والله أعلم | الدكتور على جمعة يتحدث عن القراءات المتعددة والشاذة للقرآن الكريم | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | الدكتور على جمعة يتحدث عن القراءات المتعددة والشاذة للقرآن الكريم | الحلقة الكاملة

30 دقيقة
  • القراءات المتواترة تتحقق بتوفر ثلاثة شروط: صحة الإسناد مع تواتره، وموافقة وجه من وجوه العربية، وموافقة الرسم العثماني.
  • القراءات العشر هي المتواترة، والقراءات السبع جزء منها، حيث اندرجت الثلاثة المتممة للعشرة تحت السبعة.
  • ألّف الإمام الشاطبي منظومة في القراءات السبع سُميت بالشاطبية، ثم جاء ابن الجزري فألّف كتاب النشر في القراءات العشر معتمداً على أكثر من خمسين مصدراً.
  • القراءات الشاذة هي ما فقدت شرطاً من الشروط الثلاثة للقراءة المتواترة.
  • تنقسم القراءات الشاذة إلى أنواع: ما له أسانيد معتبرة (المشهورة)، وما له سند واحد (الآحاد)، وما لا سند له، وما طرأت عليه آحادية فخرج من التواتر.
  • لا يجوز القراءة بالقراءات الشاذة في الصلاة، واختلف العلماء في جواز الاعتماد عليها في التفسير والأحكام.
  • فائدة القراءات الشاذة تظهر في توثيق القرآن وبيان دقة علماء المسلمين في نقل كتاب الله.
محتويات الفيديو(34 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك. أهلًا بكم في والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف. ونكمل هذه المسيرة النورانية معه، ونقتفي أثره في هذا المنهج الإصلاحي التجديدي؛ لنجيب على هذه الأسئلة مع العقلية الفارقة في اللحظة الفارقة. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: مولانا الإمام.

سؤال حول القراءات الشاذة ومدى خطورتها وعلاقتها بالقراءات المتواترة

[المذيع]: نريد مزيدًا من التوضيح حول قراءات القرآن الكريم وهذه العلوم والمعاهد التي أُنشِئت لتعليم كيفية قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى الذي كله معجزات. الآن السؤال حول القراءات الشاذة: ما مدى خطورة وجود ما يسمى بالقراءات الشاذة؟ ما مدى وجود علم خاص بالقراءات الشاذة؟ في البداية، هل القراءات الشاذة هي عكس القراءات المتواترة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبضدها تتميز الأشياء:

الوجه مثل الصبح مبيَّض * والشعر مثل الليل مسوَّد

ضدان لما تجمَّعا حَسُنَا * والضد يُظهر حسنه ضدُّ.

القراءات الشاذة مع القراءات المتواترة تعطينا كمال التوثيق، وتُفهمنا كيف أن القرآن قد حُوفِظ عليه من عند رب العالمين بواسطة المسلمين. فالقراءات الشاذة تجعل الإنسان في مأمن وفي راحة في كيفية الحفاظ على هذا القرآن الكريم.

شروط قبول القراءة المتواترة عند الإمام ابن الجزري الثلاثة

هناك ثلاثة أمور وضعها الإمام ابن الجزري بعد التأمل والتدبر في هذا النقل المبارك للقرآن الكريم، وقال إنه:

  1. إذا كان هناك صحة الإسناد مع تواتره.
  2. وإذا كان هناك موافقة لوجه من وجوه العربية.
  3. وإذا كان هناك موافقة للرسم العثماني المنقول عن عثمان بن عفان بالتواتر أيضًا.

تُقبل القراءة وتكون قراءة متواترة.

[المذيع]: من القراءات العشر الكبرى التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، القراءات العشر.

[الشيخ]: فالقراءات العشر لها طرق، ومن طرقها أن هناك زيادات من قبيل الطيبة [أي: طيبة النشر في القراءات العشر لابن الجزري] أو من قبيل النشر تسمى بالزيادات، النشر.

[المذيع]: الشاطبية تسمى بالزيادات، النشر.[أي: منظومة الشاطبية التي تسمى حرز الأماني ووجه التهاني]

[الشيخ]: زيادات النشر وردت إلينا أيضًا ومتواترة، ولكن من طرق أخرى غير التي وردت إلينا من الطيبة.

الفرق بين الشاطبية والطيبة واختيار الإمام مجاهد للقراءات السبع

فإذن هناك ما في الشاطبية وهي أم السبعة، لأنهم أدخلوا الثلاثة في السبعة باعتبار الاكتفاء. **

[المذيع]: مولانا، ما هي الطيبة والشاطبية لكي نعرف فقط ما هذه العناوين ونحن نتحدث هناك؟**

[الشيخ]: اختيار قديم للإمام مجاهد لسبعة قراءات اكتفى بها عن العشرة؛ لأن الثلاثة التي فوق السبعة دخلت في بعض رواياتها تحت جناح السبعة.

فنحن عندنا السبعة، ما هم؟ عندنا السبعة: عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو وابن عامر، وابن كثير.

اندراج القراءات الثلاث تحت السبع وعلاقة أبي جعفر ويعقوب وخلف بها

[المذيع]: ونافعٌ يامولانا؟

[الشيخ]: ونافعٌ نافعٌ المدني. فقال: وأبو جعفر هو من العشرة، ويعقوب هو من العشرة، وخلف هو من العشرة. وقالوا: خلف؟ هذا هو حمزة، هو هو. وأبو جعفر هذا هو قالون عن نافع؟ هذا يكاد لا يكون إلا في أربعة مواضع ما بين قالون وأبي جعفر. ويعقوب كأنه الكسائي. فإذن الثلاثة هنا اندرجت تحت السبعة، فاكتفى الإمام مجاهد بالسبعة وألَّف كتابًا فيها وسمَّاه السبعة. والكتاب مطبوع. فإذن لديَّ عشرة تفصيلًا، يعني إذا أردنا العشرة يكون هؤلاء الثلاثة هم الذين سيكملون العشرة، وإذا أردنا السبعة فيكون ذلك من دون هؤلاء الثلاثة.

الإمام الشاطبي ومنظومته في القراءات السبع وعبقريته رغم فقدان بصره

وجاء الإمام الشاطبي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقبره في الطريق وأنت متجه إلى سيدي ابن عطاء الله السكندري في ناحية التونسي.

[المذيع]: في ناحية التونسي بالقرافة الكبرى.

[الشيخ]: وكان ضريرًا، ولكنه منحه الله قدرة عجيبة غريبة في صياغة هذه القراءات. فعمل على القراءات السبعة التي تركها مجاهد، ولذلك جاء من بعده وعمل التتمة. التتمة هم الثلاثة الذين تركهم الشاطبي؛ لأنهم مندرجون بالجملة بصورة إجمالية وليس بصورة تفصيلية في السبعة.

منظومة الشاطبية ونظام الرموز الأبجدية للإشارة إلى القراء ومواضع الخلاف

وأصبحت الشاطبية التي هي عبارة عن منظومة، هذه المنظومة تشير إلى مواضع الاختلاف والائتلاف بين هذه القراءات السبعة، وتعطي لكل شخص في هذه القراءات السبعة حرفًا من حروف أبا جادِ: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ.

فتعطي كل واحد حرفًا، وتجعل الكلام -شيئ كالمعجزة حقًا- فتأتي بالكلام الذي يشير إلى القرَّاء ويشير في نفس الوقت إلى مواضع الخلاف بين القراء.

وقال: إنني قد وضعت للسبعة أحرف، وسأضع أيضًا لكل اثنين منهم حرفًا ثالثًا. فعندما يأتي لك هذا الحرف فهذا يعني أنه عبارة عن نافع وعاصم، وهذا عبارة عن عاصم وحمزة، وهذا عبارة عن الكسائي وفُلان وعاصم، وهكذا.

كيفية عمل نظام الرموز في الشاطبية وطريقة حفظ القراء لها

أعطى لكل واحد منهم،

فجعل كل واحد في النظم أولًا لكل ماذا؟ إما أن يكون قارئًا واحدًا أو اثنين أو ثلاثة.

«جعلت أبا جادٍ على كلّ قارئ ... دليلا على المنظوم أوّل أوّلا»

وبعد ذلك جعل هذه الكلمة التي يشير بها إلى الخلاف الذي بين الثلاثة أو الذي بين الاثنين أو الذي بين السبعة أو الذي بين فلان وعلَّان، تكون هي الرموز التي يبدأ بها الكلام.

وجعلها على منظومة سُمِّيت بالشاطبية. المتخصص في القراءات يذهب ليقرأها ويحفظها لكي تكون أمامه القواعد منضبطة تمامًا. وهو أثناء القراءة يقرأ البيت الخاص بالشاطبية فيتذكر ماذا قال حمزة، وعاصم، ونافع، وهكذا.

ابن الجزري وكتاب النشر في القراءات العشر ومصادره الخمسين

والتتمة هي تتمة الشاطبية التي تتناول القراءات الثلاثة. وعندما جاء ابن الجزري - واسمه محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري - نسبةً إلى جزيرة ابن عمر في العراق، توفي سنة ثمان مائة وثمانية، أي أنه توفي في أول القرن التاسع.

لكن الشاطبي كان قبله؛ لأنه كان معاصرًا لابن مالك، لدرجة أنهم يقولون في الروايات لكن هذا ليس محررًا: إن الشاطبي كان نحويًا فألَّف في القراءات، وكان ابن مالك متخصصًا في القراءات فألَّف في النحو التي هي ألفية ابن مالك. فهذا ألَّف وذاك ألَّف، لكي يُقال إنهم علماء كبار جدًا.

انتشار الشاطبية وتأليف ابن الجزري لكتاب النشر وطيبة النشر

لكن على كل حال الشاطبي انتشرت **شاطبيته ** وبارك الله فيها، وهي عبارة عن ألفية في القراءات. وربنا بارك أيضًا لابن مالك جمال الدين محمد ابن مالك، وأيضًا هذا في القرن السابع وفي القرن التاسع، بعد قريب من مائتي سنة. عندما جاء ابن الجزري قام بتأليف النشر في القراءات العشر، كتاب في مجلدين اعتمد فيه على أكثر من خمسين مصدرًا أساسيًا من نقلة القراءات المتواترة.

ثم جعل هناك طيبة النشر في صورة بيوتٍ ونصٍّ،

[المذيع]: التي هي الطيبة، التي نسميها الطيبة؟

[الشيخ]: التي هي الطيبة، إذن الطيبة هي عبارة عن نظم لما في النشر الذي جعله من مصادره الكامل للهُذَلي والمبسوط وغيرهما من كتب القراءات.

مصادر النشر وطباعتها وأهمية توثيق القراءات المتواترة

مصادر النشر هذه حوالي سبعة وخمسين كتابًا. طُبع كثير منها في العشرين سنة الماضية؛ لأنها كانت مصادر نادرة لا يعرفها إلا علماء القراءات.

لكن عندما طُبِعَت وشاعَت وذاعت أصبحت تحت يدِ الناسِ جميعِها: التيسير، المبسوط، الكامل، الذي كنا نسمع عنه عن طريق النشر، أصبح بين أيدينا الآن في مكاتبنا.

والذي يحكي قصة ورواية القراءات العشر، هذه هي القراءات المتواترة.

فاصل إعلاني والانتقال للحديث عن القراءات الشاذة وكيفية حفظها

[المذيع]: إذن سنخرج فاصلًا ونعود لنتعرف على القراءات الشاذة وكيف كانت وكيف حُفِظت، لنفهم وندرك أهمية هذه القراءات لحفظ القرآن الكريم. فاصل ونعود، ابقوا معنا.

تعريف القراءة الشاذة بفقدان أحد شروط القراءة المتواترة الثلاثة

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، قلت لنا ما يتوفر للقراءة المتواترة لكي تكون متواترة. إذن ما الذي يجعل القراءة التي أمامنا شاذة؟

[الشيخ]: فقدُ شرطٍ من هذه الشروط الثلاثة:

  1. إما أن تكون مخالفة للرسم [العثماني].
  2. وإما أن تكون مخالفة لقواعد العربية.
  3. وإما أن تكون مخالفة لتواتر السند.

[المذيع]: لا يوجد لها سند مثلًا يا مولانا؟

[الشيخ]: قد يكون ليس لها سند، وقد يكون لها سند لم يصل بها إلى التواتر. فسند التواتر هذا الذي هو الشيوع والانتشار والأعداد، واختلفوا كم من الأسانيد يكفينا للوصول إلى التواتر.

عدد أسانيد القراءات المتواترة وصولها إلى ألف سند وإعجاز التوثيق القرآني

في الحقيقة بعضهم قال عشرة، والآخر قال عشرون، والثالث قال مائة. لكن في حالة القرآن وصل الأمر في القراءات المتواترة إلى ألف سند! ألف سند!

أي أن القرآن يضرب أي توثيق بالضربة القاضية. إذا كنا سنستعمل مصطلح الملاكمة، الضربة القاضية، هذا شيء معجز، شيء ليس له مثيل.

مثال على القراءة الشاذة في آية وإذا أردنا أن نهلك قرية وتفسير أمَّرنا مترفيها

لكن الشاذ يأتي مثلًا ويقول:

﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]

قراءة شاذة تقول: أمَّرنا مترفيها ففسقوا فيها، أي جعلناهم أمراء. يختار مَن؟ الله سبحانه وتعالى لهؤلاء القوم الذين ارتكبوا الذنوب وخالفوا حتى يعاقبهم.

يختار الأمراء من المترفين، ليس من عامة الشعب، ليس من أهل الكفاءة، بل من أهل الترف. وأهل الترف ماذا سيفعلون بنا؟ سيستغلوننا ويعيشون في ترفهم على حساب الشعب. فانظر كيف أمَّرنا مترفيها، الكلام جميل بالمناسبة.

القراءة الشاذة كتفسير لآية أمرنا مترفيها والرد على شبهة الأمر بالفسق

وقد يكون [هذا] تفسيرًا لـ أمرنا مترفيها؛ لأن شخصًا قد يأتي ويتفلسف قائلًا: هل الله يأمر بالمنكر؟ كيف أمرنا مترفيها ففسقوا فيها؟ هل الله يأمر بالفسق؟

فالعلماء قالوا له: لا، اقرأ بشكل صحيح، أمرنا مترفيها؛ فعصوا ففسقوا فيها، يعني نحن أمرناهم؛ فخالفوا. أمرناهم بالخير. أمرنا مترفيها: افعل ولا تفعل؛ فلم يستجيبوا ففسقوا بذلك فيها. اللغة العربية هي هكذا. هل انتبهت؟ فأنت ذهبت تربط بين الفسق وبين الأمر كأن الله أمر بالفسق. لا، لم يحدث هذا! إن الله أمر بالخير، فخالف الناس هذا الخير، فاعتُبروا بذلك - بهذه المخالفة - فاسقين وخارجين عن الحدود.

معنى القراءة الشاذة أمَّرنا مترفيها وتسليط الله المترفين على الناس عقوبةً

أما الثاني، وهو الشاذ، فهو أمرُ المترفين، وهي فكرة مختلفة تمامًا. وهي أن الله سيسلط عليكم من يتولاكم فلا يحسن فيكم القيادة؛ لأنه أمرُ المترفين ولم يُؤمَّر فينا العقلاء، العقلاء منا الذين يحبوننا ونحبهم. أمَّرنا مُترَفيها ففسقوا فيها من أجل ترفهم.

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ‎﴿٤٥﴾‏ وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾[الواقعة: 45-46].

حكم استعمال القراءة الشاذة في التفسير والأحكام وقولا الأصوليين في ذلك

عندنا مبحث في أصول الفقه يقول: إن القراءة الشاذة هذه لها سند. فهل يا تُرى نستعملها في التفسير؟ هل نستعملها في الأحكام؟ باعتبار أنها كأنها حديث آحاد، ونحن نأخذ الأحكام من الحديث الآحاد، فما العجب في أن لا نأخذها من القراءة الشاذة؟

فثمة توجه يقول: إن القراءة الشاذة هذه تخالف المتواتر، فتكون غير صحيحة، أي غير مقبولة، أي مردودة، أي لا يصح أن أقرأها في الصلاة ولا أتعبد بها الله. لندعها.

وهناك توجه آخر يقول: لا، إنها تمامًا كالحديث. أنت لا يمكنك أن تقف في الصلاة وتقول:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

لا يصح.

قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة [الإيمان]»

هذا حديث يا سيدي، لا يمكنك أن تصلي به. ما يصح أن تصلي به هو القرآن، هذه [أي: القراءة الشاذة] لا تصح كذلك.

الاستدلال بالقراءة الشاذة في الأحكام الفقهية كالحديث الآحاد ورأيا العلماء

لكن هذه الأحاديث أخذنا منها أحكامًا، فلماذا لا نأخذ أحكامًا أيضًا من هذه [أي: القراءة الشاذة] ما دام لها سند؟ هاتان وجهتا النظر.

[المذيع]: وهذا رأي معتبر وذاك رأي معتبر يقولون به ويؤخذ؟

[الشيخ]: وهذا أيضًا رأي معتبر وله آثار في الفقه، فيقول لك: وذلك لقوله في القراءة الشاذّة كذا. وأوقات يعتمدوا حتى عليه فيما يتعلق بما يُسمى بالعقيدة المتعلقة بالقلب.

مثال على القراءة الشاذة عذابي أصيب به من أساء مقابل المتواترة من أشاء

عذابي أصيب به من أساء، فيكون هنا العذاب مقابل الإساءة. لكن في الحقيقة، في القراءة المتواترة:

﴿عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]

وليس من أساء. فتكون هذه هي القراءة الشاذة، هذه ليست واردة عندنا.

أمثلة على القراءات الشاذة في مخالفة الرسم وتبادل الفاعل والمفعول في القراءات المتواترة

قراءة شاذة يقال فيها مثلًا:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ﴾

بدلًا من:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

الظالمون ليست قراءة متواترة، لكنها قراءة صحيحة في اللغة، وإن كانت تخالف الرسم[أي: رسم المصحف]؛ لأن الرسم مكتوب ظالمين وليس ظالمون.

[المذيع]: لأنها ليست في موضع الفاعل.

[الشيخ]: لكن كل ما هو يتلقاك فأنت تتلقاه.

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]

﴿فَتَلَقَّىٰٓ (ءَادَمَ) مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]

الآيتان متواترتان والآيتان جميلتان؛ لأن كل ما هو متلقِّيك فأنت متلقِّيه.

حتى قراءة الجمهور:

﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ﴾ [التوبة: 111]

والثانية تقول: فيُقتَلون ويَقتُلون، وهي قراءة حمزة. فقدَّم هذه على تلك، لا مانع. هذه متواترة وهذه متواترة.

حكم الاعتماد على القراءة الشاذة كحديث آحاد في التفسير وبناء الأحكام

إذن، فسؤالي: **هل يجوز الاعتماد على القراءة الشاذة كحديث آحاد في التفسير وفي بناء الأحكام؟ قولان للأصوليين بعضهم قال نعم، وبعضهم قال لا. افترض أن مذهبك لا يريد أن يتقبل هذه القراءة الشاذة. إذن كيف تكون نافعة بشكل عام؟

فائدتها بشكل عام أنني عرفت أن المسلمين متيقظين هكذا، وأنهم منتبهون لما يوافق الرسم وما لا يوافقه، وما يوافق الموصول السند وما ليس كذلك، والذي موصول السند والذي ليس موصول السند.

تميز المسلمين بالبحث العلمي الدقيق في توثيق القراءات القرآنية

وكم عددهم؟ ومن له سند ومن ليس له سند؟ فهل أنتم علماء جيدين هكذا؟ نعم، نحن علماء جيدين هكذا. وهذا هو الذي جعل المسلمين يتميزون بالبحث العلمي. فعندما تجلس في العالم مع أناس كثيرين تجدهم ليس لديهم قدرة على البحث العلمي بهذه الطريقة.

وبعد ذلك الآخرون الذين هم قد عملوا في العلوم الاجتماعية والإنسانية والكونية لا يصدقون أن المتدينين هكذا، ولا يصدقون أن الديانة تكون فيها هذا. ولذلك يأتون ليسخروا من الشباب الذين يذهبون ليأخذوا الأشياء [الرسائل العلمية] من لندن ومن أماكن أخرى، ويقولون لهم : إن الدين ليس علمًا.

الدين علم حقيقي وأصول الفقه نموذج للمنهج العلمي الإسلامي

بل الدين علم يا أستاذ! قال: نحن لم نشاهد هذا النموذج. نعم، أنت لم تشاهد، لكننا نحن شاهدنا ودرجنا ونشأنا وتربينا على أنه علم. وهذا لا يؤدي إلى كهانة ولا يؤدي إلى تحكم، بل يؤدي إلى منهج علمي متصل بمعرفية ونموذج معرفي متصل باستنباط الأحكام لتحديد المصادر وطرق البحث وشروط الباحث. وهذا الذي علَّمونا إياها من هذا الكلام. الرازي هو من علمنا هذا الكلام: أصول الفقه معرفة دلائل الفقه وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد (البيضاوي) (الرازي في المحصول) (الشافعي في الرسالة). أنتم تأتون [أي: لتنكروا أن الدين علم] بعد أن إننا تعمقنا في العلم تعمقًا كبيرًا، هذه هي الحقيقة.

أهمية القراءات الشاذة الثلاثة في التفسير والأحكام وبيان التوثيق

ولذلك تحديد هذه الأمور كلها، فالقراءات الشاذة لها مهمة إما أن تكون:

  1. للتفسير.
  2. للأحكام.
  3. لبيان التوثيق.

[المذيع]: سنخرج الآن إلى فاصل، ودائمًا ما يؤكد علماؤنا الكبار، يؤكد صاحب الفضيلة دائمًا أن العلم دين وأن الدين علم. فاصل ونعود، ولكن ابقوا معنا.

أنواع القراءات الشاذة بحسب السند المشهور والآحاد وما لا سند له

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، إذن هل ما ذكرته من مخالفة اللغة، مخالفة الرسم، أو ما لم يكن متصل السند أو مجهول السند، هذه هي ما نسميه بأنواع القراءات الشاذة؟

[الشيخ]: نعم، القراءات الشاذة على نوعين:

  • لها سند.
  • ليس لها سند.

إذا كان له سند، فقد يكون له سند معتبر. بمعني أن له أربعة أو خمسة أو ستة أسانيد. وهؤلاء أربع قراءات نسميها القراءات المشهورة فوق المتواترة. وقد ألَّف فيها الدمياطي، البنا كتاب في القراءات الأربع عشرة [اسمه: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر]. الأربع عشرة لأن العشرة هم المتواترة، والأربعة يكونون مشهورين. والمشهورون معناه أن لهم أسانيد وأيضًا متعددة، ولكنها لم تصل إلى حد التواتر.

حكم القراءة بالقراءات الأربع المشهورة في الصلاة ومنزلة ابن محيصن

هل يجوز القراءة بأحد هذه الأربعة في الصلاة؟ لا؛ لأنه من قبيل الشاذ وليس من قبيل [المتواتر]. إذن ما هذا؟ هذا أيضًا من زيادة الدقة. جعلوا هذه الأربعة كما هي: ابن محيصن [أحد قراء الروايات الشاذة]، ها هم الأربعة هكذا. ابن محيصن هو ليس من العشرة أو السبعة أو نحو ذلك، لكن أيضًا ليس شاذًا جدًا مثل بعض الروايات التي ضربنا بها المثال. فهذا هو النوع الأول الذي له أسانيد، وهذه الأسانيد مشهورة.

أنواع القراءات الشاذة الأربعة من حيث السند والآحادية وانعدام السند

النوع الثاني له نسبة واحدة، فأصبح يعني له سند واحد، لكن ذاك له خمسة أو ستة أسانيد، بينما هذا له سند واحد. وهذا آحاد. والنوع الثالث ما لا سند له. هناك أيضًا نوع رابع، وهذا النوع الرابع دقيق بعض الشيء. وهو أن يطرأ على السند أحاديّة فيخرج من التواتر إلى الشذوذ. وهذا يدل على أن المسلمين حريصين على نقل الكتاب بصورة متصلة، بحيث أنهم لا يتألَّون على الله ولا يهرفون بما لا يعرفون.

الأداء القرآني بين التواتر والآحادية ورأي ابن الجزري وابن الحاجب

**[المذيع]:**هذه النقطة الأخيرة للأحوط يا مولانا؟

[الشيخ]: ليس الأحوط، ربنا فقد سنده وانتهى الأمر لا أقرأه. وهذا مثل الأداء، والراجح عند العلماء كابن الجزري وغيره أن الأداء من قبيل المتواتر. طبعًا ابن الحاجب وأمثاله يقولون: لا، هذا الأداء ليس من قبيل المتواتر.

[المذيع]: ما معنى الأداء؟

[الشيخ]: لماذا تقول:

﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: 1]؟

لماذا تقول هكذا؟ لماذا لم تقل وَالضْحى؟ لأن الحاء منقولة هكذا. هذا الأداء هو كيفية النطق، أن تنطق بالقرآن بالشكل هذا. لماذا تقول الأرض، الأ أرض؟ لماذا تفعل هكذا؟ لماذا لا أقول الأرض، الأ، ليست الأ، الأرض، ليست الأرض؟ لماذا تقول هكذا؟

هل هذاالأداء متواتر؟ فابن الجزري يقول: نعم، متواتر. والقراء كلهم يقولون إن هذا متواتر. ابن الحاجب وهو من كبار القراء أيضًا، لكن يعني كان أصوليًا أكثر، يقول: لا يا جماعة، هذا ليس متواترًا. لكن هذا بحث علمي هكذا.

قراءة ابن قتيبة والإمالة الفاحشة وكيف طرأت الآحادية على التواتر

ولكن كان هناك شيء اسمه قراءة ابن قتيبة. فقراءة ابن قتيبة هذه كانت فيها إمالة فاحشة للفظ لا إله إلا الله، وظلت متواترة حتى القرن السابع. ثم بدأت تخف تدريجيًا حتى أنه يقول وهو في القرآن هكذا، قالوا: لا إله إلا الله. هذه تسمى الإمالة الفاحشة، لا إله إلا الله. هي جميلة هكذا، لكن الثانية، لا: لا إله إلا الله. نعم، استمرت هكذا حتى القرن السابع، وبعد ذلك لم يعد أحد يقرأ بها إلا أفراد قليلون: واحد، اثنان، ثلاثة. فخرجت من التواتر.

[المذيع]: هنا طرأ على التواتر أحدية يا مولانا؟

[الشيخ]: فطرأ على التواتر أحدية، هو هذا المعنى، هو هذا المعنى.

ابن الجزري ومحاولته الحفاظ على قراءة ابن قتيبة وأهمية التلقي من المشايخ

فجاء ابن الجزري وقال: أنا قرأت بها على مشايخي، ولكن لم تصل إلى حد التواتر. وأنا مستعد لأجل أن أحافظ عليها، أنا سأُقرئ بها. فلم يتمكن، كتب ولم يتمكن. فأصبح المعتمد المنقول ليس المكتوب. نحن لا نأخذ علمنا من الكتب. وأنا أقول لك الآن، لكنني لم أسمعها من شيخي. لا إله إلا الله! من أين أتيت بها إذن؟ هل سمعتها من شيخك هكذا؟ سأقول لك: لا، لقد قرأتها في الكتاب. هذا لا ينفعني! أريدك أن تكون قد سمعتها من شيخك.

حفظ الله للقرآن الكريم وتوثيقه المتصل حتى يرث الله الأرض ومن عليها

ولذلك المسلمون هؤلاء عجب عجاب إلى اليوم. أمر سيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها. بعون الله تعالى. لماذا؟ لأن هذا من عند الله وليس من عندنا. هذا حفظ الله وهو ليس في أيدينا، لنعرف أن نفعله، ولكن الله سبحانه وتعالى حفظ هذا الكتاب من عنده. لما طرأت الأحادية على هذا النحو، فهذا يؤكد أيضًا مدى التوثيق وأن التوثيق متصل، حتى لا يأتيني أحد الآن ويقول لي: من أين أتيت بهذا؟

الرد على شبهة ضياع جزء من القرآن والقراءات الشاذة مزيد من التوثيق

سيبها يا عم.

[المذيع]: دعك منها.

[الشيخ]: لماذا دعك منها؟ أليس ما تفعلونه إذن يعني أن جزءًا من القرآن ضاع؟ كيف ضاع؟ لم يضع شيء! إن القضية كلها هي مزيد التوثيق.

[المذيع]: في لحظة واحدة، ما حكم من يقرأ من القراء القرآن في المناسبات المختلفة بقراءة شاذة؟

[الشيخ]: لا يجوز، لا يجوز.

ختام الحلقة والشكر للدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم ورضي الله عنكم مولانا الإمام.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

**[المذيع]:**دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.