والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة  يتحدث عن حقيقة النفاق في زمن الوحي | الحلقة الكاملة - السيرة, والله أعلم

والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن حقيقة النفاق في زمن الوحي | الحلقة الكاملة

52 دقيقة
  • النفاق في اللغة مشتق من مادة "نفق" التي تدل على الخروج، والمنافق هو من أظهر الإسلام وأبطن الكفر.
  • المنافق أشد خطراً من المشرك الصريح لأنه يلبس الحق بالباطل، ولذلك جعله الله في الدرك الأسفل من النار.
  • سبب النفاق الخوف والعجز عن المواجهة، والإسلام يرفض إكراه الناس على الدين فقال تعالى: "لا إكراه في الدين".
  • القرآن كشف حالة النفاق ولم يكشف أشخاص المنافقين فتحاً لباب التوبة لهم وستراً عليهم.
  • من علامات النفاق العملي: الكذب، وإخلاف الوعد، والخيانة، والفجور في الخصومة.
  • لا يجوز لأحد أن يتهم شخصاً بالنفاق العقدي بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • لم يكن في رواة الحديث من الصحابة منافق واحد، فقد تم توثيق أحوال ألف وسبعمائة وأربعين صحابياً رووا الأحاديث.
  • مواجهة النفاق تكون بإشاعة قيم الصدق والأمانة والعفو، وبالتعليم والثقافة التي تستنكر الكذب والنفاق.
  • الحرية الحقيقية هي الخروج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
محتويات الفيديو(60 أقسام)

مقدمة الحلقة وطرح موضوع النفاق وأسئلة حوله

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، وأسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة في "والله أعلم". لنقف من خلال هذه القراءة المتأنية لمنهجه الأصيل وهذه الرؤية الواضحة لاستشراف المستقبل.

ونقف اليوم تحديدًا عند معالجة هذا المرض الخطير، ألا وهو النفاق. كيف نُخلي هذه القلوب من النفاق؟ كيف ظهر النفاق في زمن الوحي؟ وما معناه؟ وهل يُطلق على المنافقين في زمن الوحي وصف الصحابة؟ أسئلة كثيرة، ومن ضمنها: ما صور المنافقين اليوم في هذا الزمن الذي نعيشه؟

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا ومرحبًا بكم، مرحبًا.

معنى النفاق في اللغة العربية وخصائص حرفي النون والفاء

[المذيع]: ما معنى النفاق؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في اللغة العربية من خصائصها ومميزاتها ولطائفها أن كل كلمة بدأت بالنون والحرف الثاني منها فاء، فتكون بمعنى الخروج. فنقول: نفَس، أي أن زفير خرج. وكذلك نقول: نفر، أي:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: 122]

نفر: خرج. ونقول: نفح، أي أعطاه هدية، ونقول: نفخ، أي خرج من فمه هواء. ونقول: نفق، أي روحه خرجت.

معنى النفق في الطريق وعلاقته بمفهوم الخروج في اللغة

وعندما قمنا بإنشاء الطريق فوقه جسر وتحته مخرج هكذا، أسميناه نفقًا. لماذا سميناه نفقًا؟ لأنه يخرج من الناحية الأخرى؛ دخل من هنا وخرج من هناك، فتصبح هناك سيارات تسير فوق وسيارات تسير تحت، فيكون نفقًا.

فكل هذه الأشياء معناها الخروج.

سبحان الله! لا توجد لغة هكذا في العالم، حيث أن حرفين يدلان على شيء أو ثلاثة تكون متصلة. وهذا ما يسمونه الاشتقاق الأكبر، الذي هو مثل: مَلَكَ بمعنى القوة، ولَكَمَ بمعنى القوة، وكَلَمَ بمعنى القوة، ومَلَكَهُ بمعنى القوة. وهكذا، إنها لغة غريبة عجيبة، وربنا سبحانه وتعالى هو واضعها عند الراجح من الأصوليين.

عمق اللغة العربية في دلالة كلمة منافق على الخروج من الإيمان

ولغةٌ فيها عمقٌ؛ لأنه فور أن يسمع الإنسان كلمة منافق من العرب الأقحاح، يفهم في داخله أنه خرج. ولكن خرج من ماذا؟ قد يكون خرج من الإيمان، وقد يكون خرج من الجماعة، وقد يكون خرج من الاعتبار، وقد يكون خرج من الجنة.

ومجموعة الجنة، فهي شيءٌ سيئ. "منافق" كلمة سيئة. فعند مردود كلمتها [المكونة] من النون والألف والقاف تقع على أذن العربي، فالعربي يستشعر في داخله هكذا أنها شيء به خروج. فعلى الفور بمجرد أن يسمعها لا يُسَرّ بها، فتكون هي في ذاتها عقوبة له؛ لأنه قد وُصِف بهذا الوصف، بهذا الوصف بالمنافق.

تعريف المنافق بأنه من أظهر الإسلام واستبطن الكفر وحكمه في القرآن

فهذه اللغة كانوا يعيشونها. هذا هو عمق اللغة.

فمن هو المنافق؟ إنه من أظهر الإسلام واستبطن غير الإسلام، استبطن الكفر. ومن هنا جاء حكمه في القرآن:

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

فالمنافق هذا الذي أظهر الإسلام واستبطن الكفر أشد نكاية من المشرك الصريح؛ لأن المشرك الصريح يقول: يا إخواننا، أنا أكرهكم وأنتم تكرهونني، هذا واضح. وأنا يا إخواننا على غير ملتكم. فهو رجلٌ احترم رأيه وأعلنه.

الإسلام يكفل حرية الرأي والعقيدة ويرفض إنشاء المنافقين بالإكراه

ولذلك كثيرون جدًا لا يفهمون معنى حرية الرأي، أي أن [حكم] هذا النفاق ومرتبته في الإسلام ما المقصود به؟ أن تجعل رأيك حرًا. أن أردت أن تكفر:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وكن رجلًا [مسؤولًا].

[المذيع]: أي أنه تحرير إرادة.

[الشيخ]: هل هناك ما هو أبدع من ذلك وأعلى منه؟ نحن منذ ارتباطنا بالإسلام، أحيانًا نجعل الدنيا مضطربة.

[المذيع]: ماذا يعني أننا منذ ارتباطنا بالإسلام جعلنا الدنيا مضطربة وقلبناها؟

[الشيخ]: إن اضطراب الدنيا يكمن في تحويل العبادة إلى مجرد عادة، واضطراب الدنيا أيضًا يكمن فيمن ألف [أعتاد] المصطلحات حتى تجمدت وابتعدت عن مراميها ومعانيها.

أهمية إحياء اللغة العربية ودورها في بناء الحضارة وفهم الدين

من هو بالتحديد؟ الزمن هو الذي فعل بنا هكذا. عدم العلم باللغة وعدم إحياء اللغة الذي كان يظهر كل حين. في القرن العاشر صنعوا شيئًا اسمه الحواشي من أجل إحياء اللغة، وفي القرن الثاني عشر قام العلماء الكبار لكي يحيوا اللغة.

لماذا؟ لأنه ليس هناك أي نهضة ولا تطور ولا مشاركة في بناء الحضارة الإنسانية إلا بإدراك اللغة إدراكًا عميقًا.

نأتِ في يوم ونفتح مدارس أجنبية ونتحدث الإنجليزية والفرنسية، ولكننا لا نُتقن الإنجليزية والفرنسية! ولا نعرف العربية! فنصبح مثل الغراب الذي يمشي في الأرض لا يعرف كيف يتقدم ولا كيف يتأخر. ولكنه فَرِحٌ بنفسِهِ كثيرًا أنه يعرفُ ثلاثَ أو أربعَ كلماتٍ [أجنبية]، ولو أنكَ أخرجتَهُ من الكلماتِ الأربعِ أو الخمسِ التي يعرفها، سيحتارُ ويقولُ لكَ: لم أدرسْها في المدرسةِ.

الاهتمام باللغة العربية يحمي من النفاق ويصون حرية الرأي في الإسلام

حسنًا، إذا كانَ الاهتمامُ باللغةِ سَيَقينا نوعًا كبيرًا من أنواعِ التعاملِ مع هذهِ المعاني الرائقةِ. فكلمة منافق كلمة تدل على مدى احترام الإسلام لحرية الرأي؛ لأنه أمرنا ألا نربي المنافقين، وألا ننتج بأعمالنا وأفعالنا وعلومنا ومناهجنا المنافقين.

فكيف أكره الناس على الإسلام؟! أنا لو أكرهت الناس على الإسلام، ما أنا إلا منشئ بذلك منافقين.

ولذلك سيأتي السؤال الذي تريد حضرتك طرحه الآن، ستقول لي: ما سبب هذا النفاق؟

سبب النفاق هو الخوف والعجز عن المواجهة والتعبير عن الرأي بصراحة

النفاق هذا سببه الخوف، وعدم القدرة والعجز. شخص وجد نفسه بين المسلمين ويريد مصالح وهو عاجز عن تحصيلها، يريد أن يتحايل ويدور، فيصبح منافقًا. من الخارج شيئًا جميلًا، ومن الداخل شيئًا آخر.

فإذا كان منافقًا بهذه الكيفية، فإن سبب نفاقه هذا أنه عاجز عن المواجهة، وأن يعبر عن رأيه بصراحة. ولذلك جاء ربنا وقال لنا:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

خطورة وجود المنافق في المجتمع وضرورة حرية التعبير عن العقيدة

ولكن المدارية تكسر المحراث [مثل شعبي معناه أن] الحَجًرًة المخفية -كما يقولون عندنا في الريف- تكسر المحراث، [نصل المحراث] هي أداة تشبه الفأس تحرث الأرض. الناس تستخدم نصل المحراث، والمدارية [الحجر المخفي] تكسر المحراث. لذلك يجب أن تكون [الأحجار] واضحة فوق الأرض، فيقوم الفلاح الذي يقود المحراث يأتي عندها ويحني المحراث ليتجاوزها.

فالمنافق وجوده في المجتمع مؤذٍ للغاية؛ لأنه سيلبس الأمر على الناس. فماذا كان ينبغي عليه أن يفعل؟ والله إذا أسلم عن قناعة فليظهر إسلامه، وإذا لم يسلم فليظهر عدم إسلامه بحرية.

الفهم العميق لحديث أُمرت أن أقاتل الناس وأن القتال كان دفاعاً عن النفس

لكن عندما آتي أنا ﻷعترض عليه، لا.

الفهم العميق للغة سيجعلني أفهم معنى:

قال رسول الله ﷺ: «أُأمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتَّى يشهدوا أن لا إلَه إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللَّهِ»

وهو حديث صحيح، وسيجعلني أفهم:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

يقول له [النبي ﷺ لعمه أبي طالب]:

يا عمِّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أدع هذا الأمر ما ودعته.

[والمعنى أنني] أدافع عن نفسي. [وأنني] أُمرت أن أقاتل الناس ليس على إجبارهم، بل أُمرت أن أبلغ الدعوة، فإذا قاتلتموني قاتلتكم وبلغت.

غزوات بدر وأحد والخندق كانت دفاعاً وليست اعتداءً من المسلمين

إذن من الذي بدأ بالقتال؟ هم. في بدر، أحد، والخندق، كل هذا كان في مكة أم كان في المدينة؟ هم من جاؤوا علينا [في المدينة]، لم نذهب إليهم. هم الذين جاؤوا وهم الذين هاجمونا، فنحن مُعتدى علينا ولسنا معتدين، نحن ندافع عن أنفسنا.

وبعد ذلك قال لهم: إذا جئتم لتقاتلوني سأقاتلكم. لذلك لم تكن هناك هذه الفكرة العجيبة الغريبة أنني أُمرت أن أنشأ المنافقين كيف ذلك؟ الدين كله من أوله لآخره عقيدة وشريعة وأخلاقًا يأبى إنشاء المنافقين.

آيات قرآنية تؤكد حرية العقيدة ورفض الإكراه في الدين

ولذلك فهو يأبى عدم حرية العقيدة، يأباها ويرفضها:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]

ما هذه الحرية العجيبة؟ هذا أيضًا لم يصل إلى امتلاك الحقيقة. يقول لهم: أنا شأني وربي. أنا أعتقد اعتقادًا جازمًا مطابقًا - إن شاء الله - عن دليل وهو العلم، أن الخلاص في هذا [الإسلام]. فأنت ماذا تريد؟ فقط

النفاق العقدي ناتج عن الخوف والعجز والضغط الاجتماعي

النفاق جاء من الخوف، ومن العجز. خوف من ماذا؟ من الهيئة الاجتماعية؛ لئلا [مثلًا] زوجته تقول له: أنت ما زلت لم تؤمن بعد؟! أولاده يقولوا له: يا أخي، استحِ. فقال: حسنًا، سأستحي [سأسلم].

فهذا هو النفاق العقدي الذي يكون في القلب.

مظاهر النفاق العملي من الكذب والخيانة والفجور في الخصومة

هناك مظاهر يقوم بها المنافقون، ما هي هذه المظاهر؟ الشرع قال لك: لا تكذب.

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أيكونُ المؤمنُ كذَّابًا ؟ قال : لا»

فحرّم عليك الكذب، ولكن المنافق يكذب، فيظهر ذلك.

على وجهك يظهر يا مَن تمضغ اللبان. [مثل شعبي]

ما هو جالس يفعل بفمه يمضغ اللبان، إذا كان واضحًا أنك تأكل لبانة في فمك أو تمضغها.

الرجل الذي يقول: أنا مسلم ويكذب. فهذا نفاق نسميه نفاقًا عمليًا؛ لأنه يُشبه المنافقين في عدم التزامهم بما شرع الله.

«إذا حدث كذب، وإذا اؤتُمن خان»

الخيانة محرمة حتى مع الأعداء وموقف الإمام أبي حنيفة من ذلك

إذا هذا الخائن الذي لا عهد له، مثل الدواعش، فالدواعش كلما قالوا عبارة تراجعوا عنها بسهولة، ظانين أن خيانة الأعداء - أي أعدائهم، الذين هم أحباء الله، ﻷن أعداؤهم هم أحباء الله - واجبة أو شيء من هذا القبيل. كلا، فالخيانة حرام مع الكلّ.

يقول الإمام أبو حنيفة وهو يقول بجواز العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين،

ولا يجوز سرقتهم ولا خيانتهم؛ لأن الغدر حرام.

[أمثلة للعقود الفاسدة] هم أجازوا أن أضع أموالي بالربا وأن آخذ الربا هناك في تلك البلاد؛ لأن القانون عندهم يجيزه. يعني هم أجازوا أن يأكلوا الخنزير أو يشربون الخمر وما إلى ذلك.

كل العقود الفاسدة حلال في ديار غير المسلمين، واحذر أن تسرقه، واحذر أن تخونه؛ لأن الغدر حرام، وأنت لست غادرًا.

صفات النفاق العملي في الروايات النبوية وعلاقتها بالخوف والعجز

«إذا حدَّثَ كذبَ وإذا وعدَ أخلفَ وإذا اؤتمنَ خانَ »

مثل "جماعة الإخوان"، إذا خاصم فجر، فيكون منافقًا عمليًا.

وإذا خاصم فجر؛ لأنه يوجد روايتان ثلاثة، ورواية أخرى أربعة، ويوجد رواية جمعتهم.

إذا هذه صفات عملية هي صفات المنافق الُمخفي لكفره المعلن لإسلامه. ما مبنى هذه الخيانة؟ العجز. ما مبنى هذا الكذب؟ الخوف. ما مبنى الخصومة الفاجرة؟ العجز. ليس لديه قدرة على العفو، ليس لديه قدرة على المسامحة، ليس لديه قدرة على تقويم الأمور بقيمها الحقيقية.

سبب النفاق العقدي والعملي واحد وهو الخوف والعجز وعقوبة المنافق أشد من المشرك

[الخوف والعجز] سبب النفاق في القديم وسبب النفاق في الحديث، وهو سبب النفاق العملي وسبب النفاق العقدي الذي يُنسب إلى العقيدة، الذي هو يستوجب النار خالدًا فيها أبدًا، بل في الدرك الأسفل من النار. يعني أسوأ من المشركين وعبدة الأوثان.

لماذا؟ لأنه [المنافق] من الخارج رخام ومن الداخل سخام. لماذا؟ لأنه يشوه صورة الإسلام والمسلمين عند الناس، رغم أن هذا الدين هو للتبليغ ولإرشاد الناس:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فإذن هؤلاء الناس يشوهون الدعوة ويصدون عن سبيل الله بغير علم، فإنه سواء كان منافقًا عقديًا يضر المسلمين أو كان منافقًا عمليًا يضر الإسلام، فكلاهما نشأ عن الخوف وعن العجز، وكلاهما مردود عليه، وكلاهما يصفه الله بأسوأ الصفات.

قيمة الحرية التي وهبها الله للإنسان مع الحياة والانتقال إلى فاصل

[المذيع]: مولانا الإمام، يوضح لنا هذه القيمة التي نادى بها الإنسان أو تنادت بها الإنسانية، قيمة الحرية التي يقال عنها: حينما وهب الله الإنسان الحياة، وهب له الحرية في نفس الوقت ولنفس السبب. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

كيف ظهر النفاق في زمن النبوة وقصة الدعوة في مكة والمدينة

[المذيع]: أهلا بحضراتكم. مولانا الإمام، ربما يعجب البعض أو يتساءل: في زمن النبوة، في زمن الوحي، كيف ظهر النفاق؟ كيف ظهر المنافقون؟ ولماذا؟

[الشيخ]: أنت سألت مجموعة من الأسئلة في بداية الحلقة، -جزاك الله خيرًا- وسندخل السؤال هذا في بعض ما ورد في هذه الأسئلة.

فما حدث أن نبينا الكريم وهو في مكة - أريد أن أقص عليك قصة لطيفة، حكاية يجب أن نعرفها جميعًا - مكث حوالي أربعة عشر عامًا إلا قليل في مكة [بعد البعثة]، ومكث حوالي عشرة أعوام وقليل في المدينة.

عدد الصحابة في حجة الوداع وتعريف الصحابي عند العلماء

هذه الأربعة عشر سنة آمن معه فيها تقريبًا مائتا شخص فقط. وفي حجة الوداع وجدناهم مائة وأربعة عشر ألف صحابي رأوا سيدنا النبي بأعينهم هكذا.

نحن لدينا أن الصحابي هو من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورآه في حياة النبي. يعني ليس رآه في المنام أو هكذا، بل رآه في حياته.

فقالوا: كان من الصحابة من هو ضرير فلم ير النبي. فقالوا: إذن الصحابي من رآه النبي صلى الله عليه وسلم في حياته. فيكون الصحابي هو من رآه النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا في حياته.

هل كان في الصحابة منافقون وهل يُعدّون مؤمنين باعتبار الظاهر

ولكن [كلمة] مؤمنًا ستأتي لي بالإشكال.

هل كان من الصحابة منافقون؟ نعم، كان منهم منافقون.

هل هم مؤمنون باعتبار الظاهر؟ نعم، فقد أعلنوا إسلامهم.

هل هؤلاء الذين أعلنوا إسلامهم، عرفنا حقائق بعضهم؟ نعم، عرفنا حقائق بعضهم، وحقائق بعضهم الآخر لم نعرفها ولم تُنقل إلينا أسماؤهم.

عدد الصحابة المعروفين بأسمائهم وعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين

هؤلاء [الصحابة] المائة وأربعة عشر ألفًا، كم واحدٌ منهم نُقِلَتْ إلينا أسماؤهم؟ تسعة آلاف وخمسمائة، خمسمائة من النساء، وتسعة آلاف من الرجال. فيكونون تسعة آلاف وخمسمائة واحد.

لن نجد فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول. وعندما تكتب "ابن سلول"، انتبه أن تكتبها بالألف. يعني: عبد الله ابن، فمن غير ألف تصبح "بن"، لكنها "ابن". ستقولها أنت: عبد الله بن أبي، وبعد ذلك ابن سلول، تضع فيها ألف.

لأن سلول هي أمه. سلول هذا ليس اسم جده. [فنكتبها] عبد الله بن أبي ابن سلول.

سلول هذه هي التي كانت أم عبد الله وزوجة أبي أو هكذا.

قاعدة إملائية في كتابة ابن بالألف عند النسبة إلى الأم

إذا نكتب فيها الألف. فكانوا يعلموننا ونحن صغار في الأزهر: لا تسقط الألف الخاصة بـ"ابن سلول"؛ لأنها امرأة وليس أباه، على غير العادة أننا نقول "بن" إذا كان في وسط الكلام.

وهكذا نقول: سيدنا عيسى ابن مريم، في سيدنا محمد بن عبد الله، نحذف الألف، ولكن في عيسى إبن مريم نضع الألف. وكذلك في يونس إبن متى، [متى] هذه أمه وليست أباه، فنضع الألف. وهكذا: ابن عُلية، علية هذه أمه، وليست أبوه.

فإذا جاء شخص وتسمى بأمه لأي سبب كان، نضع هذه الألف لنفرق بينها وبين الجد والأب وهكذا. هذه نقطة في اللغة، في الإملاء.

عدد الصحابة الرواة للأحاديث وعدم وجود منافق بينهم

الصحابة الكرام هؤلاء [من نعرفه] تسعة آلاف وخمسمائة إنسان، كم واحد فيهم روى الأحاديث؟ نحن لدينا مائة وأربعة عشر ألف إنسان معدودين عند الله من الصحابة، منهم تسعة آلاف وخمس مائة نعرفهم بأسمائهم تواترت إلينا في كتبنا. والباقي - يعني حوالي مائة وأربعة ونصف ألف - لا نعرفهم. تخيل!

جاء العلماء وتتبعوا وقالوا: إليك أسماء التسعة آلاف وخمسمائة. فكم واحد منهم روى الأحاديث؟ ألف وسبعمائة وأربعون شخصًا هم الذين رووا الأحاديث.

عدد رواة الأحاديث في مسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم

في مسند الإمام أحمد الذي جمع [الأحاديث من] الشرق والغرب، كم عدد [الرواة من الصحابة فيه]؟ تسعمائة وتسعين صحابيًا.

والبخاري الذي هو الكتاب العظيم، هذا فيه مائتان وأربعة وخمسون صحابيًا مثلًا. ومثلهم أو أكثر منهم قليلًا في صحيح مسلم.

فقط مائتان وأربعة وخمسون صحابيًا هم الذين وردت عنهم السنن وغيرها، وبقية التسعة آلاف وخمسمائة أبدًا.

جهود العلماء في توثيق سير الصحابة الرواة وعدم وجود منافق بينهم

فذهبوا [العلماء]وبحثوا وعملوا ملفًا لكل صحابي: من هو؟ وما قصته؟ ما اسم أبيه؟ ما اسم أمه؟ كيف كان يلبس؟ كيف كان يأكل؟ إلى أين ذهب؟ من أين أتى؟ على يد من تعلم؟ ومن علَّم؟

[المذيع]: لمن أخذنا عنهم السنن؟

[الشيخ]: للألف وسبعمائة وأربعون صحابيا [الذين رووا الأحاديث]. فلم نجد ولا واحدًا فيهم منافقًا أبدا.

إذن ليس هناك صحابي راوٍ اتُّهم بالنفاق أبدًا. فليأتوا بأي واحد [تم أتهامه]، لا يوجد. حتى صارت هذه قاعدة.

الرد على من يتهم الصحابة الرواة بالنفاق وقصة عمرو بن الحمق

عندما كنا نشرح هذه الأشياء المبهرة، يأتي أحدهم ويقول: لا، أنا لا يعجبني هذا الأمر؛ لأنه سيجعلكم [الرواة] طيبين جدًا، وأنا لا أريدكم أن تكونوا طيبين جدًا. فيأتي بشخص ويتهمه.

وعندما تبحث في التاريخ تجد أن التهمة غير صحيحة وأنها غير موجودة، كما فعلوا مع عمرو بن الحمق الذين يروي حديث جيش مصر. يقولون لك أنه قد اتهم بالنفاق. فنبحث عن هذا القول، فنجد هذا الكلام فاسد، وأفسد من القائل نفسه!

[المذيع]: والمصادر المتاحة يا مولانا تتيح لفضيلتك أن تبحث وتنفي التهمة؟

[الشيخ]: نعم. وقد فعلنا ذلك وانتهينا لكي نسكت ونخرس الألسنة.

تأكيد نزاهة الصحابة الرواة والرد على أكاذيب الإنترنت والإرهاب

ألفًا وسبعمائة وأربعين شخصًا ليس منهم من اتُهم بالنفاق إطلاقًا. ما دام راوٍ فهو لم يُتهم أصلًا بالنفاق، فأي شخص يقول غير ذلك يكون كاذبًا أو يكون ذاهبًا إلى مهملات التاريخ ليبحث فيما لا يثبت.

ﻷن هناك أكاذيب مثل كذب الإنترنت، وأكاذيب [الجماعات] الإرهابية الموجودة، هي أكاذيب فوق أكاذيب.

ألف وسبعمائة وأربعون، نحن نقول [مجازا] لكي نحفظ ألف وثمانمائة، لكنهم ألف وسبعمائة وأربعون فقط. منهم من يروي حديثًا واحدًا، ومنهم من يروي حديثين فقط. يعني عاش حياته كلها من أجل أن يروي حديثًا واحدًا لكي يقول لك السنة وتوثيقها.

المكثرون من رواية الحديث من الصحابة والعبادلة الخمسة

خمسة عشر واحد فقط هم المكثرون، جميعهم علماء كبار: مثل أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، والعبادلة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير. اسمهم العبادلة من كلمة عبد الله.

أين النفاق في الصحابة؟

قصة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وموقف ابنه المؤمن

نحن لا نعرفهم [المنافقين]. فقط نعرف واحدًا مثل عبد الله بن أُبي ابن سلول، على الرغم من أن ابنه كان من كبار المؤمنين.

فعندما كانوا عائدين [إلى المدينة]، قال [عبد الله بن أُبي]: إذا وصلنا المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، وأشار إلى نفسه [بمعنى أنه الأعز]. وصف سيدنا المصطفى بهذا الوصف القبيح [الأذل]؛ لأن القبيح يصدر من القبيح.

فابنه سمع ذلك فقال: هذا رجل يستحق القتل، لقد شتم سيدنا رسول الله، إن فيها حد. فذهب إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله، إن أبي أخطأ، فإن كنت قاتله فاجعلني أنا أقتله.

شهامة ابن عبد الله بن أبي وطلبه تنفيذ الحكم بنفسه خشية الفتنة

أي إذا كان هناك حكم قضائي سيصدر ضد هذا الرجل [أبوه] بالقتل، فدعني أنا الذي أنفذ الحكم، لا أحد غيري ينفذه. انظر إلى الرجل العربي وشهامته!

فإني أخشى أن يقتله مؤمن، فأرى من قتل أبي يسير على الأرض، فأقتله. [أي] سيقتل المنفذ للحكم، فأكون قد قتلت مؤمنًا بكافر.

بمعنى: ارجوك يا رسول الله، لو كنت تريد أن تقتله ليس لدي مانع، لكن قل لي حتى أفعل أنا ذلك، ويصبح دمه في رقبتي. فيكون الولد قتل أباه لأن حكمًا قضائيًا صدر عليه.

فالنبي عليه الصلاة والسلام طمأنه وقال له: لا، ليس عليه شيئ.

مواجهة النبي لعبد الله بن أبي وإنكاره وصفات المنافق الظاهرة عليه

وقال لـعبد الله [بن أُبي المنافق]: لماذا تقول هكذا يا عبد الله أمام الناس؟ قال له: ما قلت. نفى طبعًا.

أليس كذوب، أليس خائنًا، أليس منافقًا؟ أليس إذا خاصم فجر؟ انظر موقفه في غزوة أحد: لقد سحب مجموعته وذهب ماشيًا خيانةً.

عبد الله بن أبي رأس المنافقين وطلبه بردة النبي عند وفاته

عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وواضح، وكان سيصبح الملك [على المدينة]، فجاء النبي وأخذ منه المُلك، فاعتبر [عبد الله بن أبي] أن هذه مسألة كبيرة في حقه.

وعندما حضرته الوفاة قال: أرسلوا إلى محمد فخذوا منه بردته وكفنوني فيها. أي أنه بالرغم من نفاقه كان يحب النبي!! وهذا أمر عجيب، ويعرف أن النجاة عنده [سيدنا محمد] فقط، ولكنه غير قادر على نفسه.

فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: عبد الله يقول هكذا [يطلب بردتك]. قال: خذوا البردة، ليس لدي مانع.

اعتراض عمر على إعطاء البردة والرد على نواقض الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب

أما عمر [بن الخطاب] فلم تعجبه هذه المسألة، فقال: أتعطيه البردة؟ يا رسول الله؟

ولذلك قالوا إن هناك في [رسالة] نواقض الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب يقول لك هكذا مطلقًا: والمعترض على رسول الله ... وهذا خطأ، ليس المعترض. ألم يعترض الصحابة في أُحُد؟ واعترضوا في الحديبية؟ وهو [عمر] اعترض في هذا؟

ما شأنك يا محمد بن عبد الوهاب؟ ما الذي تقوله؟ هذا ليس من اختصاصك. ولذلك مفتي تونس وضع نواقض عليه، للرد على نواقض الإيمان.

خطأ محمد بن عبد الوهاب في نسيان شروط الاعتراض الذي يكون من النواقض

فهو محمد بن عبد الوهاب أخطأ في ماذا؟ في نسيان الشروط. يعني أنت الآن لديك اعتراض، يجب أن يكون له شروط حتى يصبح هذا الاعتراض من النواقض. ولكن بدون هذه الشروط لا يصح ذلك [الإعتراض].

هذه الشروط منهجنا فيها؛ لأنها مصيبة كبيرة. وقد قلنا قبل ذلك: كمن صلّى بلا وضوء ولا قبلة ولا ستر ولا طهارة ولا غير ذلك، لا يصح. حتى لو أدى الصلاة كاملة وقال: أنا قد صليت، فلن تُقبل يا عزيزي، لا عند الناس ولا عند الله؛ لأنك قد افتقدت الشروط.

يجب أن نعيد ونزيد فيها [الشروط] حتى تصبح محفوظة، وليدرك الشباب من أين يؤخذ.

أهمية سؤال الشروط في مواجهة خداع الجماعات المتطرفة للشباب

[المذيع]: هذا هو المحور يا مولانا، هو حجر الزاوية كما يقولون.

[الشيخ]: نعم، حجر الزاوية، عندما يأتي الشباب الإخوان ويقول لأحد هؤلاء الشباب: لابد أن تكون من الجماعة، فيرد: أين شروط الجماعة؟ سيوقفه [عند حده] وينتهي الأمر.

وكذلك [يقول له] تعال معنا في الجهاد، فيقول له: حسنًا، وأين شروط الجهاد؟ وسينتهى الأمر، ولن يستطيع أن يخدع الأولاد، ولن يستطيع أن يخدع الفئات النائمة، ولن يستطيع أن يخدع المتعاطفين.

هؤلاء المتعاطفون ماذا يفعلون؟ يأخذون الظاهر ولا ينتبهون إلى أن هذا الظاهر بلا شروط.

متى يدرك المتعاطفون خطورة الانخداع بالظاهر دون شروط

[المذيع]: متى يدرك المتعاطفون معنى هذه الآفة الكبيرة؟

[الشيخ]: عندما يتعلمون، عندما يسمعون، عندما يشرح الله صدورهم كما شرح صدور الكثيرين عندما عرفوا الحقائق. وإذا أراد الله لهم الضلال، فهذه إرادته سبحانه وتعالى، كونه يفعل فيه ما يشاء.

لكننا نقول لهم، ونعلمهم: يا جماعة، عندما يعرض عليكم أحد شيئًا ويقول لكم: "تعالوا نشكل جماعة، تعال نقوم بالجهاد، أو تعال نفعل كذا"، اسأل نفسك واسأله واسأل الشريعة واسأل العلماء واسأل الكتب: أين الشروط؟

ولا بد عليك أن تحقق الشروط. هذا هو المفتاح، إنه بسيط.

الكذب شعبة من شعب النفاق والتنظيمات الإرهابية قائمة على الكذب

لكن ما رأيك أنه [هذا المفتاح] سيرد على جبهة النصرة ومثيلاتها والتنظيمات الأخرى التي لا أعرف ماهيتها، وكلها كذبٌ.

الكذبٌ أيضًا شعبة من شعب النفاق.

قال رسول الله ﷺ: «ومن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ، كانت فيه خَصلةٌ مِن النِّفاقِ حتى يَدَعَها»

[المذيع]: واحدة من ثلاثة أو من الأربعة.

[الشيخ]: حتى يدعها.

خلاصة حال الصحابة الرواة وعدم وجود منافق بينهم والحمد لله

فإذن نحن أمام وجوب الشروط.

هؤلاء هم الصحابة، فالصحابة الكرام منهم من عرفناهم تسعة آلاف وخمس مائة، ومنهم من روى، وليس في الرواة منافق، والحمد لله رب العالمين.

وأما الأشخاص الآخرون المنافقون فنحن لا نعرفهم، وأمرهم إلى الله، إذ أننا لا نعرفهم أصلًا، ولم نأخذ عنهم شيئًا أبدًا، ولم نأخذ عنهم أي شيء، والحمد لله رب العالمين.

الرد على من يدّعي الثقافة ويشكك في الصحابة بحجة وجود منافقين بينهم

ولذلك عندما يأتي أحد من الذين يسمون انفسهم بالمثقفين، يا للعجب! أي مثقفين هؤلاء؟ من أين أتتك ثقافتك؟ ماذا يريد هؤلاء المثقفون؟

يقول لك: إن الصحابة فيهم منافقون، فلا نريد أن نأخذ منهم السنة، لعلهم منافقون! لا يا أخي، اطمئن أن العلم يا مثقف، أثبت بالطريقة العلمية المرعية الشرعية أن لا أحد من الرواة منافق. إذن كل ما بين أيدينا هذا قابل للأخذ.

علم الحديث رواية ودراية وضرورة التزام المثقف بالمنهج العلمي

إذن يتبقى كيفية السند: هل هو صحيح؟ هل هو مقبول؟ هل هو غير مقبول؟ والمتن؛ لأنه دراية ورواية. المتن: هل هو مخالف؟ هل هو موافق؟ يوجد زيادة؟ يوجد نقصان؟ وهكذا.

فإذن هذا شغل العلماء يا مثقف. أنت قرأت عن الشيء ولم تقرأ في الشيء. يجب أن يلتزم المثقف بالعلم وإلا كان أضحوكة.

القرآن الكريم كشف حالة النفاق دون كشف أسماء المنافقين ستراً عليهم

[المذيع]: إذن كيف كشف القرآن الكريم المنافقين؟

[الشيخ]: القرآن الكريم كشف حالة النفاق ولم يكشف أشخاص النفاق. وصف الحالة، حالة النفاق. أي أنه بيّن أن هناك حالة تكتنف الناس، فتكلم عما في القلوب، وتكلم عما في الضمائر وفي النفوس وفي الخفاء، تكلم عنها فكشفها.

لكن ما قال لنا من هم هؤلاء، سترًا عليهم؛ لأن الله ستار حليم.

حكمة الله في ستر أسماء المنافقين لفتح باب التوبة لهم

ولمعنى آخر، وهو فتح باب التوبة لهم. لو ذكر أسماءهم لكان الأمر انتهى، وأصبحوا مثل أبي لهب. لكنه سترهم حتى لو أرادوا العودة سرًا بينهم وبين الله، فلم يُعرف من هم.

فمراعاةً لهذه الحالة، ومراعاةً للتوبة التي أمرهم الله بها ودعاهم الإسلام إليها، فإنه لم يفتش عنهم ولم يُشهر أسماءهم.

إنما تحدث عن حالة النفاق، عن حالة التدبير في الخفاء، عن حالة الإضمار في النفس، عن حالة ما في النفوس والقلوب والعقول من الداخل.

توبة بعض المنافقين بفضل ستر القرآن لهم ومواجهة النبي لهم

وهذه الأشياء جعلت بعض المنافقين يتوبون. كيف عرفها [النبي]؟ أنا لم أتحدث إلا مع نفسي، قد يكون عندما تكلم المنافق مع أخيه؟ لقد كنا وحدنا. كيف عَرَفَها؟

﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:65]

حينما واجههم بها. وكان النبي عليه الصلاة والسلام دائمًا بقدر الإمكان يواجه حتى يفتح لهم باب التوبة، فتاب من تاب وبقي على النفاق من بقي، والله هو الهادي.

صور النفاق في حياتنا اليوم وعدم جواز اتهام أحد بالنفاق العقدي بعد النبي

[المذيع]: مولانا، عندما نتأمل وحين نستفيد من منهج فضيلتك، داعٍ لأن نعالج صور هذا النفاق في حياتنا. كيف نتمثل هذه الصور في هذه الحياة؟ من يمثل صور النفاق اليوم؟

[الشيخ]: لا يستطيع أحد أن يتهم أحدًا بالنفاق العقدي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كشف بعض أسماء المنافقين لحذيفة على سبيل أنه أمين السر عنده.

حذيفة أمين سر النبي وسؤال عمر له عن النفاق والفتنة

وهذا الكشف الذي كشفه [رسول الله] له [لحذيفة] كلّفه بكتمانه، حيث كان عمر دائمًا يسأله: هل أنا منهم؟ فيقول له: لا.

فقال عمر: هل أقع في الفتنة؟ قال: بينك وبين الفتنة باب. قال عمر: أيُفتح الباب أم يُكسر؟ قال له: بل يُكسر.

فعرف عمر أنه مقتول. بينك وبين الفتنة باب، هل يُفتح يعني؟ سيموت أم سيُكسر؟ قال له: لا، سيُكسر.

حذيفة حفظ أسماء المنافقين وكان يظهرها رمزياً بعد حدوث الأحداث

كل هذا كان حذيفة قد حفظه، وكان يُظهره بعد حدوثه. ليس قبله. وكان مكلفًا بعدم إفشائه إلا بهذه الصورة الرمزية: بينك وبينه بابٌ، أيُفتح أم يُكسر؟ قال له: سيُكسر.

فلما مات عمر، عرفوا أن كلمة يُكسر تعني يُقتل، وليس يموت حتف أنفه.

فكان حذيفة يعرف بعض الأسماء، ثلاثة عشر شخصًا، أو خمسة عشر شخصًا، أو عشرين شخصًا.

صلاة الصحابة على النبي فرادى عند وفاته في نظام بالغ الدقة

عندما توفي النبي عليه الصلاة والسلام وانتقل إلى الرفيق الأعلى، صلى عليه نحو عشرين ألف ممن كانوا بالمدينة. صلوا عليه أكثر من ست وثلاثين ساعة متواصلة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم سُجِّي في فراشه، ودخلوا فصلوا عليه فرادى واحدًا واحدًا التماسًا للبركة. فيدخل من هنا [باب] ويكبر الأربع تكبيرات ويُنهي صلاة الجنازة ويخرج من هنا [باب آخر]، ثم يأتي الذي بعده، ثم يأتي الذي بعده.

وهكذا عشرون ألف شخص في ستٍ وثلاثين ساعة عبر الليل والنهار، لم يناموا. يعني كل هذا الوقت واقفين في طابور بنظام.

أدب الصحابة في صلاة الجنازة على النبي وعدم جواز اتهام أحد بالنفاق العقدي بعده

هذا فيه عشرون ألف شخص. هل رأيت من قبل طابورًا فيه عشرون ألف شخص؟ لم يحدث مثل هذا، لكنه كان في غاية النظام والدقة. وصلوا عليه فرادى بكل هذا الأدب والخشوع والخضوع لله.

فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز لأحد أن يتهم أحدًا بالنفاق العقدي بعده.

تسمية العلماء للمنافق بعد عصر النبوة بالزنديق وحكمه

بعده العلماء سموا من يبطن خلاف ما يظهر، فيبطن الكفر ويظهر الإسلام، سموه زنديقًا. فالزنديق هو المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عندما يأتي شخص مثلًا يُظهر الإسلام ويصلي مع المسلمين وكل شيء مثلهم، ثم يقول: على فكرة يا جماعة، أنا لم أكن مسلمًا، أنا خدعتكم. فيقولون: حسنًا، أنت زنديق.

فنحن لسنا من نحكم أبدًا بالزندقة، بل هو الذي يحكم على نفسه، هو الذي يعترف. ويعترف ليس "بأنني الآن كفرت أو ارتددت عن الإسلام أو فعلت شيئًا الآن"، لا، بل أنني كنت أخدعكم.

فهذا ما كان يسميه أهل الله والعلماء زنديقًا. فيقولون العبارة: المنافق في عصر رسول الله هو الزنديق عندنا.

حكم النفاق العقدي والعملي والفرق بينهما في الوصف والعقوبة

فهذا حال النفاق، ولا يجوز الوصف بالنفاق إلا العملي. فإذا كذب يقول له: هذه شعبة من شعب النفاق. يا أخي، لماذا تنافق؟ يقصد النفاق العملي.

هذه الذنوب مثل الفجور في الخصومة والكذب وإخلاف الوعد والخيانة، هذه الأشياء القذرة التي كانت أساسًا عبارة عن ترجمة للنفاق العقدي.

ولكن عندما قلدها العاملون أصبحت نفاقًا عمليًا، وأصبح أحدهم على شعبة من شعب النفاق حتى يتركها. وأصبحنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، لكن لا نصفه بذلك النفاق الذي يستوجب الدرك الأسفل من النار.

مواجهة النفاق بإشاعة القيم الأخلاقية كالصدق والأمانة والتسامح

[المذيع]: إذا كنا نلتمس حلولًا دائمة في هذا المنهج الأصيل مولانا الإمام، **كيف نواجه النفاق؟ **

[الشيخ]: بأمرين، الأمر الأول هو مقاومة مثل هذه الآثام والذنوب بالقيم. إذن لا بد علينا من إشاعة قيمة الصدق، لا بد علينا من إشاعة قيمة الأمانة، لا بد من إشاعة قيمة العفو والتسامح والتعايش، وهكذا. إشاعة القيم في الحياة، هذا هو الجزء العملي.

مواجهة النفاق العقدي بالتعليم والثقافة السائدة واستعظام الكذب

أما الجزء العقدي فـبالتعليم وبالثقافة السائدة. يجب علينا أن نعلم الناس عن دليل، ونعلم الناس حرية الرأي، ونعلم الناس ألا يقعوا فيما هو أعظم من الخفاء في النفاق.

فبالتعليم وبالثقافة السائدة أننا نستكبر كثيرًا الكذب، ونستكبر كثيرًا النفاق، ونستكبر كثيرًا في أنفسنا، ونستعظم هذا الذنب استعظامًا. هذا الشعور الذي في الثقافة السائدة وهذه الطريقة في التعليم تقينا النفاق العقدي.

مداخلات المشاهدين حول خطورة النفاق وعلاقته بالخوارج والتطرف

[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا أن أقرأ بعض مداخلات المشاهدين السابقة عبر الفيسبوك.

الأستاذ عبد الله بكير يقول: خطورة النفاق تظهر واضحة جلية في سبب ظهور النابتة والخوارج، وسبحان الله، هم جسدوا معنى النفاق بكل ما تحمله الكلمة، حيث حدَّثوا فكذبوا ليل نهار، ووعدوا فأخلفوا، وخاصموا ففجروا.

الأستاذ نصر السليمان يقول: النفاق أخطر أعداء الدين، فالمشرك والملحد واضحان لنا، أما المنافق فيتلون كالحرباء، ولذلك فهو في الدرك الأسفل من النار، والله أعلى وأعلم. تحياتي لبرنامجكم ولشيخنا الجليل.

الأستاذ محمد عبد العليم: خطورته تكمن في إنتاج الخوارج ومن يقابلهم من الوجه الآخر من التطرف، فكلاهما ينظر إلى المصلحة الشخصية والمنافع الحسية فقط لا غير.

الأستاذ خليل عدنان الجعفري: يُدخلونك في متاهات إن لم تبحث عن المحجة البيضاء، والنتيجة الدرك الأسفل من النار.

الأستاذ جود سامي: النفاق في الدين من أكبر المصائب، حيث يؤدي إلى استغلال الدين للمصلحة الشخصية، مما يؤدي إلى الفتن والإساءة للدين بأنه يحمل أفكارًا لا تنتسب إليه كليًا.

تعليق الشيخ على مداخلات المشاهدين وأهمية أن يكون الإنسان ترجمة عملية للإيمان

تعليق فضيلة مولانا.

[الشيخ]: لا تعليق، يعني هذا كفاية، وقد وفوا وكفوا ووفوا.

[المذيع]: حسنًا، مولانا الإمام، ودائمًا عندما نتحدث ونقول يجب أن يكون الإنسان ترجمة عملية. هل هذا المعنى عندما نتحدث عن الحرية أو أن نترك النفاق تمامًا هو أن نخرج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؟ هل هذا هو المعنى الحقيقي للحرية، لحرية الإنسان؟.

حرية الإنسان الحقيقية تبدأ بالتعبير عن المراد والإيمان بالله دون عبودية لأحد

[الشيخ]: حرية الإنسان تبدأ بالحرية الشخصية، أن يعبر عن مراده. فإذا تعود على هذا فآمن بالله، أصبح ليس عبدًا لأحد.

نعم، ولا لشهواته، ولا لرغباته، ولا لأحد من الناس، وليس لأحد من الخلق عليه منّة، إنما المنة كلها بيد الله.

القلوب الضارعة لله والحق الثابت ومقتضيات العقل المبنية على خلق السماوات بالحق

هذه معانٍ سامية، وهذا يجرنا إلى ما تكلمنا عليه في ختام الحلقة أمس. القلوب الضارعة هي ضارعة لله، لا ترى إلا الله وحده هو الحقيقة، هو الحق، هو الثابت.

وبناءً على أن الله حق، فمقتضيات العقل ثابتة. يعني خمسة وخمسة تساوي عشرة بالأمس واليوم وغدًا. لماذا؟ لأنه:

﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ [الأنعام: 73]

أتعلم لو كان خلقها بغير الحق، لكان خلقنا في عالم نجد فيه أن جمع الخمسة مع الأربعة يساوي تسعة، ثاني يوم نجدهم يظهرون ثمانية. هذه خمسة وهذه أربعة، كيف أصبحوا ثمانية؟! توجد تداخلات تحدث وأمور كهذه.

لكن الله لم يفعل بنا هكذا. لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق، والحق ثابت.

خطة الابتعاد عن النفاق بالاعتماد على العقل والنقل والذوق

ولذلك أصبح العقل والنقل والتزكية التي هي الذوق، أصبحت هي المحيطة بهذا الدين. فالدين دائمًا يأمرنا باستعمال العقل، ويأمرنا باحترام النقل، ويأمرنا بأن يعلو القلب على العقل والعقل على السلوك.

فهذه هي خطتنا: العقل، النقل، الذوق. هذه هي خطتنا لكي نبتعد عن النفاق العقلي، ونبتعد عن النفاق النقلي، ونبتعد عن النفاق السلوكي، ونبتعد عن النفاق الأخلاقي.

إذ أن هناك نفاق في كل طائفة من هذه الطوائف: العقل والنقل والأخلاق أو الأذواق.

دعوة للإيمان والابتعاد عن النفاق بالإرادة الحرة وختام الحلقة

فنحن نقول للناس: يا جماعة الخير، كونوا مؤمنين. والمؤمن معناه أنه غير منافق، وغير المنافق معناه أنه يركن ويعتمد على العقل والنقل والذوق.

[المذيع]: وأنه صاحب إرادة حرة حررها الإسلام له في هذه الحياة. مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وشكر الله لكم.

[الشيخ]: مولانا الإمام، شكرًا لكم، أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.