والله أعلم | د. علي جمعة يتحدث عن الأمانة في الإسلام وما هي الأمانة العظمى؟ | الحلقة كاملة
- •الأمانة في الإسلام هي الاختيار الذي تحمله الإنسان بين فعل الخير والشر وطاعة الله ومعصيته، وقد عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين حملها وأشفقن منها.
- •اختار الإنسان حمل الأمانة لامتلاكه العقل والقدرة على التفكير والترتيب، بينما المخلوقات الأخرى لا تملك هذه القدرة ومطبوعة على الطاعة دون اختيار.
- •الأمانة العظمى مشتقة من كلمة "أمن" التي تحمل معاني الاستقرار والسلامة والتصديق والوديعة.
- •تشمل الأمانة معاني واسعة كحفظ الروح والجسد وأداء العبادات وحفظ حقوق الناس وعمارة الأرض وتزكية النفس.
- •المفرط في صلاته كالمفرط في حقوق الناس وكالمنتحر الذي خان أمانة الروح.
- •الأمانة مفتاح حياة الإنسان مع الله، ومن لا أمانة له لا إيمان له، وعلى المسلم أن يحافظ على الأمانة بجميع صورها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالضيف حول موضوع الأمانة العظمى في الإسلام
[المذيع]: تحية لكم مشاهدينا الكرام، ونرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من والله أعلم. حضراتكم دائمًا ملهمون لأسرة البرنامج بالأفكار وبالأسئلة التي تطرحونها دائمًا علينا.
والحقيقة أن موضوع حلقة اليوم حول الأمانة والأمانة العظمى في الإسلام، وهذا كان سؤالًا من مشاهد كريم هو الدكتور حسن الذي أعتز دائمًا بمشاركته معنا في البرنامج، ونشكر فضيلة الدكتور الحقيقة الذي أراد أن يكون في حلقة مخصصة لهذا الموضوع المهم لشرحه وإيضاحه لحضراتكم إن شاء الله في حلقة كاملة.
اسمحوا لي أن أرحب بكم، أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، أهلًا بكم، مرحبًا، الله يرحب بحضرتك.
سؤال المذيع عن معنى الأمانة ولماذا حملها الإنسان دون غيره
[المذيع]: مولانا، فيما يتعلق بالأمانة في الإسلام والأمانة العظمى، نريد أن نعرف ما معنى الأمانة ولماذا حملها الإنسان؟ وهو من بادر لحمل هذه الأمانة حين عُرضت عليه.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وأراد من خلقه أن يتجلى بصفاته عليه، وكان الله سبحانه وتعالى كنزًا مخفيًا فأراد أن يُعرف، فخلق هذا الخلق من أجل أن يبرز جماله وجلاله وكماله.
تفرد الله سبحانه وتعالى بالكمال المطلق والجمال والجلال
الله سبحانه وتعالى كان ولم يكن شيء معه، فهو المتفرد الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. بلغ من الكمال الغاية العظمى، بل إنه هو على ما عليه كان، فبلوغ ذلك إنما هو في أذهاننا.
أما في حقيقة الأمر فهو الكامل سبحانه وتعالى، المُكَمِّل لمن أراد له شيئًا من الكمال. فسبحانه وتعالى متفرد بأنواع الجمال والجلال والكمال، لا شريك له.
غاية خلق الكون هي العبادة وتقسيم الخلق إلى مقهور ومختار
الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق منَّ علينا بأن أخبرنا لماذا، ولم يتركنا هَمَلًا نتيه في أفكارنا وفي حدسنا، فقال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
إذن فغاية هذا الكون هي العبادة، إلا أن الله سبحانه وتعالى قسم الخلق على قسمين: القسم الأول قسم مقهور غير مختار، والقسم الثاني قسم وهبه الاختيار.
فلما أن وهبه الاختيار هداه النجدين [أي أرشده الطريقين]، يعني عرّفه الخير والشر والحق والباطل، أمرَ ونهى، قال: لا تفعل هذا وافعل هذا، افعل ولا تفعل.
القسم المقهور من الخلق مجبول على الطاعة بالأمر الكوني
أما القسم الأول فهو مجبول ومطبوع على العبادة من غير تكليف، من غير أمر ونهي؛ لأنه كل ما أمره من الله سبحانه وتعالى بشيء كان ذلك الأمر أمرًا كونيًا. والأمر الكوني يستجيب له الشيء بطبائعه التي خلقها الله فيه.
عندما تمسك حجرًا وتلقيه من النافذة هكذا، فإنه ينزل إلى الأسفل. الله قال له: انزل. انزل هذا ليس أمرًا بالنزول [أمرًا شرعيًا]، بل هو موافق لطبيعته، هو هكذا. فهو لن يتخلف أبدًا أبدًا عن طبيعته، إلا إذا أمره الله سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
صحيحٌ، صحيح.
طبائع المخلوقات وخصائصها وعدم امتلاكها للاختيار كالملائكة
فالأشياء لها طبائع خلقها الله سبحانه وتعالى، قدَّر كل شيء وخلق كل شيء سبحانه وتعالى، وأعطى لكل شيء خصائصه ووظائفه، ولم تكن عندها اختيار.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن الملائكة حتى نتخيل هذا القسم [المقهور غير المختار]:
﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]
يعني ليس هناك الأمر والنهي الشرعي الذي يمكن للمتلقي أن يخالفه أو أن يوافقه، مثل: صلِّ، صُمْ، حُجَّ، اذكر، ادعُ، لا تشرب الخمر، لا تزنِ، لا تسرق، لا تقتل، لا تكذب. لا، ليس هكذا. هذه أوامر مثل الأوامر الكونية كما قلنا، وهي تُنفَّذ على الفور بمفردها.
معنى الأمانة وعرضها على السماوات والأرض والجبال ورفضهن لها
إذا عرفنا أن الكون مكوّن هكذا، عرفنا بعد ذلك ما معنى الأمانة. هذه كلها مخلوقات الله التي أنشأها إنشاءً:
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
ويقول: أمره بين الكاف والنون: كن، كن، كن، كن. الكاف والنون ليس بينهما شيء، لا يوجد، لكنها نُطِقت على بعضها، فعلى الفور يكون، لا يتخلف.
فالله سبحانه وتعالى خلقه أمامه هكذا، وبعد ذلك عرض الأمانة. الأمانة التي هي ماذا؟ التي هي الطاعة. قال لهم: ها سنعطيكم اختيارًا، فيمكنكم أن تطيعوا ويمكن ألا تطيعوا.
حوار السماوات والأرض مع الله ورفضهن حمل الأمانة والاختيار
ما رأيك يا سماء؟ قالت له: لا، وما شأني بهذه المسألة. ما رأيك يا أرض؟ قال له: سبحانك لا إله إلا أنت، يعني أنت ستقول لي افعل، وبعد ذلك أنا ما زلت سأفكر؟ لماذا؟ لماذا هذا؟ هذا على الفور يعمل ما أردته.
حسنًا يا أرض، أنا أريدك أن تدوري حول الشمس هكذا، فتقول: حاضر. لم تقل له لماذا، ليس عندما أقتنع، ها عندما أقتنع، انتظر عندما اقتنعت، نعم، حسنًا، وما الضرورة من ذلك؟ حسنًا، ما الذي سيترتب عليها؟ حسنًا، وأين أنا في هدايتي؟ لم تقل له هكذا الأرض.
هل تنتبه؟
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
هل في ذلك كلام؟ هل تنتبه؟
عظمة العرش وقهر الله للمخلوقات الكبرى دليل على قدرته المطلقة
كيف الرحمن على العرش استوى [أي استولى]، يعني هذا العرش هو أكبر مخلوق في الدنيا، فالله سبحانه وتعالى قهره لكي يُري بقية المخلوقات أنه إذا كان قد قهر الكبير.
في فيلم صنعه الأولاد تجده على اليوتيوب، امرأة نائمة هكذا في حديقة، ثم صعدوا فوق فصغُرت الحديقة حتى رأوا المدينة، وبعد المدينة الدولة، وبعد الدولة الكرة الأرضية، ثم صعدوا إلى السماوات العلى واستمر الفيلم يتسع يتسع حتى خرج من مجرة درب التبانة، ثم وصل إلى السديم الأعظم، وبعد ذلك لم يعرفوا أين هو.
حسنًا، يكفي هكذا، يعني شيء مثل السماء الثانية أو شيء كهذا. هذه السماء الثانية، إذا استمررنا سائرين هكذا، أين إذن الإنسان الذي كان نائمًا في الحديقة؟ إنه ذرة من الذرات.
حجم العرش العظيم وعجز العقل البشري عن تصور عظمة الخلق
ذَرَتِ الذَّرَّةُ فَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَمِلَ هَكَذَا وَجَاءَ بِالعَرْشِ، فَأَصْبَحَ هَذَا العَرْشُ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، السَّمَاءُ السَّابِعَةُ كَحَلْقَةٍ فِي صَحْرَاءَ كَبِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِحَجْمِ العَرْشِ.
فَالعَرْشُ هَذَا شَيْءٌ عَظِيمٌ، شَيْءٌ لَا يَتَصَوَّرُهُ عَقْلُ إِنْسَانٍ؛ لِأَنَّ عَقْلَ الإِنْسَانِ مَحْدُودٌ، لَا يَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَ شَيْءٍ مِثْلَ هَذَا. غاية المراد مِنْ رَبِّ العِبَادِ أَنْ يَتَصَوَّرَ ما بين المشرق والمغرب وليس أي شيء آخر.
مثلًا يعني نعم، ثلاثين أو أربعين أو ستين كيلومترًا. علم الجيوديسيا يقول لك هكذا: ثلاثين كيلومترًا، ثلاثين كيلومترًا، هكذا ستين كيلومترًا، بعد ذلك لا يعرف أن يتصور.
عرض الاختيار على المخلوقات ورفضهن خوفًا من فقدان مزية المبادرة للطاعة
المهم أن الله عرض هذا الاختيار على السماوات والأرض والجبال وعلى أشياء أخرى:
﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: 72]
قال الله: هذا لو فعلنا هكذا، سنفقد مزية. ما هي المزية؟ مزية المبادرة إلى الطاعة. إننا هكذا في مخاطرة، كأننا نلعب القمار، إنها مخاطرة أن يحدث لي خلل في يوم من الأيام فأعصي فأُعاقب بسبب المعصية.
لا، حفظك الله، أنا ليس لي علاقة بهذا الأمر يا رب، أنا غير موافق على هذه الحكاية. فأنت لا تسألني إن كنت موافقًا أم لا، أنا غير موافق. تريدون الطاعة فقط دائمًا، ولا تريدون الاختيار، فأصبحت خصائص ووظائف.
الإنسان قبل حمل الأمانة بالاختيار وتمهيد لقصة سيدنا آدم
[المذيع]: أستأذن حضرتك بعد الفاصل. الإنسان أصبح الإنسان، جاء وحملها، هو الذي قَبِلَ بالاختيار وبهذا التحدي.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: بعد الفاصل ماذا؟ سيدنا آدم عليه السلام، يعني وهذه القصة: لماذا حملها سيدنا آدم؟ وبالتالي ما هي التبعات التي علينا نحن نعرف عليها بعد الفاصل إن شاء الله، ابقوا معنا.
هل كان سيدنا آدم مختارًا حين حمل الأمانة وما دليل ذلك من القرآن
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. عرفنا من فضيلة الإمام قبل الفاصل أن الأمانة حملها الإنسان حينما عرضت على الجبال والأرض والسماوات أشفقن منها وأبين أن يحملنها. مولانا، الإنسان سيدنا آدم عليه السلام حينما حمل هذه الأمانة، هل كان مختارًا؟
[الشيخ]: ما هو، الله سبحانه وتعالى بنص هذه الآية:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ﴾ [الأحزاب: 72]
وحمله لها يدل على أنه مختار. نعم هو مختار، ولكن هذا الاختيار بأصل خلقته، أي أن الله أعطاه العقل وأعطاه كيفية ترتيب المقدمات للتوصل بها إلى المجهول، وأعطاه قوة ربط المعلومات في ذهنه.
العقل مفتاح الاختيار وسبب قبول آدم حمل الأمانة دون بقية المخلوقات
ولذلك هو [العقل] مفتاح الاختيار الذي سيتلوه الوحي فيما بعد، وحي سينزل إليه، والذي سيتلوه التكليف مع التعليم، يعلمه ويكلفه.
حسنًا، ولِمَ اختار آدم هذا؟ اختار آدم هذا عندما عرف وفهم بعقله. أما الآخرون فليس لديهم عقل مدبر، لا توجد نفس ناطقة. الجبل كما هو واقف، جبل. النهر كما هو، المياه تجري فيه، لم يحدث شيء. السماء كما هي.
صحيح تبكي:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]
ولكن مع هذا البكاء إلا أنها ليست لديها القدرة على الترتيب والتفكير.
الفرق بين الإنسان والحيوان في التفكير والاحتفاظ بأدوات الإنتاج
الفرق بين الإنسان وبين البقرة أن البقرة تتحرك بالإرادة دون ذاكرة، دون ترتيب، دون أن يقول لك. ما الفرق بين القرد والإنسان؟ قيل: العصا. كيف العصا؟ كيف يعني؟
قال: إنسان وهو صاعد يريد الموزة التي في الأعلى تلك، فظل يبحث عن شيء حتى وجد عصا، فراح يشبكها في عذق الموز وينزلها. يقوم في اليوم التالي بالاحتفاظ بهذه العصا لأنها أصبحت أداة إنتاج، أصبحت أداة مساعدة، ويخرج بها في اليوم التالي من بيته لكي يذهب ويحضر العِذق الذي بجانبه تمامًا.
القرد لا يفعل ذلك. القرد ينظر إليها، يمسكها، يضرب العِذق وينزله ويرميه، وفي اليوم التالي يذهب ويفكر من جديد، يذهب ويفكر من جديد كأن شيئًا لم يكن.
التفكير والتدبير ميزة الإنسان وقصة سيدنا موسى والعصا
حصلت بشكل صحيح، لكن عمرنا ما رأينا قردًا يمسك عصًا لا ليجني بها موزًا ولا ليجلب بها طعامًا. حقًا، لا يوجد شيء، ولكن يفعل هذا الإنسان.
انتبه:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ * قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 17-18]
هذا أيضًا يذكر بعضًا ويعرض عن بعض. فيكون إذا هذا يفكر، هذا هو الفرق بين الإنسان وبين بقية الكائنات.
سبب موافقة آدم على حمل الأمانة وتكريم الله لبني آدم
ولذلك وافق الإنسان. لماذا وافق؟ لماذا يا أبانا يا آدم فعلت بنا هذا الأمر؟ قال: لكي أجعلكم بني آدميين:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
سواء كان كافرًا ولا مؤمنًا كرّمه الله.
فيكون: إذا كان آدم هذا، ماذا فعل الله فيه؟ أولًا: علّمه، لكنه لم يعلّم أحدًا، ولا حتى الملائكة الذين يعرفون معرفة طبعية بطبعهم الأصلي. هكذا هو يشبه الأقراص المدمجة عندما نضع عليها معرفة طبعية.
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
بعدما علَّم آدم، أسجد له ملائكته.
موقف الإنسان من الأكوان وتسخير كل شيء له وسجود الملائكة لمعنى التفكير
هذه القصة ليست معمولة للتسلية، بل لتتخذ بها موقف الإنسان من الأكوان. إن للإنسان موقفًا من الأكوان، فكل شيء مسخَّر له. ولقد سخَّرنا كل شيء: الشمس والقمر والجبال وكل شيء من هؤلاء.
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
تفقهون تسبيحهم، وهم في الحقيقة مشغولون بالعبادة ولا يعصون الله ما أمرهم. وكذلك الشمس والقمر يسجدان، إنهم مشغولون بالعبادة هم أيضًا.
ولكن الإنسان هو المختار، وعندما اختار سيدنا آدم هذا الاختيار كان لديه سبب، وهو أنه مفكر وله غرض، له هدف يسعى إليه: أن يُكرَم فتسجد له الملائكة.
الرد على من يتمنى أن يكون جمادًا بلا تكليف وبيان شرف الإنسان
هكذا يا أخانا الذي يريد أن يكون قطعة خشب أو قطعة بقر أو قطعة شيء ما ويقول لي: ولماذا علينا هذا التكليف؟ ألم يكن أسلم لنا؟ آه! أنت تريد أن تكون منحطًا إذن، اذهب وعش حياتك.
لكننا نريد أن نكون أناسًا محترمين وأن نكون على رأس الكائنات بما فيهم سادتنا الملائكة. نعم، الملائكة سجدوا يا إخوان لآدم بأمر الله سبحانه وتعالى.
فإذن الملائكة عندما سجدوا لآدم سجدوا لهذا المعنى: معنى التفكير، معنى الاختيار، معنى العلم، معنى القابلية، معنى التهيؤ، معنى التكليف، معنى المقاومة، إلى آخره.
قصة هاروت وماروت وبيان صعوبة الابتلاء في الصورة البشرية
وإذا صحت الرواية - وأعني أشياء وشذرات منها صحيح والباقي غير صحيح - في قصة هاروت وماروت، فهؤلاء ملكان تعجبوا من فضل الله على بني البشر، فأنزلهم الله بشرًا وجعلهم حولهم أصبحوا بشرًا.
وطالما الملك تحول إلى بشر، فقد حُبس في هذه الصورة إلى أن يخرج مرة ثانية، فمقتضيات قوانين البشر ستجري عليه. يعني لو صنعت له نارًا في يديه هكذا سيُحرق، يعني مثلًا لو منعته من الماء سيعطش إلى آخره.
وقصة هاروت وماروت تبين أنه حتى عندما عرفوا أنه عندما تُحبس في الصورة الإنسية الآدمية هذه، الله يكون في عونك، فأنت تحتاج إلى جهاد، وهذا الجهاد مقدَّر من عند رب العالمين، وأنه يرفعك حتى تكون على رأس الخلق أجمعين.
الأمانة مبناها الاختيار والاختيار مبناه العقل المهيأ للتعلم والعلم
إذن الذي يدعوني أن أكون بقرًا ولا شجرة ولا حجر، هذا يريدني أن أنحط، يريدني أن أنحطّ.
إذن فالأمانة مبناها الاختيار، والاختيار مبناه العقل، والعقل مهيأ للتعلم والعلم، وهذا هو معنى هذه الآية.
[المذيع]: هل أيضًا هذا يسري على مصطلح الأمانة العظمى؟ هل هذه الأمانة بمفهومها - الاختيار بين الخير والشر وطاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته - هل هي الأمانة العظمى كذلك مولانا؟
تحليل جذر كلمة الأمانة في الفلسفة اللغوية ومعاني الأمن والإيمان
[الشيخ]: ولنذهب الآن إلى ما يسمى في الفلسفة اللغوية، وفي الفلسفة اللغوية نذهب إلى الحروف المكونة للكلمة.
نعم، فالحروف المكونة لهذه الكلمة هي الألف والميم والنون: أمن، أمن. الأمن الذي هو الاستقرار والسلامة، ومنها إيمان وهو التصديق:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: 17]
أي بمصدق لنا. ومنها الوديعة أو دعا عنده أمانة. هل انتبهت؟
قال رسول الله ﷺ: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»
فالأمانة أيضًا هي القيام بالواجب، وضدها الخيانة، بئست البطانة.
تقليب حروف الألف والميم والنون ومعاني النمو والوصول والطمأنينة
انظر كيف أن الألف والميم والنون هذه فيها شيء غريب جدًا، من الأمن والإيمان والآمن والأمان وما يقتضيها من سلامة واستقرار وهدوء نفسي. ومن ونقيضها، لا نقيضها، كلها سلبيات.
أهل اللغة يقولون لك إن هذا الترتيب: الألف فالميم فالنون، لو عكسته أو قلبت هذه الحروف الثلاثة أيضًا ستجد فيها معاني أخرى. مثل ماذا؟ نمى، وما هو النمو؟ النمو هو الزيادة في الخير.
نمى، نمى إلى علمي، يعني وصل إلى علمي، إنه الوصول. هذا الوصول فيه طمأنينة وليس فيه اضطراب. الحمد لله وأنا في السفينة، ثم الحمد لله وصلنا إلى الشاطئ، وأنا في السفر الحمد لله وصلنا إلى المدينة التي فيها حياة مستقرة والتي فيها أشياء كثيرة.
معاني النمو والتنمية والنوم من تقليب حروف الأمانة ودلالاتها
تخيل إذن عندما يقول لك: أريد نموًا في البلد. نعم، النمو جيد. أريد تنمية، تنمية الإنسان، أي تغييره إلى الأفضل. هل انتبهت بهذا الشكل؟ هل انتبهت كيف؟
حتى الألف واللام والنون تصنع لك ماذا؟ نائم. والنوم هذا من علامات البشر، أليس كذلك؟ نعم، فالله لم يخلقنا ساهرين هكذا، كان من الممكن أنه يخلقنا غير محتاجين للنوم.
حسنًا، والنوم هذا فيه ماذا؟ فيه سكينة وفيه راحة وفيه هدوء وفيه ماذا؟ انظر إلى المعاني كلها تجعلك في حالة جميلة.
الأمانة العظمى تجمع كل معاني السلامة والاستقرار وعبادة الله
فعندما تكون كل هذه المعاني: معاني السلامة ومعاني الوصول ومعاني الاستقرار ومعاني التصديق ومعاني كذا وكذا وكذا وكذا، فنريد أن نقول إن هناك شيئًا تجمع كل ذلك وتؤدي إليه وتنطلق منه، وهي عبادة الله، فنقول عنها الأمانة العظمى.
الأمانة العظمى هذه ستشمل كل معاني الألف واللام والنون مهما قلّبناها. إذن هذه اللغة العربية هي لغة كأنها عجيبة غريبة، ولذلك الراجح عند العلماء أنها من وضع الله.
نعم، وعندما علَّم الله آدم الأسماء كلها، استدلوا بها على أن اللغة من وضع الله.
هل آية الإشهاد على التوحيد تتعلق أيضًا بحمل الأمانة والقرآن حمّال أوجه
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، مسألة في الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172]
إلى آخر الآية الكريمة، هل هذا ورد فقط في الإشهاد على التوحيد أم في حمل الأمانة كذلك؟
[الشيخ]: ورد. انتبه، القرآن له مستويات متعددة، يمكنك أن تجعلها على المستوى الأول فالثاني فالثالث فالرابع فالعاشر، ولا تنتهي عجائبه، ولا يبلى من كثرة التكرار. لم يكن مقيدًا في معنى دون آخر.
ولذلك سيدنا علي لاحظ فيه هذا الأمر، فيقول: القرآن حمّال أوجه. قال ذلك لابن عباس.
نصيحة سيدنا علي لابن عباس في مناقشة الخوارج بالسنة لا بالقرآن
عندما تناقش الدواعش [الخوارج]، عندما تناقش هؤلاء الخوارج، واجههم بالسنة النبوية. قل لهم السنة لأنهم يجهلونها، ولا تناقشهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه.
ستقول له يمين فيقول لك: لا، أنا أفهمه على أنه شمال. وهكذا، القرآن حمّال أوجه. وقد استعمل بعض الناس هذا الأمر استعمالات خاطئة، لكن هو يقصد ذلك الذي أنت تقوله بالضبط.
فهل هذا الجزء يصلح للمستوى الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع؟ إنه يصلح للجميع بما فيه المستوى الأول، ويصلح الاستدلال بها.
مثال على تعدد مستويات فهم القرآن في آية ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
هل أنت منتبه؟ كيف؟ مثل قوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
تهلكة هنا هل تعني الموت؟ قد يكون هو المقصود. أم التهلكة التي تعني الأذى؟ نعم، قد يكون هذا.
مثاله: تاجر يخاطر بأمواله بطريقة خارجة عن القواعد المألوفة، فنقول له: يا أخي ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. وإذا كان هناك شخص مغامر يريد أن يقوم بمغامرة غير محسوبة النتائج، فنقول له: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
حسنًا، فهمنا أن هذه تعني الموت وتلك معناها هو الأذى أو الإفلاس أو غير ذلك إلى آخره، وهي كلمة واحدة ومبدأ واحد، لكنه يصلح للاستعمال في المجالات المختلفة تمامًا.
الرد على من يقول لم أُخيَّر في حمل الأمانة فلماذا يحاسبني الله
[المذيع]: هنا يعني بالتالي هذا يكون ردًا على الناس الذين يقولون: والله إن سيدنا آدم عليه السلام أبو البشر هو من قَبِلَ هذه الأمانة، ولكنني لم أُخَيَّر، فبالتالي لماذا يحاسبني الله؟ أنا لم أختر أن آتي إلى هذه الدنيا، وأنا لم أختر أن أكون على دين معين أو على أي دين من الأديان، فلماذا يحاسبني الله؟ أنا لم أشهد هذا التكليف ولم أختر من الأساس.
[الشيخ]: في الحقيقة سأقول لك شيئًا صريحًا: دعنا نناقش هذا الأمر. حتى يوم القيامة ستجد وجهه في الحائط، هذه هي القصة. نحن لسنا داخلين في جدل، نحن داخلون في توضيح.
موقف الإسلام من الجدل الفلسفي والإنذار بيوم القيامة دون إكراه
نحن نقول له: على فكرة، الحقيقة التي وصلت إلينا من رب العالمين عن طريق الوحي وعن طريق النبي أنه سيحدث كذا وكذا وكذا وكذا، وهو لا يصدقها.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
إن موعدنا يوم القيامة يا حبيبي. نحن لسنا داخلين في نقاش فلسفي أو في إقامة الحجج على أنك لا بد أن تؤمن بما أتى به الله عن طريق رسوله. لا، إننا نحذر، والرسول سماه ربنا ماذا؟ نذيرًا، يُنذر، يعطي نذيرًا، يُحذر.
نعم، لكنه ليس داخلًا في جدال فلسفي، أتفهم؟
مصير من يرفض الإيمان وحقيقة أن الهداية بيد الله وحده
هذا الكلام سيأتي يوم القيامة، المسكين سيخرج ويقول: يا الله، لقد فهمت الحكاية فهمها متأخرًا. قدر الله، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
هذا أخونا، ماذا يريدنا أن نفعل نحن؟ نحن الذين نؤمن بهذا الأمر. حضرته يريدنا أن ندخل في متاهات الجدل ونترك العمل. هو يريد أن ينام وألا يستيقظ ليتوضأ في الصباح لكي يصلي الفجر، هو لا يريد أي قيد، لا يريد أي قيد في أي شيء، يريد أن يمضي على هواه.
حسنًا، أمرك لله، ولكن على فكرة، الذي يمضي على هواه هكذا، هو يذهب إلى النار فقط وانتهى الأمر.
موقف الإمام الغزالي وابن حزم من السفسطائيين ومنهج الإنذار لا الجدل
قال: أنا لا تعنيني نار ولا جنة، ولا أنا أريد هذه العبارة. آه، هذه قضية أخرى، هذه قضية أخرى تمامًا. أنت لم تشعر بشيء، الله يكون في عونك والله يهديك فقط.
الإمام الغزالي أتى بأشياء مثل هذا، قال: مثل هذا الشخص كيف تقنعه بهذا أو ذاك؟ هناك مذاهب فلسفية تسمى سفسطائية لا يثبتون للشيء حقيقة. وكيف تتعامل معه عندما يقول لك: ما رأيك في هذا؟ فتقول له: هذا عمود، والعمود موجود، إنه من حجر. ولكن أليس الذهب معدنًا وهذا حجر، فيكون هذا ذهبًا؟ نعم، وهذا ليس حصانًا مرسومًا كما ترى على المكان، وكل حصان صاهل يكون هذا صاهلًا، ويجلس يجادلك بكلام فارغ.
ابن حزم يقول ماذا؟ يقول: دعوهم، هؤلاء ليس لهم مناقشة.
منهج التحذير والإنذار دون الدخول في جدل فلسفي مع المنكرين
نحن نسعى إلى القلوب المتضرعة، وهذا أصلًا يقول لك: بلا قلوب ولا خلافه، دعنا نعيش حياتنا. أقول له: عش، ولكن انتبه أن هناك يومًا آخرًا.
ولكن حسنًا، نعم، فما نحن إلا نذير. نعم، لسنا مجادلين، يعني لسنا نقيم الحجج الفلسفية. من يقتنع فليقتنع، ومن لا يريد أن يقتنع فهذه حياته. لا يريد أن يقتنع بأن هناك أمانة وأن هناك خير وشر فهو حر.
نعم، فإن قلق فسيأتي من نفسه ليسأل، ومن لم يقلق فليعش حياته، لا مانع من ذلك. أهلًا وسهلًا، لكن نقول له: احذر من يوم القيامة.
سؤال المذيع عن شمول الأمانة لحفظ النعم والنفس والمال والجسد
[المذيع]: الحقيقة هناك سؤال لفضيلتك بعد الفاصل: هل الأمانة تقتصر فقط على العبادة والخير والشر والطاعة وما إلى ذلك، أم تقتصر على أمانة النعم التي أودعها ربنا سبحانه وتعالى فينا؟ يعني النفس وأمانة حفظ المال وحفظ القوة وحفظ الجسد وأمور أخرى؟ إن شاء الله سنناقشها مع مولانا.
ولكن أيضًا لدينا سؤال لحضراتكم على الفيسبوك، نرجو أن تشاركونا في الإجابة عليه: في رأيك لماذا كانت الأمانة العظمى هي تكليف للإنسان دون غيره من سائر المخلوقات؟ الإجابات إن شاء الله سنستعرضها مع مولانا بعد الفاصل، ابقوا معنا.
هل تتعدى الأمانة مسؤولية العبادة إلى حفظ النفس والجسد والنعم
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. الأمانة يا مولانا، أمانة الوقت، وهنا أخاطب الزملاء في غرفة التحكم، يقولون أن هناك اثنتي عشرة دقيقة متبقية، وفجأة قبل أن نخرج مباشرة وتسع دقائق، أهذه هي الأمانة أيضًا؟
حسنًا، على أي حال يا مولانا، هل تتعدى الأمانة هنا مسؤولية الإنسان في حمل الأمانة؟ أي أنها أمانة أن يحفظ نفسه، وأن لا يزهق روحه أو نفسه، أمانة حفظ الجسم وقوته وما وضعه الله سبحانه وتعالى فيه.
[الشيخ]: يعني المتأمل في النصوص الشرعية، عندما يقول ربنا سبحانه وتعالى مثلًا:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 8-9]
يعني قدّم الأمانة على الصلاة.
أحاديث نبوية في عظمة الأمانة وارتباطها بالإيمان وصفات المنافقين
وعندما نأخذ مثلًا:
قال رسول الله ﷺ: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»
مثل هذه الأحاديث كلها وهي تتكلم عن هذا:
قال رسول الله ﷺ: «ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»
انظر كيف: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.
عندما النبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا من صفات المنافقين يقول:
«وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر»
شمول الأمانة للعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس وحقوق الناس
إذن فالأمانة هنا تعني بالمعنى الشرعي كما قلنا أنها مسألة واسعة تتعلق بالعبادة، وتتعلق بعمارة الأرض، وتتعلق بتزكية النفس، وتتعلق بما كلف الله الإنسان به. والله كلفه بعمارة الأرض وتزكية النفس من خلال عبادة الله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فالمفرط في حقوق الناس فرّط في الأمانة، والذي يحرم الناس ويغتصب حقوقهم وأوضاعهم هو مفرط في الأمانة. حتى إنهم قالوا إن الإنسان لو أكل مال اليتيم فقد ضيع الأمانة، والإنسان لو أنه اعتدى على جاره في الأرض، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من اغتصب شبرًا من الأرض طُوِّق به يوم القيامة من سبع أراضين»
عقوبة اغتصاب الأرض وعظمة مفهوم الأمانة الشامل في الإسلام
شبر من الأرض يعني حوالي اثنين وعشرين سنتيمترًا، من اغتصب شبرًا طُوِّق به يوم القيامة من سبع أراضين، سبع كرات أرضية! انظر إلى عقوبة شبر واحد، فما بالك بالناس الذين يغيرون تخوم الأرض أو يغيرون علامات الحدود في الأرض لكي يأخذوا مترًا أو مترين.
فالأمانة هذه مسألة مهمة عظيمة جدًا، وكما قلنا انظر إلى ما تشمله: تشمل الراحة، وتشمل السكينة، وتشمل الأمن، وتشمل الإيمان، وتشمل الوديعة، وتشمل الصدق.
فهي تشمل، يعني الأمانة فعلًا هي مفتاح حياة الإنسان مع الله.
المفرط في الصلاة والنفس والحقوق سواء في تضييع الأمانة والانتحار خيانة لله
هي الأمانة. فالمفرط في صلاته مثل بالضبط المفرط في حقوق الناس، مثل المفرط في نفسه المنتحر. هذا معه أمانة، والتي هي حفظ الروح، فهذه أمانة، فهو ذهب وانتحر.
كانوا قديمًا يقولون في هذا البلد: كأنه ألقى بروحه في وجه الله سبحانه وتعالى. الناس البسطاء هكذا يقولون: الله! ما هذا؟ أيصح أن تفعل هكذا مع ربنا؟ يعني هذه خيانة لله سبحانه وتعالى.
لو أراد الله أن يخرج هذه الروح لأخرجها الآن، حتى إنك لو حاولت إخراجها، ربما لا تأتي في وقتها الصحيح. لكن إذا جاء وقتها وأنت أخرجتها، تكون أنت المذنب لأنك اعتديت على الله وخنت ربنا في أماناته لديك.
تسليم الأمانة عند الموت والجسد والروح والنفس كلها أمانات عند الإنسان
والناس تقول ماذا؟ وبعد ذلك سلّم الأمانة. سلّم الأمانة، ماذا يعني ذلك؟ يعني مات. صحيح.
ويقولون ماذا؟ سلَّمَ الأمانة، ماذا يعني ذلك؟ يعني دفنوه. يعني حتى الجسد هذا أصبح أمانة، والروح أمانة، والنفس أمانة عند الإنسان.
فتكون الأمانة هنا في الحقيقة لها هذا المعنى الواسع الذي يجعل الإنسان دائمًا ملتفتًا إلى رضا الله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: أشكر فضيلتك حقيقةً شكرًا جزيلًا على هذه المعاني الطيبة التي عرفناها من فضيلتك حول مفهوم الأمانة في الإسلام والأمانة العظمى، شكرًا جزيلًا مولانا. وننتقل إلى بعض أسئلة حضراتكم.
أسئلة من المشاهدين حول التوبة من مشاهدة المحرمات ونية الصلاة والأموال المتبقية
[السائل]: مريم، تفضلي. أهلًا، مساء الخير فضيلة الشيخ. أنا لدي سؤالان فقط، يخص واحدة صديقتي قريبة مني جدًا، وهي بالطبع قد بلغت منذ فترة، لكنها منذ فترة أصبحت تحس بالشهوة الجنسية كثيرًا، وهذا جعلها لا تقدر أن تسيطر عليها، وكانت تشاهد مقاطع أو أفلام إباحية من هذا القبيل. في البداية كان من الممكن أن تشاهد الأمر بأكمله لإشباع رغبتها أو ما شابه، وكانت تخبرني أنها وهي تفعل ذلك وكأنها في غفلة وغير واعية، وكأنها نائمة أو شيء من هذا القبيل.
[المذيع]: ما هو السؤال بالضبط يا أستاذة مريم؟
[السائل]: السؤال هو أنها الآن تريد، وقد بدأت تسيطر على نفسها، وبدأت تغير هذا الموضوع قليلًا، لكنها أيضًا ما زالت تعاني من هذا الأمر باستمرار. خوفٌ من ربنا وهذا أمرٌ طبيعي، وهذا الخوف يجعلها دائمًا في انهيار تام وبكاء؛ لأنها خائفة من عذاب الله، وخائفة مما ترتكبه. هذا صحيح، هي خائفة من نتيجة هذه المعصية. بالضبط.
طيب، سؤال آخر. نعم.
السؤال الثاني هو لي أنا، يعني الحمد لله أحاول أن أنتظم في الصلاة ودائمًا أشعر بإحساس جميل وأنا أصلي، أشعر براحة ورضا من ربنا، وكل هذا جميل. لكن أيضًا لدي سؤال: أنا قلقة لأنني أصلي ليس لأنني أحب الله، وإنما لأنني خائفة من أن أدخل النار أو لأنني أريد الجنة، فهل هذا خطأ أم صحيح؟ هل من المفترض أصلي فقط لأنني أحب الله، أم أن ما أفعله هذا خطأ أو صحيح؟ هذا هو السؤال.
حاضر، شكرًا جزيلًا يا سيدتي.
[السائل]: السيدة أم أصالة، نعم يا سيدي، مساء الخير. مساء الخير يا سيدتي. لو سمحت، كنت أريد أن أكلم الدكتور. حسنًا، حضرتك تعنين سؤالًا على الهواء أم على... نعم، على الهواء، تفضلي.
آه، ابنتي رحمها الله كان عمرها إحدى عشرة سنة ونصف. البقاء لله يا سيدتي. الله يخليك، ربنا أصابها يعني وهكذا، كانت مصابة بسرطان الدم (اللوكيميا)، وكانت ظروفنا متواضعة، فطبعًا أهلنا وأقاربنا وغيرهم ساعدونا في العلاج. فالمريضة لم تعش سوى اثني عشر يومًا.
فأريد أن أسأل سيدنا الشيخ: هل الأموال التي رزقنا الله بها [من التبرعات للعلاج]، ماذا يفترض أن أفعل بها؟ وأريد أن أسأل سؤالًا آخر: أنا لم أكن أعلم أنها مريضة هكذا، وأخذتها إلى عدة أطباء، لكنني أشعر أنني أتحمل ذنبها لأنني لم أعرف أنها كانت تعاني من هذا، فماتت. منذ أن توفيت وأنا أشعر بالضيق ولا أعرف ماذا أفعل بصراحة، أشعر أنني مذنبة.
أدعو الله أن يصبرك يا سيدة أم أصالة، الله يصبرك، الله يصبرك، إن شاء الله بإذن الله هي في الجنة، إن شاء الله في مكان أفضل من هنا بكثير. نعم، حاضر.
جواب الشيخ لأم أصالة عن وفاة ابنتها وأن الطفلة سبقتها إلى الجنة
[المذيع]: فضيلة مولانا أرجوك، دعنا نجيب على السيدة أم أصالة. اتفضل.
[الشيخ]: ربنا سبحانه وتعالى خلق الأكوان ورتّب ترتيبات أخرى لا يعرفها الإنسان. فالبنت ذات الإحدى عشر سنة هذه سبقت أمها إلى الجنة وستأخذ بيد أمها إلى الجنة.
الأم التي تبكي وتقول: أنا لم أكن أعرف وما إلى ذلك، فالله قد خفف عنكِ، فربنا رحيم كريم ورحيم، والبنت سبقتك إلى الجنة. لو عرف الإنسان ذلك لكان يقول: لا، أنا راضٍ تمامًا ومستسلم لأمر الله؛ لأنه وإن كانت هي محنة لكن فيها منحة ربانية.
نقول: الحمد لله على كل حال، الحمد لله على كل حال. هذا يُسلي القلب ويهدئ البال.
الموت بيد الله وحده وإرجاع أموال التبرعات لأصحابها بعد وفاة المريضة
وبعد ذلك، من حدد موعد وفاتها وعدم بقاء الروح في هذا الجسد هو الله. لم تكن أم أصالة تملك شيئًا لتفعله، ولا الأرض كلها تملك شيئًا.
وكما نرى أن الإنسان قد ينام ويموت وهو نائم دون أن يكون مريضًا أو يعاني من أي شيء.
أما الأموال التي أخذوها من الناس، فقد أعطوهم أموالًا عندما عرفوا بالأمر للإنفاق على العلاج. فالموضوع كله كان اثني عشر يومًا، فلم يكونوا قد صرفوها بعد، ولا تزال الأموال معهم. فلترجع الأموال، لترجع الأموال إلى أصحابها. نعم.
التوبة تمحو الذنب والصلاة خوفًا أو حبًا كلاهما مقبول عند الله
[المذيع]: حسنًا، السؤال الأول إذن: السيدة مريم كانت تقول لها صديقتها يعني ترتكب معصية.
[الشيخ]: مَن تاب تاب الله عليه. تمام، هذه قاعدة، خلاص. مَن تاب تاب الله عليه، صفحة جديدة تمامًا.
نعم، ومن كمال التوبة نسيان الذنب الذي وقع؛ لأجل ألا تحدث هذه الحالة. لا تفكر فيه مرة أخرى، يعني خلاص، لا تفكر فيه وابدأ صفحة جديدة. لقد طوينا الصفحة، وبدأنا صفحة جديدة لم يُكتب فيها شيء بعد. قل هكذا دائمًا.
ألهذه الدرجة يا مولانا؟ نعم، لهذه الدرجة. سبحان الله! والحمد لله رب العالمين، ولذلك باب الله مفتوح وواسع.
بالنسبة للصلاة، هل تكون حبًا لله أم طاعة فقط؟ تصلي سواء خوفًا أو محبةً، تستمر، وهذه المشاعر ستتغير تمامًا مع الاستمرار.
اقتراح حلقة عن إدمان المعصية والختام والتوديع
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، وأستأذن فضيلتكم إن كان بالإمكان أن نعمل حلقة عن إدمان المعصية؛ لأن هناك من يرتكب ذنبًا ثم يعود ويتوب فيصبح في أحسن حال.
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون»
[الشيخ]: نعمل إن شاء الله، نعمل.
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، شكرًا لحضرتك. أهلًا وسهلًا، شكرٌ موصولٌ لحضراتكم، نراكم غدًا إن شاء الله، على كل خير، إلى اللقاء.
