والله أعلم | الدكتور علي جمعة يوضح دور السنة في بناء الحضارة وتقدم الأمة | الحلقة الكاملة
- •السنة النبوية كانت الوصلة بين القرآن المطلق والواقع النسبي المتغير، فالقرآن يتجاوز الزمان والمكان، ويحتاج إلى وصلة مع الواقع البشري.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم هو التطبيق المعصوم للقرآن، وهو الوصل بين المطلق والنسبي، والأسوة الحسنة التي تشهد لنا وعلينا.
- •اهتمت السنة ببناء الإنسان قبل البنيان، وركزت على الأخلاق والقيم السامية، فالساجد قبل المساجد.
- •تمثل الأخلاق والقيم خمسة وتسعين بالمائة من تعاليم السنة، وفقط خمسة بالمائة للأحكام.
- •الحضارة الإسلامية تميزت بأنها عمرت ولم تدمر، ولم تُبِد شعوباً أو تستعبدها، بل أنشأت العلوم وأسست للعدل.
- •المسلمون أنشأوا سبعين علماً وكانوا يجمعون بين القراءتين: كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون).
- •سبب أزمتنا الحضارية هو افتقاد منهج رسول الله، فالمطلوب أن نحيا حياة رسول الله لا أن نعيش في زمنه.
- •المطلوب أن نكون إنساناً للحضارة والرحمة والسلام، يعمر ولا يدمر، ويفكر ولا يكفر.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن السنة والحضارة
[المذيع]: ربِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل العقدة من لساني يفقهوا قولي. أهلًا بكم في "والله أعلم"، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف.
لنتعرف على كيف كانت السنة المكوِّن أو أحد المكونات الأساسية لبناء هذه الحضارة، الحضارة التي انتشرت معارفها في الشرق والغرب، فأصبح الغرب مستشرقين هذه الحضارة، أو هذا الإسلام الذي صنع من البداوة أو البساطة حضارةً أطلّت شمسًا على الشرق والغرب على حدٍّ سواء، كما قالت سيجريد هونكه.
مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، مرحبًا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
سؤال المذيع عن دور السنة النبوية كأحد مكونات الحضارة الإسلامية
[المذيع]: السنة النبوية الشريفة، سيدنا صلى الله عليه وسلم الذي ربّى في مدرسته العظماء، هذه المدرسة التي أنجبت وأخرجت لنا الكثير والكثير، كيف كانت السنة أحد المكونات الأساسية لهذه الحضارة الإسلامية؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. القرآن قد تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذا هو الذي يسميه بعض الأدباء والفلاسفة والحكماء بالمطلق.
القرآن كلام الله المطلق وصفة الكلام الإلهية الباقية
فالقرآن من حيث أنه كتاب الله، ومن حيث أنه كلام الله سبحانه وتعالى، والله خارج عن هذا الكون، أي مفارق له، أي أن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
فإن كلامه صفة من صفاته، فهو باقٍ فيه، كان قبل خلق الزمان والمكان وسيكون بعد ذلك. فصفة الكلام هي صفة إلهية ربانية، ولكن عُبِّر عنها بما قد أنزله الله سبحانه وتعالى في صحف آدم وشيث، وبما أنزله الله سبحانه وتعالى في صحف إبراهيم، وبما أنزله الله سبحانه وتعالى في الزبور والإنجيل والتوراة والفرقان والقرآن.
القرآن المطلق يحتاج إلى وصلة مع الواقع النسبي المتغير
ولذلك فالقرآن هو صياغة لبعض كلام الله سبحانه وتعالى. إذا أُطلق القرآن نعني به الدال المخلوق هذا الذي بين أيدينا، نعني به أساسًا وحقيقةً المصحف، وهو دالٌّ على الصفة القائمة بذاته الباقية المطلقة.
إذن فالقرآن فيه صفة الإطلاق، وصفة الإطلاق المتحررة من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال تحتاج إلى وصلة مع الواقع النسبي المتدهور المتطور المتغير الذي نعيشه نحن البشر في زماننا ومكاننا وأشخاصنا وأحوالنا وتاريخنا وتقلب الزمان علينا.
النبي ﷺ هو الوصل بين المطلق والنسبي والأسوة الحسنة
كيف هذه الوصلة؟ هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان قرآنًا يمشي على الأرض كما وصفته عائشة رضي الله تعالى عنها.
إذن فرسول الله هو الوصل بين المطلق والنسبي، هو المثال الأتم، هو الإنسان الكامل، هو الأسوة الحسنة، هو الذي جعله الله سبحانه وتعالى مثالًا يُحتذى وشهيدًا يشهد لنا وعلينا، نشهده فنخلده، ويشهد علينا فيصحح مسارنا.
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعصوم، هو ذلك التطبيق المعصوم في فعله وقوله وسكوته وتقريره ووصفه لمراد الله من كونه، من العبادة والعمارة والتزكية.
كيف يقع المطلق على النسبي وتحويل المعاني العليا إلى برامج عمل
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الوصل، هو التطبيق المعصوم الوحيد الذي بين كتاب الله المطلق والواقع المعيش المتغير النسبي. المطلق والنسبي، كيف يحدث أن يقع المطلق على النسبي؟
يحتاج إلى قواعد، يحتاج إلى مفاهيم، يحتاج إلى تحويل المعاني العليا والأخلاق الجليلة إلى برامج عمل.
نعم، من الذي قام بهذا؟ سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الإنسان الكامل، الأسوة الحسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
الاتباع المعصوم للنبي ﷺ ومعنى الشهادة على الأمة
هذا هو الإنسان الكامل والأسوة الحسنة.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى﴾ [آل عمران: 31]
لا تأتِ بأشياء من عندك، ولا تأتِ بتطبيق غير معصوم وتحاول أن تلصقه بالمعصوم. لا!
﴿فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
صلى الله عليه وسلم. ماذا يعني شهيد؟ يعني شاهد ومشهود. شاهد لماذا ومشهود لماذا؟ الناس تنظر إليه هكذا لكي تقلده، وهو تُعرض عليه أعمالكم، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفر لكم.
رعاية النبي ﷺ لأمته بعد انتقاله ونعمة الانتساب إليه
إذن فنحن في الرعاية والعناية إلى يوم الدين. انتقلت روحه الشريفة إلى مقام ربه الكريم سبحانه وتعالى في عالم الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين، لكن بالرغم من ذلك عينه على أمته بفضل الله.
لأن الله سبحانه وتعالى له فضل علينا وأنعم علينا، ومن هذه النعم أن جعلنا أتباع هذا النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا هو شأن النبي صلى الله عليه وسلم في الدين، هذا هو الذي قال فيه ربه:
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
وجوب التسليم المطلق لحكم النبي ﷺ والدعاء بالحياة على شريعته
هكذا:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]
انظر، يقول لك: ارفع يديك واستسلم وسلِّم تسليمًا، أي لا حيلة لنا ولا باب لنا إلى الله سواه صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك ندعو في دعائنا: اللهم أحينا على شريعته، وأمتنا على ملته، وابعثنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، وأدخلنا من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، وشفِّعه فينا يوم القيامة.
النبي ﷺ رحمة للعالمين وشفاعته يوم القيامة لجميع الخلق
لأنه هو رحمة للعالمين وليس للمسلمين ولا للمؤمنين فقط، بل سيصيب من خيره كل فرد خلقه الله سبحانه وتعالى وأوقفه في يوم الحساب العظيم؛ حيث إن الناس سيلجؤون إليه حتى يخفف الله عنهم أهوال يوم القيامة، فيخففها بدعاء النبي لهم، فلا يفرق بين مؤمن وغيره، ويدعو لكل صنعة الله سبحانه وتعالى.
فهذا من رحمة الله الذي قال فيه:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مُهداة»
كان يقول هكذا: إنما أنا رحمة مُهداة.
جريمة العبث بالسنة النبوية من قبل الأدعياء والأعداء
هذا شأن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا شأن السنة، حتى يتبين للمسلمين وللمؤمنين ولأصحاب القلوب والعقول والأذواق، حتى يتبين لهم جريمة ما يفعله الصبيان، حتى يتبين لأهل الإيمان حقيقة جريمة ما يفعله الصبيان.
لأن هؤلاء يتلاعبون بأمر جلل، لا هم على قدره، ولم يصلوا في حالهم مع ربهم إليه، ولا في حالهم مع الناس إليه، سواءً كانوا أدعياء أو أعداء.
يا مولانا، سواءٌ أدعياء أو أعداء، والله ما وصلوا إلى عُشر معشار هذا الحال، ليس هذا النبي، بل هذا الحال الذي هم يتلبسون به تلبسًا على غير عدل.
الأمة الإسلامية تكلمت بالعلم والنقل والعقل على مر التاريخ
لا يوجد عدل، يعني لا يوجد عدل، أي أنه ميلٌ غير معتدل، وكلامٌ غير معتدل؛ لأنهم يتكلمون بالأهواء، لا يتكلمون بالعقل ولا يتكلمون بالعلم ولا يكلموننا بالذوق.
ونحن نحن الأمة، من هي الأمة؟ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الناس هذا، تكلموا بالعلم، تكلموا بالنقل والعقل والذوق، تكلموا بمجهود بذلوه من أجل تحرير الحقائق والرد على كل من يخالف هذه الحقائق من أصحاب الأساطير ومن أصحاب الخرافات ومن أصحاب من يريدون يعيش الناس في أوهام.
الحق الذي أنشأ الله السماوات والأرض به وآية الجهاد في سبيل الله
يتكلمون عن الحقائق، يتكلمون عن الثابت، عن الحق الذي أنشأ الله السماوات والأرض به.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَّا بِالْحَقِّ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يونس: 5]
ولذلك فنحن نتكلم عن ذلك الحق متمثلًا في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:
﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: 78]
شهيدًا: شاهدًا ومشهودًا، فعيل تصلح للفاعل والمفعول.
الرد على الإرهاب والدعوة إلى إقامة الصلاة والزكاة بدلاً من التطرف
﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]
ماذا نفعل إذن؟ أنصير جماعة إرهابية؟ أنصبح دواعش ونتغابى ونخلط؟ الله!
﴿فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [الحج: 78]
الله! انظر كيف، انظر:
﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 110]
يعني إذا هذه أمور ربنا سبحانه وتعالى كفيل بها سبحانه وتعالى، أن ينصرنا على هؤلاء الطغمة ممن يريدون أن يغيروا معالم الدين بمعالم في الطريق، يريدون أن يغيروا معالم الدين، والدين محفوظٌ بحفظِ اللهِ له.
سؤال المذيع عن كيفية ضبط السنة للإنسان ليكون أساس الحضارة
[المذيع]: مولانا الإمام، يعني كلُّ حضارةٍ ولها نسقُها المعرفي ولها نموذجُها المعرفي. فضيلتُكَ تفضلتَ علينا وقلتَ لنا أنَّه سيدنا صلى اللهُ عليه وسلم ربطَ تعالى بالغيبِ بعالمِ الشهادة، هو الذي ترجمَ هذا المطلقَ أو كان جسرَ الوصولِ من المطلقِ إلى النسبيِّ لضبطِ هذا النسبي.
يا مولانا، كيف كان سيدنا من خلال سُنته ومن خلال فعله ومن خلال قوله ومن خلال إقراره أن يضبط هذا الإنسان في هذه الحياة ليكون العنصر الأساسي؟ لأن الإنسان هو الذرة في هذا الكون، فإذا اجتمعت كان المجتمع، وإذا ما تحرك كان التاريخ، وفي لحظة الألم والنشوة يكون الإبداع.
سؤال المذيع عن السنة كترجمة عملية للقرآن في تنشئة الإنسان
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، أعود إلى هذا السؤال الذي نريد الإجابة عليه من خلال: كيف كانت السُّنَّة العامل الأساسي في تكوين ترجمة للقرآن الكريم، كترجمة عملية التطبيق مع النظرية، لتكوين أو تنشئة هذا الإنسان الذي سيصنع الحضارة؟
[الشيخ]: إذا بدأنا بالإنسان الذي سيصنع الحضارة، فلا بد أن نبني الإنسان قبل البنيان، وهذه العبارة أن الساجد قبل المساجد هي ملخص الحضارة الإسلامية.
الساجد قبل المساجد وأولوية بناء الإنسان في الحضارة الإسلامية
وعندما نقول الساجد قبل المساجد، فإن بناء الساجد من المهمات العظيمة، وبناء المساجد من المهمات العظيمة أيضًا، ولكن هذا قبل هذا. فمن الذي سيبني المسجد؟ ومن الذي سيعمر المسجد؟ ومن الذي سيؤدي وظائف المسجد وخصائص المسجد؟ الإنسان.
إذن فلا بُدَّ أن أُربي الإنسان أساسًا؛ لأنه:
قال رسول الله ﷺ: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»
نحن مستعدون أن نصلي في الخلاء، سنصلي وسنصلي في كل مكان. وبالرغم من ذلك، فإن بيوت الله في الأرض هي المساجد، ولو أن أحدهم قد بنى بيتًا لله ولو كمفحص قطاة أدخله الله به الجنة.
الاهتمام بالإنسان والبنيان معاً مع أولوية الإنسان على البنيان
فيبقى أو بنى إنَّ الله له بيتًا في الجنة مثلًا. فيكون هذا الكلام أننا نهتم بالإنسان ونهتم بالبنيان، ونهتم بالساجد ونهتم أيضًا بالمساجد، ولكن الترتيب أن الإنسان قبل البنيان.
وليس البنيان وليس لا البنيان، ليس أما الإنسان أو البنيان. بعض الناس تظن هكذا، ما دام هناك إنسان، لا، بل الإنسان له الأولوية. فالأولوية هنا للإنسان معناها أنه الثاني آتٍ.
نعم، الإنسان قبل البنيان والساجد قبل المساجد، هذا هو الملخص فيما هنالك.
بناء الحضارة بالقيم العليا والربط بين الأخلاق والعقيدة
كيف بنى رسول الله الحضارة؟ عندما نأتي إلى الإنسان نجد هذه القيم العليا. عندما يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا، ولن تحابوا حتى تؤمنوا»
انظر إلى الربط بين الخلق والبناء بالعقيدة دائمًا هكذا.
قال رسول الله ﷺ: «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا مَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟» أجل، يُنال به الإيمان. نعم، قل يا رسول الله. قال: «أَفْشُوا السَّلَامَ»
هذه هي الأزمة التي نعيشها، أزمة العالم، أليس كذلك؟ أزمة العالم في الحب. الحب فُقِد.
الفرق بين الابتسامة الحقيقية النابعة من القلب والابتسامة المصطنعة
وهل تعلم أن الأطفال الأمريكيين لديهم شيء يُسمى "السيلي سمايل" التي هي الابتسامة السخيفة؟ عندما يواجهك هكذا هو يتفاعل تفاعلًا بلاستيكيًا مصطنعًا، أي أنها ليست نابعة من الداخل.
ليست كما نقول: "لاقيني ولا تغديني". ليست كما ورد:
قال رسول الله ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»
هذه ابتسامة حقيقية، هذا فرح، هذا أنك تريد أن تحتضنه وتسلم عليه من قلبك، وليست سيلي سمايل. الحقيقية ليست ابتسامة المجاملات الاجتماعية.
وبعد ذلك إذا لاحظته ستجده قد فتح فمه هكذا، ثم بمجرد أن تجاوزته عاد مرة أخرى، لكن ما زالت علامات الفرح ظاهرة على الوجه بعد الابتسام.
إفشاء السلام فقه حب الحياة وليس القتال والإفساد في الأرض
فالحب وبعدين ذلك، ماذا أفعل بهذا الحب؟ أنا لا أعرفه.
قال رسول الله ﷺ: «أفشِ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف»
هذا فقه حب الحياة يا مولانا، جزء واحد من أربعين في فقه حب الحياة: إفشاء السلام.
نعم، السلام عليكم. وانظر إلى الكلام: السلام وليس القتال، وليس الإخراج من الديار، وليس القتل، وليس الفساد في الأرض، وليس العبودية.
هؤلاء في داعش التابعون العبودية؛ هؤلاء الأطفال بالأمس، وسائل الإعلام العالمية جلبت صور الأطفال في ليبيا وهم يقتلون بعضهم البعض؛ لأن ما يسمى بالبطل الأيقونة المفسد في الأرض أي فعل بهم هكذا.
السلام في ختام الصلاة سلام مع الأكوان والجن والملائكة والإنس
لا، ليس كذلك. فنحن في آخر صلاتنا نقول السلام عليكم، وبعدها أقول سبحان الله، سواء كنت وحدي أو كنت في المسجد، وأقولها بصوت خفيض. لمن تقولها؟ أنت الآن قلتَ للجن والملائكة، لمن حضر من الجن والملائكة.
معنى هذا الكلام أن سلامنا إنما هو سلام مع الأكوان، مع الجن، مع الملائكة، والإنس من باب أولى، والنبات من باب أولى، والحيوان من باب أولى.
قال رسول الله ﷺ عن جبل أُحُد: «أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه»
وعلى ذلك لا أذهب لأهدمه وأفسد فيه وما إلى ذلك.
غرس الفسيلة عند قيام الساعة وتعليم النبي ﷺ الإنسانية إكرام الجار والضيف
حسنًا، والذي قال:
قال رسول الله ﷺ: «من كان في يد أحدكم فسيلة وجاءته الساعة - أي القيامة - وهي تشق الأسفلت والدنيا تنهار، فليغرسها»
حسنًا، اغرسها لمن؟ لله، وليس لثمرتها.
إذن فهكذا علّم رسول الله الإنسانية:
قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وليتقِ جاره بوائقه»
لا تؤذِ جارك، الله يحفظك. وما هذا؟ إنه الشخص الذي هو:
قال رسول الله ﷺ: «خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
تعليم النبي ﷺ الأخلاق حتى صار الإنسان فارساً نبيلاً يعمر ولا يدمر
ظل يعلمهم الأخلاق من الألف إلى الياء، حتى أصبح هذا الإنسان فارسًا نبيلًا، إنسانًا للحضارة.
ولذلك عَمَر ولم يدمر، ولذلك عفا ورحم وأحبَّ، ولذلك ما دخل بلادًا فأحرق مكتباتها، أو استعمر شعوبها، أو استعبد نساءها، أو ضيَّع أطفالها، أو أفسد في أرضها أبدًا. ما حدث ذلك.
إنما الذي حدث أنَّ مرةً بلدًا من بلدان ما وراء النهر دخلوها من غير إنذارٍ لأصحابها، فذهبوا وقالوا له: أنت هكذا خالفت دينك، كيف يكون هذا؟ قالوا له: لأنك دخلت من غير استئذان. فقال لهم: سأخرج، وذهب خارجًا مرة أخرى.
العدل القضائي والاجتماعي في بناء النبي ﷺ للأمة وتعليق القلوب بالله
إنه عمل راقٍ، عمل راقٍ على مستوى عالٍ جدًا. إنه عمل عدل، قضائي وعدل اجتماعي.
وعدل النبي بناهم على هذا، جعل الدنيا في أيديهم ولم يجعلها في قلوبهم، علّق قلوبهم متضرعة لله وليس من أجل مصلحة ضيقة دنيوية.
ثم أمرهم بالزكاة وبالصدقة وبالعطاء والحب، عطاءٌ أخرجهم من حالة الأنانية التي كانت سائدة في الجاهلية إلى حالة من الحب عظيمة جدًا، يأتي فيها فقه حب الحياة، سواء كانت هذه الحياة هي جزء من هذه الحياة الكبيرة الدنيا، أو كانت هي الحياة وأن الدار الآخرة:
﴿التي هي الحيوان لو كانوا يعلمون
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [العنكبوت: 64]
فسواء هذه أو تلك، نحن نحب الحياة.
نقد فتاوى التفجير والإرهاب والرد على من يأمر بالعمليات الانتحارية
هذا لن يخطر على باله أن يضع المتفجرات حوله، كما يقول القرضاوي - أتعبه الله سبحانه وتعالى إذا لم يهده ويرده إلى الصواب ويجازيه بما فعل وما أفسد في الأرض وما عاث في الأرض -.
يقول حسب جماعته تأمره. نعم، هذا فسق، يعني لا يخرج أحد من تلقاء نفسه، يجب عليه أن يعود إلى جماعته.
حسنًا، إذا كانت جماعته أجهل منك ومن الدابة، أي هي أجهل من حيوان الدابة، هي أجهل من هذا. ولكن انظر إلى الاستهواء وانظر إلى الاستغباء وانظر إلى العناد في هذه المسائل.
فساد المتطرفين الذين يبحثون عن المجد الدنيوي تحت غطاء الدين
حسبنا الله ونعم الوكيل، سيؤتينا الله من فضله ورسوله. هؤلاء الناس أفسدوا وأفسدوا باستهانة.
عندما تجلس معهم، والله ما هي قلوب ضارعة أبدًا، بل هي تبحث عن مجد حتى لو كان هذا المجد مغطى تحت الدين. المهم أن يكون مجدًا في الدنيا، أن يكون صيتًا وسمعة في الدنيا، وليست بقلوب ضارعة خائفة من رب العالمين.
ولذلك يقرؤون الواقع على غير ما هو عليه. السُّنة بنت الإنسان قبل البنيان، ولكنها عُمِّرت.
التمسك بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين والتحذير من المحدثات
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»
النواجذ التي هي ضروس العقل عندنا، عضوا عليها بالنواجذ، يعني كناية عن التمسك الشديد، أتفهم؟
«وإياكم ومحدثات الأمور»
في الدين التي تكر على الدين بالبطلان. فالنبي صلى الله عليه وسلم نبهنا إلى تغير الزمان، وأن الزمان الذي سيأتي فيه أبو بكر غير الزمان النبوي، والزمان الذي سيأتي فيه عمر غير زمان أبي بكر ورسول الله، والزمان الذي يأتي فيه عثمان غير من سبقه من الخلفاء ومع سيدنا رسول الله.
اتساع رقعة الأمة الإسلامية ووصول الصحابة إلى الهند والأندلس
تطور، متغيرات، مستجدات. حدث أن الأمة قد اتسعت رقعتها، وأن الصحابة وصلوا إلى الهند من هنا، ووصلوا إلى مشارف الأطلسي من الناحية الثانية، ودخلوا البلاد وفتحوها إلى آخره.
حتى إذا ما كانت سنة تسعين فُتحت الأندلس ودخلها بعض. كيف فُتحت! ذهب أبو أيوب الأنصاري وتوفي في قسطنطينية، هذه مات فيها أبو أيوب وأصبح قبره الآن مشهودًا يُزار في إسطنبول.
ركبوا البحر وأدوا ما عليهم من تبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى للعالمين، لم يُكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام، ولكنهم حاولوا أن تصل كلمة الله للعالمين:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
نسبة المسلمين بعد مائة سنة دليل على عدم الإكراه في الدين
بعد مائة سنة من دخول الإسلام هذه البلاد وعدد المسلمين خمسة في المائة، هو دليل على ماذا يا مولانا؟ دليل على عدم الإكراه.
فإذا كان لدي هذا التاريخ النظيف الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نسميه بالحضارة الإسلامية، خالية من إبادة الشعوب، خالية من الاستعمار، خالية من نقل ثروات الشعوب إلى مكة والمدينة حتى تصير الحجاز جنة خضراء.
لم يحدث أبدًا، وظل الحجاز أفقر بلاد الله حتى ظهر البترول في المملكة العربية السعودية.
الحضارة الإسلامية لم تُبِد شعوباً ولا استعبدت بل جعلت العبيد حكاماً
فالقصة واضحة أن حضارتنا لم تُبِد شعوبًا مثلما فعلوا مع الهنود الحمر وفي تسمانيا وفي أستراليا وفي أواسط إفريقيا مع البوير والزولو، ولم تستعبد شعوبًا أبدًا.
ومن جاءنا يبيعونه هكذا، فدرّبناه ونظّفناه وعيّناه حاكمًا علينا سبع مئة سنة، والمماليك يحكموننا.
هل رأيت أمةً جعلت عبيدها حكامها؟ عبيدها جعلتهم حكامها! أمة هكذا، أمة حضارية. هذه هي الحضارة التي أقامت العدل وجعلته أساسًا للملك، التي وزعت فعدلت اجتماعيًا، التي أنتجت فأبدعت فنونًا وآدابًا تحت المفاهيم والمبادئ العامة.
خمسة وتسعون بالمائة من السنة أخلاق وخمسة بالمائة أحكام فقهية
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل هذه الأخلاق النبوية الشريفة الكريمة التي تشمل خمسة وتسعين في المائة مما تركه لنا رسول الله، وترك خمسة في المائة أو أقل في سائر الشريعة من عبادات ومعاملات وأقضية وعلاقات دولية وشهادات وزواج وطلاق.
خمسة في المائة من الأحاديث، ألفا حديث فقط هي الأحكام، والبقية كلها تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر وتبني فينا المعاني السامية.
قال رسول الله ﷺ: «يا أنجشة، رفقًا بالقوارير»
تبني فينا المعاني السامية.
قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»
تعليم النبي ﷺ الطهارة الحسية والوضوء كبذرة تنبت حياة كاملة
إذن هو علمنا الطهارة الحسية، ثم بنوع خلق الله، آية خلق الله. إنه يرمي البذرة يا أستاذ فتنمو شجرة، ورجل يتزوج امرأة ويقضيان شهوتهما فتحمل وتنجب ولدًا عجيبًا غريبًا، كل هذا من خلق الله.
شيء بسيط يخرج منه النبي عليه الصلاة والسلام، فعل هكذا ليعلمك الوضوء فتخرج منه حياة بأكملها، يعلمك الرحمة فتخرج منها حياة بأكملها.
شيء بسيط يأتي بحياة بأكملها بدون فلسفة معقدة ولا كلمات غامضة.
دعاء وختام الفقرة والانتقال للحديث عن علماء الحضارة الإسلامية
يا رب هبَّت شعوب من منيتها واستيقظت أمم من رقدة العدم. صلوا عليه وسلموا تسليمًا.
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، حينما نتأمل صفحات الحضارة الإسلامية ونقرأ عن جابر بن حيان وعن القانون لابن سينا، كان جابر بن حيان يقول: هذا مِمَّا عَلَّمَنِي سَيِّدُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ أَجْتَهِدَ رَأْيِي.
هل فهموا فقه حب الحياة فقدموا هذا المنجز العلمي والحضاري للعالم؟
أوروبا بدأت مما انتهى إليه المسلمون وعلماء الطبيعيات كانوا من أهل الديانة
[الشيخ]: أوروبا بدأت مما انتهى إليه المسلمون. علماء الطبيعيات كجابر بن حيان وأمثاله، والحقيقة أن كثيرًا منهم كان من أهل الديانة، نعم، وكانوا وتعلموا تحت هذه المظلة.
بمعنى أنها دراسة الدين في كلياته كانت مقررًا دراسيًا، بمعنى أنه لا بد للجميع أن يعلم، حاكمًا ومحكومًا، عالمًا في الطبيعيات أو غير عالم.
ثم بعد ذلك يتخصص فيما يشاء مما يجد موضوع العلم قريبًا لقدراته وكفاءاته وفهمه وتوجهاته ورغباته وميوله.
الحضارة الإسلامية أنشأت سبعين علماً والشيخ الشبراوي كان له سبعون سنداً
فكانت الحضارة الإسلامية قد أُنشئت إنشاءً نحو سبعين علمًا. كان للشيخ عبد الله الشبراوي سبعون سندًا في سبعين علمًا، كانت تُدرّس في الأزهر الشريف أواخر القرن الثامن عشر.
كان شيخًا للأزهر يا مولانا، وكان شيخًا للأزهر الأثري وشاعرًا. من علوم الرياضيات، من علوم المثلث الكري، منها علوم الإسطرلاب والأدوات الخاصة بابن ماجد وغير ذلك إلى آخره، التي توصل بها كولومبوس إلى أمريكا.
ولم يكن طبعًا أول من ذهب إلى أمريكا، أول من ذهب إلى أمريكا هم العرب.
إسهامات علماء المسلمين في الطب والفلك والضوء والدورة الدموية
ومنها علوم الفلك والهيئة، ومنها علوم الطب وبرع فيها ابن رشد وألّف فيها وكذا إلى آخره، والزهراوي والرازي الطبيب غير الرازي الإمام، وابن الهيثم في علم الضوء، والنفيس ودوره في الدورة الدموية وكذا إلى آخره.
كانوا في الحقيقة علماء، وأيضًا كانوا علماء تجريبيين.
نعم، وكان يدرس سبعين علمًا، سبعين علمًا من ضمنها هذه العلوم.
الصدام بين العلم التجريبي والكنيسة في أوروبا مقابل التوافق في الإسلام
إذا نظرنا في المقابل، ما الذي فتن أوروبا وما الذي جعل الصدام الحاد بين العلم التجريبي، بين جاليليو وكوبرنيكوس وأمثالهم، وبين الكنيسة في أواسط القرن التاسع عشر؟
أي أننا هنا نروي بالأسانيد سبعين علمًا. كانت الكنيسة تُحرّم هذه العلوم في خطاب مشهور للبابا يُسمى باول، كلمة فيه "بسنت".
فخطاب بسنت الخاص بالبابا في أواسط القرن التاسع عشر وبعد إغلاق عام ألف وثمانمائة وستين تقريبًا، أنكر الحداثة التي تتمثل في السبعين علمًا.
المسلمون رووا العلوم بالأسانيد قبل أن تحرمها الكنيسة بمائة سنة
نحن نقول بأسانيدنا للسبعين عالمًا منذ قبل البسنت بمائة سنة، وهو بعد مائة سنة ما زال يحرّم الاشتغال بهذه العلوم التي لا دليل عليها من كلام آباء الكنيسة أو غير ذلك إلى آخره.
الحقيقة أن اعتراض الكنيسة على جاليليو لم يكن اعتراضًا على ذات العلم، وإنما كان اعتراضًا على أنه ليس معه دليل. من يقيم عليه دليلًا حسيًا يكفي أن يترك الآباء مفاهيمهم للنص.
قالوا له: هات لنا دليلًا، وهذا الدليل إذا أحضرته فنحن موافقون عليك، لكن إذا لم تحضره سنحرقك، سنحاكمك. قال لهم: بل احرقوني، أنا أتراجع عن كلامي.
أزمة فقد المنهج عند الكنيسة وانعكاسها على تلقي العلوم
وظلت هذه الكتب [كتب جاليليو] وتُرجمت بعد ذلك وانتشرت وعملت، وتبين أنها تصف الواقع الذي تأيد بعد ذلك بالأدلة.
فكانت هناك أزمة في عدم رواية العلوم بهذه الطريقة، وعدم المنهجية في تلقي العلوم، مما سبب أزمة قد لا تكون الكنيسة الكاثوليكية قد أجرمت فيها كثيرًا، لكنها احتارت.
لماذا؟ بسبب فقد المنهج؛ لأنهم قد افتقدوا المنهج.
سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم هو ترك المنهج الإسلامي الشامل
من الذي لم يفتقد [المنهج]؟ الحضارة الإسلامية.
وبعد ذلك نجد فتحي زغلول عندنا يؤلف "سر تقدم الإنجليزي السكسوني"، وبعد ذلك نرى أن هذه الفترة الاستعمارية الكبيرة جعلتنا ننقلب حالنا، وبدأ الناس يتمسكون بالعلم بالمفهوم الإنجليزي التجريبي.
وبدأنا نحن نروي نقلًا ولا عقلًا ولا حسًا ولا غير ذلك كما كان أسلافنا، فانقلب الحال إلى: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ تقدموا وتأخروا لأننا تركنا المنهج.
هذا سؤال ثانٍ وسؤال حاضر دائمًا. أخذت بالك، شكيب أرسلان كتب فيها، وكتب فيها "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" أبو الحسن الندوي وغيره إلى آخره.
المنهج الإسلامي هو التوافق بين كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور
لكن في النهاية ما هي الإجابة على هذا السؤال؟ الإجابة أننا تركنا المنهج.
ما هو المنهج؟ المنهج هو حكاية كتاب الله المسطور [القرآن] وكتاب الله المنظور [الكون]، كلاهما من عند الله. والقراءتان ينبغي أن تختلفا في الأدوات وأن تتحدا في الغايات، وأن هناك توافقًا بينهما.
لماذا؟ لأنهما من مصدر واحد، فلا يمكن وجود التناقض بينهما. ولذلك:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
فقد بدأ بالخلق وثنّى بالوحي.
لا تناقض بين القرآن والكون لأن كليهما من عند الله تعالى
وهناك:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]
فبدأ بالوحي وثنّى بالخلق.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
فالاثنان من عند الله، وليس هناك في عقيدة المسلمين إطلاقًا مفارقة ولا مضادة ولا اختلاف بين كتاب الله في كونه وكتاب الله في قرآنه.
فأي تعارض سنحله، إذ لا بد من وجود جمع بينهما.
مثال جريان الشمس بين الحركة الظاهرية والاكتشاف العلمي الحديث
فعندما يقول:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]
والواقع المشاهد أمامي أن الأرض هي التي تدور، فهذا يعني أنه يتحدث عن الحركة الظاهرية.
أو في ذات الوقت عندما اكتشفت أنني أنا الذي أدور حول روحي وأن الشمس ثابتة لعظم جرمها، اكتشفت أنها تجري نحو النجم فيجا باثني عشر كيلو مترًا في الثانية.
الله هو من جعل الشمس تجري لمستقر لها، وهذا صحيح حسًا أو ظاهرًا. وهذه هي الأسقف المعرفية التي لا يستطيع أحد أن يخالف بين كلمة واحدة في القرآن وبينها.
كلما ازداد سقف المعرفة للبشرية، كلما وجدنا ذلك الكتاب المعجز متسقًا معه متسقًا صياغةً ونظمًا، مما يدلنا على أنه من عند خالق السماوات والأرض.
الرد على من لا يريد التعلم وبيان سبب الإيمان دون إكراه
بعض الناس متضجرة ولا تريد أن تتعلم. عش حياتك، ماذا أفعل لك إذا كنت أنت لا تريد أن تتعلم، لا تريد أن تقرأ، لا تريد أن تبحث؟
عندما تسأل متعجبًا من حال كفرك بينما نحن مؤمنون، نقول لك سبب إيماننا فقط، إنما:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
سؤال المذيع عن سبب الأزمة الحضارية والابتعاد عن السنة النبوية
[المذيع]: مولانا الإمام، شوقي يقول: بأيمانهم نور ذكر وسنة، فما بالهم في حالك الظلمات.
ما سبب الابتعاد؟ أو هل تكمن هذه الأزمة الحضارية التي نعيشها والتي عبّر عنها البعض بالاغتراب، في أننا ابتعدنا عن سنة سيدنا صلى الله عليه وسلم ولم نقترب منها أكثر، ولم نفهم ما ذكرته فضيلتكم من فقه حب الحياة؟
[الشيخ]: انظر إلى الكتاب والسنة، لهما نص، لكن لهما تفسير للنص، ولهما أمر ثالث: تطبيق النص.
وإذا تغافلنا عن هذا، فإن هذا مدخل للذين يحملون مرادهم في أذهانهم بدون أدوات وبدون فهم للنص، فيفسرونه كما يشاؤون.
افتقاد منهج رسول الله والفرق بين حياة النبي وزمن النبي
حقيقة ما نحن فيه هو افتقاد منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ماذا كان منهج رسول الله وهو يدلنا ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»
كان منهجه أن نحيا حياة رسول الله ولا نحيا زمن رسول الله. هذه هي الحكاية.
نحن الآن حتى المتمسكين منا بظاهر السنة لا يفهمون منهج السنة. فلا بد علينا أن نعلم الناس كيف كان النبي يعيش، منهج النبي في الحياة، ولا نعلم الناس زمن النبي.
فهم حياة رسول الله ومنهجه يمنع تحويل كل جديد إلى بدعة
وإلا فكل ما حوَّلنا [اعتبرناه] بدعة: الإسفلت لتصبح بدعة، والساعة تصبح بدعة، وفرشاة الأسنان ستصبح بدعة.
لكن لو فهموا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه في تلك الحياة، لعرفوا كيف يعيشون كل حياة، ولعرفوا كيف يعيشون في وسط مكة حيث الناس يكرهونهم، وفي وسط الحبشة حيث الناس تؤويهم، وفي المدينة حيث الناس مختلطةٌ.
وفي المدينة بعد جلاء اليهود الذين خانوا وصدرت ضدهم أحكامٌ قضائية، فخلصت المدينة للمسلمين:
﴿وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النصر: 2]
إذن فيجب علينا أن نفهم أننا قد افتقدنا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسئلة من المشاهدين حول كيفية الاستفادة من السنة لتحقيق التقدم
[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا، وتفيض دائمًا علينا من هذه الموسوعية المعرفية والعلم الواسع. اسمح لي أن أقرأ بعض تعليقات أو من خلال السادة المشاهدين حول سؤالنا: برأيك كيف نستفيد من السنة لتحقيق التقدم؟
الأستاذة سحر أحمد هاشم تقول: بتطبيقها كما هي من غير تغيير معناها ليوافق هوى النفس، ونسأل العلماء الربانيين لكي نفهم ونحاول تحويلها إلى منهج حياة ونعيشها.
يقول عبد الحميد: من خلال استنباط المعاني الراقية التي فيها وتحويلها إلى برامج عملية تطبق في حياتنا اليومية وتصبح عادة يعتاد عليها الناس.
الأستاذة هالة تقول: بتطبيقها، فالسنة تحث على العمل والإتقان والوفاء بالعهد والصدق، وكل هذه الأشياء الدعائم الأساسية للتقدم.
المنهجية النبوية تأمرنا أن نكون إنساناً للحضارة والرحمة والسلام
[الشيخ]: يا مولانا، يجب علينا مع كل هذا أن ندرك ما وراء هذا من المنهجية التي أمرنا بها رسول الله:
- •أن نكون إنسانًا للحضارة.
- •أن نكون إنسانًا للرحمة.
- •أن نكون إنسانًا للسلام.
- •أن نكون إنسانًا يعمر ولا يدمر، يفكر ولا يكفر.
- •أن يكون الإنسان عابدًا لربه، مزكيًا لنفسه.
لتكون أيها المسلم مثالًا جميلًا لإسلامنا الجميل.
[المذيع]: مولانا الإمام، رضي الله عنكم دائمًا وشكر الله لكم، شكرًا لكم. دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
