والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة البر.. وما هي أعلى مراتبه؟| الحلقة الكاملة
- •البر درجة عالية من مراتب التدين تشمل الإيمان والإسلام والإحسان، وقد عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "حسن الخلق".
- •البر في القرآن يتضمن ثلاثة مكونات: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والأعمال الصالحة كإيتاء المال وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأخلاق كالوفاء بالعهد والصبر.
- •الطريق للوصول إلى البر هو الحب، حيث قال تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون".
- •البر والتقوى وجهان لعملة واحدة، فالبر هو إحسان العلاقة بين الإنسان والناس، والتقوى هي إحسان العلاقة بين الإنسان وربه.
- •يؤدي البر إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.
- •الحياة الطيبة تتحقق بالجمع بين الدنيا والآخرة، فالإسلام يعطينا برنامجاً للتعامل معهما معاً.
- •من يعلق قلبه بالله يستطيع أن يتعاون على البر والتقوى بسهولة.
افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال ما هو البر
بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. ما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا وكل شؤوننا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.
[المذيع]: أهلًا بكم في «والله أعلم»، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنسأله هذا السؤال المهم جدًا في حياتنا: ما البر؟ لكي نعرف ما هو البر واقعًا وتفصيلًا، نظريةً وتطبيقًا. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
تعريف البر في السنة النبوية وأنه مرتبة عليا من مراتب التدين
[المذيع]: يقول ربنا:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]
فما معنى البر؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندما نسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُعَرِّف البر حتى نعرف معناه، يقول:
قال رسول الله ﷺ: «البِرُّ حُسنُ الخُلُق»
إذن فهو مرتبة عليا من مراتب التدين الذي يشمل الإيمان ويشمل الإسلام ويشمل الإحسان، فهو درجة من الدرجات العليا للإيمان.
آية البر في سورة البقرة وبيان مكوناتها الثلاثة: الإيمان والعمل والإحسان
وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾ [البقرة: 177]
إذن فمكون أساسي من مكونات البر أن نكون مؤمنين، ولكن هذا الإيمان لا بد فيه بعد ذلك؛ لأن ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، ليس يكفي هذا.
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، فقد دخلنا في العمل. نعم، بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، إلى آخر الأركان الستة - هذه الأركان الستة وردت في حديث جبريل - ثم نذهب إلى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا﴾.
تفصيل مقاطع آية البر الثلاثة من الإيمان إلى الأعمال إلى الإحسان
إذن ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ هذه تعني أننا دخلنا في نطاق العمل. هو ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ يكفي.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، كل هذه أعمال متنوعة. وآتى الزكاة يكفي.
لندخل في درجة الإحسان، درجة الأخلاق:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق»
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، فإذا دخلنا في الأخلاق، ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
فهذا يعني أننا أمامنا في هذه الآية ثلاثة مقاطع: مقطع للإيمان، ومقطع للأعمال والإسلام، ومقطع للإحسان والأخلاق.
البر قمة الهرم الإيماني ويمكن تلخيصه بحسن الخلق
هذا هو البر الذي إذا قطعنا تلك المراحل كلها وفعلنا كل هذه الطبقات المتتالية في الهرم، نجد في أعلى الهرم البر حتى نصل إليه.
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 177]
إلى آخر الآيات. إذن فالبِرُّ هو هذا، يمكن أن نلخصه ونقول: البِرُّ حسنُ الخلق، كما لخصها رسول الله ﷺ، بأن حسنَ الخلق لا يقبله الله إلا بالعمل، والعمل لا يقبله الله إلا بالإيمان.
البر مبدأ قرآني عظيم ومفتاح للوصول إلى درجة الإحسان
[المذيع]: ولكن نحن هنا في هذا الترتيب، نعم مولانا، البِرُّ بهذا المعنى وبهذه التراتبية وبهذه الطبقات المهمة جدًا يُعتبر من المبادئ المهمة في القرآن الكريم، من المبادئ القرآنية التي نحن بصددها بدون شك.
[الشيخ]: لأن الله سبحانه وتعالى يحب المحسنين، نعم، ويستجيب لهم دعاءهم، والأمور لا تتم في الإسلام إلا إذا وصل الإنسان درجة الإحسان.
إذن هذا البر هو مفتاح من المفاتيح، هو مبدأ من المبادئ القرآنية العظيمة التي لا بد من أن يتحلى بها الإنسان، وإلا صارت الأسواق بدون بر نوعًا من أنواع الآلية، كما هو حادث في العالم الآن؛ المصالح تتصالح بلا مبادئ وبلا روح، صارت الصنعة بلا إدراك لسر ما فيها، صارت الحياة بلا روح.
سر الصنعة عند أصحاب الحرف وفهم الرسائل الربانية في الكائنات
[المذيع]: يا مولانا، هل كانوا يبحثون قديمًا عن السر؟
[الشيخ]: نعم، هو السر الذي يطلق عليه سر الصنعة وما شابه. وكانت الطوائف المختلفة والحرف المتنوعة يدرك شيخها هذه الصنعة. يعني ما هو سر الشجرة؟ هذه الشجرة لها سر. ما هو سر الحب [حبة القمح] الذي يُدهس ويُطحن ويتألم من هذا الدهس والطحن حتى يصير طحينًا، حتى يُشوى بالنار فيصير خبزًا؟
ما هو سر النار؟ ما هو سر الخبز؟ ما هو سر الدقيق؟ ما هو سر الماء المتدفق؟ كل شيء كانوا يتعاملون معه باعتبار أن الإنسان عالم مصغر وأن الكون إنسان مكبر.
الإنسان عالم مصغر والكون إنسان منفتح عند أهل الله
الإنسان كون مصغر، عالم مصغر، وليس على الله بمستغرب أن يجمع العالم في واحد، فهو الله، جمع في كل واحد منّا هو العالم، وليس شخصًا بعينه مثل حسن أو حسين أو علي، بل في كل واحد منّا العالم بأكمله.
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
هو كذلك، هل انتبهت؟ فعندنا هنا الإنسان هو بؤرة هذا الكون، والله وهذا الكون هو إنسان منفتح. كانوا يسميه أهل الله قديمًا الإنسان المنفتح، أي إنسان على هذه الحال، يعني في سماوات وفي أرض وفي مُلك وفي ملكوت وفي فرش وفي عرش.
حسنًا، جيد، مفهوم: من عرف ربه عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف [ربه].
الدين جزء من الحياة والصلاة حيثما أدركتك
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. كيف نفهم إذن أن هذا الكون أسموه بالإنسان المنفتح؟ ولكن قبل هذا وذاك، اسمح لي مولانا - أعني أقول لحضرتك - تقبل الله وحرمًا جمعًا إن شاء الله. ومن الجميل أن الإنسان دائمًا يجمع ما بين العمل وأداء الصلاة في وقتها يا مولانا.
[الشيخ]: طبعًا، الدين جزء من الحياة. يعني عندما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»
جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، هذا معناه أن الصلاة اختُلطت معنا، والله ويقول:
«حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ»
في أي مكان، في أي مكان، ولكن بشروطها طبعًا، يعني في وضوء، في استقبال القبلة، في كذا إلى آخره.
الوضوء سلاح المؤمن والدين جزء من الحياة لا ضدها
ولكن هذا المعنى - معنى أنه حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ - حتى قالوا أن الوضوء سلاح المؤمن. لماذا هو سلاح المؤمن؟ لأنه سيلبي هذا التوجيه النبوي: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ.
ثم يقول لك: هل هذا حديث صحيح؟ هل هذا حديث؟ هل هذا يعني... مساكين والله، الواحد تصعب حالتهم علينا. يعني يا أخي هذه حكمة، طيب دعها حكمة أو شيئًا من هذا القبيل، لكنه فعلًا سلاح المؤمن بمعنى أنه كلما - يا عيني - لم يرِد شيئًا يصبح عدوًا له، بل فاعلًا لضده، فيُوضع عليه نفس الدين، ويتحرق.
طبعًا التجربة الإنسانية بيّنت لنا أن الدين جزء من الحياة وليس ضد الحياة، الدين جزء من الحياة، يعني نعمل ثم نصلي ثم نعمل مرة أخرى، وهكذا، أي أنه جزء من الحياة.
خطأ فصل الدين عن الحياة وتقديم أحدهما على الآخر يُخل بالبر
لكن الآخر هذا يفهم الدين بأسلوب آخر، أن له مكانًا مخصوصًا، وله طريقة مخصوصة، وله تهيؤ مخصوص. فإذا عارض هذا التهيؤ الحياة، هو سيقدم الحياة؛ لأنه لا يستطيع أن يموت، حتى هو لا يستطيع أن يموت، هو نفسه لا يستطيع أن ينتحر.
ولذلك يترك هذا من أجل هذا، أو يترك هذا من أجل هذا، فيختل المقال، فهذا ليس البر.
ترتيب الإنفاق والصلاة في آية البر ومعنى الإنفاق في حالة الركوع
[المذيع]: نعم، الذي نتكلم [عنه] هو السؤال الثاني، نعم.
[الشيخ]: إنه البر:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإنسان: 8]
﴿وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177]
وآتى المال على حبه، وبعد ذلك بعد أن آتى المال على حبه، ماذا يقول؟ والآن لا، يقول: وأقام الصلاة، أقام الصلاة، انظر أين وضعها، أتنتبه؟ وآتى الزكاة.
فإذن يعني إلى أن وضع أن حتى الإنفاق يتم:
﴿يُنفِقُونَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 55]
وهم راكعون، كيف ينفق وهو راكع؟ يعني وهم متلبسون دائمًا بالركوع وبالسجود وغير ذلك إلى آخره. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
البر هو البحث عن السر الإلهي الكامن خلف الكائنات وعناصر الإنتاج الأربعة
ولكن نعود مرة أخرى إلى قضية البر، هو البحث عن السر الذي وضعه الله كامنًا خلف هذه الكائنات التي نراها من أرض وسماوات وأشياء، عالم للأشياء.
وكذلك الاقتصاديون عندما تحدثوا عن العمل أو عن الإنتاج قالوا إنه من أربعة عناصر: الأرض والمال والعمل والتنظيم، في تطور تاريخي لهذا. فجعلوا الأرض منها، فعندما جاء [من] أرادوا أن يجعلوها ثلاثة فقالوا حسنًا: الأرض ورأس المال والعمل. فعندما جاء شخص قال لهم هذا تنظيم مهم، قاموا بحذف الأرض.
فعندما كنا ندرس على أيدي أكابر الاقتصاديين، كانوا يقولون لنا ماذا؟ يقولون لنا إن هذه الأرض مهمة جدًا، لا تحذفوها، دعونا نجعلها أربعة بدلًا من أن نجعلها هنا ثلاثة، تتطور ثلاثة، لا تتطور أربعة؛ لأن الأرض فريدة وحيدة، وهي التي تُنشئ وتعطيك الماء، وهي الحبوب التي أقول لك تطحنها فتصبح طحينًا.
المشقة والتكليف نهايتهما العطاء وأصحاب الحرف كانوا يفهمون سر الصنعة
فعندما تضع هذا الطحين مع الماء يصبح عجينًا، ثم تضع هذا العجين وتنضجه بالنار، فإذا به يعطيك في النهاية نتيجة. إذن لا بد أن المشقة والتكليف نهايتهما العطاء.
كل هذه رسائل ربانية إلهية كانوا يبحثون عن أسرارها، وكان أصحاب الحرف والصناعات والخبّاز والنجار والحداد وكذا يفهمون هذه المعاني بعمق ويعلمونها لمن بعدهم ويسمونها سر الصنعة.
إنهم يفهمون الجمال وقضية الجمال الداخلي والخارجي، ويفهمون الإتقان وقضية الإتقان الداخلي والخارجي. يفهمون أنه يجب ألا تهرف بما لا تعرف من العلم:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ﴾ [الإسراء: 36]
العشق الإلهي عند الصوفية والبحث عن الرسائل الكامنة في الكون
ولذلك عندما وضعوا [مصطلحاتهم]، كانوا يسمون البحث عن هذا السر بالعشق، هذه مصطلحاتهم، العشق الإلهي. سادتنا الصوفية - وفضيلتكم من أهل الله والسادة الصوفية - والحقيقة أن طوائف كثيرة من الأمة في تجربتها لتطبيق الدين على النفس وعلى المجتمع وعلى الناس فعلوا هذا.
فأصبح عندنا شيء اسمه البحث عن السر. ما هو البحث عن السر؟ قالوا: العشق الإلهي. فقام الآخر ووقف عند كلمة عشق، وهل ترى هي تقتضي الزواج أم لا تقتضي الزواج؟ هل يصح أن نقول عشق إلهي أم لا يصح أن نقول عشق إلهي؟
في تعنت لم أرَ مثله قط، يعني شيئًا انقطعوا عنه كانقطاعهم عن الحضارة الفرعونية، لم تفارق، خلاص لا توجد لغة، فاللغة فُقدت.
الانجذاب إلى الله من خلال فهم رسائل الكون وعمق الإيمان
فالعشق الذي كانوا يقصدون به أن شخصًا انجذب إلى الله، فأراد أن يفهم تلك الرسائل الكامنة في الشجرة، في الحبة، في المياه، في النار، في الإنسان، في السماء، في الأرض، في النور، وهكذا.
أراد أن يفعل هذا لانجذابه لله، يريد أن يرى الله في كونه:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فآمنوا بعمق وآمنوا بما لا يمكن أن يهتز إيمانهم، فقل انتشار الإلحاد فيهم.
النابتة صدوا الناس عن العمق إلى السطح وخطر الاعوجاج والسطحية
لكن لماذا كل هذا ذهب؟ وهذا ما فعله النابتة [أدعياء العلم]، أنهم قد صدوا عن سبيل الله بغير علم، وأنهم صدوا عن سبيل الله وهم غير مدركين أنهم يحولون الناس من العمق إلى السطح.
وفي السطح يكون المرء أمام الريح؛ لأن كل ما كان معوجًا فمصيره إلى السقوط، وكل ما كان على وجه الأرض فمصيره إلى الزوال وفنائه. أما الذي هو ثابت في الأرض فلا يمكن لأي شيء أن يزيله، كالشجرة التي لا يمكن لأي إعصار أن يزيلها، ثابتة.
الجبل كذلك لا يهزك ريح، الجبل ما يهزك ريح، يا جبل ما يهزك ريح. انظر من أين يأتي هذا الكلام، إنه فهم عميق لتلك الرسائل التي حولنا نراها ليل نهار. ولذلك كانوا في حالة الإيمان؛ لأنه في حالة البر.
العلاقة بين البر والإيمان من حيث العموم والخصوص المنطقي
[المذيع]: الله، إذن الأعمق والأعم يا مولانا: البر أم الإيمان؟
[الشيخ]: لا، الإيمان هو الأخص، هو الأخص. الإيمان لأنه يتأتى، يعني هذا جزء لا يتجزأ وهو ما - وانتبه - يعني ماذا أعم ويعني ماذا أخص؟ إذا أردت المرتبة فهو أخص من - يعني لا بد - الإيمان؛ لأن هناك مؤمن ليس بارًا، هناك مؤمن لم يصل إلى أن:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]
لم يصل إلى هذا الحد، هل تنتبه كيف؟
آية لن تنالوا البر وموازنتها الشعرية والبر أخص من الإيمان
طبعًا هي ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ولكن فقط لأنه قالوا إنها الآية الوحيدة أو تكاد التي موزونة، نعم، على وزن الشعر، لكن تقول تحبوا، نعم تحبون، ستكسرها قليلًا بسيطًا على هذا النحو، نعم، لكي يكتمل الوزن تحبوا فقط.
ولكن إلقاء الآية: ﴿حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، مما تحبون. فهكذا انتهينا، هل انتبهت؟ هكذا انتهينا، نجونا من البيت، من الوزن الشعري.
فالمهم أنه ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ مقسمة هكذا. يعني فائدة؛ لأن البر شيء عالٍ، فهو يعني أن كل بر لا بد أن يشمل الإيمان، لكن ليس كل إيمان لا بد أن يشمل البر.
وما دام كل بر يشمل الإيمان، فإذن هو الأخص، لكن ليس كل الإيمان، فهو الأعم. هذا بالعموم والخصوص المنطقي.
البر أخص من الإيمان وبعض المؤمنين فقط يصلون إلى مرتبة البر
لكن شخص قد يأتي ويقول لك: حسنًا، ما معنى ذلك؟ هو لن يستطيع حتى أن يفعلها.
[المذيع]: فالبِرّ أخص على طول الخط. الإيمان أخص أم البِرّ يا مولانا؟
[الشيخ]: البِرّ أخص من الإيمان، فالإيمان هو الأعم. الإيمان فيه أناس كثيرون مؤمنون، نعم، لكن بعض هؤلاء المؤمنين وصلوا إلى مرتبة البِرّ.
هل للبر أنواع أم هو درجة واحدة من الدرجات العلى
[المذيع]: نعم مولانا، إذا ما كانت مكانة البر هي الترقي من درجة إلى درجة، هل للبر أنواع كالسلم الذي نصعد عليه لكي نصل إلى قمة الهرم لنتحقق كما يقول السادة الصوفية؟
[الشيخ]: البر بهذا المعنى ليس أنواعًا، نعم، إنما هو واسع. يعني عندما أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة وأن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي القربى ثنتان.
انظر كيف: على المسكين صدقة واحدة، حسنًا وعلى ذوي القربى - أنا قريبي وفقير فأعطيته نفس الصدقة التي سأقدمها للغريب - لكن الأقربون أولى بالمعروف، لماذا؟ لأنها تُعد صدقة وصلة.
مظاهر البر المتعددة من إنفاق وعبادة وحسن خلق وحقيقته درجة واحدة
فهنا إذا أردنا أن مظهر البر قد يتكاثر كثيرًا عندما يكون هناك برّ بالإنفاق، وبرّ بإقامة العبادة والاستدامة عليها، وبرّ بحسن الخلق، وبرّ بأنواعها هكذا.
ولكن البر هو في الحقيقة، في حقيقته، هو درجة واحدة من الدرجات العلى التي يصل إليها المؤمن.
أعلى مراتب البر الوصول إليه بالحب والإنفاق مما نحب
[المذيع]: حسنًا، ما هي أعلى مراتب البر يا مولانا؟ وإذا كان هناك - يعني لن نقول درجات - ولكن هي كما ما هي مراتب البر وكيف أصل إليها؟
[الشيخ]: هذا هو نص الآية، نعم:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]
وليس مما تكرهون. إذن الحب عطاء، فحتى أصل إلى البر يجب أن أخلي قلبي من الكراهية، وحتى أصل إلى البر أملأ قلبي بالحب.
لا يحب الله من لا يحب الناس ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله
هم أهل الله الذين لا يُعجبهم هؤلاء الناس، يقول لك ماذا؟ يقول لك: لا يُحب الله مَن لا يُحب الناس.
نعم، انظر إلى العبارات العجيبة! ليست في القرآن ظاهريًا وليست في الحديث نصًا، لكنها موجودة في القرآن وفي الحديث إذا قرأتم بتدبر. هل انتبهت كيف؟ عندما يقول سيدنا رسول الله:
قال رسول الله ﷺ: «مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله»
فينبغي عليك أن تشكر الناس.
الحب ليس خطيئة بل هو الدرجة الأولى لحب الله
وكذلك عندما يأتي شخص يشتكي قائلًا: يا إخواننا، لقد وقعت في الحب ظانًا أن الحب خطيئة. كلا، الحب ليس خطيئة، بل إن هذا الحب الذي وقعت فيه هو الدرجة الأولى لحبك لله، لكن افهمه بشكل صحيح، ولا تتوقف عنده، واستخدمه بحكمة لكي ترتقي به إلى حب الله.
هذه هي القضية. لكن الحب في ذاته هو شعور خلقه الله تعالى لكي تصل إليه. الحب شيء حتى تصل إليه.
ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «مَن عَشِقَ فعَفَّ فكَتَمَ فماتَ، ماتَ شهيدًا»
حديث من عشق فعف فكتم فمات شهيداً وبيان معناه
لماذا يموت شهيدًا؟ يعني هذا رجل يحب امرأة، واحد يحب امرأة، ما المشكلة في ذلك يعني؟ لا، إنه توله بها ولكن الظروف: هي متزوجة، هي ذات محرم منه، هي كذا وكذا.
طيب وما الحل في هذا؟ ما هو الحل؟ الكتمان. كتَم ولم يستطع، فاشتعل من الداخل نارًا. كتَم أيضًا فاشتعل من الداخل نارًا أكثر. كَتَمَ أنفاسه فماتَ.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
يعني ضغطُهُ ازداد عليه فماتَ. قال: هذا يُعتبر شهيدًا.
الحب أول مرحلة للوصول إلى حب الله وكتاب حاكموا الحب
هذا من الآلام في الجسد يا مولانا، هذا ماتَ شهيدًا. شهيد ماذا إذن؟ شهيد أنَّ هذه كانت أول مرحلة لكي تصل بها إلى حب الله.
هذا المعنى الذي قتلوه جعلني أؤلِّف كتابًا اسمه «حاكموا الحب». هذا هو المعنى الذي لا يفهمونه. إنهم لا يفهمون ما الذي جرى بين الصحابة بعضهم مع بعض، ولا يفهمون ما الذي جرى بين الصحابة وبين سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم، ولا يفهمون كذلك العلاقة التي جرت بين الصحابة، بين النبي وصحابته وبين الله.
لم يفهموها، فالكل في ظلام، أغلقوا على أنفسهم الباب.
بر الوالدين مكافئ للتوحيد في القرآن الكريم
[المذيع]: ومن ثم جاءت العلاقة بين المريد والشيخ يا مولانا مثلًا.
[الشيخ]: نعم، أعني لهذه النقطة؛ لأنها نقطة مهمة جدًا يعني تُثار كثيرًا. ما علاقة المريض [المريد] بشيخه؟ علاقة حب. دعك من ذلك هكذا يا أخي.
ما علاقة هذا الوضع العجيب في بر الوالدين؟ هذا بر الوالدين، هذا انظر كيف أمر الله ببر الوالدين وجعله مكافئًا للتوحيد. وهل انتبهت كيف أنه عندما ذُكر في الآية، ذكره قبل التوحيد؟
فأمرنا ألا نشرك بالله:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [الإسراء: 23]
وبالوالدين إحسانًا، وبذي القربى واليتامى:
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 26]
وبالوالدين ماذا؟ هذا هو المكافئ للعبادة.
مصاحبة الوالدين بالمعروف حتى لو كانا على غير الدين
فما هو البر إذن؟
﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]
هذه هي الناحية الإجرائية العملية.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
وصاحبهما في الدنيا معروفًا. عندما تأتي في القرآن صاحب وصاحبهما، هذا يكون بالألف هكذا، يعني أنهما يكونوا على غير دينك.
انظر إلى الرسم هنا، إذن الرسم له هذه المحذوفة، أصبحنا في كشيدة بسيطة هكذا، ونضعها بالطول هكذا، يسمونها الألف الخنجرية.
الألف الخنجرية والاعتيادية في الرسم القرآني ودلالتها على الدين
الألف الخنجرية. إذن ماذا تسمى الثانية؟ اسمها الألف الاعتيادية. فأصبح لدينا نوعان من الألف: ألف خنجرية وألف اعتيادية.
فالألف الخنجرية هذه هي التي تجدها حُذفت من الصاحب:
﴿يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ﴾ [يوسف: 39]
ستجد عليها ألف خنجر، كذلك في سورة سيدنا يوسف. هؤلاء كانوا على غير الدين الذي يكلمهم. يا صاحبيّ السجن، طالما لا يوجد فيها اعتياد بل فيها خنجر، فهذا يعني أنهم كانوا على دين يوسف.
نعم، لقد حذفوا الألف لأنهم على ماذا؟ على دين يوسف. ولذلك هم اقتنعوا به وانبهروا به فاتبعوه:
﴿ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]
فهم تابعون له، هذين الاثنين؛ لأنهم آمنوا به في هذا السجن الذي وضعهم فيه فرعون أو العزيز.
دلالة الألف الخنجرية على الاتصال والانفصال في مصاحبة الوالدين المشركين
فالألف الخنجرية لو كانت موجودة لها [دلالة]، والألف غير موجودة، إنما هي علامة فقط هكذا مكانها، فيبقى هناك اتصال. [وإذا كانت الألف الاعتيادية] موجودة فيكون هناك انفصال.
نعم، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فيها [الألف] موجودة، ها هي أمامك. إذا كانت الألف موجودة فهؤلاء ليسوا على دينه، هؤلاء يقولون لي أن أشرك.
لكن الحب ماذا تفعل به؟ حاكموا الحب، حاكموا الحب! فربنا قال لنا ماذا نفعل؟ أنبرهم أم نقطعهم؟ أنكرههم أم نعطف؟ قال: لا، بل تعامل معهم بلطف:
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا بِالْمَعْرُوفِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [لقمان: 15]
فالله تعالى [أمرنا بذلك].
حب الأبناء والوالدين حتى مع اختلاف الدين كما علمنا سيدنا نوح
طيب، وماذا لا أحب؟ لا أحب فعلهم السيء، لا أحب كفرهم، لا شركهم، فسادهم. وهم أحبهم، وابني كذلك.
وهذا ما علمنا إياه سيدنا نوح عندما قال:
﴿رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى﴾ [هود: 45]
فهو يريد أن ينجي ولده. انصرف سيدنا نوح عن هذا، لكن سيدنا نوح قلبه معلق به بالذات، هذه له ذات معلقة به.
هذا هو البر. فالبر، أنت تسألني كيف نصل إليه؟ والإجابة واضحة: بالحب. البر ليس له حل للوصول إليه إلا بالحب.
الإنفاق مما نحب وأن الصدقة تسقط في يد الله قبل يد الفقير
ولذلك ﴿عَلَىٰ حُبِّهِ﴾:
﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]
فيصبح حب الزواج [بالطعام] هذه أكثر من مجرد حب تملكه للطعام الجيد، حب لهم طغى على حبه [للطعام]، مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا.
لكن لو أنفقت من الرديء، وأحضرت التمرة الرديئة أو البيضة وأعطيتها للمسكين، فهذا غير صحيح وتكون غير مقبولة؛ لأن هذه التمرة - انظر إلى التصوير - قد سقطت في يد الله قبل أن تسقط في يد الفقير.
فأنت وأنت تقدمها، كل هذا فيه انجذاب إلى الله. متى يحصل لك انجذاب إلى الله؟ عندما تسلك إليه طريقه. ومتى تسلك إليه؟ عندما تخلي قلبك من كل قبيح وتحليه بكل صحيح.
أهمية البر في جميع مجالات الحياة من أسواق وسياسة وحقوق إنسان
هذا هو البر. فالبر هذا مهم جدًا سواء كان للأسواق، وسواء كان للسياسة، وسواء كان للسلام، وسواء كان للحرب، وسواء كان في حقوق الإنسان أو في حقوق النساء أو في حقوق الصبيان أو في حقوق الأكوان.
الحقيقة أن البر بدونه الحياة لا تساوي شيئًا وتصبح مظلمة كالحياة التي يريدون أن يعيشوا فيها، ليس فيها نور، ليس فيها رحمة، ليس فيها ليونة وتراب.
تعطير الصدقة قبل إعطائها لأنها تسقط في يد الله أولاً
وكانت أمنا [عائشة] رضي الله عنها تضع أو تعطر هذه الصدقة قبل أن تعطيها للفقير؛ لأنها تسقط في يد الله قبل أن تذهب للفقير.
المراقبة والمحاسبة والعلاقة بين البر والتقوى
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلًا بحضراتكم. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. المراقبة والمحاسبة وكل هذه الإجراءات الفعلية للمسلم والمؤمن في الترقي لدرجة البر، أين هي من البر يا مولانا؟
[الشيخ]: لا، انتبه أن البر لا يُذكر في القرآن كثيرًا مع التقوى، نعم، البر والتقوى.
[المذيع]: فما الفرق بين البر والتقوى؟
[الشيخ]: هناك إجابة على سؤالك: البر هو إحسان العلاقة بينك وبين الناس، وهو ما قال عنه سيدنا [رسول الله ﷺ] حسن الخلق. ولكن التقوى هي إحسان العلاقة بينك وبين الله.
وهما وجهان لعملة واحدة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرفع درجتك عندما تحسن من أساسيات التقوى، وعندما تتحسن العلاقة بينك وبين الناس تكون من أساسيات البر. فالبر والتقوى وجهان لعملة واحدة.
إجراءات التقوى من مراقبة ومحاسبة توصل إلى البر الذي هو الوجه الثاني
هذه الإجراءات التي توصلني إلى استكمال قبول البر التي ذكرتها حضرتك كلها، هي من علامات التقوى: المراقبة والمحاسبة للنفس والتدبر والتأمل والديمومة والإتقان.
كل هذا يوصلني إلى مرحلة الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضا بالقليل، وهي الإجراءات الفعلية للوصول إلى التقوى التي هي الوجه الثاني للبر.
فالبر والتقوى وجهان لعملة واحدة. هذا في الإحسان كما يقول ابن عطية، هذا في الإحسان بين الإنسان والناس، وهذا في الإحسان بين الإنسان والله.
التعاون على البر والتقوى وإعادة صياغة العلاقات الثلاث
هذه هي الصورة أو الخريطة الخاصة بالبر والتقوى وما شابه ذلك. سيدخل فيها:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]
[المذيع]: هل هذا معناه إعادة صياغة العلاقة بيني وبين نفسي، بيني وبين ربي، ثم بيني وبين نفسي، ثم بيني وبين الناس؟
[الشيخ]: هي هذه العلاقات الثلاث التي جعلت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن. هذه العلاقات الثلاث هي كلها اسمها العبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
كيفية العبادة من خلال إحسان العلاقة مع الله والناس والنفس ظاهراً وباطناً
كيف نعبد الله؟ فدلنا على كيفية العلاقة بيننا وبينه ظاهرةً وباطنةً، ودلنا على كيفية العلاقة بيننا وبين الناس ظاهرةً وباطنةً، ودلنا على كيفية العلاقة بيننا وبين أنفسنا ظاهرةً وباطنةً.
والكل هذا يصل بنا إلى أن نحسن العلاقة مع الناس فيكون بِرًّا، وأن نحسن العلاقة مع الله فتكون تقوى، وأن نحسن تربية أنفسنا التي جعل الله فيها إلهامًا:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 8-10]
فنتصف بهذه الثلاثة عن طريق التخلية والتحلية، عن طريق مفهوم البر والتقوى، عن طريق العمل الدائم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباعتباره الأسوة الحسنة إلى الغاية والمراد وهي رضا الله.
فقه حب الحياة والتوازن بين الدنيا والآخرة في الإسلام
[المذيع]: مولانا الإمام، انتقل إلى عنوان لكتاب فضيلتكم «فقه حب الحياة». هل هذا التوجيه الإلهي لما فيه صلاح الدنيا وصلاح الدين وصلاح النفس يحقق هذا المفهوم: فقه حب الحياة أو حب الحياة؟
[الشيخ]: أرشدنا الله إلى أن الحياة تتكون من مشهدين مرحلتين: مرحلة اسمها الدنيا لأنها قريبة، وهي دنيا لأنها قليلة، وهي دنيا لأنها تحتاج إلى إكمال، إلى حساب فيه عقاب للمسيء وفيه ثواب للمحسن.
فحياة مكونة من تجليين قال فيهما ربنا سبحانه وتعالى:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
قال فيهما:
﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]
الدنيا مزرعة للآخرة وليست ضداً لها بل متكاملتان
فالله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بهجر الدنيا ولا بخرابها ولا بتخريبها، وجعل هذا فسادًا يُعاقب عليه، بل جعلها مزرعة للآخرة، وجعلها دار ابتلاء واختبار وامتحان.
ولذلك قال:
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64]
هي الحياة الحقيقية. فلا بد أن نفقه بأننا يجب علينا أن نحب الحياة؛ لأن الحياة لا مفر لنا منها، مرة في الدنيا ومرة في الآخرة. فنحن نحب الدنيا والآخرة.
ربنا لم يقل لي أن أخرب الدنيا من أجل الآخرة، ولا أن أخرب الآخرة من أجل الدنيا. ربنا سبحانه وتعالى قال لي: أحب الدنيا والآخرة. ربنا سبحانه وتعالى قال لي: ادعني بالدنيا والآخرة، وقال لي: اعمر الدنيا في الدنيا لأجل أن أعمر لك الآخرة.
الدنيا والآخرة ليستا ضدين بل متكاملتان والجمع بينهما يحتاج قوة
هذا ما نحن فيه. القضية ليست قضية أننا نهدم هنا وأننا نتبرأ من هنا، وأن الدنيا والآخرة ضدان. لا، هما ليسا ضدين، بل هما متكاملان، أي يعملان معًا.
حسنًا، هل يجوز أن نجمع بينهما؟ نعم، يجوز أن نجمع بينهما، لكن تحتاج أن يكون المرء قويًا جدًا.
[المذيع]: هل هي معادلة صعبة؟ أما الإسلام بالفهم، كما أشرت فضيلتك بهذا الفهم، يحل لنا هذه المعادلة الصعبة، يحل لنا هذه المعادلة الصعبة؛ لأنه يعطينا البرنامج في كيفية التعامل مع الاثنين.
البوصيري يسمي الآخرة ضرة الدنيا والنبي سيد الدنيا والآخرة
ولذلك البوصيري رحمه الله تعالى من طرائفه أنه سمى الآخرة ضرة الدنيا:
فإنَّ مِن جُودِكَ الدُّنيا وضَرَّتُها، ومِن عُلومِكَ عِلمُ اللَّوحِ والقَلَمِ
يعني الاثنتين منه. عندما يقولون إنَّكَ مِن الدُّنيا، نعم أنتَ الآن يا رسولَ اللهِ سيِّدُ الدُّنيا وسيِّدُ الآخِرَةِ، لقد جَمَعتَ بينهُما. فإنَّ مِن جُودِكَ الدُّنيا وضَرَّتُها، هي الآخِرَةُ.
آمين، قولوا نعم. هم نريد تواؤم.
الجمع بين الدنيا والآخرة مباح لكنه يحتاج جهداً ووعياً ومعرفة الأسرار
ماذا يفعل الرجل عندما يتزوج امرأتين؟ الحقيقة أنه من الصعب عليه أن يتزوج اثنتين؛ لأن كل واحدة منهما تكون ضرة للأخرى.
التوائم، هل هذا مباح أم غير مباح؟ نعم، إنه مباح. حسنًا، لنبدأ العمل. يقول إن الأولى ضرة والثانية ضرة، كل واحدة ضرة. البعض يعني ينسحب المعنى على الثانية أو الثالثة.
هذا حتى سمى الآخرة هي التي ضرة أيضًا؛ لأن هذه التي معنا الآن هي الدنيا، والآخرة لم نذهب إليها بعد. فطيب، هل هذا مباح؟ نعم، مباح أن تجمع بين الدنيا وضرتها.
هل يحتاج ذلك لمزيد من الجهود؟ نعم بالطبع. ومزيد من الوعي؟ نعم بالطبع. ومزيد من معرفة الأسرار؟ نعم بالطبع.
خطر الأنا والغرور وضرورة السير على رجلين بين عز الدنيا والآخرة
فإذا عرفناها وعلمناها فلا نتكلم بما لا علم لنا به. كل الناس تسير على السطح هكذا، وكل الناس تسير بالأنا.
أنا، يعني أنا أظن في نفسي أنني سلطان. أهل الله ماذا يقولون؟ يقولون لك: الأنا يوقع في الأنا [القنا]، نعم القنا يعني القناة، أي أن الأنا تؤدي بالمرء إلى أن يغرق في الترعة، يعني المهالك، في المخاطر.
فالكلمة الثانية هذه التي هي القنا يعني، لكنهم يقولونها: الأنا توقع في الأنا. نعم، الأنا التي هي الغرور بالنفس توقع في القناة التي هي مهلكة أو ضياع؛ لأنه لا يعرف كيف يسبح.
لا، في هذه أريد أن أقول لحضرتك أنه ممكن لكن يحتاج إلى جهد. طيب، ولذلك يجب علينا أن نسير على رجلين وأن نسير بعينين، لا نسير بعرج ولا نسير بعور، فنجمع فعلًا بين عز الدنيا وعز الآخرة.
كيف نتعاون على البر والتقوى في حياة مليئة بالصراعات والأغراض
[المذيع]: سيدنا، نحن دائمًا ندرس هذه المبادئ ونفهم هذه المبادئ، نتحقق بها أو نتحقق منها ونتخلق ونفهم ونعلم ما معنى البر في حياتنا. في حياتنا الكثير من المشاكل والكثير من الاضطرابات، كيف يتم هذا التعاون على وجه حقيقي في هذه الحياة المشتبكة بالصراعات والمشتبكة بالأغراض؟ والغرض مرض في النهاية. يعني كيف نخلّص أنفسنا من كل هذه الأغراض لنتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون أبدًا على الإثم والعدوان في هذا العالم المحيط، لنعطي حلًا لمشكلات العالم؟
[الشيخ]: علِّق قلبك بالله، اجعل ربنا معك دائمًا. يعني:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]
اجعل قلبك هكذا متضرعًا لله.
القلوب المعلقة بالله تفعل البر بسهولة وتعيش في سلام نفسي واجتماعي
القلوب المتضرعة، القلوب المعلقة بالله سبحانه وتعالى، القلوب التي لا ترى في هذا العالم إلا الله، تستطيع أن تفعل هذا بسهولة جدًا بلا تكلف ولا تكليف ولا مشقة.
تستطيع أن تفعل هذا لأن قلبها معلق بالله، فإذا رأت خيرًا حمدت الله، وإذا رأت شرًا استعاذت بالله. على كل حال، هي في حالة من السلام والهدوء النفسي والاجتماعي والحياتي.
وهو أمر غريب عجيب على الناس الذين وضعوا أنفسهم في صدام مع العالم. وفي:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
[المذيع]: كيف نصل إلى القلوب الضارعة؟ مرارًا وتكرارًا ولن نمل من هذا: بالذكر. مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة [كبار العلماء]، إلى اللقاء.
