يتلاعبون بنا. هذا هو الوضع الذي نحن فيه. من الذي يجلب السلاح لداعش؟ من الذي صنع القاعدة وأنشأها؟ من الذي يتلاعب بالإخوان المسلمين منذ ظهورهم وعن طريق سعيد رمضان الذي يسكن هو وأهله في سويسرا إلى آخره؟ من الذي صنع كل هذا الغير صنع هذا؛ لأنهم حاولوا فكانوا ألعوبة مفعولاً بهم في يد غيرهم. هذه هي الحكاية. نحن نقول لهم: لم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاولة الخلافة وإقامتها مرة ثانية، إنما أمرنا أن نسحب أيدينا وأن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى
ضارعين. إذن إذا ابتعدنا عن هذه المفاهيم المتطرفة لأولئك المتطرفين ولأولئك الإرهابيين، ماذا يجب علينا، وما الفهم الحقيقي للواقع الذي نعيشه؟ فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام، اسمح لي أن أذكر السادة المشاهدين وأذكر فضيلتك بمداخلات السادة المشاهدين على سؤالنا على صفحة الفيسبوك، سؤالنا كان: ما رأيك في إصرار تيارات التطرف على وجوب عودة الخلافة المداخلات: الأستاذ "نصر سليمان" يا مولانا، يقول: عن أية خلافة يتحدثوا؟ فليقرأوا التاريخ أولاً. سيدي، الخلافة هي راية مطامعهم وتآمرهم مع الآخرين ضد الوطن والأمة. فلنحقق أولاً التعاون على البر لصالح أمتنا. الأستاذة "نورا" تقول:
لا يوجد شيء في الإسلام اسمه الخلافة، الخليفة الوحيد هو "أبو بكر الصديق" رضي الله عنه ومن بعده خلفاء راشدون أي أربعة فقط. يقول الأستاذ "محمد شمس": "ما كان لهم الإصرار على دولة الخلافة إلا ليكون لهم الحجة فيما بعد على إدخال الفكر السرطاني إلى الأمة، وما هم إلا شرذمة صغيرة، ولا ينالون مطلبهم قط أو لن ينالوا مطلبهم قط." الأستاذة "نهى" تقول: إنهم خوارج، منذ متى نأخذ بكلامهم؟ عفواً، منذ متى نأخذ على كلامهم؟ الآن مولانا، ما تعليق فضيلتك على هذه المداخلات؟ الشيخ: ها هم الناس قد بدأوا يفهمون، والناس في الحقيقة تفهمهم منذ البداية، ولكن ضجيجهم ولجانهم الإلكترونية وما إلى ذلك يُضل بعض الناس أو يُشوِّش على فهم بعضهم. الناس تفهم كل ما نقوله، هم يفهمونه، فالحمد لله رب العالمين. نسأل الله سبحانه
وتعالى أن يهدي هذه الأمة إلى أقوم طريق، وأن يجعلنا تبع النبي المصطفى والحبيب المجتبى، ويهدينا إلى سنته المشرفة المنيفة، وأن يحيينا على شريعته، ويميتنا على ملته، ويبعثنا تحت لوائه، فيدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب. المذيع: إذن في الحلقات القادمة إن شاء الله سوف نسأل أسئلة كثيرة أيضاً لتتضح لنا هذه المفاهيم أو المعاني الحقيقية لهذه المفاهيم التي شوشوا عليها أو شوش عليها الإرهابيون. مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف شكر الله لكم ورضي الله عنكم، الشيخ: شكراً لكم، إلى اللقاء، المذيع: في
أمان الله ورعايته، إلى اللقاء.