والله أعلم | فضيلة الدكتور على جمعة يتحدث عن الإعجاز العلمي للقرأن الكريم | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | فضيلة الدكتور على جمعة يتحدث عن الإعجاز العلمي للقرأن الكريم | الحلقة الكاملة

50 دقيقة
  • يتحدث الإمام علي جمعة عن ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو ويصفها بأنها من أيام الله التي أزاحت الغمة عن الأمة ونصر فيها المؤمنين.
  • يناقش العلاقة بين الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والحقائق العلمية، مشيراً إلى أن القرآن كتاب هداية وليس كتاب معلومات.
  • يؤكد عدم وجود تعارض بين كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون)، فهما من مصدر واحد.
  • يوضح أن التعارض المتوهم يكون بين فهم الناظر للنص وبين الحقيقة العلمية، وليس بين النص ذاته والحقيقة.
  • يشدد على ضرورة امتلاك أدوات فهم القرآن: اللغة العربية، أصول الفقه، قواعد الفكر المستقيم، وعلم التفسير.
  • يفضل مصطلح "الانبهار بالقرآن" على "الإعجاز العلمي"، لأن الأخير قد يوحي بتدخل النص في الخطوات التجريبية للعلم.
  • يبين أن القرآن يرسم شبكة متكاملة وليس خطاً تسلسلياً، مما يتواءم مع طبيعة الواقع المعيش.
محتويات الفيديو(62 أقسام)

مقدمة اللقاء والترحيب بالدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع الأستاذ/ حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله بدء كلِّ خير ورأس كلِّ أمر ذي بال، اسمك اللهم لأمضي على طريقي، فثبت اللهم أقدامنا على طريقنا.

أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذه المتأنية في منهجه الأصيل عن التجديد والإصلاح. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، كل عام وأنتم بخير.

تهنئة المذيع بذكرى الثلاثين من يونيو وبداية الحديث عن أيام الله

[المذيع]: اسمح لي قبل أن أبدأ في القضايا المتعلقة بنواحي الإعجاز، وتحديدًا الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، أن أقدم لكم خالص التهنئة والتبريكات في ذكرى الثلاثين من يونيو، هذه البداية الحقيقية حينما عادت مصر للمصريين: فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم أمرًا عامًّا أن نتذكر حتى نشكر ونحمد الله سبحانه وتعالى، فيقول:

﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]

ويوم الله هو اليوم الذي نُصِرَ فيه المؤمنون، سواءٌ على الكافرين أو الفاسقين أو المفسدين أو المجرمين.

وصف جماعة الإخوان المسلمين وصراعهم مع المؤمنين والأوطان عبر تسعين عاماً

وكل ذلك قد اجتمع في ثلة من البشر قد أعماهم الحقد الأعمى، وأصبحت قضية الاستيلاء على الحكم من أجل تلك الأوهام القائمة في أذهانهم، والتي -والحمد لله رب العالمين- خذلهَّم الله فيها عبر تسعين عامًا.

لم يُفلحوا، بل كانوا دائمًا وأبدًا في صراعٍ مع المؤمنين وليس مع غير المؤمنين، في صراعٍ مع المسلمين، في صراعٍ مع الأوطان، وكل ذلك من أجل أمورٍ زائلة ذاهبة، كما أنهم ليسوا أهلًا لها.

وأيضًا كونهم يسعون إلى الحكم ويسعون إلى السيطرة وإلى العنف وإلى الإقصاء وإلى كل هذا البلاء الذي ظهر عليهم بعقلية تافهة غاية في السوء.

وصف أوهام وهلوسات بعض الشخصيات المقيمة في قطر وسمادير السكرانين

هناك رجل مضحك يتكلم الآن مِن قطر إسمعه، أنا يعني أدعو الناس كلها أن تسمع هذا التافه الذي يتكلم، فهو لا يقول شيئًا، إنما يقول خيالات وهلوسات كالسكارى!

في اللغة العربية يُطلق عليها سمادير السكرانين، وهي تلك الخيالات التي تحدث للسكران، فيرى فيلًا ورديًّا يخرج من الحائط، ويرى السماء مكان الأرض، والأرض مكان السماء، فهو دائخ وسكران! بل والله لا تصدر من سمادير السكرانين مثل هذا!

ومن حوله منبهر بهذه المعلومات الكاذبة التي لا علاقة لها -لا في جزئياتها، ولا في كلياتها- بالواقع.

أمثلة على الأوهام المريضة كادعاء إسلام أوباما وفوز الإخوان بالرئاسة الأمريكية

وكان هذا الإنسان مرة قال: لا، إن أوباما أعلن إسلامه سرًّا، فيصفق الناس مثلًا. طيب، أوباما يكره الإسلام والمسلمين! ولكن الخيالات المريضة.

وأن المسلمين قادمون، وأن الفائز بالرئاسة الأمريكية القادم بعد أوباما سيكون من الإخوان المسلمين!

حسبنا الله ونعم الوكيل. والناس حينئذ عندما تراجع المقاطع تراهم يصفقون لهذا النصر الكامل وما إلى ذلك.

وشخص آخر أيضًا في قطر، وهو الرجل المسكين هذا الذي ضلَّ عقله وشاخ بدنه، أخذه الله أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.

ادعاء أن أردوغان سلطان المسلمين وموقفه من الشذوذ الجنسي

يقول عن أردوغان الفاسد أنه سلطان المسلمين وأنه يجب علينا طاعته في كلِّ قليلٍ وجليلٍ. يقول هكذا! فعملوا له فيديو -أردوغان- يدعو إلى الشذوذ الجنسي.

فقام شابٌّ في محاضرة وسأله: ما رأيك في الشذوذ؟ كان في ذلك الوقت يتشوف أن ينضم إلى الاتحاد الأوروبي، ولن يدخله ولن يروا شيئًا ما دامت مثل هذه العقليات موجودة.

فقالوا: سلطان المسلمين! سمادير سكرانين لا يؤيدها الواقع، ولكنها دغدغت بعض العواطف ولعبت ببعض العقول.

ثورة الثلاثين من يونيو يوم من أيام الله ونصر المؤمنين على الفاسدين

ثورة الثلاثين من يونيو هي يوم من أيام الله؛ لأن الله قد أزاح الغمة وكشف هذه الغمة عن تلك الأمة، ونصر المؤمنين ومكَّنهم في الأرض، وأزال دولة الفاسقين الفاسدين المجرمين، لعنة الله عليهم أجمعين.

لماذا نلعنهم؟

لأن أولئك الذين يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعين. فأنا أريد أن أقول أن الثلاثين من يونيو هذا من أيام الله، وربنا أمرنا أن نُذَكِّر بأيام الله.

ما هو يوم الله؟

معناه أن الله قد نَصر فيه عبده، وأعزَّ فيه جنده، وهزم فيه الأحزاب وحده. فهذه المعاني تصدق على ما نحن فيه، والتكبيرة التي نقولها في يوم العيد: هذه هي أيام الله.

أمثلة على أيام الله كيوم بدر وفتح مكة ومولد النبي والاحتفاء بذكرى يونيو

ولذلك كان يوم بدر من أيام الله، وكان يوم فتح مكة من أيام الله، وكان يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم - وشوقي يراه هكذا ويقول له: وُلِدَ الهدى - من أيام الله.

﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5].

فالتذكير هنا عامٌّ وسيبقى عامًّا. أنا استحسنت ما ذهبت إليه الحكومة المصرية في أن يحتفلوا بهذا اليوم، فاليوم هذا جاء يوم سبت الذي هو اليوم ثلاثين يونيو، فيوم السبت إجازة، فاستبدلوا مكانه بيوم الأحد تأكيدًا للاحتفاء وللتذكير بأيام الله سبحانه وتعالى.

دعوة المصريين لصلاة ركعتي شكر والرد على من أنكرها من الإخوان المسلمين

أنا أطلب من الناس أن تصلي لله شكرًا؛ لأن احتفالتنا العادة فيها أن نبدأها بالتكبير، فالعيد ماذا نفعل فيه؟

نكبِّر ثم نصلي العيد وبعد ذلك نلقي الموعظة. دائمًا ما تتضمن احتفالاتنا ذكرًا لله، وفيها شكر لله، وفيها صِلة بقلوبٍ ضارعة لله رب العالمين.

أتمنى من المصريين في هذا المجال أن يحمدوا ربهم ويصلوا ركعتين شكرًا.

مرةً قال أحد الإخوان المسلمين: لا، لا توجد ركعتَا شكر! كان الشيخ جاد الحق يرحمه الله -شيخ الأزهر-، انظر إلى المفارقات، شيخ الإسلام قال: صلوا لله ركعتين شكرًا.

كان ذلك حينها لنجاة الرئيس حسني مبارك من محاولة اغتيال، بالطبع غضب الإخوان من أن الله نجَّى حسني مبارك من هذه المحاولة، كانوا يريدون أن تنجح محاولة الاغتيال!

إثبات مشروعية ركعتي الشكر بنصوص الإمام النووي والأحاديث الصحيحة

فقام بعضهم ونشر في جريدة كانت تسمى آنذاك جريدة الشعب أنه لا توجد صلاة تسمَّى ركعتَا شكر. فأحضرتُ له نصوص الإمام النووي ونصوص الأحاديث وغيرها، مثبتًا أن ركعتي الشكر موجودتان في الفقه وموجودتان في الحديث.

وقد صححها الهيثمي في كتابه -مجمع الزوائد- ضمن الأحاديث المروية عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانظر إلى المشهد: شخص لا علاقة له بالعلم ولا بغيره، ما علاقته بالعلم؟ أبوه كان من علماء الأزهر، انظر إلى الأوهام! فظن نفسه عالمًا بالوراثة أو شيء من هذا القبيل!

إنكار الوراثة في العلم والرد على من يدّعي العلم بغير تأهيل

يا الله! نحن ننكر الوراثة في الحكم وفي غيره، فكيف تكون موجودة في العلم؟ يعني ابن العالم يخرج عالمًا وحده هكذا! ويقول: لا، بل سمعت أبي يقرأ الفخر الرازي، العلم ليس هكذا والطريقة ليست هكذا.

فكانت الأوهام التي أدخلوا أنفسهم فيها وأكدوها وصنعوها وما إلى ذلك، جعلته يرد على شيخ الإسلام من غير علمٍ.

عندما أحضرته له قلت له: راجع النووي في [روضة الطالبين] المجلد الأول صفحة مائة وواحد وثلاثين، هذا أذكره حتى الآن.

ولكن النزق هكذا أنهم من غير علمٍ ومن غير تقوى ومن غير إدراك للواقع، لا يوجد إدراك للواقع -يعيشون.

حوار مع الأمريكان حول حكم الإخوان وتشبيهه بسائق لا يعرف القيادة

مرة كانت جماعة من الأمريكان، وطبعًا الأمريكان كانوا مائلين للتعامل مع الإخوان المسلمين من أجل التلاعب بهم؛ لأنهم يطيعونهم في كلِّ شيء، مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنهم سيقسمون البلد، وكل ذلك في سبيل أن يبيع وطنه ودينه وأهله وناسه، فقط من أجل أن يجلس على كرسي الحكم ليأكل سندوشات كفتة.

هذه المجموعة من الأمريكان، وأنا أعرف ولاءهم للإخوان، يقولون لي: كنّا في يناير حينها. فقلت لهم: لا، هذا حكم لا يستمر كثيرًا. هذا كسائق أو شخص لا يعرف القيادة وأركبناه الحافلة، وقلنا له: تولى القيادة!

التنبؤ باصطدام حافلة الإخوان بحائط القدر خلال ستة أشهر

قالوا لي: حسنًا، وماذا سيحدث بعد ذلك؟ قلت لهم: ستصطدم الحافلة بالشجرة، ستقع في حادث وتصطدم بالشجرة. قالوا لي: متى ستصطدم بالشجرة؟ متى؟ لأنهم يقولون لك: نحن سنحكم خمسمائة سنة!

قلت له: خلال ستة أشهر. هذا الحائط الزمني، كان حينها قد مضت ستة أشهر وكنا في يناير.

المهم أن الستة أشهر مرت، فاصطدمت الحافلة بحائط القدر، وأُزيلت دولة الفساد ودولة الإخوان في يومٍ جليلٍ مثل هذا اليوم الذي نحن فيه الآن.

عودة الأمريكان للسؤال عن سر التنبؤ والإجابة بسنة الله في كونه

ولذلك من هذه الحفاوة، بعد سنتين أو ثلاثة جاءتني هذه المجموعة تبحث عني، قال: نريد أن نرى هذا المتنبئ، كيف تنبأت بأنها ستة أشهر؟ فعلًا كانت ستة أشهر بالضبط وحدث هكذا.

هل لديك معلومات؟ قلت لهم: لا، ليس لدي معلومات، لدي سُنَّة الله في كونه.

قالوا: حسنًا، والآن؟ قلت لهم: الآن ستنتهي السنوات السبع العجاف وسندخل في سبعٍ من السمان، وبعد ذلك سيأتي عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون.

لا تظنوا أن هذا الكلام نبوءة، بل هو سُنَّة الله في خلقه هكذا.

تحقق السنوات السبع العجاف واستقرار مصر وتجاوز الأزمات

وفعلًا مضت السنوات السبع منذ أحداث يناير وأصبحنا في سنة 2018م، الدنيا تغيرت والأمور استقرت. كنا عندما أقمنا [مبادرة] مصر بلدي نحمل هَمَّ أنه لا يوجد دستور، ونحمل هَمَّ أنه لا يوجد برلمان، ونحمل هَمَّ أنه لا توجد رئاسة، ونحمل هَمَّ أنه لا يوجد استقرار.

وأنه لا يوجد أمن، نحمل هَمَّ أنه لا يوجد أمن، حاملون هَمَّ أنه لا يوجد بنزين، حاملون هَمَّ أنه لا توجد كهرباء، حاملون هَمَّ أنه لا توجد نظافة، حاملون هَمَّ أنه لا يوجد خبز، حاملون همًّا ثقيلًا.

ولكن الحمد لله تجاوزنا كل الأزمات واستقرت الأمور، وتم تشكيل البرلمان وحدثت الرئاسة وصدر الدستور واستقرت البلاد والعباد وتطورت.

تطور القدرة الائتمانية لمصر وبداية السنوات السبع السمان

وقدرتنا الائتمانية تطورت أيضًا وارتقت، وأصبح رصيدنا الذي نواجه به العالم قد تجاوز كلَّ حواجز التاريخ وأصبح ما يزيد عن ستة وأربعين مليار دولار، وهذه هي المرة الأولى في التاريخ، فالحمد لله رب العالمين نحمده.

ولكن لم تبدأ السنوات السبع السمان بعد، وستبدأ اعتبارًا من 2019م، وعندما تبدأ السنوات السبع وهكذا إلى آخره، ثم يأتي العام فيكون الفيضان قادمًا من الخير، يا رب.

فهذا الكلام ليس من عندنا، هذا الكلام هو سنة الله سبحانه وتعالى لمن قرأ التاريخ.

سؤال المذيع عن العلاقة بين السنن الإلهية والإعجاز العلمي في القرآن الكريم

[المذيع]: قبل الفاصل، أي حينما كانوا يسألونك كيف تنبأت بهذا؟ فتقول لهم: لإنها في القرآن الكريم، هي السنن الإلهية. هنا يأتي السؤال: هل هذا من قبيل الإعجاز في القرآن الكريم؟ هل هناك ما يُسمى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ وما المساحة أو ما العلاقة ما بين العلم وبين النص؟

[الشيخ]: سنة الله في كونه قد تُستفاد من القرآن الكريم بالتدبر، فسنة الله سبحانه وتعالى وصفها ربنا بأنه:

﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]

استنباط السنن الإلهية من كتاب الله المسطور والمنظور

وهناك مَن ألَّف مثل الدكتور مجدي عاشور الذي أخذ الدكتوراه في السنن الإلهية، وكيف تُستنبط هذه السنن الإلهية من الكتاب، وأيضًا من الكتاب المنظور.

يمكننا أن نستفيد من السنة الإلهية إما من كتاب الله المسطور وإما من كتاب الله المنظور، فليس بدعًا أن نستفيد منها.

هذا الكلام والسنة الإلهية التي أشار إليها الله سبحانه وتعالى بأن لله أيامًا، إذن هناك أيام لله، ولتعريف هذه الأيام نذهب فيها إلى الواقع، فنرى أن الله سبحانه وتعالى نجَّى موسى فاحتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النجاة.. إلخ.

قواعد فهم كتاب الله وإدراك الواقع واستنباط السنن الإلهية الربانية

إذن فهناك قواعد لفهم كتاب الله وقواعد أيضًا لفهم الواقع وإدراكه إدراكًا صحيحًا، نستطيع من خلاله أن نستفيد وأن نستنبط من الواقع ومن جريان التاريخ وعجلة التاريخ وما خلقه الله سبحانه وتعالى هذه السنن الإلهية الربانية، فى النفس وفي الآفاق بل وفي الأكوان وفي الإنسان.

هناك علوم تجريبية، والعلوم التجريبية لها قواعد: المشاهدة، وبعد ذلك الملاحظة لهذه المشاهدة بمعنى المداومة عليها، ثم الاستنتاج. هذا التجريب هو الذي أطلق عليه الإنجليز Science.

الفرق بين مفهوم العلم في العربية ومفهوم الساينس في الإنجليزية

وعندما جئنا في فوضى الترجمة في القرن التاسع عشر، ترجمنا هذه الكلمة إلى "علم". العلم في اللغة العربية أوسع من Science في اللغة الإنجليزية.

العلم في اللغة العربية هذا أوسع من التجريب؛ لأنه قد يكون علمًا مَرده التفكير العقلي المستقيم، أو علمًا مرده الحس وهو التجريب - الساينس هذا -، أو علمًا مرده الذوق والعرفان، أو علمًا مرده النقل كاللغة، أو علمًا مرده الشرع.

فكلُّ هذه المعاني هي إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفيه عنه، هذا هو المشترك بين كلِّ العلوم، أنه إنشاء الجملة المفيدة: النار محرقة، والشمس مشرقة، والشجرة مورقة، وأشياء مثل هذا، إنشاء جملة مفيدة.

العلم التجريبي لا يسد المصادر الأخرى للمعرفة اليقينية

فالجملة المفيدة هذه، لا توجد عند -أهل التجريب- فهو يقصر العلم على التجريب، ولا يريد أن تُنشأ إلا من قبيل الحس فقط. ليكن! فهذا علمٌ، لكن يجب أن نضيف كلمة تجريبي فتكون العلم التجريبي، ونحن نعتبر بـالعلم التجريبي ونعتمد عليه، ولكن لا يسد هذا المصادر الأخرى للعلم التي هي القَدْر اليقيني من المعرفة.

هم لم يفعلوا هكذا. عندما جاء الناس يعترضون على النصوص، وخاصةً النصوص الدينية اليهودية ثم المسيحية، في النزاع الكبير ما بين الكنيسة وبين العلم في أيام جاليليو وكوبرنيكوس ومَن والاهم ومَن بعدهم وكذا إلى آخره.

خطاب البابا الذي حرّم سبعين علماً والنزاع بين الكنيسة والعلم

لدرجة أنه كان للبابا في سنة ألف تسعمائة وستين خطاب يسمى "باسنت"، كانوا يسمون الخطاب بأول كلمة فيه. خطاب باسنت هذا يُحَرِّم سبعين علمًا، يقول إن كل هذا حرام!

ففي نزاع ضخم ما بين إدراك الواقع بعمق المسمى Science وبين توجهات هؤلاء الناس، ولقد غيرت الكنيسة كثيرًا من مواقفها.

والآن يقولون لنا: لماذا تبحثون في التاريخ وتحضرون واقعة خطاب "باسنت"؟

ونحن لا نقول ذلك على أساس أنها منازعة بيننا وبين أحد، وإنما نروي رواية تاريخية.

[المذيع]: هل عانينا هذه النزاعات أبدًا؟

[الشيخ]: أبدًا!

سبب عدم حدوث نزاع بين المسلمين والعلم لأن كتاب الله المسطور هو كتاب الله المنظور

[المذيع]: لماذا لم يحدث ذلك؟

[الشيخ]: لأن كتاب الله المسطور هو كتاب الله المنظور فقط، وهذا كل شيء؛ لأن الكتابين أنت يا سيدي صاحب كتاب الله المنظور، إلى أي شيء وصلت؟

الأرض تدور. قل: لا، إذا كانت لا تدور. قال له: ديكهت [أي تدور]. قال له: لا، أنا عندي أن الشمس تجري، إذن الأرض لا تدور. قالوا: بل تدور! وأصبحت ضوضاء.

هل الأرض تدور أم لا تدور؟ وهل الأرض كروية أم مسطحة؟ فيقولون إنها كروية، فيقول آخر: لا، هي عندي مسطحة. أتنتبه كيف أصبح نزاع وشجار؟ هل الأرض مسطحة أم الأرض كروية؟

إجماع المسلمين على كروية الأرض عند ابن حزم وابن تيمية واستدلالهم بالحس

لدينا ابن حزم في القرن الخامس الهجري يقول: أجمع المسلمون على أن الأرض كروية. وابن تيمية في الرسالة العرشية: أجمع المسلمون على أن الأرض كرة، وليس في ذلك أي إشكال.

واستدلوا بسير السفينة، أي بالحس والتجريب، حيث إنها تظهر من البحر صغيرة هكذا، ثم تدريجيًّا تظهر أكثر فأكثر، فإذا كان هذا الجانب منحنيًا وذاك الجانب منحنيًا، ومن الطرفين لا يوجد خط مستقيم، فهي إذن كرة.

تفسير آية والشمس تجري لمستقر لها بين الظاهر والحقيقة العلمية

وماذا عن قوله تعالى:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

وأهل العلم يقولون: لا، نحن الذين نجري، نحن الذين ندور حول أنفسنا، فالأمر هكذا. فيقوم مباشرة الفقيه المسلم ويقول: حسنًا، والشمس تجري من حيثية معينة، أي تجري في ظاهر العين.

وليس لها حركة ظاهرية أو التي هي صحيحة وتتحرك من الشرق إلى الغرب وكلنا نراها، نعم صحيح، هذه هي الشمس تجري.

أو يقول: والشمس تجري لمستقر لها، إذن لا بد أن الشمس تتحرك. فعلًا بعد ذلك اكتشفنا أن الشمس تجر المجموعة الشمسية وراءها وتجري نحو نجم فيجا باثني عشر ميلًا في الثانية.

حركات الشمس المتعددة وظاهرتا الليل والنهار والصيف والشتاء

إذن الشمس تجري، بالرغم أن ظاهرة الليل والنهار ناتجة عن دوران الأرض، وظاهرة الصيف والشتاء ناتجة عن دوران الأرض حول الشمس، إلا أن الشمس تجري جريانًا آخر.

ونكتشف بعد ذلك عندما نتعمق أن الشمس لها أربعة عشر حركة: حول نفسها، وحول المجرة، وحول أشياء أخرى، وأيضًا لها اتجاه من أجل أن تصطدم بنجم فيجا.

في نوع من الأنواع، عندما تذهب إلى شارع شهاب تجد محلات اسمها فيجا. يقول لك: ما هذه الفيجا؟ هذه هي هلاكك! نعم، الفيجا هي هلاكك؛ لأننا إذا اصطدمنا، سنصطدم ببعضنا، تأمل!

تعدد مستويات فهم آية والشمس تجري بين البدوي والعالم المعاصر

كيف يعني؟

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1]

ودعنا من الكلام هذا، لكن دعنا نتحدث عن النص:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]

الإنسان البدوي سيفهم الظاهرة، فتطلع صحيحة. أما الآخر الذي يقول إنها تجري إلى فيجا، فيتأملها، ويقول: هذا شيء غريب جدًّا، هذه الغرابة أطلقوا عليها إعجازًا.

حوار بين العالم التجريبي والفقيه المسلم حول جريان الشمس وتفسير الآية

وهم جالسون يتنازعون، انظر كيف جرت المحادثة؟!

العالِم التجريبي يقول له: هذا الكتاب الخاص بكم فيه مشكلة، فهم يقولون إن الشمس تجري وهي لا تجري.

فقام عالم الشريعة أو المسلم بالرد عليه قائلًا: لا، هي تجري في ظاهر العين. فرد عليه الآخر قائلًا: إذن هذا الكلام كله ظاهري وليس حقيقيًّا، أي يتعلق بالعلم.

فرد عليه المسلم قائلًا: حسنًا، ما رأيك؟ أصبح أنها تجري جريانًا حقيقيًّا أيضًا. وبعد ذلك أيضًا هذا الجريان الحقيقي أنسب للآية؛ لأنه يقول لمستقر لها، يعني ستصطدم في النجم وتستقر فيه.

معنى المستقر في الآية والفرق بين الغروب والاستقرار النهائي للشمس

لكن الغروب ليس مستقرًّا بدليل أنها تطلع من الشرق.

إذن أنت عندما تفهم كلمة لمستقرٍّ هذه، في معنى أنها تستقر، والذي يستقر ماذا يفعل؟ يسكن ويصبح ساكنًا.

﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 67]

مستقر، يعني استقر في القرار، انتهى. طيب، لو استقرت في القرار، لما خرجت من الناحية الأخرى.

إذن، هذه الآية أنسب لحكاية نجم فيجا من الشروق والغروب.

فالمسلم ينبهر. وهذا الفرق بين المسلم وغير المسلم؟

المسلم ليس عنده مشكلة مع القرآن ويفرح عندما تُقال هذه الأشياء بهذا التأويل.

التأويل الإسلامي لا ينكر العلم ولا يفضل النص على الواقع بل يفسره من خلاله

فماذا فعل هذا التأويل؟

هذا التأويل لم ينكر العلم ولم ينكر الواقع ولم يُفضِّل النص على الواقع، بل فسَّر النص من خلال الواقع. ها هو المسلم أمامك.

ومن هنا لم تحدث عندنا الأذية المتعلقة بذلك. والشيخ بخيت المطيعي يؤلف كتابًا ضخمًا غير مشتهر توفيق الرحمن بين ما قاله أهل الهيئة وبين ما جاء في الأحاديث الصحيحة وآيات القرآن.

انظر كيف يبدو الكتاب! هذا الكلام من ألف وتسعمائة!

موقف النصيين الذين كرروا خطأ الكنيسة في مواجهة العلم التجريبي

لم يقل غير ذلك.

إخواننا النصيون قالوا: لا، والشمس تجري وأنتم تقولون إنها لا تجري، فهذا تناقض! تمامًا مثل الكنيسة الكاثوليكية في القرن الثامن عشر.

وذهبوا وألّفوا كتبًا مثل كتاب "النور في كون الأرض ثابتة والشمس حولها تدور"، و**"الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة"، و"الصواعق المحرقة على أهل الهيئة المتزندقة"**.

فوصفوا العلماء بأنهم زنادقة، وهو نفس ما فعلته الكنيسة مع جاليليو ومع كوبرنيكوس.

تراجع النصيين عن خطئهم ومقارنة موقف الشيخ بخيت المطيعي المستنير

وبعد ذلك وجدوا أنهم مخطئون فغيّروا وخرجوا من هذا الدور وأصبح هذا دورًا تاريخيًّا قد تغيّر.

فانظر كيف أن هؤلاء النصيين مثل إخواننا الذين هناك في الكنيسة، لكن الشيخ بخيت المطيعي مفتي الديار وحامي الزمار، واعٍ.

وعندما جاءت الصورة [الفوتوغرافية] قالوا: الصورة حرام. لماذا؟ لأن النبي قال ولأن وكذا إلى آخره. حسنًا، ما رأيك يا شيخ بخيت؟ قال: ليست صورة؟ قلنا له: كيف لا تكون صورة؟ قال: احتباس ظل.

تفسير الشيخ بخيت المطيعي للصورة الفوتوغرافية بأنها احتباس ظل

أنت وقفت أمام المرآة، والمرآة حبست ظلك، حبست ظلك، حبست انعكاس الضوء على الورق الحساس الذي كنا نستخدمه قديمًا، هذا الذي كنا نصنع به الأفلام.

حبست ظلك وأنت مشيت وظلك محبوس. إذن أنه يفكر بطريقة مختلفة، يفكر بأن نفسر كتاب الله المسطور من خلال كتاب الله المنظور؛ لأنهما صَدَرا من عند الله: هذا من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر.

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

العلاقة بين الوحي والخلق وعدم التناقض بين كتاب الله المسطور والمنظور

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]

الذي هو الوحي. إذن إذا لم يوجد [تعارض]، ما هو الاثنان من عند الله، فلا يمكن أنهما يتنازعان ويتصارعان.

ونفضِّل النص لأنه آتٍ من الوحي على الواقع الذي هو آتٍ من الحس؟ أبدًا! لم ندخل في هذه الضجة أبدًا.

ومن هنا تولدت ما يسمى -وأنا لست مع هذه التسمية- بالإعجاز العلمي للقرآن.

محاولات البعض ليّ ذراع الآية لتوافق تصوراتهم العلمية في مجمع البحوث

[المذيع]: البعض يحاول أحيانًا أن يضع الآية تحت ما يتصوره من تصور علمي ويلوي أو يلي ذراع الآية.

[الشيخ]: أتذكر أنه -كان الله يرحمه- عضو مجمع البحوث الإسلامية المستشار شوقي الفنجري، وقد شاع وذاع قضية الإعجاز العلمي وما إلى ذلك، فكوّن لجنة اسمها لجنة الإعجاز العلمي.

أي درست هذه الظاهرة، وهناك أيضًا ربما رابطة العالم الإسلامي أيضًا أصدرت مجلة وأصدرت كتبًا وأصدرت مقاطع فيديو وهكذا حول هذه القضية.

إبهار القرآن الكريم وتوافقه مع كل مستويات المعرفة المختلفة

حسنًا، نحن لن نتوقف عند المصطلحات.

هناك إبهار للقرآن، فالنص القرآني لا يرضى أن يخالف المستويات المختلفة للمعرفة.

أسقف المعرفة المختلفة كلما زادت المعرفة، كلما وجدنا القرآن متفقًا معها. هذه هي القصة.

فالإعجاز ليس معناه أن أذهب لأبحث عن القواعد العلمية في القرآن حتى أستنبطها، أو أن أذهب لأبحث في القواعد العلمية حتى أطبقها على القرآن؟ لا، ليس هكذا.

القضية هي أنني أمامي نص وأمامي أيضًا معرفة قادمة من العِلم التجريبي، فأقرأ هذا النص ولا أجد إشكالات فيه، فهو لا يصطدم مع شيء.

تسمية الانبهار بالقرآن إعجازاً وقدرته على التوافق مع كل سقف معرفي

وكلما أتوهم أنه قد اصطدم فأجد قصور الفهم، عندما تحدث هذه القصة مرة واثنتين وثلاثة وعشرة وعشرين، فسموه إعجاز القرآن.

هذا معجز! لا، هو قرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد، يعني لا يبلى من كثرة الرد.

يستطيع القرآن أن يتواءم مع كلِّ سقف معرفي في هذا المجال.

سؤال المذيع عن نتائج لجنة الإعجاز العلمي التابعة لمجمع البحوث الإسلامية

[المذيع]: مولانا الإمام، لجنة الإعجاز العلمي التي كانت تابعة لمجمع البحوث الإسلامية، إلى ماذا توصلت؟ يعني ماذا أدت بالنسبة لهذا؟

[الشيخ]: العنوان حينئذ، وكانت ذلك منذ سنوات طويلة، جمعنا أول ما جمعنا كل ما كُتب عن الإعجاز العلمي، وفي ذلك الوقت أتذكر أننا جلبنا مائتين وخمسين كتابًا، تحوي كلمة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

رصد مفاهيم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والانبهار بعدم تعارض القرآن مع المعرفة

نحن نريد الآن أن نرصد ونتتبع ونرى المفاهيم الخاصة بمعنى الإعجاز العلمي في القرآن، وأيضًا كان اسمها في الكتاب والسُّنة، فهناك أيضًا إعجاز علمي في السُّنة.

في الحقيقة كما أقول إن هناك انبهارًا بالقرآن، ولماذا هذا الانبهار؟ لأنه لا يتعارض مع أي سقف معرفي كائنًا في الكون.

وعندما يتوهم الإنسان أنه يتعارض ويجلس مع المختصين في لغة العرب وبلاغة العرب ونظم العرب، يدرك أنه لا يوجد تعارض، وأن النص قد أفلت من هذه المحاولة التي تجعله مناقضًا للواقع!

التناقض يحدث في الذهن لا في النص القرآني والفرق بين النص وفهم النص

التناقض حدث في ذهني، فالحقيقة العلمية التي توصلت إليها ليست مختلفة مع هذا النص، بل هي مختلفة مع فهمك للنص.

والغريب أنها ليست مختلفةً مع النص، فعندما يأتي ليعرض ما لديه ويقول: يا جماعة توصلنا إلى حقيقة كذا وكذا وكذا، نقول له: نعم، وما المشكلة؟ هذا ليس معارضًا للآية التي لديكم، أبدًا ليس معارضًا.

[المذيع]: المشكلة في مَن؟

[الشيخ]: في فهمي أنا للآية؛ لأن التعارض حدث بين الحقيقة العلمية وبين فهم الناظر للآية.

الرد على الداعشي في فهم آية وقاتلوا في سبيل الله والفرق بين القتال والقتل

طيب، يأتي الداعشي فهم من الآية أمرًا، يقول: والله، أليس ربنا قال هكذا:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا﴾ [البقرة: 190]

قلت له: نعم. قال: إذن دعنا نقاتل وأشياء مثل ذلك. قلت له: لا، ولكن انظر إلى الآية، ﴿وَقَاتِلُوا﴾، لم يقل: ﴿اقْتُلُوا﴾، ففي فرق يا بني كبير أنبهك إليه.

مفهومه أنه اتخذ هذه الآية أساسًا له أن يُقاتل فَيُقتَل فيدخل النار، أو أنه يَقتُل فيرضى الله عنه فيُمَكَّن في الأرض. فأقول له: لا، هذا خطأ وذاك خطأ.

تفصيل معنى القتال الدفاعي في الآية وتأكيد أن الله لا يحب المعتدين

هذا يقول: ﴿وَقَاتِلُوا﴾، ولأن هذا يقول لك: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: حسنًا، وأنا في سبيل الله. قلت له: حسنًا، أكمل: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، فهذا يعني دفاعًا وليس عدوانًا.

وأؤكد لك على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، وأعطاك حقيقة لا يمكن أن تُنسخ ولا يمكن الالتفاف عليها، وهي إن الله لا يحب المعتدين.

هل سيأتي مثلًا ويقول لك اليوم إن الله لا يحب المعتدين، وغدًا يقول إن الله يحب المعتدين؟! يا بني، هذا غير ممكن.

مخاطبة الداعشي بمخالفته للنص الذي يدعي اتباعه وذبحه للأبرياء

فيقرأ الآية ويتوقف عندها. إنني غاضب منك بسببها؛ لأنك أنت تخالفها، لأنك أنت تعتدي وتحضر المسيحيين وتذبحهم، واليزيديين وتأسرهم، ويذبحون المسلمين وتأسرهم وتحرقهم، وما إلى ذلك.

يا بني يا حبيبي، إنني حزين من أجلك ؛ لأنك خالفت النص الذي تدعي أنك تتبعه.

ما هي مشكلة هذا الولد، وما هي مشكلة الثاني والثالث؟ الفهم، أنه يفهم القرآن على غير ما هو له.

أدوات فهم القرآن الصحيح من اللغة العربية وأصول الفقه وعلم التفسير

حسنًا، من الذي يفهم القرآن على ما هو له؟ يحتاج إلى أدوات. ما هي هذه الأدوات؟

  1. اللغة العربية.
  2. أصول الفقه.

هم هؤلاء الذين يفهمون القرآن، من خلال علوم الآلة.

  1. قواعد الفكر المستقيم.
  2. علم التفسير.

فكل هذه الأشياء تعني أدوات، فهذه الأدوات هي التي تمكنك. حضرتك إن لم تكن لديك هذه الأدوات، فعليك أن تستعين بي وأنا أستعين بك.

الخلل بين الحقيقة العلمية المستقرة وفهم الناظر للنص القرآني

لكن الخلل الذي حصل بين ماذا؟ بين الحقيقة العلمية المستقرة التي توصل إليها جماهير العلماء أو كل العلماء، وبين الفهم الذي قام في ذهن الناظر.

هذا الفهم في الحقيقة غير صحيح، وأول ما يثبت أنه غير صحيح وأن النص يحتمل معنى آخر غير الذي خطر في بالك؛ لأنك أنت أهملت حروف المعاني وأهملت السياق والسباق وهكذا، وأهملت الأصول وأهملت العام.. إلخ، أهملت الأدوات.

فقام في ذهنك أول انطباع: نعم، هذا ضد الحقيقة. وحينها تتهم القرآن، وينبغي أن تتهم ذهنك إلى أن تسأل أهل التخصص.

ثبات القرآن أمام كل الشبهات وعدم تزعزعه على مر العصور

على طول عمرنا لم يؤتَ لنا بآية تجعلنا نهتز ونغير مواقفنا ونقول: الله أعلم، نحن لا نعرف.

[المذيع]: كيف تكون مواجهة من يأتي متلككًا ومتربصًا؟ ويأتي يقول هنا مخالفة صريحة وهناك صدام حقيقي على تصوره.

[الشيخ]: هو يتصور ذلك. هدئ بالك أخي، اجلس ونفهمها له. وإذا أردنا التفهيم فهو على مستويات، يعني نشرح له الأمر فيقول: لماذا؟ فنشرح له علتها، فيقول: لماذا؟ فنشرح له العلل الثواني والثوالث والروابع والخوامس إلى أن نصل إلى البديهيات.

فعندما يحدث ذلك، يحدث أننا قد وصلنا إلى المسلمات، فهو مُسلِّم بها وأنا مُسلِّم؛ لأننا عقلاء، فينتهي الإشكال.

الرد على المغرضين الذين يرفضون القواعد العلمية ويتمسكون بانطباعاتهم

في بعض الأحيان، المغرضون يقولون: أنا لا أريد ذلك، أنا أريد فهمي أنا الذي هو من غير قواعد ومن غير علم وبلا شيء. غيّر هذا الانطباع، أريده أن يكون موافقًا وهو ليس موافقًا، فأنا لا يلزمني.

نحن نقول له: أنت حر، لكنك لست علميًّا. هذا هو العلم، له مصطلحاته، وله أدواته، وله قواعده، وله ترتيبه.

لكن حضرتك بدون القواعد ولا الأدوات ولا الترتيب ولا المصطلحات يصبح انطباعًا، أي أن فهمك هذا ليس اسمه علمًا، فهو فاقد نظرية الشرط.

نظرية الشروط وأهميتها في حل الإشكالات مع الدواعش والملحدين

أحد الإخوة الذين يشاهدوننا قال لي: أنا أريد أن أعمل رسائل في الكلية خاصتي، أحد عمداء الكليات، على نظرية الشروط هذه؛ لأنها هي التي ستحل الإشكالات بيننا وبين الدواعش وبيننا وبين الملاحدة.

يعني حتى الذي يقرأ ويقول: أنا أرى أن هناك تناقضًا. حسنًا، تعال يا بني، في أي شيء يوجد تناقض؟ أعطني المثال هكذا وأنا أحله لك بالقواعد المكتوبة الواضحة.

تأليف كتب ضخمة للرد على الشبهات وثبات القرآن أمام كل محاولات التزعزع

ليست التي وضعتها أنا حتى لا يكون هناك انطباع، هذه هي القواعد الموجودة في اللغة، الموجودة في الأصول، الموجودة في كذا.

ومن كثرة الأسئلة، ومن كثرتها، قمنا مرة بتأليف كتاب في ثمانية وعشرين مجلدًا للرد على هذه الشبهات، وتم تأليف كتاب آخر أيضًا بهذا الحجم حول مسألة أخرى.

ما هذا؟ من كثرته، إننا نحب القرآن ونقول: والله هذا لم يقبل أن يتزعزع، هذا لا أحد يستطيع أن يأتي فيه بشيء حقيقي لا يكون فيه رد.

الانبهار بالقرآن نبي مقيم والتدبر يحتاج إلى آلة وأدوات علمية

وهذا هو انبهارنا بالقرآن الذي يسميه كثير من الناس الإعجاز العلمي للقرآن أو الإعجاز كذا للقرآن، هو في الحقيقة نبيٌ مقيٌم، ويجادل.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

فهو يريد التدبر، والتدبر يحتاج إلى آلة، والآلة: اللغة من ضمنها، الأصول من ضمنها، التفسير من ضمنها، وهكذا المقاصد الشرعية، المصالح المرعية، التوافق مع كتاب الله المسطور.

ومن هنا نستخرج من الكتاب المبادئ والسنن الإلهية والحقائق وما إلى ذلك.

تفضيل تسمية الانبهار بالقرآن على مصطلح الإعجاز العلمي

ولكنني لا أستحسن، بالرغم من كل هذا إلا أن أسميه الانبهار بالكتاب الذي لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة الرد.

[المذيع]: إذا كان ربنا يقول:

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]

فضيلتك تفضل دائمًا من خلال إرساء قواعد منهجية عن الانشغال بهذه الإشارات.

[الشيخ]: نعم، طبعًا، بدون شك؛ لأن هذه الإشارات تتم متى؟ تتم عند المقارنة وتتم عند تفكير بعض البشر في النص المقدس، وهذا لا نهاية له وغير منضبط.

الانطباع ليس علماً والنص القرآني يبقى قوياً دون اعتراض عند عرضه على العلم

أي أنه ليس علمًا بل هو انطباع، وهذا الانطباع عندما نعرضه على العلم يتبين أن النص باقٍ دون اعتراض ودون اختلاف فيه، وأن هذا النص قوي جدًّا، لهذه الدرجة التي تجعله مبهرًا.

[المذيع]: ** مولانا هل حينما نجد بعض الناس يركزون على هذا ويصل بعضهم إلى درجة أنه يلزم أن تكون هذه الآية متوافقة مع حدث معين؟** فيقول: انظر إلى هذا الحدث الذي وقع والقرآن تحدث عنه، ويبدأ الحوار والحديث وإصرار وهكذا. هل هذا يضر بالفهم الكلي للقرآن الكريم؟

التفريق بين الانبهار بالقرآن داخل الإطار الإسلامي وخارجه

[الشيخ]: داخل الإطار الإسلامي لا يضر، لأنه نوع من أنواع الانطباعات. لكن خارج النطاق الإسلامي والصورة الكلية للمسلمين، نعم يضر.

مَن داخل النطاق الإسلامي؟

أناس يحبون القرآن طبعًا، وبعد ذلك يقول له: والله، هذا القرآن جميل جدًّا.

لكن طالما أنه يقول إن القرآن جميل جدًّا بطريقة تعارض الخطوات التجريبية التي عند الآخر، حتى يظن أنه يريد أن يتدخل في شأنه، فهذا يضر.

القرآن يمكن أن يلهم توجهات نظرية كالومضات لكن ذلك ليس علماً منضبطاً

فالقرآن لا يمكن أن أجلس وأقرأ فيه فأخرج منه بتوجه نظري.

ولو حدث أن وأنا جالس أقرأ القرآن، وقلت: أليس من الممكن أن أنشئ نظرية علمية تقول هكذا؟

فهذه تكون مثل الإلهامات التي ألهمها الله لديكارت، أو ألهمها لفلان وعلان، أو لافوازيه، أو شخص ما هكذا.

لقد حدث معهم، فديكارت يقول حدث له وهو في الكوخ ومضة، فجاءته فكرة الشك المنهجي هو الذي يوصله إلى اليقين. هذه ومضة أتت له هكذا.

ديكارت والصفر كمية غير معينة والومضات العلمية التي قد تأتي من قراءة القرآن

بل وأتى لنا بأشياء غريبة جدًّا، كقوله إن الصفر كمية غير معينة، وهذا ما قاله ديكارت، أن الصفر كمية غير معينة.

حسنًا، وأنت يا ديكارت، ما الذي جعلك تقول إن الصفر ليس عدمًا بل هو كمية غير معينة؟ فيبني عليها المحاور وهكذا إلى آخره.

هذه المنطقة وهي مناطق تجعلك تفهم حتى الرياضيات العليا بعمق. ومضات كالومضة التي جاءت لنيوتن. من الممكن أن شخصًا يقرأ القرآن فتأتيه ومضة، لكن هذا ليس منضبطًا، هذه انطباعات أو توفيقات التي نسميها فتحًا، أتفهم؟ لكن هذا ليس Science.

مشكلة مصطلح الإعجاز العلمي عند العلماء المتخصصين والفرق بينه وبين الانبهار النصي

حتى لا، المشكلة المتعلقة بالإعجاز العلمي هي أن العلماء التجريبون يقولون: إنكم تدلسون علينا. فنرد عليهم قائلين: لا، في الحقيقة هم يقصدون الانبهار النصي وليس الإعجاز العلمي.

لأن الإعجاز العلمي يستلزم أن يجعل هذا جزءًا من خطواته، وهذا ما لا يكون أبدًا، ويضر ولا ينفع.

هل يمكن أن يجعل النص أحدهم متجهًا لناحية ما؟

نعم، هذه ومضة توفيق من الله تعالى، توفيق وفتح وانشراح صدر؟ قد يجوز.

الحرص على المصطلح ونتائج لجنة الإعجاز العلمي وانتهاء عملها

إذن، فالمصطلح قد يكون له دلالات سيئة عند الآخرين فهذا يجعلنا حريصين عليه.

أما استعماله في داخل مائتين وخمسين كتابًا، فقد ذهبت اللجنة وانتهى الأمر. وصلت إلى تحديد موقع اللجنة ووصلت إلى التحديد، درسنا كذا وحددنا المفهوم وكتب فيها أستاذنا الدكتور أحمد فؤاد باشا وكان نائبًا لرئيس جامعة القاهرة وهكذا وانتهينا.

يعني انتهى هذا المعنى، انتهت المصطلحات فانتهى عمل اللجنة بهذا الشكل.

القرآن كتاب هداية وليس كتاب معلومات ونمطه الشبكي لا الخطي

[المذيع]: مولانا الإمام، يعني اسمح لي في هذا السؤال الذي ربما يلخص ما تفضلت به فضيلتك وأجبت عن كل أسئلتنا: هل هذا يؤكد أن القرآن كتاب هداية وليس كتاب جغرافيا أو كتاب طب أو كتاب علوم؟

[الشيخ]: لم يقل أحد أبدًا أن القرآن كتاب معلومات، أبدًا. هذا الكتاب هو كتاب هداية.

ولم يقل أحدٌ أبدًا إن نمط القرآن في عَرْضه لما عَرض خطي، يعني لو قرأت التوراة يقول لك: خلف آدم، وبعد ذلك آدم خلف شيث، وبعد ذلك شيث خلف أنوش، وبعد ذلك أنوش هذا خلف متوشالح، ومتوشالح هذا خلف نوح.

القرآن يرسم شبكة لا خطاً مستقيماً ويتوافق مع طبيعة الواقع الشبكية

هذا خطي، فهو يسير بتسلسل تاريخي، وعندما تجد أن الخلق بدأ من خمسة أو ستة آلاف سنة. والقرآن ليس كذلك.

القرآن يرسم لك شَبَكة، يرسم نقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا ونقطة هنا، فأصبحت شَبكة مثل الشبكة التي يُظهرونها في الأخبار.

عندما نرجع إلى الواقع المعيش، هل هو خطي أم شبكة؟ سنجد أنه شبكة، ليس خطيًّا؛ لأن هناك علاقة بيني وبينك، وعلاقة بيني وبين زوجتي، وعلاقة بيني وبين أولادي، وبيني وبين رئيسي، وبيني وبين مرؤوسي، وبين وهكذا. هذه شبكة.

علاقة المسلمين بالقرآن تختلف عن علاقة أصحاب الأديان بكتبهم لطبيعته الشبكية

فإذن هذا القرآن الذي يرسم لنا شَبَكة يتوائم مع خِلْقة الله للواقع الذي جعله على أساس أنه شَبَكة.

ومن هنا فإن علاقة المسلمين بكتابهم تختلف اختلافًا بيّنًا عن علاقة أصحاب الأديان بكتبهم. هم يقولون (مستغربين): ما بالكم هكذا منبهرين؟

لا، نحن لسنا منبهرين فحسب. ما هذه العلاقة العجيبة بينكم وبين القرآن؟ نحن لسنا كذلك مع نصوصنا. نحن يمكننا في هذه النصوص أن نُظهر حيثيتها من حيث كذا الذي أنتَ تقول عنها هذه، نحن يمكن أن نقيدها، نحن يمكن أن نفعل كذا.

طبيعة القرآن الشبكية تمنع التبديل والتحويل والفرق بين النص ومفهوم النص

فهذا متاح لنا لكي يظل الدين متوائمًا مع مصالح الناس ومقاصد الناس وهكذا. لا تفعلوا أنتم هكذا؛ لأن طبيعة القرآن شبكي وليست خطي.

ولذلك لن يصلح أن نزيل شيئًا ونضع شيئًا آخر يا بني آدم، يعني يا إخواننا، لا يجوز*.

ولكن الذي ينبغي أن هناك فارقًا كما قلنا مرارًا بين النص وبين مفهوم النص، ونحن في مفهوم النص نراعي الواقع ونقرأه من خلاله ومن مقاصده ومصالحه ومآلاته.

ولذلك هذا هو كلامنا الذي نقوله ببساطة أن الإسلام لكل زمان ومكان.

خاتمة اللقاء وتأكيد أن كتاب الله المنظور مصدق لكتاب الله المسطور

[المذيع]: لذلك جاء كتاب الله المنظور مُصدقًا لما بين أيدينا من كتاب الله المسطور.

شكر الله لكم مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. كل سنة وحضرتك طيب، كل سنة ومصر كلها طيبة وسعيدة.

[الشيخ]: كل عام وأنتم بخير والمصريون بسلام.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.