والله أعلم | الدكتورعلي جمعة يرد على المتطرفين في تكفير أهل الكتاب واستهداف الكنائس | الحلقة الكاملة
- •شرح الدكتور علي جمعة مفهوم أهل الكتاب بأنه يشمل كل من له كتاب، ويضم المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم ممن لهم كتب مقدسة.
- •أوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس ثلاثة نماذج للتعايش: في مكة مع المشركين، وفي الحبشة مع النجاشي، وفي المدينة حيث وضع صحيفة المدينة التي أسست مفهوم المواطنة.
- •أكد أن الإسلام يحترم حرية المعتقد، فلا إكراه في الدين، وحرية العبادة مكفولة لغير المسلمين.
- •بيّن أن الجزية ليست مفروضة على أهل الكتاب المؤمنين بالله واليوم الآخر، بل هي ضريبة تنظيمية في ظروف تاريخية معينة.
- •أوضح أن بناء الكنائس في الإسلام ليس ممنوعاً، وأن القيود التي فُرضت في بعض العصور كانت لظروف زمنية خاصة.
- •شدد على حرمة الاعتداء على دور العبادة، وذكر حديث: "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة".
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وموضوع أهل الكتاب
[المذيع]: رَبِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. أهلًا بكم في "والله أعلم"، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، وهو من كبار العلماء في الأزهر الشريف.
لنواصل معه الرد على كل هذه الشبهات، وفي هذه الحلقة سنقف عند هذا المفهوم: أهل الكتاب وكل ما يتعلق بهذا المفهوم من تلك الدعاوى الباطلة للجماعات الإرهابية؛ ليتذرعوا بالتفجير أو القتل أو التخريب.
اسمحوا لنا في البداية أن نرحب بصاحب الفضيلة مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: مرحبًا مولانا الإمام، مفهوم أهل الكتاب ما معناه؟ كيف نفهمه في ظل التعايش الذي يريده الإسلام؟
﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ﴾ [آل عمران: 64]
سيرة النبي في التعايش مع المشركين في مكة وعدم الأمر بالقتال
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النبي صلى الله عليه وسلم بسيرته الزكية العطرة ترك لنا كيف يعيش المسلمون في أوساط مختلفة.
كيف يعيش المسلم في مكة وهي التي لا تريد الإسلام ولا المسلمين، وتعذب من دخل في الإسلام؟ ليس عندهم ما يُسمى بحرية المعتقد، وعندهم نوع من أنواع الكراهية لله ولرسله ولقضايا الكون الكبرى من العبادة والعمارة والتزكية إلى آخره.
كيف يعيش المسلم في هذا الجو؟ جلس النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البلاء أربعة عشر سنة في مكة، أسلم معه نحو مائتي شخص فقط. النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبر، لم يأمرنا بقتال وأمرنا بالتعايش.
رفض النبي للقتال في مكة وأن النصر من الله لا من القوة الذاتية
وكان بعض الصحابة يقولون: يا رسول الله، ألا تستعرض بنا هذا الوادي؟ أي دعنا نقاتل هؤلاء المشركين، فهؤلاء المشركون عبدوا الأوثان.
فقال:
«إنما أنا رسول الله، ولينصرني الله»
فإذا كان هناك نصر، فالنصر من الله عند الله وليس من حولي ولا قوتي ولا أسلحتي، ولا أن أكون عميلًا للغرب ولا للشرق، ولا ألعوبةً يتلاعبون بها؛ فمرةً يعطونهم الذخيرة، ومرةً يمنعونها عنهم، ومرةً يجعلونهم شوكةً في ظهر العالم الإسلامي، ومرةً يصلون بهم إلى مصالحهم ويتلاعبون بهم كمفعولٍ به وليس فاعلًا.
النبي علّمنا التعايش مع الكارهين قبل الحديث عن أهل الكتاب
وليس كما أراد الله سبحانه وتعالى عبدًا ربانيًا يعني يدعو الله سبحانه وتعالى حتى يقول للشيء كن فيكون. أبدًا لم يكونوا كذلك إطلاقًا.
ولذلك فإن رسول الله علّمنا كيف نعيش في وسط أناس يكرهوننا أصلًا، قبل أن يتكلم عن أهل الكتاب وهم درجة أعلى وأبرّ في المواطنة وفي المعيشة والتعايش.
هجرة الصحابة إلى الحبشة والعيش في كنف النجاشي المسيحي
نصح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر صحابته الذين كانوا تحت وطأة التعذيب وتحت وطأة التضييق وتحت وطأة الإذلال وإغلاق باب المعيشة عليهم، أن يذهبوا إلى رجل عادل لا يُظلم عنده أحد، وهو النجاشي رضي الله تعالى عنه في الحبشة.
والنجاشي لم يكن على دين الإسلام وكان مسيحيًا واستقبلهم. فعاش المسلمون في الحبشة معيشة المواطنين في دولة يعرفون فيها أنهم لا يُرفضون وأنهم مقبولون، وأن الدولة توافق - كما توافق كثير من الدول الغربية الآن - على توفير مقابر للمسلمين وذبائح للمسلمين وحياة خاصة للمسلمين.
نموذج الهند في تعيين قاضٍ شرعي للمسلمين ضمن الدولة غير المسلمة
حتى أن هناك بعض البلدان مثل الهند مثلًا يجعلون فيها قاضيًا للمسلمين يقضي بينهم فيما هم فيه. فإذا اختلف المسلمون سويًا [على حكم القاضي الشرعي] رفضوا هذا القضاء، يرتفعون إلى قضاء الحكومة الفيدرالية أو إلى القضاء المدني.
منذ سنة ست وثلاثين [بعد انهيار آخر إمبراطورية إسلامية في الهند] حيث طُبِّق هذا النظام بعد انهيار آخر إمبراطورية إسلامية في الهند مع السلطان محمود في حيدر آباد الدكن، وحتى الآن لم يعترض مسلم على حكم القاضي الشرعي. عرفنا كيف نعيش وكيف نشكر.
جعفر الطيار يعرض الدفاع عن ملك الحبشة ومنحهم المواطنة
فكان جعفر الطيار رضي الله تعالى عنه وأرضاه يعرض على ملك الحبشة أن يدافع عنه ضد ابن عمٍ له كان يحاول أن يستولي على الحكم. فحدثت معارك وحروب، فكانوا يقفون مع الشرعية ويقفون مع الملك الذي له هذه الشرعية.
ويعرض عليهم [المساعدة] فيأبى النجاشي قائلًا: إنكم ضيوفنا وما إلى ذلك. وبعد ذلك كأنه منحهم الجنسية فحاربوا معه.
[المذيع]: بقي منهم من بقي في الحبشة يا مولانا؟
[الشيخ]: بقي حتى بعد وفاة النبي، وأولاد المسلمين الأحباش الآن هم من أولاد هؤلاء الصحابة.
أغلب الأحباش مسلمون من أبناء الصحابة الذين استوطنوا الحبشة
يعني أنت تتفاجأ بأن أغلب الحبش الآن من المسلمين. حقيقةً الإمبراطور هيلا سلاسي أو غيره إلى آخره ليسوا مسلمين، ولكن الشعب أغلبه من حوالي تسعة وخمسين في المائة مسلمين.
فهؤلاء أبناء الصحابة الذين ذهبوا واستوطنوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى على هذه الاستضافة التي تحولت بعد ذلك إلى مواطنة.
[المذيع]: صحيح.
النموذج الثالث: صحيفة المدينة وتأسيس مفهوم المواطنة بين المسلمين واليهود والمشركين
النبي صلى الله عليه وسلم عندما حلّ بالمدينة علّمنا النموذج الثالث.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهو أنه جمع أهل المدينة. فمن كان في المدينة؟ كان هناك اليهود، وهناك المشركون، وكان هناك المنافقون، وكان هناك المسلمون. كانوا تسعين بيتًا فقط من المهاجرين عندما جاؤوا.
كانوا تسعين بيتًا في المدينة بين أوس وخزرج ويهود. لا، المهاجرون الذين من مكة، الذين قادمون فقط من مكة، كانوا تسعين بيتًا. وبعدها كان ضعفهم تقريبًا من المسلمين في المدينة.
طيب، هذه مائة وثمانون على مائتين وسبعين أسرة. طيب، والباقي كانوا من اليهود.
تفرق اليهود في المدينة وجمع النبي لهم جميعاً في صحيفة المدينة
وكان اليهود هؤلاء كما قال الله تعالى:
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ [الحشر: 14]
أنت تحسبهم أنهم مع بعض، لكن أبدًا؛ بنو قينقاع شيء، وبنو النضير شيء، وبنو قريظة شيء آخر، كأنهم ملل مختلفة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كأنهم ملل مختلفة. فجمعهم كلهم: يا أبناء، تعالوا، نحن الآن أصبحنا في أرض واحدة وأصبحت مصلحتنا واحدة. هيا نضع ما سُمي بعد ذلك بصحيفة المدينة، ويُعطى لكل ذي حق حقه، وأن على كل منا حقوقًا وله واجبات، وأنه يجب علينا أن نقوم بشأن المدينة المنورة التي كان اسمها يثرب.
تطبيق صحيفة المدينة في الدفاع المشترك ودفع الديات عن القتل الخطأ
نقوم بشأن يثرب هذه فيما بيننا، ندافع عنها، ندفع الضرائب التي علينا إذا كان هناك ضرائب، وإن لم يكن هناك ضرائب حينها، لكن كان هناك شأن عام.
ولذلك عندما حدث قتل خطأ، استوجب على المسلمين في دياتهم دية لأهل القتيل مائة إبل. إذا قتلوا اثنين فيصبح المطلوب مائتي إبل.
[المذيع]: وغير المسلمين قتلوا اثنين من غير المسلمين؟
[الشيخ]: يا مولانا، قتلوا أناسًا على اعتبار أنهم غير مسلمين لأنهم كانوا في حرب، ثم اتضح أنهم مسلمون.
[المذيع]: نعم، هل تدرك؟ إنه قتل خطأ.
[الشيخ]: قتل خطأ، فعلينا الدية.
رفض بعض القبائل دفع الدية وتحمل النبي لمسؤولية المدينة كلها
وكانوا يريدون في هذه الدية مائتي ناقة. فذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى قبيلة بني فلان وعلان، فضحكوا عليه قائلين: ها ها، والله نحن لسنا في دستور [المدينة] ولسنا في... وهذه في ذمة المدينة؛ لأن المخطئ منتسب إلى هذه الدولة تمامًا، وأنتم رعاة هذه الدولة أو أنتم المسؤولون في هذه الدولة.
فرفضوا وضحكوا عليه وسخروا منه وطردوه من مرابعهم. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم تدبر حاله ودفع الدية التي في ذمة المدينة كلها؛ لأن المخطئ منسوب إلى جيش المدينة وما كان ينبغي عليه أن يتسرع ويقتل.
دستور المدينة أول وثيقة تؤسس لمفهوم المواطنة بين المختلفين في العقيدة
فإذا بهؤلاء الناس ليسوا أهل حرب ولا شيء، إنهم كانوا مسلمين، وهو أخطأ التقدير وأخطأ الفهم في هذا الشأن. فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع لنا الدستور.
هذا الدستور هو أول ما وضع فكرة المواطنة. ما معنى المواطنة؟ أي أننا قوم مختلفون في عقائدنا. أنا أرى أن الخلاص في سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
ماذا أعني بأني أرى الخلاص في سيدنا النبي محمد؟ أرى أن الذي يُرضي الله، الذي يُدخلني الجنة في الآخرة، الذي يجعلني في بحبوحة من رضا الله سبحانه وتعالى، الذي يجعلني أقرب إلى استجابة الدعاء، هو أن أؤمن بهذا الإنسان نبيًا ورسولًا وأسوة حسنة وبابًا للخير إلى آخره.
حرية الاعتقاد في الإسلام وتقديس القرآن لاختيار الإنسان لعقيدته
حسنًا، هناك شخص يقول لي: لكن هذه المسألة لا أستطيع استيعابها، فكرة أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا نبي، لا تدخل عقلي. قلت له: لا بأس، أنت حر، عِشْ حياتك.
هل تلاحظ كيف؟ عِشْ. أنا آمنت بهذا، والله:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
ربنا قال:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
حتى هذه الدرجة. وربنا قال:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
وربنا قال:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
وربنا قال:
﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]
وربنا قال:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
وربنا قال:
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
وربنا قال في القرآن كله من أوله إلى آخره يقدس اختيار الإنسان لعقيدته.
تصنيف أهل الأرض بين أصحاب كتب سماوية وغيرهم من الديانات المختلفة
طيب، الخلق الآن لدينا سبعة مليارات حاليًا، ستة أو سبعة مليارات على وجه الأرض. ما أحوالهم؟ أحوالهم أن هناك من له كتاب، وهذا الكتاب يدعي أصحابه - أو هو فعلًا كذلك - أنه من عند الله؛ لأن الفرق بينهما [بين الادعاء والحقيقة].
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فعندك المجوس.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: المجوس يدّعون أن هذا [كتابهم] من عند الله. وعندك الهندوس يقولون: نحن عندنا كتاب وموروث من القديم ونحن لا نعرف حتى من أين أتى هذا، ولكنه أتى مقدسًا. الهندوس عندهم الفيدا، عشرة كتب أو عشرة أبواب أو عشر - بلغتنا نحن وأدبيتنا نحن - سور.
كتب الهندوس والصابئين وتنوع أصحاب الكتب المقدسة في العالم
هل تفهم؟ كان في الماضي لديهم سند، كل عائلة تحفظ سورة [من الفيدا]. هؤلاء الجماعة، هؤلاء الجماعة.
حسنًا، أنت الآن لديك فيدا، وأنت لديك أتباع [سيدنا يحيى عليه السلام]، أو أتباع سيدنا يحيى الصابئين. قالوا لك: لدينا كتاب، وهذا الكتاب يُقرأ. جعلوه مجلدين هكذا بشكل مختلف، جعلوه هكذا يعني تقرأه من هنا وتقلبه لكي تقرأ النص الثاني من الناحية الأخرى. ها هم قد جعلوه هكذا، هذا هو كتاب مقدس.
هل تنتبه؟ ولدينا أتباع سيدنا موسى اليهود، ولدينا أتباع سيدنا عيسى النصارى، ولدينا المسيحيين، ولدينا أتباع سيدنا محمد المسلمين. وهكذا فلدينا أناس أصحاب كتب.
الفرق بين أصحاب الكتب ومن ليس لديهم كتب كالطاوية والبوذية والشنتو
وهناك أناس ليس لديهم كتب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهناك أناس مختلف فيهم. يعني مثلًا الطاوية تقول: يا جماعة، نحن ليس لدينا كتب، نقول لكم بصراحة ووضوح، نحن ليس لدينا كتب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هذا كله من عقولنا ويعترف بذلك.
[المذيع]: يا مولانا، طبعًا هم يقولون: من يقول غير ذلك علينا فهو يفتري علينا.
[الشيخ]: هو يقول هكذا، فماذا أفعل له؟ كونفوشيوس لديه كتاب الحوار، لكن هذه مجموعة من الأخلاقيات. ما هذا؟ إنه الشنتو، ليس لديهم كتاب. البوذية، نحن نقول له: هل لديك إنجيل بوذا؟ قال: كلا، إنجيل بوذا هذا غير موجود، ليس لدينا كتاب.
فاصل إعلاني وخطورة استهداف الكنائس على مصر بأكملها
[المذيع]: بعد قليل سنعود للإجابة على بعض التساؤلات المتعلقة بهذه الأمور والمفاهيم المهمة، والتي يحوم حولها المتطرفون ويضعون شبهات كثيرة.
نعود إليكم، ابقوا معنا.
واستهداف الكنائس الهدف منه استهداف مصر بصفة عامة؛ لأن هؤلاء فهمهم ضعيف، ليس لديهم فكرة.
أنا أقول له: عندما تذهب لتموت في كنيسة، ستكون بذلك في سبيل الله؟ أنا أتمنى أنك عندما تتطرف وتتصرف كالرجال الشجعان، قف مع نفسك واذهب إلى إسرائيل وفجر في إسرائيل كلها! لماذا أنت بالذات عندما احتلت إسرائيل القدس، لماذا لا تبذل جهدك أو تعمر القدس؟ بدلًا من أن تفجر الكنائس وتثير الفتن.
شهادة المواطنين على حسن الجيرة مع المسيحيين والتطرف موجود في كل الأديان
لدي جيران من المسيحيين، لم أسمع منهم في حياتي أي شيء سيء، ولم يضروني قط.
هل ترى أن التطرف ليس موجودًا في المسيحية واليهودية وفي كل الأديان؟ ولكننا نحارب التطرف قدر استطاعتنا.
[المذيع]: ما خطورة فتاوى التفرقة التي يطلقها المتطرفون ضد المسيحيين؟ ولماذا ترى أن الشباب ينخدع فيها؟ هل هذه الفتاوى صادرة من جهة مسؤولة كالأزهر أو دار الإفتاء؟
فتاوى التفرقة ليست صادرة من جهات رسمية بل من أشخاص غير مؤهلين
[الشيخ]: لا، ليست كذلك. إنها من أشخاص يريدون فرض تفكيرهم الخاص، تفكير تكفيري يريد أن يكون هكذا كأحد المجتمع ذو تفكير خارجي.
الذين يصدرون هذه الفتاوى ليسوا مؤهلين وليسوا أزهريين وليسوا مفوضين، أو ليس معهم تفويض من جهات رسمية بالفتوى أو جهات دينية بالفتوى. فهم شيوخ في كثير من الأحيان لا نسمع عنهم ولا أعرف من هم أصلًا.
عدم وعي [الأسر هو السبب]؛ المفروض يجب على الأب أن يربي الأطفال منذ صغرهم على التربية الإسلامية الصحيحة، وألا يؤذي أيًا من أهل الكتاب، فاليهودي من أهل الكتاب والمسيحي من أهل الكتاب.
خطورة انضمام الشباب للجماعات المتطرفة ودور الأسرة في الحماية
يوجد شباب للأسف ذوو شخصيات ضعيفة ينحازون إلى هذه الجماعات وينضمون إليها. لذلك يجب على رب الأسرة أو على رب البيت أن يعرف مع من يتعامل أبناؤه.
هذه من أهم نتائج الفتاوى التي نعيش فيها: إن فكرة ضرب الكنيسة، أو أن يصبح شاب متطرفًا يعتبر كل مسلم ومسيحي كافرًا ويجب قتله، أو أن يخبرك أحدهم أن من يقتل غير المسلم يدخل الجنة، هي أفكار قرأت عنها من كتاب يدعو إلى العنف وبشكل فج.
وعي الناس بخطر التطرف والمراهنة على هذا الوعي المجتمعي
يعني أهلًا بحضراتكم. يقولون [في التقرير]: الإمام أصبح ممن تراهن على هذا الوعي الذي رأيته في هذا التقرير.
[المذيع]: وفضيلتك دائمًا تنظر إلى هذا الأمر بانشراح وبسعادة. إلى أي مدى كانت إجابات السادة الذين كانوا في التقرير إيجابية إلى حد كبير؟
[الشيخ]: الحمد لله.
قال النبي ﷺ: «يحدث لكم من الأمر بقدر ما تُحدِثون»
ونحن في شبابنا لم يكن هناك هذا البلاء. حتى دخلنا في السبعينيات، كان المسيحيون يعيشون مع المسلمين في منتدياتهم، وفي ألعابنا نلعب سويًا، وفي رحلاتنا نذهب سويًا ونعود سويًا. وهكذا يعني كانت أمورًا عجيبة غريبة، وكانت الجيرة والصداقة موجودة.
نموذج الصداقة الحقيقية بين المسلمة والمسيحية قبل انتشار التطرف
المرأة المسيحية التي كانت صديقة صدوقة - التي يسمونها الآن صديقة حميمة - الصديقة الصدوقة الأمينة منذ أربعين سنة، وهي مسيحية. والاثنتان عندما تتحدثان حتى لو تطرقتا للديانة، فإنهما تتطرقان لها بشكل راقٍ.
وكانت هذه السيدة - أنا أتذكرها - تأتي فتأخذ واجبها [من الهدايا والطعام]، سواء كان شيئًا سيُؤكل أو سيُشرب، بعض المهلبية أو بعض قمر الدين أو ما شابه ذلك أو عاشوراء. قدمت لتهنئتها بالموسم ثم تذهب إلى الكنيسة.
بداية البلاء بدخول التيار المتطرف من الشرق وخروج الإرهابيين من السجون
فنحن لم نرَ هذا البلاء يبدأ في الناس إلا بعد السنوات التي انفتح علينا فيها التيار الآتي من الشرق.
ألا من هنا تأتي الفتنة.
وعندما خرج الإرهابيون من السجون فقد تأكدت هذا المعنى. يعني أنه يأتينا بلاء من الجهة الشرقية وبلاء من الجهة الداخلية.
وقد تطورت الأمور وحدثت فيها تعصبات ومد وجزر مع هذه التعصبات، وبدأنا نفهم مفاهيم مغلوطة أخرى. فحذرنا منها وحذرنا جميع الجهات، حذرنا [الجماعات] الإرهابية أنه هذا [حرام].
نفاق الجماعات الإرهابية وخططهم لتفريق الوطن الواحد
وكان للأسف - يعني - كانوا من درجة النفاق والتعنت ما كانوا مقتنعون بالكلام، وأنهم لن يرتكبوا هذه الكبائر ولا هذه كذا. ثم بعد ذلك الخطة تسير والأمر يمضي للتفريق بين الوطن الواحد.
وفي زلات اللسان تخرج عبارات مثل: لا أبالي بمصر، وأنا أفضل أن يحكمني شخص ماليزي على أن يحكمني شخص مصري، إلى آخر هذه المفاهيم التي فاحت رائحتها الكريهة.
«دعوها فإنها منتنة»
[المذيع]: الدنيا مولانا.
[الشيخ]: التي هي الجاهلية هذه، التي هي عدم فهم الإسلام وعدم الإصرار على أن فهمه القبيح هو الفهم الصحيح. هذه هي النتانة الخاصة بهذه المسألة.
التحذير من الفكر المتطرف منذ أربعين سنة واكتواء الناس به
فالمهم، الحاصل أننا حذرنا. أنا أحذر من هذا منذ نحو أربعين سنة أو يزيد، وكان الناس يظهرون الاقتناع.
لكن هذه اللهجة العامية التي تخرج من القلب تدل على أن الناس قد اكتوت بهذا الفكر السيء، وأنها بدأت تفهم ما هو الأمر.
هو يقول: جار المسيح الطيب، ما علاقة هذا بأنه مؤمن بمحمد أو غير مؤمن بمحمد، وأنا مؤمن بالمسيح على جهة الخلاص أو غير مؤمن بالمسيح على جهة الخلاص؟ هذه قضية ثانية تمامًا ونهائية.
المشترك بين المسلمين والمسيحيين أكبر مما يظنون وكتاب المشترك أكبر
فماذا يعني إذن أن:
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ﴾ [آل عمران: 64]
ولو كان هؤلاء [المتطرفون] يعنون أنه خلاص، لا يوجد شيء مشترك بيني وبينهم، فأنا أقول إن المشترك الذي بيني وبينهم كبير للغاية.
وقد أصدر أحدهم في مركز دراسات الحوار في الأردن كتابًا لطيفًا اسمه "المشترك أكبر". عنوان الكتاب ما هو؟ عنوانه: المشترك أكبر مما تظنون.
لأنه أخي الذي في هذا الوطن مؤمن بالله وأنا مؤمن بالله. وكان البابا شنودة يقول: بسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا. هل أدركت كيف أن هذه العبارة فيها إشارة إلى أننا نعبد إلهًا واحدًا؟
توضيح أن المسيحيين يعبدون إلهاً واحداً والقرآن يتحدث عن طائفة انقرضت
على فكرة، لأن الإشاعة التي انتشرت أنه لا، هم يعبدون الثلاثة، وهذا موجود في القرآن:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ﴾ [المائدة: 73]
يعني عليهم [هذا الحكم]. لا، لكن هم لا يعبدون مريم، والقرآن يتحدث عن طائفة ظهرت ثم انقرضت في التاريخ، كانت تعبد وتؤله مريم عليها السلام.
فإذن الناس في الحقيقة فرقٌ كبيرٌ بين إقرار المعتقدات [والتعايش المشترك].
نقاش المعتقدات في الغرف العلمية المغلقة وخطأ منهج أحمد ديدات
وكان الشيخ جاد الحق رحمه الله تعالى يقول لي: نقاش المعتقدات - وهو يرسلني للحوار في العالم في أوروبا وغيرها - نقاش المعتقدات في الغرف العلمية المغلقة فقط، فقط.
[المذيع]: لماذا؟
[الشيخ]: كان في ذلك الوقت أحمد ديدات - رحمه الله وعفا عنه - قد أنتج أربعين [شريطًا] مع سيجوارد. هذه الأشرطة أتت بعكس ما كان يقصد. وطبعًا قاموا بتعريبها وإعدادها وما إلى ذلك.
من الخطأ أن تفعل هذا هكذا؛ لأنك تكرس فكر الطائفية وتكرس فكر عدم المواطنة.
إقرار النبي للمواطنة عند التعدد والفرق بين المعيشة في المدينة وغيرها
النبي عليه الصلاة والسلام أقرّ المواطنة عند التعدد مباشرة. لدينا النموذج الثالث فيه مواطنة، خلاص انتهى الأمر.
عندما يكون في بلد مثل المدينة المنورة ومكة المكرمة يسكنها المسلمون فقط.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: في ذلك الوقت عِشْ حياتك أيضًا على فكرة. المعيشة في المدينة مختلفة تمامًا عن المعيشة في أي بلد في العالم؛ لأنها معيشة متصلة بالصلاة.
فهم [المتطرفون] يريدون أن يجعلوا هذه المعيشة عامة في روسيا وفي أمريكا وهكذا، وإلا يقتلوننا ونقتلهم ويفسدون. غباء هنا أيضًا.
غباء المتطرفين في تضييع أمة الدعوة وانحدار أجيالهم في الجهل
نحن سمعنا كلمة غباء هذه، أن الناس لديهم غباء. وعند لماذا؟ لأن هذا طيب، أنت هكذا ستضيع زبائنك [أمة الدعوة].
إذا كنت تريد أن تدعو إلى الله، فهؤلاء السبعة مليار هم أمة الدعوة، فيجب عليك أن تحافظ عليهم وتعطيهم الصورة الحسنى.
لكن هؤلاء الناس في الحقيقة قلبوا الهرم، وكل جيل يخرج أسوأ من الجيل والعن من الجيل الذي قبله. وأيضًا يتميزون بالجهل ويتميزون أيضًا بالغباء، يعني حتى لو كانوا يعرفون كلمة أو كلمتين فإنهم يتميزون بالغباء.
مفهوم أهل الكتاب يشمل المسلمين والمسيحيين واليهود وكل أصحاب كتب
فحضرتك، لدينا الآن، يعني سألتني أنت سؤالًا وهو: من هم أهل الكتاب؟
أهل الكتاب لهم كتاب، كل من لهم كتاب هؤلاء يدخل فيهم المسلمون. ولذلك أنا أمسكت القرآن كله وفسّرته في التلفزيون المصري حتى نهاية سورة التوبة، عشرة أجزاء.
هذا التفسير التزمت فيه أساسًا بأن أهل الكتاب يشمل المسلمين؛ لأنهم أهل كتاب. وشرعت أتأمل القرآن وأكملته، فوجدت أن الأمر مطّرد، وأن كلما ذُكِرت في القرآن كلمة:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾
فإنها تشمل المسلم والمسيحي واليهودي وجميع من يَسُنّ بهم سنة أهل الكتاب؛ لأنهم عندهم ما يشبه الكتاب. تتسع دائرتها دائمًا.
حديث النبي سنوا بهم سنة أهل الكتاب وتطبيقه على المجوس والهندوس
هذا الأمر المفترض، ولكن عندما اصطدم المسلمون مع المجوس سألوا النبي: ماذا نفعل في هؤلاء؟ ما هي حالة هؤلاء؟ لقد عرفنا اليهود معنا والمسيحيون معنا وهكذا في الأمور المشتركة.
حسنًا، وهؤلاء ما السنة الخاصة بهم؟ قال:
«سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب»
حتى يعني لو لم يكن لدينا كتاب متأكدين منه مثل التوراة والإنجيل - هؤلاء ذُكروا في القرآن وورد أنهم نور وأنهم حق وأنهم كذا - حسنًا، وماذا عن المجوس؟ وماذا عن الهندوس؟
ولذلك عندما دخل المسلمون [الهند] لم يقتل الهندوس ولا فعلوا بهم شيئًا؛ لأنهم أهل كتاب.
اتساع مفهوم أهل الكتاب ليشمل أغلب سكان الأرض والبحث عن المشترك
وسنظل بهذه الطريقة نبحث أولًا عن المشترك. وهذا المشترك واسع، يعني لو أننا قلنا: لديك الهند وما حولها هذا مليار، وهذا مليار من المسيحيين، ومليار ونصف من المسلمين، واثنين مليار من مليار ونصف من المسيحيين.
فيصبح ثلاثة، يكون أربعة من ستة. هذا يعني أننا معنا أربعة من ستة، أي أننا الأغلب الذي هو أهل الكتاب.
فأهل الكتاب هؤلاء عندما يقول ربنا:
﴿تَعَالَوْا﴾
سنجتمع، يعني لن نتفرق، لن يحمل كل واحد السكين ضد الآخر، لن أذهب بمتفجرات إلى الكنيسة؛ لأنني أبحث عن المشترك.
المواطنة ليست تقديماً للأوطان على الأديان بل بأمر الأديان نفسها
وبعد ذلك عن رقم اثنين: ما علّمنا رسول الله إياه من المواطنة. كلمة المواطنة هذه تثير جنونهم [المتطرفين]؛ لأنهم يعتقدون أننا قد قدّمنا الأوطان على الأديان.
لا، لقد قدّمنا الأوطان لتقديم الأديان لها. نحن نقدم الأوطان كحلٍ للتعددية؛ لأن الأديان هي التي أمرتنا بذلك، وليس لأننا نقدم الأوطان على الأديان كما هم يظنون.
انظر إلى الفرق البسيط في الصياغة، ولكن هذا هو أس البلاء: أن هذه [المواطنة] ضد الأديان. نقول له: يا غبي البعيد، هذه بأمر الأديان وليست ضد الأديان.
[المذيع]: مولانا الإمام، في قراءة النماذج الأربعة هو رد على كل هذه الادعاءات والدعاوى الباطلة للجماعات المتطرفة.
كيف نرد على ادعاء دفع الجزية لأهل الكتاب من المسيحيين
[المذيع]: نذهب إلى بعض هذه الادعاءات وكيف يشيرون وينطقون بهذه الادعاءات. مثل دفع الجزية، كيف نرد لأهل الكتاب من المسيحيين مثلًا؟ كيف نرد على مثل هذه الدعاوى الباطلة أو هذه الادعاءات؟
[الشيخ]: إذا فهمنا أن مصطلح أهل الكتاب يشمل كل هذه المساحة الواسعة، وعرفنا أن أديانًا مختلفة ستدخل فيها، وعرفنا أن الأساس هو المواطنة، سنفهم ماذا تعني الجزية مع حرية العقيدة.
الجزية ضريبة على من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وليست على أهل الكتاب المؤمنين
ما هي هذه الجزية؟ لماذا وُضعت هذه الآية، أو ما محتواها؟ إنها تتحدث عن نوع من الناس معه كتاب، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
حسنًا، هذا غير متوفر لدينا هنا [في مصر]. يقول إن هؤلاء لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون باليوم الآخر. فإذا كان الأمر كذلك وأرادوا ممارسة شعائرهم وفقًا للكتاب، فقد وقعنا في مشكلة.
ما هي المشكلة؟ إنك الآن أمام قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وأهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر. فهم [هؤلاء الجدد] سيدخلون علينا في المجتمع.
[المذيع]: نعم، حسنًا.
[الشيخ]: فماذا نفعل؟ قال: اسمحوا لهم بالدخول ودعوهم يدفعون ضريبة.
الجزية ضريبة مقابل دخول المجتمع وليست عقوبة على أهل الكتاب
وهذه الضريبة مقابل ماذا؟ مقابل دخولهم في المجتمع. يعني هذه أمور أجنبية [عن المجتمع] يشتكي منها المسلمون والمسيحيون واليهود.
ويقول [أهل البلد]: الله لا يسيئك، لا تُدخل هؤلاء الناس هنا. فنقول لهم: إذا لم نُدخلهم، فهذا يعني أننا تراجعنا عن إجازة حرية التعبد وحرية الاعتقاد.
قالوا له: نعم، لأننا جميعًا نكرههم، أو لأن كتابهم غير صحيح، أو لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، أو لأنهم سيُحدثون لنا فتنة في المجتمع.
قال له: حسنًا، دعهم يدخلون ويدفعون الجزية، يدفعون ضريبة على ذلك.
قصة رفض دخول شهود يهوه إلى مصر بالتشاور مع المرجعيات المسيحية
حدث أن شهود يهوه - وهي طائفة موجودة في الولايات المتحدة - أرادت أن تدخل هنا في مصر وقالوا: يا جماعة، دعونا نفتح كنيسة لشهود يهوه.
سألنا إخواننا المسيحيين: ما حال هؤلاء الناس؟ هل نُدخلهم أم لا نُدخلهم؟ هناك مجلس يُسمى مجلس الكنائس، هل هؤلاء الجماعة سيدخلون معكم في مجلس الكنائس أم لا؟
فقالوا: لا، نحن لا نريدهم. فقالت الدولة: لا، لن نُدخلهم.
فذهبوا واشتكونا في الأمم المتحدة وفي مفوضية الحريات الأمريكية وفي لا أعرف ماذا. وجاءت لجنة الحريات يقولون لنا: لماذا لا تسمحون لشهود يهوه أن يأتوا ويقوموا بدعوتهم وما إلى ذلك؟
الرد على لجنة الحريات بأن المرجعيات المسيحية هي من رفضت شهود يهوه والمورمون
كيف كان الرد؟ ليس شأننا، هؤلاء يقولون إنهم مسيحيون، والمسيحيون لهم عندنا مرجعياتهم الكبرى، ولهم كبيرهم. فلنذهب ونسألهم: هل يجوز دخول هؤلاء أم سيسببون لك فتنة أو اضطرابًا أو ماذا سيفعلون؟
فيقول: سيسببون اضطرابًا، فنحن لا نسمح بذلك.
[المذيع]: هل انتبهت كيف؟
[الشيخ]: نعم، هذه تُحل بما يسمى بالجزية. افرض عليهم ضريبة عالية، لا تجعلهم موجودين، أو تذهب هذه الضريبة لخدمة طوائف أهل الكتاب المختلفة بما فيهم المسلمون والمسيحيون واليهود.
رفض دخول المورمون إلى مصر بالتشاور مع المرجعيات المسيحية
ثم جاءنا أساتذة كبار من المورمون، غير مرضي عنهم؛ لأنهم لديهم عقائد غريبة بعض الشيء عن الديانة المسيحية. والمورمون مسيحيون، ولكن في نفس الوقت ماذا يعني أنهم مسيحيون؟ يعني أنهم يؤمنون بالعقائد الأساسية - عقيدتين أو ثلاثة من المسيحيين - ويخالفون المسيحية بعد ذلك في كل شيء.
فهؤلاء يسببون قلقًا. لماذا؟ لأن المسيحي القبطي البروتستانتي الذي هو عندي هنا يدخل بدون ضجة، بدون أي حاجة إلى هذه الطائفة. وهذه الطائفة غنية جدًا وتثير الفتن، ويتحول الدين إلى دنيا، وتصبح الدنيا مضطربة.
فقلنا لهم: والله يا أيها المورمون انتظروا حتى نسأل. سألنا: يا جماعة، هل يدخل هؤلاء المورمون؟ قالوا: لا، لا يدخلون. حسنًا، لا يدخلون.
حرية العقيدة في الإسلام أوسع مما يُطبق في العالم اليوم
فلا يوجد في مصر شهود يهوه ولا مورمون. وهذه تُتخذ علينا أننا أناس لا تتوفر لدينا حرية للعقيدة أو ما شابه ذلك.
لا، نحن لدينا حرية في الإسلام. عندما نرجع إلى الإسلام سنجد حرية أوسع حتى من التي نطبقها في عالمنا اليوم.
هذا هو إسلامنا الجميل الذي يؤكد على حرية المعتقد.
ادعاء تحريم بناء الكنائس في الإسلام وسياقه الزمني التاريخي
[المذيع]: حرية المعتقد تتبعها حرية إقامة دور العبادة. ماذا عن هذه الادعاءات التي يدعيها أولئك [المتطرفون] حول تحريم الإسلام لبناء الكنائس؟
[الشيخ]: لا، هي ليست مجرد ادعاءات يدعيها هؤلاء، بل هذا فعلًا ما حدث في التاريخ الإسلامي في ظروف زمنية معينة. وهذا أيضًا من أنواع الخلل في فهم النصوص في سياقها الزمني.
[المذيع]: ما، أي أنها مختصة بعصرها؟
[الشيخ]: مختصة بعصرها. انتبه إلى أننا ما زلنا نتعرض للضرب من المشركين، ومن اليهود، بعد أن انتهينا منهم ضربنا الفرس، وبعد أن انتهينا منهم ضربنا الرومان، وبعد أن انتهينا منهم ضربنا الصليبيون والتتار، وبعد أن انتهينا منهم ضربنا الاستعمار. نحن ما زلنا نتعرض للضرب منذ ألف وأربعمائة سنة.
ظروف زمنية دعت بعض الفقهاء لمنع بناء دور العبادة قبل الدولة الحديثة
كانت هناك ظروف زمنية قبل الدولة الحديثة دعت بعض الفقهاء إلى أن يقولوا فعلًا: يا جماعة، لا تبنوا دور العبادة؛ لأنهم لم يعودوا كثرة.
فأساس القضية هكذا: أننا عندما دخل الإسلام مصر وإيران والعراق وسوريا وهذه المنطقة كلها، بقي أهل البلاد الأصليون على دياناتهم مائتين وخمسين سنة.
بعد مائتين وخمسين سنة بدأ الإسلام في الانتشار عن طريق العائلة وعن طريق دخول الناس أفواجًا بعد استقرار العلوم الإسلامية وبلورتها وما إلى ذلك.
تغير النسب السكانية بين المسلمين وغيرهم عبر القرون مع الحفاظ على حرية الدين
فأصبحت النسب مختلفة. في الزمان الماضي، في القرن الأول، كنا خمسة في المائة مسلمين وخمسة وتسعين في المائة غير مسلمين في المنطقة كلها: الشام وفي العراق وفي إيران وهكذا.
بعد مائتين وخمسين سنة تغيرت الحال وأصبحت الغالبية هي من المسلمين والأقلية هي من غير المسلمين، مع الحفاظ عليهم وتركهم وعدم إجبار أي أحد.
[المذيع]: يا مولانا، نهائيًا منذ فتح الإسلام مثلًا لمصر، منذ فتح الإسلام.
[الشيخ]: فلم يكن هناك حاجة لبناء الكنائس في كل حارة وفي كل شارع وفي كل مكان.
تطور بناء الكنائس في مصر ودخول طوائف مسيحية جديدة بعد القرن الثامن عشر
وكان في هذا الوقت بناء الكنائس على ملة واحدة تقريبًا، يعني لا توجد إلا ملة واحدة موجودة.
بعد القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت هناك كنائس مختلفة تدخل مثل البروتستانت، مثل الكاثوليك، وغيرها إلى آخره، وهي واردة أو وافدة على الكنيسة المصرية. والكل له حق العبادة وحق [بناء دور العبادة].
موقف الشيخ سيد طنطاوي من بناء الكنائس وأنها مشكلة إجرائية لا فقهية
فرجعنا مرة أخرى نراجع هذا الكلام الذي هو دور العبادة: لماذا لا نبنيها؟
سيدنا الشيخ سيد طنطاوي قال: أنا لا أفهم، يعني ما المشكلة؟ هي لا تُبنى لماذا؟ حسنًا، الكنائس التي مطلوب بناؤها لا تُبنى لماذا؟ ما المشكلة؟ لا توجد مشكلة. ليست لديه مشكلة فقهية ولا مشكلة دينية نهائيًا.
[المذيع]: يا مولانا.
[الشيخ]: إنها مشكلة إجرائية كانت موجودة في بعض الإجراءات وبعض القوانين وبعض التصريحات كما تعلم، وأريد لها أن تزول.
صدور قانون بناء دور العبادة الموحد عبر البرلمان وانتهاء المشكلة
آخر شيء قلنا لهم: حسنًا يا جماعة، اجلسوا مع بعضكم وأتوا بها إلى البرلمان؛ لأننا في بلد فيها برلمان ودستور وقانون وفصل بين السلطات، وفيها تداول للسلطة، وفيها مسؤولية، وفيها مشاركة.
فهيا نشترك مع بعضنا هكذا ونضع شيئًا اسمه دور العبادة. فوضعوا هذا فعلًا وصدر القانون وانتهت المشكلة.
فلا توجد مشكلة فقهية، والنصوص التي يستدل بها إخواننا الآخرون [المتطرفون] هي موجودة فعلًا ولكنها زمنية، كانت لزمانها.
شهادة الليث بن سعد على بناء كنائس مصر بعد الفتح الإسلامي
[المذيع]: مرتبطة بالزمن الخاص بها يا مولانا.
[الشيخ]: مرتبطة بالزمن الخاص بها. ولذلك نرى سيدنا الشيخ الليث بن سعد إمام الأئمة، الذي قال فيه الشافعي: كان أعلم من مالك إلا أن أصحابه ضيعوه.
الليث بن سعد يقول: وكل كنائس مصر حادثة، يعني مبنية بعد الفتح [الإسلامي] وبعد كل هذا. هي ليست أي شيء [مخالف]؛ لأنه كان الرومان - لأنهم على مذهب آخر - فهدموها. أما نحن فكنا سامحين بالمبنى كله.
لا يوجد أي شيء في الشرع الإسلامي يفعل هكذا [يمنع بناء الكنائس].
عهد عمر بن الخطاب لأهل القدس بحماية كنائسهم وأموالهم وصلبانهم
وعندما نرجع مثلًا إلى تاريخ الطبري نجد عهد عمر بن الخطاب لأهل إيلياء التي هي القدس الشريف:
أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتهم، لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا يُؤخذ منها شيء.
جزء في التنظيم، يعني شيء مثل ماذا؟ لا تصغرها، فهي مقدسة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولا من حيزها ولا من صليبها ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم.
طلب بابا القدس من عمر إخراج اليهود وتغير الأحوال عبر الزمن
ولا يسكن معهم أحد من اليهود. فلأن بابا القدس قال له: الله يحفظك، اليهود يعملون بالسرقة، وهذه مهنتهم كانت حينئذٍ.
إذا سمحت، انظر لنا هؤلاء الناس وأخرجهم لنا أيضًا. نريد القدس أن تكون مدينة جميلة، مدينة السلام. فقال لهم: حسنًا، اخرجوا يا لصوص.
أيضًا تغير الحال، وسمحنا لهم بالدخول ثانيةً عند السلطان محمود عندما تغير الحال، عندما أصبحوا لا يسرقون وتغيرت أشياء زمنية تتغير.
التمييز بين اليهود كأصحاب ديانة محترمة والصهاينة كمحتلين ملعونين
فأنا الآن يهود القدس لصوص [في ذلك الزمن]. يقول لك: آه، أنت تشتم اليهود، إذن أنت عدو للسامية! لا يا أخي، هذا في زمن معين وبوضع معين كانوا لصوصًا. الآن لم يعودوا لصوصًا، بل أصبحوا سارقين!
هل تدرك كيف يسرقون فلسطين؟ هذه هي القصة.
ونحن نميز بين اليهود الذين نحترم ديانتهم، وبين الصهاينة الذين نلعنهم دائمًا في كل كتاب.
عهد خالد بن الوليد لأهل عانات بحرية ضرب النواقيس ليلاً ونهاراً
خالد بن الوليد لأهل عانات - وهو مكان يسمى عانات - قال لهم شيئًا في هذا الأمر:
ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاؤوا من ليل أو نهار.
أنا الآن في طقس لدي في الكنيسة يستلزم ضرب الجرس. اضرب فقط بالليل الساعة الثانية، اضرب الساعة الثانية، وأنا سأفعل ماذا؟ أمرنا لله.
يقول لك الآن: هذا إزعاج؟ هذا ليس إزعاجًا أبدًا، لا يوجد إزعاج ولا شيء. الحال يقتضي منك أن تقرع الجرس في أي ساعة تشاء من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة.
التعايش والاتفاق بين المسلمين والمسيحيين في التنظيم المشترك لا علاقة له بالديانة
يعني عندما يؤذن المؤذن لا تشوشوا علينا. تعايش واتفاق بين الناس معًا يحبون بعضهم البعض.
أنا أنهي الأذان من هنا وأنت تقول "تن" من هناك. ما معنى التنظيم الذي ليس له علاقة بالديانة؟ هذا له علاقة بالتنظيم.
وأن يُخرِجوا الصلبان في أيام أعيادهم ويطوفوا بها في البلد هكذا، فهم يفرحون ويحتفلون وما إلى ذلك.
[المذيع]: عهود أمان يا مولانا.
عهود الأمان من أبي عبيدة وعمر بن عبد العزيز بحماية الكنائس وعدم هدمها
عهود الخراج لأبي يوسف - رحمه الله - ابن أبي شيبة في مصنفه، وهذا من أسس علم الحديث الذي ذكرنا أن فيه مائتين وخمسين كتابًا، منها مصنف ابن أبي شيبة:
أن أبا عبيدة بن الجراح كتب لأهل دير طبايا: إني أمّنتكم على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، ألّا تُهدم.
فليس ممنوعًا هدمها [فحسب بل محمية].
وعن عبد الله قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز: لا تُهدم بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار [في المجوس] وصولحوا عليه. أخرجه ابن أبي شيبة.
اتفقوا على ذلك، اتفقوا على ذلك.
شهادة أكابر المسلمين على حماية دور العبادة والدعوة إلى التعايش لا القتل
هذا ما نعرفه من الديانة الإسلامية، هذا ما نعرفه من أكابر المسلمين. عمر بن عبد العزيز هذا مجتهد من المجتهدين العظام الخمسة والثمانون. سيدنا خالد بن الوليد وسيدنا عمر بن الخطاب هؤلاء من الصحابة الكرام.
فإذن الديانة تدعو إلى التعايش، وليست تقول أنني يجب أن أُدخله في ديانتي حتى يكون معي، وليست تقول أن أذهب لأقتله، ولن أقتله.
ولكن أنا أيضًا لم أخرج إلى أي مكان في التنظيم [العمراني] إلا برضاهم أيضًا وبالتعويض.
نقل كنيسة القديسين من ميدان التحرير إلى الزمالك بالتراضي والتعويض
كانت هنا كنيسة القديسين التي هي خاصة بالبروتستانت، كانت في ميدان التحرير، كانت تسد الطريق هكذا. وهنا هو الموقع الذي أُقيم مكانها كوبري السادس من أكتوبر، وذلك بجانب المتحف المصري.
وبعد ذلك منطقة جميلة ومتسعة هكذا تُطل على النيل. فوسط البلد كانت تحتاج إلى منفذ وشريان يعمل.
حينذاك ذهبوا إلى القس الأسقف وقالوا له: لو سمحت، نحن نريد هذه القطعة الأرضية لأنها هكذا [تسد الطريق]. فقال لهم: حسنًا، وهذا يعني أننا سنهدم الكنيسة؟ فقالوا له: لا، سنعطيك قطعة أرض جيدة هكذا.
تبادل قطع الأراضي بين مصر وبريطانيا لبناء كنيسة ومركز إسلامي بالتحضر والاحترام
وأروه في منطقة الزمالك، وأعطوه قطعة أرض بدلًا من قطعته، وتكفلوا ببناء مبنى بدلًا من هذا المكان. تفاهمات.
ولأن الكنيسة تابعة لبريطانيا، جاء رئيس الوزراء هنا أو كذا إلى آخره، فأعطانا قطعة أرض جيدة أيضًا جميلة هكذا مرتبة في لندن كي تنشئ مركزًا إسلاميًا.
هؤلاء الناس متحضرون، يحب بعضنا بعضًا ونحترم بعضنا هكذا. ما علاقة هذا بأن يذهب شخص ويفجر الكنيسة أو يقتل الأسقف؟
حديث النبي في تحريم قتل المعاهد وأنه لن يشم رائحة الجنة
[المذيع]: ما حكم من يعتدي على الكنيسة وما حكم الدفاع عن الكنيسة يا مولانا؟
[الشيخ]: النبي عليه الصلاة والسلام حلّ لنا هذه المشكلة. كيف؟ وقال: يا سيدي، سأنقل لك الحديث عن سيدنا رسول الله:
قال النبي ﷺ: «من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا»
الجنة فوّاحة هكذا، وهي من بعيد - وأنت على مسافة أربعين سنة منها تمشي أربعين سنة على قدمك وقدمي - والرائحة واضحة. لن يشم رائحة الجنة، فأين ذهب؟ لقد ذهب في داهية، في النار.
من قتل معاهداً لن يدخل الجنة ووجوب التوبة على من فعل ذلك
يعني لن يدخل الجنة، لا بل لن يشم رائحتها من مسافة أربعين سنة.
هذه هي القصة مع هؤلاء الشباب الذين فجروا وقتلوا وهكذا إلى آخره. ماتوا أو عاشوا، لابد للذي يعيش أن يتوب إلى الله؛ لأنه هكذا لن يدخل الجنة.
خاتمة الحلقة: الإسلام جاء رحمة للعالمين لإعادة صياغة العلاقات الإنسانية
[المذيع]: مولانا الإمام، جاء الإسلام رحمة للعالمين، انتظمت به هذه الحياة واستقام به هذا الإنسان؛ ليعيد صياغة العلاقة بينه وبين ربه، بينه وبين نفسه، بينه وبين الناس.
مولانا الإمام، شكر الله لكم ورضي. شكرًا لكم مولانا، نلتقي بكم دائمًا على هذا الخير. دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
