والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح حكم تجسيد القصص القرآني فنيا| الحلقة الكاملة
- •القصص القرآني تكرر لأهداف إعجازية وليزيد من تحدي العرب الذين عجزوا عن الإتيان بمثله مع تكراره بصيغ مختلفة.
- •التكرار في القصص يعرض الحقيقة بصور متنوعة تثبت إعجاز القرآن عند مقارنتها بالمصادر الأخرى كالتوراة والمخطوطات القديمة.
- •اكتشافات علوم الآثار أثبتت صحة القصص القرآني، مثل ذكر هامان وجبل الجودي وامرأة فرعون.
- •تكرار قصص بني إسرائيل في القرآن يعود لكونهم أصحاب كتاب وشريعة وأمة مستمرة ومؤثرة إلى قيام الساعة.
- •المطلوب من المسلم تجريد القصص من الزمان والمكان والأشخاص والأحداث لاستخراج نظام أخلاقي متكامل صالح لكل زمان ومكان.
- •تجسيد الأنبياء في الأعمال الفنية غير جائز بسبب استحالة تمثيل جانب الوحي والغيب في حياتهم، أما الإشارة إليهم بهالة نور فجائزة.
- •القصص الأدبي يختلف عن القصص القرآني، فالأول يمكن الاستفادة منه للعظة دون اعتباره مرجعاً للأحكام الشرعية.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن القصص القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم، وما أروع وما أحلى أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.
[المذيع]: أهلًا بكم في والله أعلم، نسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنكمل معه هذا الحوار الرائع والشيق والرائق حول القصص القرآني، وما الداعي لقصّ هذا القصص في القرآن الكريم وهو لأمم سابقة؟ هذه أسئلة تُثار حول الكثير من المسائل حول هذه القضية، قضية القصص القرآني. مولانا، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا ومرحبًا بكم.
سؤال المذيع عن سبب تكرار قصة بني إسرائيل وتجسيد القصص القرآني
[المذيع]: مولانا، إذا كان البعض يثير تساؤلات كثيرة حول تكرار بني إسرائيل في القرآن، تكرار قصة سيدنا موسى في القرآن، يثير أيضًا تساؤلات حول تجسيد، هل يمكن تجسيد القصص القرآني أم لا؟ في البداية، لماذا تم تكرار قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قضية التكرار في القرآن لم تقتصر على القصص ولم [تقتصر] على بني إسرائيل فقط، بل إن هناك تكرارًا في القرآن الهدف منه هو مزيد من الإعجاز للعرب؛ لأن الله سبحانه وتعالى تحدى العرب فقال:
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]
التكرار في القرآن وسيلة لمضاعفة التحدي والإعجاز للعرب
طيب، قالوا يعني لسنا قادرين أن نأتي بسورة من مثله، قال [الله لهم]: حسنًا، خذوا سورة ثانية. هنا وراح يكررها عليهم بطريقة أخرى تختلف عن الأولى، فأصبح أمامهم تحديان وليس تحديًا واحدًا. فكررها مرة ثالثة فأصبح أمامهم ثلاثة تحديات.
كان من الممكن أن تقولها بهذه الصيغة أو تلك أو هاتيك، ولكنك لم تستطع أن تقول لا هنا ولا هنا ولا هنا، فيكون العجز مكررًا.
هذا يفسر لك انبهار العرب شيئًا فشيئًا بالقرآن، فقد جاء بشيء أي أنه لا شيء بعد ذلك. حسنًا، ربما كان عبقريًا، ربما لم يحدث، ربما هو فريد في وقته، لكن عندما يكررها مرة ثانية فيعجزون عن الثانية، فالثالثة فيعجزون عن الثالثة، فالرابعة فيعجزون عن الرابعة، يبدأ خاصةً الشباب بالتفكير أن التكرار في العجز معجزة. فهذا كان غرضًا من أغراض التكرار في القرآن.
القصص القرآني ترجمة دقيقة لأحداث أمم لم تتكلم العربية
القضية الثانية أن تلك الأقوام لم تكن تتكلم العربية، وعلى ذلك فهذا القصص إنما هو يُترجم عما حدث بلغة العرب. يعني سيدنا موسى لم يكن لسانه لسانًا عربيًا، وسيدنا يوسف لم يكن لسانه لسانًا عربيًا، وسيدنا إبراهيم في نشأته لم يكن عربيًا، كان يتكلم - وقد وُلد في أور الكلدانيين - بالكلدانية، وموسى بالعبرانية وعيسى باللغة الآرامية.
وهي لغات وإن انتمت إلى عائلة واحدة إلا أنه بينهما فرق كبير. وهكذا عندما نستمع إلى إذاعة الصهاينة حينما تتحدث بالعبرية لا نفهم شيئًا؛ لأنها لغة مختلفة، وإن اتحدت بعض الألفاظ أو بعض العناصر أو بعد التحريف إلى آخره.
المقارنات الإزائية بين القرآن والتوراة والأبوكريفا في قصة يوسف
فهذا التكرار نقل الصورة التي حدثت في منتهى الدقة، فساهم في إنشاء إعجاز علمي آخر. يأتي العلم هنا بما يُسمى عندهم بـالمقارنات الإزائية، بمعنى - سأفسر لك المعنى - أن نجعل شيئًا بإزاء شيء آخر، أي نضعهما جنبًا إلى جنب.
فأقوم بإعداد جدول وأضع قصة موسى في جدول وأقول: هذه رواية القرآن مثلًا، وأضع جدولًا آخر بجانبه، بإزائه، ولذلك سُميت الإزائية: ماذا قالت التوراة عن قصة يوسف؟ وضع جدولًا ثالثًا عما ذكرته الكتب التاريخية أو غير المعتمدة (الأبوكريفا) في قصة يوسف.
وقارن كل مقطع، فستجد أن القرآن قد تفرد بذكر أشياء من قصة يوسف لم توجد في التوراة ووجدت في الأبوكريفا، أو لم توجد في التوراة ولا في الأبوكريفا. سأحضر القرآن هكذا ووجد التوراة فارغة والأبوكريفا فارغة، يعني بذلك تفرد به القرآن. أو ذُكر في الأبوكريفا ولم يُذكر في التوراة لكنه أيضًا لم يُذكر في القرآن، وإلى آخره.
نتائج المقارنة الإزائية وإحكام القصص القرآني مقارنة بغيره
قم واعمل هكذا، اعمل جدولًا مكونًا من ثلاثة أعمدة هكذا وقارن بين قصة يوسف في تفاصيلها، فترى العجب العجاب والأمر المستراب. ما هو العجب العجاب؟ إن العجب العجاب أن قصة القرآن محكمة ليس فيها فجوات، وأن بعضها آخذ ببعض، وأنها تعبر عن أساس الملك وهو العدل، وكيف تتم قضية الإثبات وقضية الشهادة وقضية الاستدلال وقضية الحكم وإلى آخره.
ولا نرى هذا في سواه، ونرى أن ما تفرد به [القرآن] قد بيّن المعتمد وغير المعتمد في غيره، ونرى أن ما ذُكر في غير المعتمد مما لم يُذكر [في القرآن] كلام أقرب إلى الخرافة أو إلى الأساطير. ونرى أن هناك شيئًا ما قد تغير في هذا المقدس المعترف به الذي هو التوراة.
انبهار العلماء المتخصصين بالقرآن من خلال المقارنة الإزائية
ونرى أن نبدأ إذن بدراسة ما يقوله العلماء الراسخون في العلم الذين عندهم القدرة على إجراء المقارنة الإزائية تجعلهم ينبهرون، ويكون ذلك بالنسبة إليهم وليس لعموم الناس؛ فعموم الناس لم يقوموا بالمقارنة الإزائية ولم يستنبطوا منها شيئًا ولم يستخرجوا منها شيئًا.
إذن هذه مسألة كامنة، حتى يزداد كل مستويات العلم والتعامل، يزداد الانبهار بالقرآن الكريم من قبل العلماء المتخصصين والأثريين والمؤرخين وغيرهم إلى آخره. يجدون فيه عجبًا عُجابًا ويسلّمون له.
قصة هامان ودلالتها على الإعجاز القرآني عند موريس بوكاي
عندما تجلس ويأتي بلفظ مثل هامان، فلفظ هامان هذا نجده بعد تفكير كبير، وهذا هو الذي جعل موريس بوكاي منبهرًا، إذ وجد هامان فسأل: من هو هامان هذا؟ إنه غير موجود في التوراة أيضًا بالطريقة الإزائية، لكنه موجود في القرآن.
موجود أيضًا عند الأثريين أن هذا كبير مهندسي فرعون اسمه هامان. نعم، اسمه هامان. ما الذي علّم محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد ألفي عام بمصادر لا وجود لها؟ اكتُشفت بعد ألف سنة وأكثر من ألف وخمسمائة سنة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاكتشفنا فيها أن فيها هامان بنقوش وكتابات لا يعرفها محمد ولا قومه أصلًا صلى الله عليه وسلم.
فيأتي الانبهار وتأتي مراجعة النفس ويأتي كذا وكذا.
تفرد القرآن بذكر هامان وامرأة فرعون وتأكيد الآثار لصدقه
إن قصة هامان هذه قصة عجيبة جدًا، فهو لا وجود له في كتب الأولين وكتب كذا، لكنه موجود في النقوش، وأن فرعون وهامان وهكذا ما هو في القرآن الكريم. ما هو في القرآن الكريم، لكن أين هذا؟ كانوا يعيبون علينا في الزمان الماضي ويقولون: من هامان؟ من؟ أنتم تؤلفون؟ انتبه.
وقس على هذا أشياء غريبة عجيبة: مكتوب في كتب الأولين أن بنت فرعون هي التي تولت موسى، ونحن عندنا أن امرأة فرعون هي التي تولت موسى. قم بعد الزمن الطويل يتضح أنها امرأة فرعون. هل انتبهت كيف كُتب عندنا؟ أن فرعون هذه عند الأثريين - الأثريين الذين يثبتون صدق القرآن الكريم.
العلوم لا تعارض القرآن بل تؤيده وتزيد الانبهار به
نعم، فالعلوم قائمة تبين جمال القرآن وحلاوته وغير ذلك إلى آخره. العلوم ليست مستعدة لمعارضة القرآن، إذا لم تؤيده فهي لا تعارضه، إلى أن تؤيده علوم أخرى ومعارف أخرى وأسقف معرفية أخرى.
ولذلك نحن في انبهار دائم لقضية القرآن الكريم:
﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]
هذه هي القضية الخاصة بالقصص القرآني، ولم يكرر [القرآن القصص] عبثًا، فإنه يكرر حتى ينقل الحقيقة، يكرر حتى يزيد من التحدي، يكرر حتى نستنبط منه أحكامًا، يكرر أيضًا حتى يثبت الانبهار لهذا الذي لا تنتهي عجائبه.
سؤال المذيع عن سبب التأكيد على تكرار ذكر بني إسرائيل في القرآن
[المذيع]: هذا أيضًا يقودنا لسؤال أيضًا يا مولانا، لكي نستمتع بهذه الإجابات لنفهم أكثر وأكثر: لماذا كان التأكيد على تكرار ذكر قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم؟
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، أعود إلى ذات السؤال حول ذكر بني إسرائيل في تكرار بشكل كبير في القرآن الكريم، الأمر الذي يدعو إلى تساؤل الكثيرين: لماذا كان هذا التكرار؟
[الشيخ]: أولًا لأن أصحاب موسى والديانة اليهودية كانت شريعة تأمر بتكليف وتحاسب عليه، فهي كما يقال صاحبة كتاب، والمسلمون أصحاب كتاب، أهل كتاب يعني.
أوجه التشابه بين بني إسرائيل والمسلمين وأسباب تكرار ذكرهم
ثانيًا أنهم أصحاب شريعة، والمسلمون أصحاب شريعة. ثالثًا أنهم جاءوا على حين فترة من الرسل، والإسلام جاء على حين فترة من الرسل.
النقطة الرابعة أن القرآن سيظل نبيًا مقيمًا هاديًا إلى يوم القيامة، وأكثر الناس مشاكل هم بنو إسرائيل، أكثر الناس نشاطًا وتفاعلًا وتعاملًا مع من حولهم هم بنو إسرائيل، وهذا الذي هو واضح وإلى يومنا هذا.
اليهود، انظر كيف تحكموا في العالم، وانظر إلى وضعهم في المدينة المنورة. اليهود اليوم ينكرون أن يكون من كانوا في المدينة يهودًا لغرضٍ في أذهانهم.
طبيعة اليهود كأمة منغلقة وشرط النسب في الديانة اليهودية
حسنًا، اليهود أمة منغلقة وأمة صلبة، بمعنى أنه من المفترض ألا تكون هناك زيادة فيها ولا نقصان، يعني صلبة هكذا، بمعنى أنهم لا ينشرون دعوتهم مثلًا، لا ينشروا. الأصل من شروط قبول اليهودية النسب، إذ يلزم أن يكون الإنسان مولودًا من أم يهودية حتى يصير يهوديًا.
عندما تدخل على الإنترنت يقولون لك: كيف تصير يهوديًا؟ مائة وأربعة وستون خطوة تقوم بها، وفي النهاية تصبح يهوديًا المرتبة الثانية، أي من الدرجة الثانية، ليست درجة أصلية، يعني درجة أولى الذي أمه يهودية. أتفهم؟
حتى ولو أنها قد تزاوجت وإن كان ذلك حرامًا في الديانة اليهودية مع غير يهودي، يعني حتى لو أنجبت من غير يهودي فالولد يُنسب لأمه، سواء أتت به من الحلال أو من الحرام، لا يحدث شيء، لكن يكون يهوديًا إذا ولد من أم يهودية. فهذا الشرط يجعلها أمة منغلقة دائمًا.
التنوع داخل اليهود بين الأمانة والخيانة كما وصفهم القرآن
لكن بالرغم من ذلك، فإن اليهود فيهم وفيهم:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 75]
لكن:
﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ [آل عمران: 75]
أي أنهم يريدون شجارًا حتى يرجع الدينار. يعني هو فيهم من الأمين جدًا وموثوق لدرجة أنه لو عنده شيء يخص الآخرين يعيده على الفور، ورجل طيب.
كان كثير من اليهود المصريين طيبين، والمصريون أحبوهم وجلسوا معهم وعاشوا معهم واشتروا منهم، وكان هنا عندنا في مصر يحبون التعامل مع اليهودي لأنه مباشر هكذا وأمين وصادق. فاليهود فيهم فعلًا، الله يعلمنا الدقة هكذا، ومنهم ومن أهل الكتاب. أتنتبه كيف؟
التشكيلة المتنوعة في بني إسرائيل وسبب ضرب المثل بهم في القرآن
لكنه من أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، إذ:
﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113]
ليسوا سواءً، فهم ليسوا مثل بعضهم. فاليهود فيهم هذه التشكيلة الغريبة العجيبة التي أتعبت موسى، فيهم من شرب من النهر وفيهم من لم يشرب من النهر.
فأراد الله سبحانه وتعالى وهو يخاطب العالمين الذين فيهم هذا التنوع أيضًا أن يضرب لهم مثالًا بهؤلاء، فإذا صح لنا التعامل مع هؤلاء سيصح لنا مع الخلق أجمعين.
فهذا سبب تكرار والتركيز على قصة سيدنا يوسف [وبني إسرائيل]، أنها أصيلة لأنها صاحبة كتاب، وبني إسرائيل صاحبة الكتاب وصاحبة شريعة، وأنها تقرِّب منا من في هذا المجال في التكليف والإيمان بالله وبالتكليف وبالآخرة وبالعقاب في الجنة والنار.
التفريق بين اليهود والصهاينة وانحراف الصهيونية عن اليهودية
وأنها أمة ستبقى إلى يوم القيامة تؤثر في الخلق، فتجدهم كيف أنهم ذهبوا إلى أمريكا وسيطروا عليها. نحن لا نريد أن نقول يهود، نريد أن نقول الصهاينة. لماذا؟ لأن منهم أمة طيبة:
﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: 113]
فأنا أريد أن أسمي هؤلاء الذين هم أصحاب المشاكل صهاينة. والصهيونية حركة عالمية ظهرت في أثناء اليهود، لكنها انحرفت باليهودية التي أنزلها الله على موسى، وانحرفت بالعبادة وبالتقوى وبغير ذلك إلى آخره، إلى أمور تتلاعب ويلعب بها السياسيون.
سؤال المذيع عن الرد على من يدعي أن القصص القرآني مأخوذ من كتب سابقة
[المذيع]: مولانا، أنت تفضلت ووضحت أنّ القصص في القرآن الكريم محكم، والقصة محكمة. ثانيًا، جاءت العلوم الأخرى كالآثار وعلوم أخرى أثبتت صحة هذه القصص. ولكن القصص القرآني، السؤال الذي يُثار دائمًا من أولئك المغرضين، وربما من عنده غرض، والغرض مرض كما أشرت فضيلتكم مرة، إلى أن البعض يقول أن هذه القصص مأخوذة من كتب سابقة أخذها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من كتبٍ سابقة. فما الرد على هؤلاء؟
[الشيخ]: الرد في منتهى البساطة: نأخذ مثلًا سفينة نوح. سفينة نوح تنص التوراة على أنها قد رست على جبل أرارات، وأحيانًا يكتبونها بالطاء وأحيانًا يكتبونها بالتاء. ونص القرآن أنها رست على الجودي.
اكتشاف سفينة نوح على جبل الجودي وتأكيد دقة القرآن
إذن، لا يوجد في التوراة ولا في شيء آخر أنها رست على الجودي. فعندما نذهب إلى تلك أرارات نبحث عنها أين؟ سنجد أرارات هذه في تركيا. ذهبنا وبحثنا وقمنا بهذا الأمر، أي رحلات استكشافية بشرية.
وعندما التقطت الأقمار الصناعية الصور، وجدنا فعلًا مكان السفينة، وبالفعل توجد في أرارات. وأرارات هي سلسلة جبال متتالية كلها تسمى أرارات. فذهبنا للذي رست عليه السفينة فوجدنا اسمه جودي.
على كل واحد أن يجمع نفسه. نعم، الواقع أن المنطقة اسمها هكذا. نعم، عندما ذهبت وتمت زيارة ميدانية لها، اسمها جودي:
﴿وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ﴾ [هود: 44]
خلاص، طيب. وهل هي ليست في أرارات؟ هي كل أرارات، هي كلها اسمها أرارات.
توضيح الفرق بين اسم السلسلة الجبلية واسم الجبل المحدد الذي رست عليه السفينة
كل جبال الحجاز اسمها حجاز؛ لأنه محجوز بالجبال، ولكن الجبال [لها أسماء مختلفة مثل] تهامة هذه. ولكن عندنا في مصر هنا سلسلة جبال شرق النيل، أما المنطقة الخاصة بالقاهرة فاسمها المقطم، والمقطم كالنون كأنه محيط هكذا بالقاهرة، يعني في حضنه القاهرة، في حضنه.
لكن هذا اسمه المقطم فقط، وليست كلها تسمى المقطم، لكن كلها هذه لها اسم، إنما هذا الاسم على هذه المنطقة بالذات اسمه مقطم.
فمن أين أتى [النبي ﷺ] باسم جودي هذه؟ ليقولوا لنا، وليبحثوا ويقولوا.
اكتشاف مخطوطات الجنيزا ومخطوطات البحر الميت ونجع حمادي
كان لدينا شيء هنا اسمه مقابر اليهود، وفي يوم من الأيام اكتشفنا مخطوطات في مقابر اليهود، فسميناها في الوقت الذي كانوا يسمون المقابر خاصتهم جنازاه، يعني من الجنازة، يعني جنازاه المقابر يا مولانا بالعبري. فوجدنا في الجنيزا فسميت مخطوطات الجنازة.
وبعد ذلك بقليل وجدنا يا أخي في البحر الميت مخطوطات سميت أيضًا بمخطوطات البحر الميت، ويرجع تاريخها إلى ما قبل السيد المسيح، فهي موغلة في القدم. وما دامت قبل السيد المسيح فهي قبل السيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالسيد النبي ولد سنة خمسمائة وسبعين ميلادية، يعني بعد سيدنا عيسى بنحو ستة قرون، وانتقل ستمائة وثلاثين وقليلًا.
فيكون إذن ستمائة ميلادية، فعندما نجد شيئًا من ثلاثمائة سنة قبل الميلاد، فهذا يتحدث عن اليهود الذين كانوا موجودين حينئذٍ في هذه الأماكن.
المخطوطات المكتشفة بلغات متعددة تثبت استحالة اطلاع النبي عليها
حسنًا، فلدينا البحر الميت، بعد فترة وجدنا في نجع حمادي، لدينا هنا اكتشفنا مخطوطات، فأصبح لدينا شيء اسمه مخطوطات نجع حمادي. فأصبح لدينا عدة مخطوطات: ثلاثة أماكن - الجنازاه ونجع حمادي والبحر الميت.
والبحر الميت بعض الأماكن أخذت هذه المخطوطات وحفظتها عندها. هذه المخطوطات بعضها مكتوب بالآرامية وبعضها مكتوب بالسريانية وبعضها مكتوب بالعبرية وبعضها وهكذا.
محمد ﷺ اطّلع عليها أين؟ إذن هذه المخطوطات، كيف ومتى اطلع محمد عليها بكل هذه اللغات؟ كانت مخفية قبل ميلاد محمد وهو في مكة، لا بل وهو لم يُخلق بعد. أتنتبه؟ لم يظهر خَلْقُه إلى الأرض بعد، والمخطوطات هذه مخزونة محفوظة في أماكن.
سخافة الادعاء بأن النبي الأمي اقتبس القصص القرآني من مصادر سابقة
كل هذا الذي يثبته علم الآثار وعلم الوثائق وعلم النميات وعلم وعلم، في الحقيقة شيء سخيف، وهو تصور أن هذا التصور يأتي بأنه [النبي ﷺ] قرأ كل هذا وعرف كل هذا وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، وأنه انتقى من كل هذا بفن ومهارة وما إلى ذلك، وأنه لفق كل هذا في القرآن الكريم.
وأنه في الحقيقة يعني يتكلمون بطريقة مضحكة لا علاقة لها بالعلم. ترتيب العلم ليس هكذا؛ فالعلم من أول منهجيته وميثودولوجيته يقوم على أن يسأل عن العلل والأسباب، وهناك علل أوائل وثوانٍ وثوالث وروابع فيما يسمى بالأسئلة الممتدة: لماذا؟ لماذا؟
العلم يسأل عن تحديد كيف ومتى بالضرورة، كيف ومتى، كيف حدث هذا ومتى حدث هذا ولماذا حدث هذا. العلم يهتم بالتجريب وبالكشف وبالملاحظة والمشاهدة والاستنتاج.
القصص القرآني معجز في تكراره ومضامينه ويجعل القرآن نبياً مقيماً
عندما تأتي لتقول لي أنا رجل علمي ثم تحطم كل هذا من أجل خيالاتك وهلوساتك التي هي هلوسات السكارى، هلوسات الخيالات التي يراها الإنسان أثناء سكره، فيكون كلامًا لا يرضي الله وكلامًا ليس له واقع ولا أصل.
بينما القصص القرآني مبهر في تكراره وفي مضامينه وفي لفتاته، وهو أيضًا معجز، وهو أيضًا تُبنى عليه أحكام، ويجعل هذا الكتاب نبيًا مقيمًا إلى يوم الدين.
سؤال المذيع عن جدوى سوق قصص أمم سابقة في عصور مختلفة
[المذيع]: يعني مولانا الإمام، اسمح لنا بتساؤلات أكثر، يعني دعني أطرح سؤالًا آخر: ويقولون هذه قصص لأمم سابقة درست وهلكت وكان الزمان متغيرًا وتغير الزمان والمكان، فلماذا يسوقه القرآن يقص قصصًا للناس في عصور مختلفة؟
[الشيخ]:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: 111]
هو يريدنا نحن أن نقوم بعملية القراءة فالفهم فالتجريد. نجرد القصة من أشخاصها، من الزمان، من المكان، من الأشخاص، من الأحداث - أربعة أشياء. التجريد معناه تخليص القصة من هذه الأربعة.
منهج التجريد وبناء الشبكة القيمية من القصص القرآني لكل زمان ومكان
وبعد ذلك بناء الشبكة: بعدما نُجرِّد من قصة يوسف، من قصة إبراهيم، من قصة نوح، نصنع نمطًا شبكيًا وليس خطيًا، يكون قادرًا على أن ينفذ وأن يطبق في واقع الناس.
وكل عصر نفعل فيه هكذا، فلا يزال الإسلام في شبابه متجددًا يواجه أي سؤال فلسفي، يُبنى من خلاله دون ملل أي شيء معاصر: نظام أخلاقي متكامل موروث يتعدى الزمان والمكان والأشخاص والأحوال أيضًا.
هذا النظام هو المقصود. لماذا يتحدث عن الأمم السابقة؟ يتحدث عن الأمم السابقة من أجل أن يبين لنا أن النظام الأخلاقي إنما هو نظام مطلق لكل زمان ومكان.
قصص الأنبياء أساس لبرنامج سعادة الفرد والأسرة والمجتمع والأمة
وأن ما حدث مع آدم سواء كان في الجنة أو في الأرض، وما حدث مع نوح سواء قبل السفينة أو بعد السفينة، وما حدث مع إبراهيم سواء بعد الإلقاء [في النار] أو قبل الإلقاء، وما حدث معه في بناء ذلك الرمز الذي هو قبلة المسلمين اليوم [الكعبة المشرفة]، وما حدث مع يوسف سواء قبل السجن أو بعد السجن، إنما يمثل أساسًا لبرنامج يستطيع به الفرد أن يسعد، والأسرة أن تسعد، والمجتمع أن يسعد، والأمة أن تسعد.
إذا ما قاموا بـالتلقي ثم الفهم ثم الحفظ ثم التجريد ثم الاسترجاع ثم الربط والبناء لشبكة قابلة لأن تكون برنامجًا يوميًا للإنسان، لُحمته وسداه، أصله وظاهره وباطنه.
النظام الأخلاقي شبكة قيم لا يستمر الاجتماع البشري بدونها
[المذيع]: النظام الأخلاقي إذن هي شبكة من منظومة القيم يا مولانا، تحيي هذه الحياة، تحيي، تبني هذا الإنسان، التي لا يمكن للاجتماع البشري أن يستمر سعيدًا إلا بها.
[الشيخ]: حسنًا.
سؤال المذيع عن حدود تجسيد القصص القرآني فنياً
[المذيع]: مولانا، ربما يبدو سؤال آخر، سؤال إثارة أو أُثير حول إشكالية كبيرة: لماذا، ما دام هناك قصص في القرآن الكريم، لماذا لا نجسد هذه القصص القرآني لتكون واضحة بينة للناس بشكل مباشر جدًا؟ حسنًا، إذا كانت هناك إجابات على هذا السؤال: إلى أي مدى يمكن تجسيد هذا القصص القرآني؟ هل هناك حدود؟ هل هناك سقف ما لا بد أن نقف عنده؟
[الشيخ]: المشكلة ليست في حكاية القصص الذي ورد في القرآن كفرعون أو كهامان أو كغيرهما، المشكلة في الأنبياء فقط، وذلك أن الفن ينبغي أن يكون صادقًا، فينبغي أن يدرس الشخصية التي سوف يظهرها أمام الناس أن يدرسها دراسة حقيقية.
استحالة تمثيل الأنبياء بسبب الوحي والحجية والغيب
في مشكلة لدينا في جانب الأنبياء.
[المذيع]: ما المشكلة يا مولانا؟
[الشيخ]: الوحي رقم واحد، ورقم اثنين الحجية التي هي أن أوثوريتي [السلطة المرجعية] في جانب يتعلق بالغيب. فنستطيع أن نقول من أجل الوحي ومن أجل الحجية ومن أجل الغيب، لا يمكن الاطلاع على هذا الجانب في حياة الأنبياء، فلا يمكن تمثيلهم وإلا أكون كاذبًا.
لماذا؟ لأنني سأحوّل النبي إلى شخص لا علاقة له بالوحي ولا علاقة له بالحجية ولا علاقة له بالغيب، وحينئذٍ أضعه في غير ما هو له.
تحريم تمثيل الأنبياء لأنه كذب بإظهار جزء وادعاء أنه الكل
عندما تأتي لتسألني أنا كمسلم، كرجل يُعنى بالحلال والحرام، كرجل يريد ألا يخرج عن مراد الله سبحانه وتعالى، يقول لك: حرام هذا الكلام الذي تقوله، هذا حرام. لماذا حرام؟ لماذا حرام؟ لأنك قد كذبت على النبي حيث أظهرت نصفه أو جزءًا منه وادعيت أنه ذلك كله، وذلك هو ذلك النبي الذي تقصده، فأنت كاذب بالتأكيد.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام هذا مكون من جزأين: كل نبي له ظاهر وله حقيقة. فحضرتك ستأتي لي بالظاهر، وترى وصف النبي، وتجعله يلبس الملابس التي كانت شائعة في ذلك الوقت، وتحضر أبا جهل وأبا لهب يقفزان حوله، وهكذا.
ولكن أين الحقيقة التي هي الوحي، وأنه أسوة حسنة، وحجة، ومرجع يُعاد إليه:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
وأين الوحي؟
الممثل كاذب بالضرورة لأنه يقدم البشرية دون الوحي
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]
فأنت قلت لي ماذا؟ "قل إنما أنا بشر مثلكم" - كاذب أنت! الذي تتظاهر بأنك النبي، أستتظاهر بأنك النبي أم ستتظاهر بأنك موسى؟ كاذب، لست أنت، ليس هو هكذا، لست أنت، بكل المقاييس.
"إنما أنا بشر مثلكم" وتصمت! قام عبد الرحمن الشرقاوي رحمة الله على الجميع بتأليف كتاب "محمد رسول الحرية" وما إلى ذلك، وذهب ليُزيِّن الغلاف بعبارة:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]
وبقي صامتًا [عن تكملة الآية]. فرد عليه الشيخ أبو زهرة قائلًا له: أنت كاذب، الآية ليست كذلك.
خطورة اقتطاع الآيات من سياقها والتدليس على النصوص القرآنية
هذا بالضبط مثل أن تقول: قال تعالى: يا أولاد،
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
حسنًا، سأقول لك ما أستطيع هنا الآن: لا، هذا غير صحيح. الذي سيقول هكذا سيكون كاذبًا.
"ولا تقربوا الصلاة" - كاذب؛ لأن الله لم يقل هكذا، قال:
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
وقال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]
وقال:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]
فيجب أن [نعلم أن] هذا جانب من النبوة لا يمكن تمثيله، لا يمكن إدراكه، لا للمؤلف ولا للمخرج ولا للممثل ولا للمنتج ولا للمصور، لكي يأتي به فيكون الفن صادقًا.
حكم الإشارة إلى النبي بشعاع ضوئي دون تجسيده في الأعمال الفنية
[المذيع]: وما الحال إذا أراد المخرج أن يشير إلى النبي بشعاع من الضوء، بشعاع من النور؟ للإجابة على هذا السؤال سنذهب إلى الفاصل ونعود إلى فضيلتك بعد قليل. رحبوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. يحاول المخرج أحيانًا أن يُظهر الرسول أو النبي بهالة ضوئية أو بإشارة ضوئية دون أن يبدي شيئًا من جسد النبي أو الرسول. هل هذا يتوافق ويتناسب مع قداسة وجلال القصص القرآني عن الأنبياء والرسل؟
[الشيخ]: طبعًا يتوافق؛ لأنه هو فعل هذا حتى لا يظهر ممثلًا يُؤخذ منه ويُرد عليه، ولا يكون حجة، وليس له دراية بما هو الوحي وما هو الغيب، وكذلك إلى آخره من الشروط التي وضعناها.
جواز الإشارة الضوئية للنبي بشرط عدم المبالغة في التصور
يعني هذه الشروط لا تتمثل في هذا الضياء الذي يُروى فيه الكلام، فالمشاهد لا يتمادى ولا يبالغ في تصور غير الحق في جانب الأنبياء، ولا يجعل هذا مأخوذًا منه مصدرًا مأخوذًا منه حيث أنه يُبنى عليها أحكام وما إلى ذلك، لا أبدًا.
ولذلك فهذا أمر مهم، أمر مهم للغاية، وهو أن هذا جائز. نعم.
حكم صياغة القصص القرآني أدبياً كما فعل أحمد بهجت والواقدي
[المذيع]: هناك محاولات أخرى يا مولانا، مثل الكاتب الكبير أحمد بهجت، ومثل بعض الأدباء الكبار الذين أخذوا القصص القرآني وصاغوه في حوار وسيناريو موجود على الورق أو القصص أو حوار قصصي أو سرد قصصي. ما رأيك في هذا؟
[الشيخ]: هذا نوع من أنواع الأدبيات، أي نوع من الأنواع التي نسميها الآن فنونًا، وإن كانت كلمة واسعة، لكنه نوع من أنواع الأدبيات. والواقدي فعل هذا مع السيرة النبوية، وأهل التوثيق لا يرضون بهذا أن يكون مرجعًا.
يقولون: انتبهوا، فهذا لتوصيل الصور البسيطة لأذهان العوام، لكن لا ينبغي لأهل الخواص أن يبنوا عليه الحجية ويبنوا عليه الاستنباط ويبنوا عليه الاستدلال وينشئوا منه أحكامًا شرعية، هذا لا يجوز.
كتاب تحذير الخواص من أكاذيب القصاص للإمام السيوطي
ولذلك لما ألف الإمام السيوطي في هذا المعنى ألف كتابًا لطيفًا اسمه ماذا؟ لكن أريد أن نعيش مع الاسم: "تحذير الخواص من أكاذيب القصاص".
تحذير الخواص - الخواص وليس العوام - الخواص الذين هم العلماء، الذين هم علماء متخصصون جدًا.
جواز السير الشعبية لنشر القيم الأخلاقية دون بناء أحكام فقهية عليها
أما أن آتي وأريد أن أقول للناس أن الشر سيئ وأن الخير جميل وأن الشهامة من الخير وأن الكرام من الخير وأن الكرم وإن الصدق من الخير، وإن الأضداد من الكذب من البخل أو الدناءة أو غيرها من الشر، فأعمل شيئًا يُسمى سيرة أبي زيد الهلالي سلامة - السيرة الشعبية - أو الأميرة ذات الهمة، أو عنترة بن شداد، لكي أقول للناس إنه "من مأمنه يؤتى الحذر" مثلًا، يعني حكمة كهذه. هل تفهم ما أقصد؟ "احرص ولا تخون"، أي الحكم التي عبر السنين يتناقلها الناس.
فهل هذا حرام أن نؤدي السيرة الشعبية؟ والسير الشعبية هذه، لدينا عشر سير شعبية. العشر سير شعبية هذه وما كان يُصنع عند أجدادنا وآبائنا قبل الراديو، أن السير الشعبية هذه كانت تُقال على الربابة في المقاهي، وهناك من العوام يحفظونها عن ظهر قلب يا مولانا.
دور عبد الرحمن الأبنودي في جمع التراث الشعبي وتراجعه بعد ظهور الراديو
يعني طبعًا - الله يرحمه - عبد الرحمن الأبنودي هذه ساهمت بجزء كبير جدًا في جمع هذا التراث وما إلى ذلك. ولكن طبعًا بدأت تقل كل يوم منذ أن ظهر الراديو، لم يعد لهؤلاء الناس مصدر رزق، فبدأ الأولاد لا يحفظونها عن الآباء كما كان، بقي منهم القليل، أدركهم عبد الرحمن الأبنودي وجمعهم وكذا إلى آخره.
لا يوجد عالم في الفقه يفكر في أن يأخذ من الأميرة ذات الهمة ولا من سيرة تغريبة بني هلال أحكامًا فقهية.
التفريق بين أحاديث القصاص الأدبية وبين المصادر العلمية الشرعية
فالقصاص الذين يُحذَّر منهم أن يعتمد عليهم أحد إنما هم العلماء، لا ينبغي أن يعتمدوا على هذا. فإذن أحاديث القصاص يمكن أن تُقال بناءً على هذه الرغبة كسيرة الواقدي.
فسيرة الواقدي كانت تعمل هكذا بالضبط، حيث أن رجلًا جاء إلى أبي جهل وكان قد وضع عنده أمانة، فذهب الرجل إلى أبي جهل فقال له: ليس لك عندي شيء. فذهب إلى قريش يشكو أبا جهل، فقالوا له: اذهب إلى هذا الرجل صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي له تأثير على أبي جهل.
فذهب إلى سيدنا محمد، فقال له سيدنا محمد: حسنًا، اذهب واطرق باب أبي جهل. ففتح له أبو جهل وقال له: هات الأمانة التي عندك. فذهب وأحضر الأمانة وأعطاها له.
قصة أبي جهل والأمانة نموذج للسرد القصصي الذي يوصل صوراً إجمالية
فغضبت قريش أو هذا المجمع، وقالوا: والله إننا بعثناه لكي تستهزئ به وتسخر منه هكذا، أما أن تفعل به هذا! قال [أبو جهل]: رأيت فحل إبل خلفه ويكاد يلتقمني.
هذه الحكاية التي هي القصة، لكي تقوم بسردها بالشكل الذي أخبرتك عنه، ليس فيها شيء مما قلته الآن. أنا لم أحضر النص الوارد بالسند عن هذه القصة.
[لكن هذا السرد] يجعل الناس لديهم صورة إجمالية تقول إن سيدنا النبي صاحب معجزة، وتقول إنه كان يحب الوفاء، وتقول إن أبا جهل ارتعب منه، وتقول هذا وأشياء مثل ذلك. لكن هذه ليست مسألة علمية، بل هي مسألة أدبية فنية.
موقف علماء الأزهر من رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ
ومن أجل هذا علماء الأزهر - وكان في تقرير قرأته بنفسي - لم يمنعوا نجيب محفوظ في رواية أولاد حارتنا. العلماء الكبار قالوا عن أولاد حارتنا يا مولانا أنها أدب، وأنها تفكير، وأنها رمز، وأنها رموز، فهو ليس يتحدث عن عقائد، بل يحكي قصصًا رمزية.
كما قال الشيخ كشك رحمه الله، أثار ضجة كبيرة كأنه [نجيب محفوظ] يدعو إلى موت الإله وما شابه ذلك إلى آخره، حسب رؤية الشيخ كشك لنص أولاد حارتنا، حسب قراءته للمسألة.
تقرير الأزهر الرسمي بأن رواية أولاد حارتنا مسألة أدبية وليست عقدية
وهذا أمر مهم جدًا أن نعرف رأي الأزهر تاريخيًا في رواية أولاد حارتنا، فهم لم يمنعوها أبدًا ولم يعملوا له حظر ولم يكتبوا فيه شيئًا.
والذي كُتِبَ فيه هكذا في تقرير رُفِعَ حينئذٍ إلى مشيخة الأزهر، وكُتِبَ فيه: هذه مسألة أدبية، إنه رجل جالس يتخيل خيالًا ويرمز رمزًا.
فلما اطلع على مثل هذا، كتب أستاذنا عضو مجمع البحوث الدكتور أحمد كمال أبو المجد مقدمةً لأولاد حارتنا وذكر فيها هذه الحقيقة. فقال: يا إخواننا، إن الأزهر يقول هكذا، أن هذه مسألة أدبية وليست مسألة علمية، فهو ليس كتاب عقائد حتى يُقال إنه يدعو الناس إلى كذا وكذا.
الرسالة الرمزية في رواية أولاد حارتنا عن تناحر أتباع الأديان
غاية المراد من رب العباد، أنا لو قرأت أولاد حارتنا تقول إن الأنبياء الذين دعوا إلى الوحدة وهم في أمة واحدة، أتباعهم تناحروا ببعضهم، فوجدنا المسيحيين يتخاصمون مع المسلمين، والمسلمين يتخاصمون مع اليهود، واليهود يتخاصمون مع الاثنين.
فأصبح أتباع هذه الديانات جهلة؛ لأنهم لم يدركوا مراد أنبيائهم. أنبياؤهم يقولون لهم: اتحدوا يا أبناء اللذين، وهم يقولون: لا، نحن سنقتل بعضنا بعضًا هنا يا أبناء حارتنا، يا أبناء حارتنا.
نعم، هذه هي الرمزية، فهو يريد أن يقول ذلك، يريد أن يقول إن ما دعا إليه الإله وما دعا إليه الأنبياء في الحقيقة أنهم [الأتباع] - طبعًا هو لأنه كان يمر بحالة نفسية أيضًا في ذلك الوقت من الحيرة، قال عن نفسه: كنت أمر حينئذ بحالة نفسية معينة.
الفرق بين القصص القرآني الحق والأدبيات الرمزية التي لا حجة فيها
قال [نجيب محفوظ] إن هذا الرجل غير مرئي، يعني كأنه يشير به إلى الإله. حسنًا، طبلاوي هذا لا أحد يراه، لا أحد رآه، لكن كل الأدلة تدل على وجوده.
فهناك فرق كبير بين القصص الذي هو قصص حق كقصص القرآن الكريم، وبين هذه الأدبيات التي يُؤخذ منها ويُرد، وتحكي بعض المشاعر في بعض المواقف في بعض الأشياء، والتي لا حجة فيها ولا يلتفت إليها الإنسان إلا لعبرة أو حكمة يستفيدها منها.
[المذيع]: كنا في أمسّ الحاجة لهذه القراءة العميقة والمتأنية لرواية أولاد حارتنا التي كتبها نجيب محفوظ الروائي العالمي.
أسئلة المشاهدين حول تجسيد القصص القرآني فنياً
[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا أقرأ ردود السادة المشاهدين على سؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما رأيك في تجسيد القصص القرآني فنيًا؟
الأستاذة عزة عبد الحميد تقول: القصص القرآني من أروع ما يكون، سبحان الله العظيم، يصور المشاهد في جمل بسيطة بتوضيح وإيجاز وتبيان لكل شيء، ومعانٍ يفهمها القاصي والداني، يختصر المسافات ليصل إلى المطلوب. قصص القرآن هدفها التسرية عن رسول الله والاتعاظ للمؤمنين.
الأستاذة إيناس أحمد علي تقول: لا مانع من تصوير القصص فنيًا، لكن تجسيد الأنبياء والمبشرين بالجنة هو أمر محظور في اعتقادي، وقد تم إنتاج قصص الأنبياء للأطفال، وكان عملًا رائعًا للفنان يحيى الفخراني لتوضيح القصص للأطفال بصورة مبسطة، فلا أرى بأسًا في هذا.
الأستاذ محمد فاروق يقول: وأين القصص والروايات الإسلامية؟ دور الأزهر الشريف تراجع عما كان عليه مع احترامي.
الأستاذة جود سامي: يمكن أن يكون وسيلة سهلة لإيصال المعلومة، لكن المهم أن تكون من مصدر موثوق كالأزهر الشريف، لفتح المجال للجميع يمكن أن يكون هناك تدليس. إذا فُتح المجال للجميع من الممكن أن يكون هناك تدليس للحقائق. ما رأي فضيلتك يا مولانا؟
الإسلام يستوعب كل إبداع بشرط التجريد وبناء الشبكة القيمية
[الشيخ]: لا بأس، أهلًا وسهلًا بكل هذه الملاحظات. ونحن كما أقول لك إن الإسلام في برنامجه يستطيع أن يستوعب كل إبداع وكل فكر وكل معاصرة، ولكن بشرط ما ذكرناه من التجريد ومن بناء الشبكة بالربط، وكذلك من تحويل هذا إلى برنامج عمل.
وبذلك نكون قد جمعنا بين الأصالة الشرعية وبين المعاصرة.
ختام الحلقة والتوديع مع الشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء
[المذيع]: مولانا الإمام السيد الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم دائمًا يا مولانا، نلتقي دائمًا على هذا الخير. أهلًا وسهلًا بكم.
دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
