والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن تدوين السنة وحقيقة نهى الرسول عن كتابتها | الحلقة الكاملة

والله أعلم | الدكتور علي جمعة  يتحدث عن تدوين السنة وحقيقة نهى الرسول عن كتابتها | الحلقة الكاملة - حديث, والله أعلم
المذيع [الأستاذ حسن الشاذلي]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي قال: "إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي" أو "كتاب الله وعترتي" أو كما قال. صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا عليه وسلموا تسليماً. أهلاً بكم في والله أعلم لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ليواصل هذه المسيرة المضيئة في هذه الحياة لنتعرف من خلالها على منهجه الإصلاحي والتجديدي. اليوم نتحدث
عن تدوين السنة وتلك الأسئلة المثارة ربما أحياناً بحسن نية وأحيان كثيرة بسوء نية. دعونا نطرح على فضيلته، كل هذه التساؤلات مولانا الإمام. أهلاً بفضيلتك، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، المذيع: مرحباً مولانا. يبدو التساؤل دائماً حول نهي سيدنا صلى الله عليه وسلم عن كتابة أحاديثه أو كتابة ما قاله، حقيقة الكذب على سيدنا. ولكن نأتي بالسؤال المبدئي دائماً: متى تم تدوين السنة؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بدأ تدوين السنة من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه رجل وكان اسمه أبو شاه فقال: "يا رسول الله، أسمع منك الكلام وأعود إلى قومي، فأريد أن أحدثهم بما سمعت".
فقال: "اكتبوا لأبي شاه". فكان الكاتبون من الصحابة. يكتبون لأبي شاه حتى يأخذ منهم النسخة ويعود بها إلى قومه يحدثهم بما سمع فلا ينسى منه شيء. التدوين بدأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أوائل من كتب عنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فعبد الله كتب صحيفة عن رسول الله، وكان أبو هريرة مع كثرة روايته عن سيدنا لأنه كان متفرغًا للتلقي وللحفظ وللأداء، كان من أهل الصُّفة، وأهل الصُّفة جماعة اختصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجانب من المسجد، وكانوا فيما
نسميه في أدبيات العصر - حتى يصل الأمر إلى الناس- منحة دراسية، يعني كانوا في منحة. كان رسول الله يُنفق عليهم متفرغين للعلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجاز التفرغ للعلم ولم يجز التفرغ للعبادة، فجاءه أحدهم وقال: "يا رسول الله، إن أخي يأتيك وأنا أُنفق عليه"، فقال: "لعل الله يرزقك بأخيك"، يعني التفرغ جزء لا يتجزأ من ركنية طلب العلم، ركن من أركان طلب العلم؛ حيث إنه عندما وجد شخصاً لا يعمل فقال: "من يقوم بشأن هذا؟" قالوا: "أخوه". قال:
"أخوه أعبد منه". فجعل العمل أعلى من التفرغ للعبادة، وجعل العمل خادماً للتفرغ للعلم في غير ما أحاديث. هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى ومواقف كثيرة جليلة لسيدنا صلى الله عليه وسلم. أبو هريرة الذي كان متفرغاً لطلب العلم وكان من أهل الصفة كان يقول: لم يكن أحد أكثر حديثاً مني من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب. أبو هريرة اعتمد على صفاء ذهنه وعلى حِفْظِهِ وَعَلَى دَعْوَةِ رَسُولِ اللهِ لَهُ بِالْحِفْظِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا لَهُ أَنْ يَحْفَظَ،
فَحَفِظَ. عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اسْتَعَانَ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ". فَلَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْأَوْرَاقُ وَكَثُرَتْ عِنْدَهُ الْكِتَابَةُ، لَامَهُ بَعْضُ أَهْلِ قُرَيْشٍ، قَالُوا لَهُ: "أَتَكْتُبُ عَنْ نَبِيِّ اللهِ كل شيء ينطق به وهو بشر"؟ المذيع: لسيدنا عبد الله بن عمرو، الشيخ: نعم يقولون هكذا. لعبد الله بن عمرو بن العاص عندما وجدوه يكتب ويكتب ويكتب ويكتب، فقالوا له: "عجبا، ألا، تترك شيئاً إلا تكتبه! أنه يتكلم في الرضا والغضب، فهل ستكتب في الرضا وتكتب في الغضب؟ أنت ستضيق واسعاً هكذا لأننا نكتب في الرضا فقط أما في الغضب فلا. فعرض الأمر على رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، أكتب عنك كل شيء، فلاموني وقالوا: "بشر يرضى ويغضب". قال: "يا عبد الله، اكتب". إنه أمر بالكتابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. "اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا ما كان حقًا في الرضا وفي الغضب". وكتب عبد الله بن عمرو بن العاص كثيرًا من هذا، ورواه عنه الرواة بعد ذلك، حتى سُميت هذه الصحيفة في صحيفة همام بن المنبه مائة وأربعة وثلاثين حديثًا، وكلها في البخاري بعد ذلك، فهم يقولون البخاري من أين أتى؟ أتى من مصادر محفوظة ومنها هذا. فيأتي مثلاً شخص ظريف
من ظرفاء المثقفين فيقول: لا توجد نسخة من البخاري مكتوبة بيده! فهذا يذكرني بما كان يحدث قديماً عندما كنا نذهب إلى المكتبات، فكان هناك شخص يمسك بالقمامة الخاصة بسفارة أمريكا. هنا، الله يرحم الجميع. فمرة جاءني وأنا عند أحد الكتبية قال لي: المذيع: أحد الكتبية من هم يا مولانا؟ الشيخ: بائعي الكتب، قال لي: "أنا وجدت التوراة بخط سيدنا موسى، وجدت التوراة بخط سيدنا موسى عليه السلام". هذا يشبه المثقف الذي يقول لك أين البخاري بخط البخاري؟ القرآن ليس موجوداً بخط أصحاب البخاري، وليس موجوداً بخط
البخاري، لكن رواه عن البخاري خمسة من الكبار منهم الفربري. حضر عن الفربري سبعون ألف إنسان رووا البخاري عن الفربري. فالناس لا يتصورون أن هذا علم أيضاً، ويظنون أنه مجرد كلام. حكايات المقاهي إنها تلك المذيع: حكاية عن حكاية مروية الشيخ: مثلاً وكذا لا، هذا علمٌ، علمٌ وثّق بما لم يوثق به أحدٌ في العالمين. المذيع: وغير مسبوق يا مولانا سيادة فضيلتك دائماً تؤكد على ذلك. الشيخ: لم يحدث، وهذا من العلوم الوحيدة الفريدة الشريدة التي اختص الله بها أمة محمد؛ التوثيق. سواء كان ذلك في جانب القرآن الكريم، أو سواء كان ذلك في جانب السنة المشرفة، أو سواء كان ذلك في دفاتر المؤلفين من البشر، حتى المؤلفين الذين هم الإمام النووي والإمام ابن
حجر الذين تربطنا بهم صلة ويعرفون الأسانيد، المذيع: أمير المؤمنين في الحديث الشيخ: أمير المؤمنين في الحديث سيد المحدثين وهكذا، الرُحَلة، -الرُحَلّه يعني المقصود- يعني الكعبة رحلة المسلمين، يعني المسلمون يتوجهون إليه، المذيع: رُحلة. الشيخ: فكذلك، الإمام البخاري هذا كان رحلة العلماء، رحلة العلماء، كان رحلة العلماء المذيع: بتسكين اللام، رحلة العلماء. الشيخ: نعم، فهؤلاء الناس في الحقيقة غريبون عجيبون لأنهم خرجوا عن نطاق العلم. فسيدنا أبو هريرة كتب فعبد الله بن عمرو كتب أكثر منه أو يعني يروي أكثر، والنبي قال له: "اكتب، فوالذي
نفسي بيده ما يخرج مني إلا الحق"، رواه أبو داود. فنحن إذاً أمام تدوين السنة، وقد كانت في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد ذلك دوّن السنة أناس ممن حفظ لنا التاريخ. هؤلاء المدونين منهم ابن شهاب الزهري إمام أهل المدينة، ومنهم الإمام مالك الذي جلس بعدما جمع موطأه، ورواه عنه أربعون عالماً، أعلاهم الشافعي. الإمام الشافعي كان يحفظ الموطأ ورواه عن مالك، ولكن نسخة الإمام الشافعي هذه لم تصلنا. ورواه عنه محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وقد وصلتنا نسخته. انظر، انظر. كيف يكون ذلك حسب إرادة الله سبحانه وتعالى.
أربعون يروون الموطأ. مالك وُلِد سنة ثمانين وتوفي سنة مائة واثنين وسبعين، أو شيء مثل ذلك. يعني أنه وُلِد سنة تسعين مثلاً. فالإمام سفيان الثوري توفي سنة مائة وأربعة وستين، والإمام مالك بعده مباشرة، فالإمام مالك هو إمام أهل المدينة ظل ينقح في الموطأ هذا أربعين سنة وهو عاكف على تعديله، ومراجعته، ومقارنته، وما إلى ذلك. روى عنه أربعون منهم الإمام الشافعي. توفي وعمره أربعة وسبعون عاماً، وكان الإمام الشافعي عمره أربعة وعشرون عاماً حينها، لكنه عندما وفد
إليه كان ابن خمسة عشر عاماً. رءاه الإمام مالك، المذيع: وهو كان الإمام الشافعي كان عمره خمسة عشر سنة عندما ذهب إلى الإمام مالك يا مولانا؟ الشيخ: نعم، نعم، الإمام الشافعي ولد سنة مائة وخمسين، فيكون وهو في عمر خمسة عشر عاماً في سنة مائة وخمسة وستين. الإمام مالك سيموت بعد تسع سنوات، فأدركه وجلس معه، وبعد ذلك حدَّث الإمام مالك، وكان الإمام مالك يهتم كثيراً. ماذا يفعل؟ يتوضأ ويتطهر ويتعطر ويستعد ويتزين ويجلس على الكرسي ويتمكن منه ثم يُحدِّث إجلالاً لحديث رسول الله. إنهم ليسوا أناساً محتالين، وليسوا أناساً هكذا، بل كانوا أناساً معهم المحابر والأوراق وغيرها، والإمام مالك يتكلم وهم يكتبون عنه، ويكتبون، وذلك الشاب جالس منزوياً هكذا ابن خمسة عشر
سنة. يبدو عليه أنه شاب صغير جداً وهادئ. المذيع: الإمام الشافعي؟ نعم، الشيخ: بعد ذلك قام بالتعرض للإمام مالك بعدما انتهى من الدرس، وأخذ يتعرض له في الطريق هكذا لكي يسأله سؤالاً. فالإمام مالك كأنه أنكر عليه قليلاً قائلاً: أنت جالس بلا ورقة ولا كراسة ولا معك قلم ولا معك شيء وأنت تجلس، وستسألني، ستسأل في أي شيء؟ هم لا يحبون هذه الطريقة، فالإمام الشافعي قال له، فيقول له: طيب، أنت لم تكتب، في أي شيء ستسأل؟ فالإمام الشافعي قال له: حفظت ما قلته! قال له: كيف حفظت ما قلت؟ أنا رويت حوالي خمسة عشر أو عشرين حديثاً بأسانيدها.
قال: "الحديث الأول رويته عن نافع عن ابن عمر، والحديث الثاني رويته عن فلان عن فلان، والحديث الثالث، وهكذا سرد الخمسة عشر حديثاً. فالإمام مالك -انظر إلى التعليم والتربية وانظر إلى الجمال- قال له: "لا، تعال" وأخذه من يده، إلى بيته في الحال، المذيع: أنت لا تترك، لا أنت لا تُترك، تعال. الشيخ: نعم، كفاءات، إخواننا المثقفين الحقيقة لم يروا هكذا، لم يروا أحداً بهذا الشكل ولا بهذه الذاكرة ولا هكذا، لكنني أذكّرهم بشيء كان مهماً جداً وهو أنه لم تكن هناك كهرباء حينئذ، وأنه لم تكن هناك مطبعة، وأنه حينئذ، لم يكن هناك ضجيج
ولا تلوث في البيئة ولا تلوث سمعي ولا ضوئي ولا تلوث في الجو، لم يكن هناك تلوث. المذيع: ولا مغريات الحياة، الشيخ: ولكن أيضاً لم يكن هناك تلوث في النفوس، المذيع: وهذا هو الأهم، وهذا هو الأهم. الشيخ: فهؤلاء الناس كانوا متصلين بما خلق الله، كانوا يركبون الحصان، وهذا الحصان وهذا الجمل، يحتاج كل منهما أن يأكل ويريد أن يشرب ويريد أن يرتاح ويريد، فكانوا يتعاملون مع الكون، ولذلك صفت عقولهم وقرائحهم، ولذلك أصبحت عندنا هذه الذاكرة القوية في أفراد منهم أيضاً. المذيع: إذا كان سيدنا صلى الله عليه وسلم لم يمنع سيدنا عبد الله بن عمرو من التدوين فماذا
نفهم أو كيف نفهم الحديث الذى قال فيه سيدنا صلى الله عليه وسلم لا تكتبوا عنى؟ فاصل، ونعود إليكم ابقوا معنا.أهلا بحضراتكم، مولانا الإمام، كما تفضلت فضيلتك قبل الفاصل، من أن سيدنا صلى الله عليه وسلم لم يمنع سيدنا عبد الله بن عمرو من كتابة ما قاله، ولكن كيف نفهم ما قاله؟ سيدنا أيضاً، لا تكتبوا عني، وهذا يحتج به البعض على أن السنة لم تُدَوَّن، بل دُوِّنَت، ولكنهم يقرؤون كما ذكرنا إنه من ضمن البلايا التجزئة، أنهم يقرؤون شيئاً ويتركون شيئاً. كتب الحديث أُسيد بن حضير الأنصاري، كتب الحديث جابر بن سمرة، كتب الحديث زيد بن أرقم، كتب الحديث عبد الله بن أبي أوفى، وكانت هناك صحيفة تُسمى بصحيفة أبي بكر في الفرائض والميراث،
وكان هناك صحيفة تُسمى بصحيفة علي في الديات والتعويضات وما إلى ذلك. كان هناك صحيفة كما ذكرنا لعبد الله بن عمرو بن العاص وكانت تُسمى بالصادقة. هناك الجيل الآخر مباشرةً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كان هناك الحسن البصري يكتب، والحسن البصري تربى في بيت أم سلمة، المذيع: صحيح، الشيخ: أمه كانت تخدم أم سلمة عليها السلام، وهو أخذ السند من علي، ويعني الناس يأخذون حديثاً ويتركون أحاديث، ويتركون أحوالاً، ونحن قلنا لهم قبل ذلك: القرآن كالجملة الواحدة واقرؤوا جميع المصادر
لكي تفهموا وتضعوا هذا بجانب هذا، فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تكتبوا عني"؟ كتبوا بنفس الطريقة التي كتبوا بها القرآن، المذيع: نعم، الشيخ: فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبههم أن لا يكتبوا عليه بهذه الطريقة. الكتابة فيها أمور، رقم واحد: المكتوب عليه ستكتب على أي شيء؟ على ورق البردي؟ أم على لحاف الشجر؟ أم على سعف النخيل؟ أم على رق الغزال؟ أم على الجلود؟ أم على ماذا ستكتب؟ على ورق؟ أم على الكاغد؟ هذا الكاغد كان من صنع فارس، الذي هو الورق حالياً، أي "البيبر" بمعنى الورق. فماذا سنفعل؟ والله إننا في
بلاء شديد مع هؤلاء الناس الذين يقرؤون شيئاً وتغيب عنهم أشياء، عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء. انظر كل هذا الكم الذي كانوا يكتبون بهذه الطريقة، وموجود التراث الخاص به مما أخذه بعد ذلك أمثال أبي بكر بن حزم الذي أمره عمر بن عبد العزيز بالتدوين، وأمثال ابن شهاب الزهري، وأمثال الإمام مالك. هذا الإمام مالك رأى مَن؟ رأى التابعون أبناء الصحابة، أي مباشرة أبناء الصحابة. الحسن البصري هذا من جيل التابعين، من كبار التابعين الحسن البصري، لأنه رآهم جميعاً تقريباً. كانوا قريبي العهد من سيدنا. نعم، مباشرة هكذا هم يعيشون في الجو نفسه، ولم يكذبوا ولم يفعلوا، وكيف يكذبون إذا كان هذا أيضاً هناك سند جملي، والسند الجملي هذا معناه أن كل الناس
تقول هكذا وكل الناس تفعل هكذا. فهذا يأتي ليتصور الخيال المريض أن أحداً قد كذب، أو أن أحداً قد لفّ، أو أن أحداً قد دار، أو كذا إلى آخره. أبداً لم يحدث هذا، بل حصل توثيق من السنة المشرفة ومن الحديث النبوي الشريف موثق توثيقاً تاماً، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما نهى عن الكتابة نهى عن كتابة مخصوصة يختلط فيها الحديث بالقرآن. كتابة مخصوصة، المذيع: نعم، الشيخ: ماذا تعني مخصوصة؟ تعني أن يذكر الكلام ويضعه في وسط القرآن، مثل "إنما الأعمال بالنيات" دون أن يقول "قال رسول الله" مثلاً. هذه هي المقصودة. يقول له: لا، لا تفعل هكذا لئلا يختلط بكتاب الله. المذيع: نعم، الشيخ: النوع الذي عليه
كتابة يجب أن يكون مختلفاً، والطريقة يجب أن تكون مختلفة، والخط يجب أن يكون مختلفاً، وكل هذه الأشياء كانوا على علم بها، ولذلك كان النهي محدوداً في حالة معينة، يعني لا تكتب بهذه الطريقة، المذيع: في هذه الحالة المخصوصة، الحالة المخصوصة التي... فيها نوع التباس مع كتاب الله حفظاً لكتاب الله. من ضمن مصائب الفكر الذي يُخرج التفكير عن كونه مستقيماً: التعميم. يقول لك: "أنا لا أحب القرى". ما هي القرى التي لا تحبها؟ إن هذه القرى فيها من الناس الأولياء والطيبين وغيرهم إلى آخره. "أنا لا أحب العمال". لا، لا يصح، هذا التعميم، المذيع: التعميم الذي يؤدي إلى الوقوع في الخطأ دائماً. الشيخ: نعم، فهذا التعميم يُخرج الفكر من الاستقامة إلى الاستهانة،
فيصبح مستهيناً بعقولنا. إنه يستهين بعقولنا الآن لأنه قد أخرجنا من الفكر المستقيم إلى الفكر المستهين. أما ما الذي يوجد لدي تحت يدي، فهو أن النبي صلى الله عليه. وسلم أوصى بالكتابة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الكتابة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، إذن فقد أوصى وأجاز وأمر، وأن الصحابة الكرام جل منهم كتب، المذيع: مجموعة منهم كبيرة جداً، الشيخ: كبيرة، وقد ذكرنا أسماءهم، وإذا أردنا أن نذكر أسماءهم مرة أخرى نقول: زيد بن أرقم وعبد الله بن أبي أوفى وجابر بن سمرة وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن العاص وهكذا كتبوا، وهناك من حفظ كأبي هريرة والسيدة عائشة وأم سلمة وجابر بن عبد الله الأنصاري، مجموعة كبيرة حفظت ثم
قارنوا ما حفظوه، وكان كل هذا في السنوات الأولى وفي المدينة المنورة، ثم بعد ذلك انتقل إلى التابعين مكتوباً أيضاً وكان الحسن البصري يقول: ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة، المذيع: ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة. الشيخ: أفضل شيء هكذا، وكانوا يفعلون بعد ذلك أخذوه وجعلوه شعراً لأنه من السلف الصالح. ما دام الحسن يقول هكذا، يقول لك: "العلم صيد والكتابة قيده، قيِّد صيودك بالحبال الواثقة، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها بين الخلائق طالقة المذيع: لن تستطيع إحضارها، الشيخ: أنت أحضرت الغزالة قيدها آه، العلم صيد والكتابة قيده،
قيّد صيودك بالحبال الواثقة، وهي الخط الذي هو الورقة التي هي الكراسة. فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها بين الخلائق طالقة الحسن البصري هو الذي يقول هكذا. من هو الحسن البصري؟ الحسنُ البصريُّ الذي تَرَبَّى في أحضان الصحابة، والذي رَبَّاهُ الصحابة التابعي، كان وليًّا من كبار الأولياء، وهو سَنَدُنا في التصوف وفي درجة الإحسان التي نَرويها عن سيدنا علي. أما سعيد بن جبير، فهو الذي قتله الحجاج، وكان الحجاج بعد أن قتله يقول: "ما لي وما لسعيد بن جبير". ومات بعده بثلاثة أيام لأنه دعا عليه وقال: "اللهم لا تمكّنه في أحدٍ من بعدي". فالحجّاج وهو جالس على فراش الموت قال: "ما لي ومال سعيد؟". أأذهب لأقتل سعيد؟ ماهذة البلية؟
هو نفسه يلوم نفسه لأنه تعامل مع واحد من كبار الأولياء الصالحين، سعيد بن جبير. كان سعيد هذا يقول: كنتُ أكتب عن ابن عباس في صحيفتي، ها هو ابن عباس، وها هو سعيد. كنت أكتب في صحيفتي حتى أملأها وتنتهي الأوراق التي معي. أحضرت ورقتين أو شيئاً من هذا القبيل، وابن عباس بحرٌ، وحبر الأمة، ثم أكتب على ظهر نعلي، فيمشي حافياً لكي يقلب النعل، النعل من الجلد ويكتب عليه كي لا ينسى، وعندما يعود إلى البيت يُبيِّض هذا الكلام، ثم يكتب على كف يده هنا هكذا، المذيع: كل ما أتيح له من فراغ يكتب فيه. الشيخ: وبعد ذلك يقول لك: "ليس مكتوباً".
حسناً، من أين سأحضر لك يد سعيد الآن؟ المذيع: هل يمكن أن يطلب شيئاً مثل هذا ويقول: أنا أريد أن أرى؟ الشيخ: نعم، يقول حسناً أين ما يثبت لنا هذا؟ أنا لم أرَ سعيد، عِش حياتك، عِش حياتك ماذا تعني؟ أي استمتع عِش حياتك هذه بدلاً يعني هي التعبير الراقي المؤدب لكلمة أنت حر، لأنه شيء واضح ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. المذيع: وتوضيح الواضحات من المشكلات يا مولانا، الشيخ: هذا من السخف الشديد يعني الآن نقول لك هذا نهار وهذا ليل، فتقول: وما الذي يُعلمني أن هذا نهار وأن هذا ليل؟ إذاً نكون بذلك قد دخلنا في إطار الجدل المقيت وليس في نطاق العلم المؤكد. فإذا كان عندنا ثابت بروايات كثيرة
جداً أن السنة قد كُتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها ظلت تُكتب حتى ظهرت الأجزاء وظهرت كتب السنة وظهرت ونُقحت تماماً، وأنشأ الله علماً في قلوب المسلمين للتوثيق، وهذه العلوم تكاثرت وتحولت من مجرد فكرة إلى صياغة علمية دقيقة قابلة للتكرار. وقيس بها هذا الكم الهائل من المرويات، وضُبطت وعُلم المقبول منها من المردود وكل هذا في مجال التوثيق وليس في مجال الفهم، ثم أنشأوا أداة. المذيع: هل هناك فارق ما بين التدوين والتوثيق والفهم يا مولانا؟ الشيخ: كما بين السماء والأرض. المسألة الآن: هل
النبي قال هذا أم لا؟ وبعد أن نتأكد أن النبي قال هذا أم لا، نريد أن نفهمه. نعم، نفهمه. كيف فعملوا على جمعه من لدن الصحابة، لكن مَن الذي أبرزه وصاغه في صيغة علمية؟ الإمام الشافعي الذي توفي سنة ألفين وأربعة، المذيع: توفي سنة كم يا مولانا؟ الشيخ: مائتين وأربعة، ليس ألفين وأربعة، ألفين وأربعة هذا مشايخنا يعني، لكن من حبنا في الشافعي مائتان وأربعة، اثنان، صفر، أربعة، المذيع: اثنان صفر أربعة، فترى الإمام الشافعي مائتان وأربعة، وهو مولود سنة مائة وخمسين، وكان يعمل منذ أن كان عمره خمسة عشر عاما في العلم وفي الحفظ. الأصمعي قرأ عليه أشعار الهذيليين. أناس تأسسوا أساسا قويا، هل توجد مثل هذه العقلية؟ نعم، توجد، وما زلنا ندرس في كلامه وفي معانيه. جاء
الخطيب البغدادي في أواسط القرن الخامس الهجري وبيّن أن كل شيء في الرسالة مأخوذ من الصحابة. المذيع: رسالة الإمام الشافعي، الشبخ: نعم، التي هي أصول الفقه وأصول الفهم، نعم، مأخوذة من الصحابة الكرام. كل كلمة مأخوذة من الصحابة، هذه قالها ابن مسعود، وهذه قالها ابن عباس، وهذه قالها قال هذا ابنُ الزبير، وقال هذا ابنُ عمر، وقال هذا ابنُ عمرو وقال هذا فلانٌ وعلانٌ بالإسناد إلى درجة مذهلة. فإذاً، كان الشافعي مطلعاً على كل هذا ولخصه وجعله مثل النحلة حينما تأخذ الرحيق ثم تحوله عسلاً بقدرة الله. ربنا وفقهم إلى ما فيه رضاه. أتعلم لماذا؟ لأنهم كانوا عباداً وكانت قلوبهم ضارعة متعلقة بالله، يقومون الليل ويصومون النهار. هؤلاء
الناس كانوا أناساً طيبين، لكننا لا نعرف هؤلاء القوم الذين أجازوا الخمر وأجازوا الانفلات وأجازوا أموراً أخرى إلى آخره. لا، ليسوا طيبين - أعتذر، لا تؤاخذني - يعني ليسوا طيبين، لكن أولئك كانوا أناساً طيبين، طيبين مع ربهم، ولذلك وفقهم الله. إذا كان المرء غير طيّب مع الله فلن يوفقه. السخرية والتعالي والغباء وأيضاً الخروج عن مقتضى العلم، المذيع: والوقوع في شك الحيرة يا مولانا الشيخ: والوقوع في شك الحيرة هو لأجل تشكيك الناس، وجعلهم في فوضى عارمة لن يصلوا إليها، فقد فشلت من قبل عشرين مرة. المهم أنهم يحاولون منذ مئتي سنة أن يبذروا الشك والحيرة، لكنهم في مواجهة ماذا؟ في مواجهة حضارة منقولة بقوة وبعلم
وبعمق، ولذلك لا يعرفون ماذا يفعلون ويتعجبون: "نحن منذ مائتي سنة ونحن نحاول هدمكم، فلماذا لا تنهارون؟". لا نريد أن ننهار لأنكم تريدون أن تهدموا الهرم. بدلاً من أن تهدموا الهرم، اجعلوه مزاراً طيباً للناس، واجعلوه منارة نور بدلاً من أن تجعلوه مكانًا نفايات. ما رأيكم؟ لكن ماذا سنفعل عندما تكون المشكلة في القلوب! لقد تم التدوين في عهد رسول الله، وتم التدوين في عهد الصحابة الكرام، وفي عهد التابعين الكرام، وفي عهد من كتب في السنة وجمع الأجزاء وأنشأ هذه الكتب كلها والذي وصل إلينا من الأسماء التي سجلت هذا مائتين وخمسين كتاباً، اسم كتاب، المذيع: نعم، مائتين وخمسين عنواناً، وكل عنوان لديه يمكن
أن يكون تحته مجلدات كثيرة، الشيخ: وصل إلينا منها حوالي مائتين تقريباً، كلها تقريباً الآن مطبوعة، تلك التي وصلت إلينا، لأننا جلسنا في الثمانينات من ثمانين حتى أول القرن طُبعت السنة في خلال العشرين سنة تلك طبعت أشياء من السنة لم تُطبع في العالم من قبل. فقد طُبع مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق ومصنف ومسند أحمد الذي حُقق في عدة طبعات، وغير ذلك. جميع كتب عبد بن حميد طُبعت بالكامل، وكذلك طُبع مسند أبي عوانة. طُبعت كتب كثيرة جداً ومكّنتنا من المقارنة. نحن عندما نريد أن نُخرِج كتاباً، لا بد أن تكون المخطوطة فيما قبل القرن السادس الهجري. لماذا؟ لأنهم
كانوا مهتمين جداً بالتحقيق والتوثيق، ولم يكن لديهم العجلة، وليس عندهم النزق الذي قد أُصيب به بعضهم بعد ذلك. فنضبط هكذا، فوجدنا أن لدينا إحدى وعشرين نسخة من مسند الإمام أحمد من القرن السادس الهجري. عملنا عليهم، المذيع: بطريقة المقارنات يا مولانا؟ واحد نسخته تقارنونها، ما زيد هنا، ما انتقص هنا؟ الشيخ: نعم، فوجدنا حديثاً مثلاً يقول: "من أحيا سنتي فقد أحبني"، الحديث هكذا موجود في المطبوعات، وعندما قارنّا النسخ وجدناه: "من أحيا سنتي فقد أحياني"، وليست أحبني. قد
تتشابه مع عدم وجود الألف في "أحبني وأحيانى". لا، إنها بالفعل "أحياني". فانظر، انظر كيف يصل التدقيق إلى هذا. "فقد أحبني" لا تختلف كثيراً عن "أحياني" من ناحية أن الأمر مطلوب، أي أن إحياء السنة مطلوب. "أحبني" أو "أحياني" كلاهما جميل، ولكن انظر ما معنى "أحياني" هذه: كأنك قد أعدت رسول الله إلى الحياة الدنيا. يا للعجب! إنه أمر عظيم جداً. فالسنة النبوية دُققت وحُققت وبُذل فيها مجهود الله به عليم، وكل هذا حتى لا نكذب على رسول الله، لأن الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر. المذيع: صلِّوا وسلِّموا على صاحب الوحيين صلى الله عليه وسلم. فاصل ونعود
إليكم ابقوا معنا. أهلا بحضراتكم. مولانا، قبل الفاصل قلت من كذب على سيدنا، طيب يقول سيدنا: "من كذب عليّ متعمداً أو عامداً أو قاصداً فليتبوأ مقعده من النار" أو كما قال، صدق سيدنا صلى الله عليه وسلم. ماذا يعني أن يكذب الإنسان على سيدنا؟ الشيخ: معناه أمور من ضمنها التشكيك الدائم في مصادر الشريعة. لأننا عندما نكذب على رسول الله وغيرنا يكذب على رسول الله وهكذا إلى آخره، في النهاية يأتي المتشككون أو الناس فيقولون: ما أدرانا أن هذا كذب وأن هذا
صواب، ولذلك هذا الحديث حرَّك الصحابة وحرَّك من بعدهم لحفظ السنة النبوية المشرفة، المذيع: هذا أحد الدوافع الأساسية لحفظ السنة. الشيخ: جداً، هو هذا الحديث، لأنهم خافوا أن تُحرَّف السنة، وكانوا يقومون بأمور من ضمنها الحلف، يعني عندما يقول أحدهم: سمعت رسول الله يقول كذا، فيقول له محدِّثه: أقسم بالله، فيقسم بالله أنه سمعه. ومن ضمن هذه الإثباتات أنه يأتي بشاهد معه، هذا كان يفعله سيدنا عمر، أي أحد يقول: سمعت رسول الله فعل هكذا، فيقول له: ائتني بشاهد معك، المذيع: لابد من اثنين، الشيخ: لا بد من اثنين. المذيع: شخص واحد فقط لا يكفي يا مولانا.
الشيخ: هو كان يقبل الاثنين يعني لابد من الاثنين. وكان هذا يذهب إلى الصحابة يقول لهم: انقذوني، عمر يريد أن يضربني أو يفعل كذا لأجل كذا. فلم يكن هناك إكثار من الحديث مثلما يتصورون هكذا، ولكن كان دائماً يأتي بالثاني ويقول له: "نعم، أنا أشهد معك، أنا سمعت رسول الله، فقد كنا جالسين معاً. المذيع: فعلاً. الشيخ: وهكذا، وثقوا الحديث بالقسم، ووثقوا الحديث بالشهادة، ووثقوا الحديث بالمقارنات، ووثقوا الحديث بالفهم. وهكذا. كانت عائشة تقول: "إنني لا أتهم أبا عبد الرحمن بكذب، ولكن السمع يُخطئ، ما قال رسول الله هذا". كان عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا قبر رجل يُعذّب ببكاء أهله عليه". فعائشة
قالت: "لا، لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنا لا أقول إن أبا عبد الرحمن كذاب، وإنما السمع يُخطئ". قالوا لها: فماذا قال؟ قالت: قال: "هذا قبر رجل يُعذب في قبره وأهله يبكون عليه"، ليس ببكاء أهله عليه، هناك فرق، ببكاء أهله يعني أهله يبكون فهو تحمل المسؤولية. فهو قال: لا، لا تنفع "لا تزر وازرة وزر أخرى". إنما الثاني يقول حال أن هذا، المذيع: يُحاسب بعمله، الشيخ: يُحاسب وفي ذات الوقت أهله لا يزالون يبكون عليه، أي لا يزالون يتذكرونه، يعني يريد أن يقول أنه يحاسب قريب الوفاة، لأن أهله لم ينتهوا بعد من العزاء ولم ينتهوا من
الحزن عليه، لم ينسوه بعد. فهذا الضبط كان موجوداً منذ البداية، يقول: "أنترك كتاب ربنا لأعرابي يبول على عقبيه"؟ ولم يأخذ الحديث، "أنترك كتاب ربنا لامرأة لا نعرف أصدقت أم كذبت"؟ لما لم تستطع أن تأتي بشاهد معها. المذيع: انظر إلى الدقة يا مولانا وصلت إلى أي درجة! الشيخ: فالسنة تم تحريرها من لدن الصحابة، لقد ألهمهم الله كيف توثق السنة حفظاً وكتابةً وروايةً ومقارنةً وشرحاً وقبولاً ورداً إلى آخره. المذيع: مولانا الإمام، يصل الأمر ببعضهم في الشك والحيرة إلى أنهم يحتجون بالقرآن الكريم: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: ٩]، يقولون إن الحفظ فقط للذكر، والحديث ليس من الذكر. وفضيلتكم تفضلتم بالرأي أنهم
كانوا يقولون عن سيدنا أنه صاحب الوحيين. كيف نفهم ذلك؟ وكيف نرد؟ الشيخ: هذه معجزة من معجزات القرآن الكريم، المذيع: نعم، الشيخ: لأنه قال: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ"، ولم يقل: إنا نحن نزلنا القرآن "وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، بل قال الذكر الذي يشمل القرآن والسنة. قال تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ" [النحل: ٤٤]، التي هي السنة، نعم، "لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ"، الذي هو القرآن، "وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". وكلما يأتون لنا بدليل، المذيع: نأتي لهم، الشيخ: لا، بل ينعكس عليهم ويصبح السنة محفوظة لقوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، "وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، هِيَ الدَّلِيلُ لَدَيْنَا أَنَّ السُّنَّةَ حُفِظَتْ. لِمَاذَا؟
لِأَنَّ الذِّكْرَ مَعْنَاهُ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ. وَهَلْ أَنْزَلَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؟ المذيع: نَعَمْ. الشيخ: قَالَ تَعَالَى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" [الحشر: ٧]، وَقَالَ تَعَالَى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ‎﴿*﴾‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ" [النجم: ٣- ٤]، وَقَالَ تَعَالَى: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى، ماذا تريدون؟ هذا القرآن، "قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ" [الأنبياء: ١٠٨]، مثلاً. أريد أن أقول لك أنه السنة هي الذكر "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" [النحل: ٤٤]، ما الذي نزل إليهم من ربهم؟ القرآن. وما
الذكر الذي نزلوا عليه؟ السنة. وما الذكر الذي حفظه؟ القرآن والسنة. "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ" [التكوير: ٢٧]، على القرآن، وهكذا فكل ما سيأتوننا به من تجزئتهم هذه. ستجد أنه دليل عليهم، المذيع: في كلامهم بل في ما يستدلون به من آيات. الشيخ: نعم، مثل شخص مرة نسي شيئاً فقال: "اللهم صلِّ على النبي" يريد أن يتذكرها هكذا، فقال له الآخر: "لا يا أخي، "وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ" [الكهف: ٢٤]، فجاء يقول لي، قلت له لا، صلِّ على النبي لكي تتذكر، ودليلك: قوله تعالى "وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ"، فأنت عندما تصلي على النبي، ماذا تقول؟ المذيع: "اللهم"، الشيخ: والتي هي ماذا؟ المذيع: لفظ الجلالة. الشيخ: ذكر، إذن، كنت تذكر، فانظر كيف وصلت حساسيتهم ضد النبي إلى أي مدى،
حتى أنهم أغلقوا على أنفسهم الباب ولم يشعروا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجناب الأعظم، إنها من الله وذكر لله، فماذا نفعل بهؤلاء الناس؟ لقد قال تعالى: "وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ"، هيا قل: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا النبي. على الدوام سيتذكرها المذيع: مولاي صل وسلم دائماً أبداً، الشيخ: سيتذكرها فى الحال. فإذن، الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر. من أعظم الكبائر، لماذا؟ لأنها تشوش مصادر الإسلام، ولذلك قال: "نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع". فأمرنا بالتبليغ وبحفظ السنة،
وكذا، ثم وفقه الله لأنه قد أنزل في كتابه أنه يحفظ الذكر، فحفظ القرآن والسنة معا. والدليل على ذلك أن بعد ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين سنة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبينما نحن جالسون معاً هنا الآن، لدينا كل هذا الكم الهائل من السنة، فهذا هو الحفظ الحقيقي. فنحن نملك دليلنا وهو الواقع، فربنا سبحانه وتعالى حافظ علي آل البيت الكرام وحافظ على السُّنَّة المشرفة وحافظ على البيت وحافظ على القرآن، ونشر الدين كما وعده وأيَّده بكل مؤيد. فإن الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر
وتؤدي أول ما تؤدي إلى تشويش المصادر، وتؤدي أيضاً إلى اختلال الشريعة، أي ليس فقط الصد والتكذيب وما شابه، لأن معنى ذلك أنه سيأخذ هذا الكذب ويطبقه باعتباره أنه الهدى وهو ليس فيه هدى، المذيع: ومن ثم يحدث ماذا؟ الشيخ: تكذيب للشريعة. لأنه عندما يأتي الحديث الضعيف ويُذكر له فضيلة معينة موجودة في الدنيا فيُنفَّذ فلا يحصل، فيفقد الناس ثقتهم في السنة المشرفة. لذلك وضع العلماء المعايير الدقيقة لدرجة الحديث من صحيح وحسن وضعيف والشروط الدقيقة. خمسة شروط لقبول هذا الضعيف وكيفية تطبيقه، ثم بعد ذلك وضعوا أداة أخرى وهي أصول الفقه لفهم هذا الحديث ومقارنته حديثاً
بحديث، أو حديثاً بقرآن، أو حديثاً بأصول الشريعة كلها، ثم وضعوا أصولاً ثالثة لكيفية تطبيق الدين في واقع الناس، فنحن عندنا أصول ما بين النص والتفسير وأصول ما بين التفسير والتطبيق لدينا كل هذا، فيأتي شخص لا علاقة له بهذا المنهج، ولا يعرف التطبيق من التفسير وما إلى ذلك، فيتخبط تخبطاً عشوائياً، كحاطب ليل وجارف سيل يخلط الأمور دون تمييز، فيجمع بين الثعبان وجذع النخلة وجذع الشجرة. هذا كلام فارغ. المذيع: مولانا الإمام. ونحن نقرأ في هذا المنهج الإصلاحي لفضيلتكم لا بد أن يكون هذا هو الفهم المستقيم لفهم السنة النبوية. إذن، كنا دائماً نقول العقل والنقل، فكيف يحدد منهج فضيلتكم
إعمال العقل مع النقل، مع السنة تحديداً؟ الشيخ: لدينا ثلاثة عناصر: العقل والنقل والذوق، لدينا هذه الثلاثة، وقد أخذناها جميعاً من الكتاب والسنة والثلاثة العقل هذا العقل: ربنا خلق كتاب الله المنظور الذي هو الكون، وخلق كتاب الله المسطور الذي هو القرآن، خلق المصحف هكذا، كلام الله القديم ليس مخلوقًا، ولذلك كان يسميه ربنا بالأمر، "أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [الأعراف: ٥٤]، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [ العلق: ١]، يعني يقول لك اقرأ هذا الكون، ثم "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‎* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" [العلق: ٣- ٤]، الذي هو الوحي. المذيع: هذه المراوحة، الشيخ: النظر في كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، هذا عمل العقل.
فالعقل يقرأ كتاب الله المنظور بالتأمل والتدبر والمجهر وبعلم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم، ويقرأ كتاب الله المسطور بالتوثيق والفهم وتحت راية وتحت سقف الإجماع. وبالإلحاق المستقيم الذي نسميه القياس وبالاستدلال وبالاستنباط وبالاستهداء نستهديه، "هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [ البقرة: ٢]، فلا بد أن تكون متهيئاً حتى تأخذ منه الهداية، لأنك لو دخلته من غير تقوى "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى" [فصلت: ٤٤]، هو نفس النص القرآني، القرآن "هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"، وفي نفس الوقت "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى"، فإذن هذا دور العقل، العقل يفهم العقل
يُطبّق العقل يستنبط العقل يصل ما بين المطلق والنسبي، والعقل يدرك المآلات ويدرك المصالح ويدرك المقاصد ويدرك كيفية التطبيق. النقل شأننا فيه التوثيق ثم الفهم ثم الاستنباط. أما الذوق فله الحدود التي له غاية وله طريق وله مراحل وله كيفية مندرجة. يقول فيها الجنيد: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، المذيع: إمام أهل الطائفة، الشيخ: هناك الله مقصود الكل، ملتفت لا يصل. تبدأ باليقظة وتتلو بالتوبة إلى آخره إلى أن تنتهي من الوضع، الذكر والفكر في هذا الذوق. "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [آل عمران: ١٩١]، التخلية
والتحلية: التخلي من القبيح والتحلي بالصحيح، وبالتخلي والتحلي يحدث التجلي في هذا الطريق، هذا هو دور العقل والنقل والذوق في دين الله. المذيع: هذا ما يريده مولانا الإمام: إيجاد حالة الوعي قبل السعي وعودة الروح مرهونة دائماً بعودة هذا الوعي. وعلماء النفس والاجتماع يقولون: روح الأمة تسيطر على مستقبلها ومصيرها. مولانا الإمام، شكر الله لك ورضي الله عنك دائماً مولانا. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، المذيع: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
.