والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن مستقبل الوجود الإسلامي بالغرب | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن مستقبل الوجود الإسلامي بالغرب | الحلقة الكاملة

49 دقيقة
  • يستعرض الدكتور علي جمعة وضع المسلمين في الغرب والأسباب الحقيقية للإسلاموفوبيا، مشيراً إلى أن العلمانية والنسبية المطلقة في الغرب تعارض كل الأديان وليس الإسلام فقط.
  • أوضح أن الإسلاموفوبيا نتجت عن عدة أسباب أهمها مناهج التعليم المشوهة للإسلام، والتشريعات المنحازة، والأدبيات والروايات المسيئة، والإعلام الذي يختار نماذج متطرفة لتمثيل الإسلام.
  • أشار إلى مبادرات لتصحيح صورة الإسلام في الغرب، منها جهود عبدالجواد فلاتوري في تصحيح المناهج الألمانية عبر ثمانية مجلدات.
  • فرق بين مفهومي "الذوبان" و"الاندماج"، مؤكداً أن المسلمين يقبلون الاندماج بالحفاظ على هويتهم ويرفضون الذوبان.
  • أكد أهمية الشرعية والمرجعية للمسلمين في الغرب، حيث يعيش المسلم ملتزماً بقوانين البلد المضيف مع الاحتفاظ بمرجعيته الدينية الصحيحة.
  • أشار إلى ضرر الإرهاب والجماعات المتطرفة في تشويه صورة الإسلام وإفساد جهود التقارب.
محتويات الفيديو(59 أقسام)

مقدمة الحلقة واستعراض موضوع نظرة الغرب للإسلام تاريخياً

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم في حلقة جديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه حقيقة هذه النظرة من الغرب للإسلام، وكيف أُصِّل إلى هذه النظرة تاريخيًا، ونقف عند هذه الموجات المتتالية والتي وجب علينا قراءة التاريخ لوضع آلية أو منهجية للتعامل مع الحاضر وتصور المستقبل.

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

سؤال عن مستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا ومصطلحات صراع الحضارات

[المذيع]: ربما هناك أسئلة تطرح نفسها، وفضيلتك فصّلت لنا من الأسبوع الماضي هذه النظرة وهذه العلاقة. ما حال أو ما مستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا أو في المجتمعات الغربية؟ وقراءة للواقع الذي نعيشه، لاسيما أن هناك مع مطلع تسعينات القرن الماضي ظهرت مصطلحات صراع الحضارات ونهاية التاريخ لصمويل هانتينجتون وفوكوياما، وتكريس لمصطلح الإسلاموفوبيا.

شكوى أهل الأديان جميعاً من النسبية المطلقة في الغرب

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وكما نشكو من أوروبا وغربها ومن الولايات المتحدة وشمالها وجنوبها، كما نشكو نحن المسلمين، فإن أهل الديانات كلها تشكو أيضًا.

أن هؤلاء الناس يعني لهم نظر الآن عن الكون والإنسان والحياة أساسها هو النسبية المطلقة، وهذه النسبية المطلقة أخذوها من نيتشه وتعمقت في جامعاتهم وفي عقلهم الواعي واللاواعي.

ولذلك تجدهم يميلون إلى ما يؤكد هذه النسبية، مما يجعلهم:

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

اعتراض أهل الأديان كلها على الغرب وليس المسلمين فقط

هذا شأن لا يُرضي المسيحية أيضًا ولا يُرضي المتدينين من اليهود أيضًا. فهو القضية أنه ليس المسلمون فقط هم الذين يعترضون على الغرب ويصارعون الغرب ويقفون موقف الانتقاد من هذه العقائد، بل أهل الأديان كلها بما فيهم حتى الهندوكية والزرادشتية والطاوية.

عندما ذهبنا إلى اليابان كانت الشكوى المُرّة من اليابانيين: الأمريكان إيثيكس، بمعنى الأخلاق الأمريكية. وأريد أن أقول لحضرتك أنها ليست فقط اعتراضات المسلمين على توجهات الغرب أو شيء من هذا القبيل أبدًا.

هذه حضارة تريد أن تقطع ما بين الإنسان وبين ربه، ولذلك فهي بينها وبين هذه العلاقة وتكرسها ما يصنع الحداد أساسًا.

تدرب اليهود على التعامل مع الغرب وغياب المسلمين تاريخياً

فهم [أتباع] الديانة اليهودية تدربت واضحًا؛ لأنهم موجودون هناك منذ زمن بعيد، في غرب أوروبا منذ زمن طويل وفي أمريكا منذ أكثر من مائتي سنة. فقد تدربوا على كيفية التعامل بهدوء وإدارة الأزمات، إن كان يمكن اعتبار هذه من الأزمات. تدربوا على ألا يصطدموا بأحد، فهم يلتفون حول المشكلة ولا يصطدمون.

منذ زمن قليل كان المسلمون غير موجودين في هذه المناطق إطلاقًا. حتى عام ألف وتسعمائة وثلاثين كان المسلمون ممنوعين من دخول هذه البلاد. في عام ألف وثمانمائة وثلاثين كانت محاكم التفتيش، وآخر محكمة للتفتيش.

التواريخ الفارقة في منع المسلمين من دخول أوروبا وموقف الكنيسة

[المذيع]: مولانا، نذكّر السادة المشاهدين بالتواريخ المهمة، وهذه تعد نقطة فارقة في التاريخ.

[الشيخ]: ألف وثمانمائة وثلاثين، لم يكن المسلمون يدخلون هناك، ولا كان يُسمح لهم بطباعة المصحف ولا بأي شيء آخر أبدًا. وهناك كلام كثير وطويل ومفصّل في هذا الجانب.

ولكن اليهود لا، معهم منذ زمن. المسيحيون هم الأصول لهؤلاء السكان بشكل عام، لكن المسيحية والكنيسة التي تتمثل في البابوات وعلماء المسيحية ورجال الدين المسيحي لا يرضيهم هذا العبث الذي فيه الغرب، لا يرضونهم وهم ضدهم فعلًا، مثلما كل العالم ضد هذه الشراسة في قطع العلاقة بين الإنسان وربه.

الإسلاموفوبيا في سياق بيئة ترفض الأديان كلها وتؤمن بنيتشه

ولكن لكي تكون المسألة واضحة، وضِّح حقيقة الوضع: أين الإسلاموفوبيا من البيئة المحيطة؟ البيئة المحيطة ترفض الأديان كلها وليس الإسلام فقط، وتؤمن بنيتشه.

وبعد أن يأتوا يجدون شخصًا مثل فرويد يقول إنه من الممكن أن يكون الإنسان أصله قرد، قالوا: نعم، هذه جيدة، هذه جيدة جدًا. داروين، نعم. فداروين وهو يقول هذا الكلام، قاموا بالتمسك بها، يتمسكون بها لأنها تساند. داروين قبل نيتشه بكثير، لكن نظرية النشوء والارتقاء، الذي يأخذه به ويؤمنون به ويعيشون فيه تمثيلية وهمية، هكذا عائشين في الوهم.

تأثير فرويد ونيتشه وأينشتاين في ترسيخ النسبية المطلقة

ثم يأتي فرويد ويقول لهم: أبدًا، إنها النفس الأمارة بالسوء - طبعًا هذه ليست ألفاظه وإنما ألفاظنا نحن ونحن نقولها - النفس الأمارة بالسوء هي التي إذا اتبعتها تكون مثاليًا. قال: نعم، أنت رجل شجاع يا فرويد، وأنت شجاع أيضًا وأنت جيد إلى هذه النقطة.

نعم، فيأتي نيتشه ويقول: على فكرة. ويأتي أينشتاين ويقول: على فكرة، هذا في الفيزياء نفسها نسبية، وفي أن الضوء وماهية الضوء وسرعة الضوء، هذا فيه أيضًا نسبية في الفيزياء.

قالوا: نعم، أنت شجاع تمامًا، تعال، أنت رجل كبير جدًا لدينا؛ أنه طالما تؤيد أو تتجه نحو النسبية المطلقة.

جنون نيتشه ووفاته وأثر فلسفته في النسبية المطلقة

فهذه النسبية المطلقة تعود إلى نيتشه أفندي الذي توفي عام ألف وتسعمائة، ومات مجنونًا حقًا، حيث مكث اثني عشر سنة وهو مجنون يضرب الخيول وسائقي عربات الخيول ونحو ذلك في الشارع، وأصيب بالجنون واختل عقله.

فتوفي في عام ألف وتسعمائة، ثلاثة أو أربعة كتب له لم يكملهم؛ لأنه أُصيب بالجنون في نهايتهم عام ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين. وبعد ذلك عندما أُصيب بالجنون، كيف يرى الزمن لكي يصل إلى النسبية المطلقة؟

النسبية السلوكية وظهور جماعات الهيبز في الستينيات

في عام ألف وتسعمائة وستين، دخل الغرب فيما يُسمى بـالنسبية السلوكية. هذا المطلق موروث، وهذا المطلق إلهي، وهذا المطلق كذا. لا، هم يريدون شيئًا ليس إلهيًا وليس موروثًا.

فبدأت تخرج جماعات الهيبز: يأكلون في الشارع، ويشربون في الشارع، ويمارسون علاقاتهم مع النساء في الشارع، ويلبسون بشكل غير مرتب. وهكذا انعكس ذلك في الفن وفي الأدب وفي الكتابات.

فرقة البيتلز والضجيج في الفنون والسلوكيات والثورة الجنسية

وكلمة بيتلز لها طريقتان في التهجئة، أي استهجاءان على شكلين مختلفين: بيتلز معناها الخنافس، نعم، وكلمة بيتلز تعني الضجيج. نعم، فهمت، سموا أنفسهم الضجيج. فلما وصلت إلينا هنا ترجمناها إلى الخنافس، فنُطلق على هؤلاء الشباب: يا فتى، لماذا أنت خنفس هكذا؟ خنفس تعني بيتلز، هذا هو، فهي بيتلز.

نعم، لكن ماذا فعلوا هم؟ خرجوا عن الإيقاع الموسيقي الخاص ببيتهوفن والخاص بشوبان وموتسارت. كان [موتسارت] طفلًا صغيرًا أخذ يؤلف الموسيقى، ولكن جمالها أنها موزونة، إنها موزونة بالساكن والمتحرك.

نعم، لكن بعد ذلك جاء الضجيج الذي لا تعرف له بداية من نهاية. فأصبح الضجيج في السلوكيات مع الهيبز، والضجيج في الفنون مع البيتلز، والضجيج في أن هذه السنة سميت بـالثورة الجنسية العظمى.

انتقال الفجور من الغرف المغلقة إلى صناعة علنية وانحطاط أخلاقي

بدلًا من أن كانت قلة الأدب والدعارة وقلة الحياء والزنا تتم في الغرف المغلقة التي كانوا يسمونها الجنس الأزرق، أي البلو سيكس. لماذا؟ كانت الأفلام معتمة وعليها عتمة زرقاء؛ لأنها غير مصورة في استوديوهات.

انتقلت الآن إلى ماذا؟ إلى الاستوديوهات وأصبحت صناعة، وأصبح هناك صناعة للمجلات الجنسية وصناعة للأفلام الجنسية ونجوم للجنس. هذا وأصبح هناك أنواع كثيرة جدًا يبحث فيها الإنسان عن شهوات قذرة: اتصال الإنسان بالحيوان، واتصال الإنسان في الشذوذ، واتصال الإنسان في المحارم. أمر لا حول ولا قوة إلا بالله.

الثورة الجنسية الكبرى عام 1960 والانتقال من النظريات إلى السلوكيات

متى حدث هذا الأمر؟ الثورة الكبرى الخاصة بالجنس وانفجاره وفجوره كانت عام ألف وتسعمائة وستين. عندما تطرحها من ألف وتسعمائة تصبح ستون سنة في هذه القصة، تحمل هذا المخاض.

حتى انتقلنا من فلسفة النظريات التي هي فلسفة في الكتب والعقول والمناهج إلى السلوكيات اليومية في بعض الأحيان.

تزايد أعداد المسلمين في الغرب بعد نكسة 1967 ومحاولات إذابتهم

المسلم عندما لا يفهم هذا الكلام، أي ماذا يعني، ولماذا يفعله [الغرب] هكذا، فإن المسلمين أصبحوا يزيدون من سنة ستين، وزاد من زيادتهم عدم عودة الطلاب الدارسين في غرب أوروبا وأمريكا بعد نكسة سبعة وستين.

[المذيع]: تقصد فضيلتك، زادوا هناك يعني عددهم زاد في المجتمعات الغربية.

[الشيخ]: زادوا هناك، وبدأت هذه الزيادة إلى يومنا هذا. بعد ذلك أصبح وجود المسلمين يتعلق - إذ لا يوجد ربنا [عندهم] - أصبح وجود المسلمين يتعلق الأمر بـالمصالح.

فلو أخرجت المغاربة من فرنسا أو لو أخرجت العرب من أمريكا، سيحدث خلل اقتصادي عندهم. ولذلك نحن في حاجة إلى أن يبقوا موجودين. إذن ماذا نفعل؟ نصنع ما يُسمى بـالذوبان، يريدون إذابتنا.

سؤال عن كيفية ذوبان الجاليات الإسلامية دون انسحاق هويتها

[المذيع]: هذا سؤال مهم جدًا: كيف تذوب أو كيف تُذاب هذه المجموعات أو هذه الجاليات الإسلامية الموجودة في الغرب في هذا المجتمع دون أن تذوب هذه الهوية أو تنسحق هذه الهوية الإسلامية منهم؟

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

الفرق بين الاندماج والذوبان في المجتمعات الغربية

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. فضيلتك يا مولانا وأنت تؤصل لهذا المشهد وتتابع تجليات هذا المشهد للجاليات الإسلامية في الغرب، كيف تذوب هذه الجاليات، كيف يذوب هؤلاء المسلمون دون أن تنسحق هويتهم؟

[الشيخ]: هي يعني نحن لدينا قضيتان: القضية الأولى هي الذوبان، والقضية الثانية الاندماج. معناه أن أعيش في المجتمع دون أن أصطدم به، أن أعيش فيه بمبادئي وقيمي دون أن أترك أحكام ديني ودون أن أترك هويتي.

ونحن لا بأس عندنا بهذا المفهوم للاندماج، ولكنهم يريدون الذوبان، يعني أن تترك كل ثقافتك ودينك وعقلك وذاتك وتاريخك وراء ظهرك هناك في بلادك.

الدعوة إلى الاندماج ورفض الذوبان مع التمسك بحرية الاعتقاد

وعلى فكرة ليس جميعهم يريدون ذلك، لكن هذا هو المذهب الذي يريدون أن يدعوا إليه. ففي المجمل هناك كلمتان: الكلمة الأولى الاندماج، والكلمة الثانية الذوبان. هل انتبهت؟ فنحن ندعو إلى الاندماج ونرفض الذوبان.

نعم، نقول يا جماعة، لا، نحن لن نذوب. اتركونا؛ لأن حرية الاعتقاد المكفولة لدى الجميع والتي هي تشكل النظام العام والآداب تتيح لي أن أتمسك بديني، أن أتمسك بكيفية الدفن، أن أتمسك بكيفية الأكل والشرب واللبس، أن أتمسك بكيفية العبادة، أن أتمسك بوجهة النظر الكلية عن الإنسان والكون والحياة.

فإذا تدخلت سيادتك في هذا فأنت قد تعديت ما يجب أن تقف عنده، وحريتك تنتهي عند طرف أنفي كما كان يقول شكسبير. فأنا أريد الاندماج ولكن لا أريد الذوبان.

موقف العقلاء في الغرب من الحفاظ على الهوية وأولوية المصالح

العقلاء منهم يقولون: ونحن كذلك نريد أن تحافظ على هويتك. ولذلك في أمريكا رسميًا وأنت تُقسم القسم على أنك ستصبح أمريكيًا يقولون لك: ولا تنسى ثقافة بلادك، أريد أن أستفيد منك أيضًا.

إنها مصالح وليست مبادئ أو شيء من هذا القبيل؛ لأن المبادئ غير موجودة في الغالب إلا للمصالح أيضًا. يعني أصبحت المسائل كلها مسائل مصالح.

من أين جاءت الإسلاموفوبيا وصدام الحضارات ورفض الشرق للنسبية

السؤال الذي يخصنا هو: حسنًا، مع هذه الحالة، من أين جاءت الإسلاموفوبيا؟ وكيف ظهر القول بصدام الحضارات؟ وهكذا إلى آخره.

صدام الحضارات التي ذكرها [هانتينجتون]، قارن بين الحالة الغربية والحالة في الشرق. فعندما نذهب إلى الشرق نجدهم تمامًا لا ينتبهون إلى هذه العملية، لا يعرفون نيتشه ولا النسبية ولا أن الكون كما تراه ولا يريدون ذلك.

فقال: لا، هؤلاء لا فائدة منهم. هذه هي الأبجدية التي نحن نبني بها العصر الثاني.

مشروع النهضة الثانية بإنكار الدولة والأسرة واللغة والثقافة والدين

وماذا يعني العصر الثاني؟ يقولون إننا عندما أنكرنا الدين في العصر الأول، في النهضة الأولى، حدثت نهضة. فعندما ننكر الخمسة ستحدث النهضة الثانية.

حسنًا، ما هي الخمسة؟

  1. إنكار الدولة
  2. وإنكار الأسرة
  3. وإنكار اللغة
  4. وإنكار الثقافة
  5. بعد إنكار الدين

هذه خمسة، هم يريدون أن يزيلوا هذه القيود، هذه السلطة نريد إزالتها حتى نستطيع في النهاية أن نبدع؛ لأن الإبداع لا يأتي إلا من الحرية، والحرية معناها إزالة هؤلاء الخمسة. حرية الإبداع هذه سموها بعد ذلك حرية الإبداع.

انعكاس مفهوم الحرية المنفلتة على الإنترنت والشباب الغربي

نعم، وهذا ما يجري الآن في الإنترنت، وهذا ما يتعلمه أبناؤنا الشباب في الإنترنت: أنت لا يجب أن تتدخل، أنا حر.

لكن طبعًا بصورة منفلتة؛ لأنه إذا كان حرًا، فعليه أن يصرف على نفسه. هذا موجود هناك أيضًا. ولذلك تجد الشاب أول ما يبلغ الثامنة عشرة من عمره وتنتهي مرحلة الطفولة في القانون الأوروبي والمصري أيضًا، يذهب ليعمل كي يصرف على نفسه ويعيش. فإما أن يدخل في المخدرات وإما يذهب إلى الجامعة ويتعلم، هذا أو ذاك.

حديث القذاة وجذع النخلة في العلاقة بين المسلمين والغرب

فأنا أريد أن أقول لسيادتك أن الإسلاموفوبيا - لقد كتبت مرة مقالة منذ زمن بعيد، ربما في سنة خمسة أو شيء من هذا القبيل - عن قول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على ما يحدث بيننا وبين الغرب:

قال النبي ﷺ: «أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك»

فأنا قلت هكذا، ولاقت هذه المقالة عندهم استحسانًا أنني أقول: يا جماعة نحن مخطئون، في أنه تربى في وسطنا داعش، مخطئون في أننا سمحنا للإخوان المسلمين أن يكون لهم وجود، مخطئون في أننا كثيرًا ما صححنا الصورة السيئة للإسلام التي أنشأها النابتة في عقول الناس.

جذع النخلة في أعيننا والقذاة في عين الغربي وأسباب الإسلاموفوبيا

وفعلًا عندما تراخينا في أداء مهامنا في السبعينيات والثمانينيات، ولدينا مبرر قد يكون مقبولًا عند الله وقد لا يكون مقبولًا، فهذا هو كله جذع النخلة.

لكن على فكرة أنت يا غربي في عينك القذاة التي نتحدث فيها هنا. ما هي القذاة إذن التي في عين الغربي؟ القذاة التي في عين الغربي أولًا، وهذا هو سبب الإسلاموفوبيا رقم واحد: مناهج التعليم.

عندما قمنا بمعالجة مناهج التعليم ودراستها، وجدنا أكاذيب مؤكدة ومرتبة ضد الإسلام والمسلمين لديهم هناك في التاريخ والجغرافيا والديانة والفلسفة أكاذيب.

أكاذيب المناهج الغربية عن المسلمين ومحاولات تصحيحها

أي من ضمن هذه الأكاذيب لكي نبدو هكذا: أننا نعبد الكعبة مثلًا. يعني كل مسلم يعلم أننا لا نعبد الكعبة، نحن نصلي في اتجاه الكعبة لرب العالمين.

فقامت محاولات في الغرب من أجل هذا. الجزء الأول من القذاة التي في عين أخي الأوروبي: أخي الأوروبي، مناهجك باطلة وهي التي تسبب الإسلاموفوبيا، وهي التي تسبب التعصب والنازية الجديدة والفاشية وكل هذا البلاء الذي تنكره وأنت لا تريده.

وجعلت هناك عداءً ضد المسلمين اليوم، ليس ضد الإسلام فقط بل تحول إلى المسلمين في الغرب أيضًا.

استغلال داعش للأكاذيب وتشويه صورة الإسلام في الغرب

على سبيل المثال، جعلت إخواننا - والعياذ بالله تعالى - في داعش وما شابهها إلى آخره، يستغلون هذه من أجل أن يفسدوا في الأرض وأن يقتلوا الناس تحت دعاوى نحن نرفضها وهي غير مقبولة وغير مبررة. يعني ليس هذا تبريرًا إطلاقًا لما يفعلونه.

لكن الذي حدث هكذا، يقول لي: تعالى، ألست ترى ماذا يقولون عنا؟ إنهم يقولون عنا أننا عبّاد للكعبة يا أخي، وأننا نسجد للكعبة ونفعل الكعبة. ألا ترى زكريا بطرس هذا أو زكريا ترللي ماذا يقول عنا؟ وهكذا.

كل هذا، كل هذا الكذب موجود في المناهج.

جهود عبد الجواد فلاتوري في تصحيح المناهج الألمانية عن الإسلام

فعندما قامت محاولات للقضاء على هذا في المناهج، من ضمنها محاولة للمفكر الإيراني - رحمه الله تعالى - عبد الجواد فلاتوري. عبد الجواد فلاتوري درس في إيران ثم سافر ألمانيا، وربما أيضًا تزوج ألمانية.

وهو وزوجته قاموا بإعداد بحث متميز في تتبع المناهج الألمانية وما فيها من خلل وخطأ وخطل ضد الإسلام والمسلمين. وكان هناك في ميونيخ مؤتمر، وفي هذا المؤتمر أثار بعض هذه الأشياء، فقالوا له: لماذا لا تعدّ بحثًا؟

فأعدّ بحثًا من ثمانية مجلدات وربما تسعة، لكن ما أملكه في مكتبتي هو ثماني مجلدات.

تفاصيل مجلدات فلاتوري في تصحيح الصور المشينة عن الإسلام

هذه المجلدات الثماني قام بإعدادها هو وفريقه، يتتبعون فيها الصور المشينة التي كُذِبت ويضعون مقابلها الصور الصحيحة. انظروا ماذا يقولون، إنهم يصححون في هذه المجلدات الثماني.

مع الأسف، كثير جدًا من العرب والمسلمين لا يعرفون عنها شيئًا.

[المذيع]: لم تُترجم يا مولانا، أهميتها لم تُترجم.

[الشيخ]: لأننا نيام. لقد عمل [فلاتوري] ملخصًا باللغة العربية على فكرة. عبد الجواد رحمه الله، لأنه وُلد سنة ستة وعشرين وتوفي سنة ستة وتسعين عن عمر يناهز سبعين عامًا. عبد الجواد رحمه الله بذل مجهودًا كبيرًا جدًا في هذا المقام، وأعدّ المجلدات الثمانية هذه وطبعها في كولون.

طباعة مجلدات فلاتوري ودعوة المسلمين لاستكمال جهوده

هذه جامعة أمريكية معتبرة من الجامعات الأولى أو من الصف الأول، وهي التي صرفت وهي التي طبعت. ربما لو المخرج سمح، سيظهر شكل يُحضر النسخة أو أحد هذه المجلدات، أحد هذه المجلدات. وظهر على الشاشة الآن، نعم.

فها هو الذي طبعوه بناءً على مجهودات عبد الجواد فلاتوري والأشخاص التابعين له. كان ينبغي على المسلمين بعد ذلك أن يتولوا هذا الجهد الضخم ويستمروا فيه.

تجربة واشنطن في تصحيح مناهج التعليم واستجابة المدارس

كيف يستمرون؟ يستمرون بأن نتواصل مع المدارس ونقول لهم: انتبهوا فأنتم تقولون كلامًا خاطئًا للأطفال. المدارس سترتعب حقًا، أي أن المدارس سترتعب أم لن يسألوا عنا؟ بل ارتعبت فعلًا.

ولكني أحتاج نَفَسًا طويلًا يا أخي. صاحب داعش بدلًا من أن تفسد في الأرض وتشوه صورة الإسلام والمسلمين، نحن لدينا مصائب كثيرة، ولدينا عمل أربع وعشرين ساعة كل يوم لسنوات طويلة، وليتنا نكفي.

كيف حصلت لنا تجربة في واشنطن؟ دعك من هذه التجربة التي تقول: تعالوا يا... اتصلنا بالمدارس وقلنا لهم: من فضلكم أرسلوا إلينا أساتذة التاريخ وأساتذة الجغرافيا وأساتذة الأدب وأساتذة الدراسات الشرقية، لكي يحضروا بعض المحاضرات ويأخذوا بعض الكتب نقدمها لهم هدية. من عندكم أحضروا لنا من لديكم.

استجابة المدارس والناشرين لتغيير المعلومات الخاطئة عن الإسلام

وبالفعل جاؤوا وأخذوا الدورة، وقلنا لهم: انظروا ماذا تقولون في الصفحة كذا وكذا إلى آخره. انظروا، بالفعل استجابت المدارس.

وكان هذا الكلام في سنة اثنتين وتسعين وثلاثة وتسعين وأربعة وتسعين وخمسة وتسعين وستة وتسعين. كيف استجابت المدارس؟ تأتي وترسل إلى الناشر الذي ينشر الكتب المقررة وتقول له: غيّر هذه المعلومات؛ لأنها تبين أنها معلومات خاطئة ومزيفة ولا تنفعنا.

إذا رفض الناشر، فلن تأخذ المدرسة منه، وبذلك يخسر. كل الناشرين غيّروا وغيّروا، وبعد ما غيّروا استمرّت هذه التغييرات تتحسن كل سنة، وذلك في واشنطن دي سي في المدارس.

نموذج واشنطن لتصحيح صورة الإسلام وانهياره بعد أحداث سبتمبر

وكنا أنشأنا نموذجًا من أجل أن ينتشر بناءً على مجهودات الدكتور [عبد الجواد] فلاتوري وزوجته، وبناءً على هذه المجهودات التدريبية في التريبل آي تي في واشنطن من أجل تصحيح صورة الإسلام والمسلمين.

رقم واحد على المناهج، وظل هكذا يا أستاذ حتى عام ألفين وواحد، وجاءت مصيبة في الحادي عشر من سبتمبر وهدمت كل شيء.

بانهيار البرجين، بانهيار البرجين، سواء كان... انظر، الله يجازيه شرًا من قام بهذا وقضى على كل المجهودات. ثم بعد ذلك من سنة واحد حتى اليوم لدينا ستة عشر [عامًا] نجلس ندور حول أنفسنا دون منهج، دون ترتيب، دون محاولة لأمور منظمة مثل هذه الدراسات أو مثل هذه المحاولات أو مثل هذا التفهيم الذي أتى بثماره.

أسباب الإسلاموفوبيا: المناهج والفتاوى الشاذة والجماعات المتطرفة

إذن نستطيع أن نقول إن الإسلاموفوبيا من أسبابها مناهج التعليم، من أسبابها - إذا أردت اختصار الكلام - وكل واحدة تحتاج حلقات متعددة.

[المذيع]: حقًا لأن لدي تساؤلات كثيرة، فالفتاوى الشاذة التي نقول إن الجماعات مثل داعش والجماعات المتطرفة والإخوان الإرهابية تساهم أكثر في تكوين هذه الصورة الذهنية السلبية، من جذع النخلة الذي لدينا.

[الشيخ]: نعم، لكن دعني أتحدث عن القذاة الذي في عين أخي، وهذا مهم جدًا. القذاة الذي في عين أخي منها مناهج التعليم، القذاة التي في عين أخي ومنها التشريعات، القذاة التي في عين أخي ومنها الأدبيات.

وكل واحدة من هذه الأمور أستطيع أن أحكي لك عنها أشياء عجيبة غريبة.

جذع النخلة في أعيننا: داعش والفتاوى الشاذة والتخبط الداخلي

ونحن جالسون نعالج - يا عيني - في أنفسنا من الإرهابية التي لا ترضى أن تسكت ولا ترضى أن تنضبط، مع داعش ومع واغش ومع الفتاوى الشاذة والتخبط هذا الذي يحدث عندنا.

هذا ماذا؟ جذع النخلة، جذع النخلة الذي أودى بالمسلمين. ولذلك أنا أقول للشباب: احذر أن تذهب إلى الإلحاد كما أنك تحذر أن تذهب إلى هؤلاء الأوباش الوضيعين الداعشيين هذا والإرهابيين الإخوان وما إلى ذلك.

لدينا عمل كثير ويجب علينا أن تكون لنا خطّة.

سؤال عن المراكز الإسلامية في الغرب وتنافرها وأثرها على المسلمين

[المذيع]: مولانا الإمام، في أوروبا والغرب تنتشر ما يُسمى بـالمراكز الإسلامية، وكما هو مُشاهَد ومعروف أنها لا تنتمي لمرجعية واحدة، فهناك تنافر وصراع بين هذه المراكز. إلى أي مدى أضرت هذه المراكز، وكيف كان يمكن استثمارها بشكل أكبر وأجمل، وبمردود حقيقي وواقعي هناك؟

[الشيخ]: أما أنها أضرت فهي لم تضر أبدًا، وليس لديهم أي شيء. بل هم يريدونها ويريدون أن يقولوا إن هذه إسلامات متعددة: إسلام شيعي، وإسلام سني، وإسلام وهابي، وإسلام أزهري، وإسلام صوفي، وإسلام قديم، وإسلام تقليدي، وإسلام معاصر وحديث.

محاولات الغرب استغلال تعدد المراكز الإسلامية لتفتيت المسلمين

هذا من زمان جولدتسيهر كاتب هذا. وفي يعني هكذا، فهم يعني لم يضروا، يعني هذه الفسيفساء لم تضر في شيء ولا غيره. إنما هم يحاولون استغلالها في تفتيت المسلمين، يحاولون.

نعم، لا مانع، لكن السؤال الآن الثاني، الجزء الثاني من السؤال.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أجيبك عنه وهو يقول: ماذا خسر المسلمون بتفتتهم؟

خسارة المسلمين بتفتتهم وعجزهم عن التعامل مع الحكومات الغربية

نعم، طبعًا بالرغم من أن وجود هذه المراكز التي تُسمى مراكز إسلامية، نعم، هذه المراكز عندما اختلفت رؤاها واختلفت مذاهبها واختلفت خططها لم تستطع أن تتعامل مع الحكومات معاملة لصالح الإسلام والمسلمين.

أقدم لحضرتك مثالًا: ابن عابدين عندنا في حاشيته في الفقه الحنفي يقول: ماذا نفعل عندما نعيش في بلاد مثل أمريكا أو إنجلترا أو إلى آخره، بلاد غير إسلامية؟ ماذا نفعل في يوم الجمعة؟ هل نصلي جمعة أم لا نصلي؟ ماذا نفعل في المدافن؟ ماذا نفعل في الطعام؛ لأن لدينا شروطًا في الطعام؟

منهج ابن عابدين في التعامل مع الحكومات غير الإسلامية بالبروتوكول

فقال المسلمون: انظر ما فائدة هذه الأمور. أصبح المسلمون يذهبون ويتفاهمون مع الحكام والحكومة ويعملون بينهم وبين بعض بروتوكول بموجبه نقيم.

هذا كلام ابن عابدين في [كتاب] الحاشية، لكنه لم يقل بروتوكول، يعني هذا. فلربما النابتة يقول لك: انظر كيف أنه لم يذكر بروتوكولًا. فيعقدون معهم معاهدة واتفاقًا على أننا نقيم الصلاة، وأننا ندفن موتانا بطريقة معينة، وأننا نأكل الطعام المعين، وأننا ندرس الدراسات المعينة. إن أننا وأننا وأننا وأننا، ويأخذوا هكذا.

الشرعية والمرجعية كقضيتين أساسيتين في التعامل مع الغرب

هذا يجعلنا نقول عندما نتأمل في كلام ابن عابدين أن الأمر يحتاج إلى قضيتين نراعيهما في اتصالنا مع الآخر وفي اتصالنا مع المسؤولين في الغرب:

  1. الشرعية
  2. والمرجعية

شيئان فقط: الشرعية والمرجعية. شرعية معناها أنني أجلس مع الحكومة وأقول لهم: انتبهوا، أنا أريد أن أكون شرعيًا، لست أريد مخالفة قوانينكم.

وصية الشعراني بالتزام قوانين البلاد غير الإسلامية

سيدي الشعراني عبد الوهاب ماذا يقول في كتبه؟ يقول لك: إنك إذا نزلت بلادًا غير المسلمين فالتزم بقوانينهم، فإنها مما ألهمها الله إليهم لحسن المعاش والارتياش.

يا سلام! يعني لا أتجاوز إشارة المرور؛ لأن الإشارة صارت علامة لحمايتي وتحمي الرجل الثاني الذي يأتي، مسلمٌ أصبح أم غير مسلم، تلك قضية أخرى.

هذه نظرات سابقة للعصور التي كانوا يعيشون فيها. هل الإسلام هكذا؟ ليس هو، الإسلام هو ذلك الذي نوَّر الله قلبه بالإسلام، سيقول هاتين الكلمتين وهما هما.

وجوب التزام المسلم بقوانين البلاد وعدم مخالفتها في أي عصر

[المذيع]: في أي وقت وفي أي عصر يا مولانا.

[الشيخ]: لابد، يجب أن تذهب في أي وقت وفي أي عصر وتلتزم بقوانينهم.

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

aحذر أن تخالف، فالمسألة ليست أنك تسير بشكل عشوائي كالبلهاء التي أمسكوها طبلة، ولا تأخذني في الشوارع. ولا ينبغي أن يكون المسلم هو النموذج السيء.

انظر كيف كان الشعراني عبد الوهاب، تسعمائة وخمسة وسبعون هجري متوفى. تلك هي القصة.

لقاء البارونة سيمون وطلب بروتوكول المشروعية والمرجعية للمسلمين

أن القصة عندما ذهبت وجلست مع البارونة سيمون، وكانت البارونة سيمون وزيرة الدولة للشؤون الخارجية في بريطانيا، وقلت لها: سيدتي، نحن نريد أن نعمل بروتوكولًا يمنح المسلمين هنا قضيتين: المشروعية والمرجعية.

ونحن هنا في الأزهر الشريف نستطيع أن نقوم بدور المرجعية للمسلمين.

فقالت لي: لكننا دولة علمانية والدولة العلمانية لا علاقة لها بالدين.

قلت لها: نعم، أنا لم أطلب منك أن تكوني متدينة ولم أطلب منك أن تخدمي ديني أو أي شيء، لكن هذه الدولة العلمانية، أليس من أسسها أنها ترعى رعاياها؟

قالت: نعم بالطبع.

قلت لها: حسنًا، هذه خدمة لرعاياك.

إقناع البارونة سيمون بخدمة المسلمين البريطانيين كرعايا أصليين

رعاياك المسلمون إنجليز أصليون، رعاياك المسلمون جاهدوا من أجل إنجلترا، إنجلترا. رعاياكِ المسلمون هناك كتاب ضخم للشعراء المسلمين الذين امتدحوا إنجلترا.

فيبقى حضرتكِ وأنتِ تخدمينهم تقومين بالواجب السياسي الخاص بكِ.

قالت لي: هذا كلام معقول.

قلت لها: حسنًا، هاتان قضيتان: المشروعية والمرجعية. واتفقنا على هذا.

وقالت لي: اسمح لي أن نستشير الجهة المختصة والمعنية. وكذلك اللورد كيري، الأسقف العام لكانتربيري.

موافقة الجانب البريطاني ثم انهيار كل شيء بأحداث لندن 2005

قابلني [اللورد كيري] بعدها بمدة بشهرين أو ثلاثة. قالوا لي: اتصلوا بك، فقلت له: لا، ليس بعد. قال لي: هذا خلاص، وافقوا.

اللورد كيري كان جالسًا معنا في هذا الاجتماع، وأنا أقول لهم: تعالوا نتفق، تعالوا نعيش مع بعضنا بشكل جيد، تعالوا إلى كل كلمة سواء مثلًا. نعم.

فالمهم يا أخي، بعد شهر من كلام اللورد كيري وقعت أحداث لندن في سبعة سنة سبعة [2005]، وهذا شيء مخزٍ للغاية، حيث ضربوا الحافلة وضربوا محطة المترو.

هذا ما جنيناه من الإرهاب الذي يهدم كل ما نبنيه خلال سنوات طويلة.

الفرق بين الإرهاب المدمر وإدراج حقوق المسلمين في القوانين

انظر إلى الفرق بين هذا الإرهاب المدمر وبين أن تُدرج في القوانين الإنجليزية كيفية المعاملة الحسنة مع طائفة من المواطنين، بعد إقرار الاندماج لا الذوبان، وبعد تحقيق مرادي من العمارة وتحقيق مرادي من الإسلام كما أمرني الله سبحانه وتعالى.

انظر إلى ما يحدث فينا، ليس فقط الدم الذي يُهدر ولا الصورة التي تُشوَّه، بل إننا أيضًا نضيع على أنفسنا مصالح كثيرة جدًا. وهذا جزء من جذع النخلة الذي في أعيننا.

إذا إن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. هذا هو ديننا، هذا هو إسلامنا، هذا هو نبينا، هؤلاء هم علماؤنا الثقات الذين نأخذ منهم هذا الفهم الحقيقي للإسلام.

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

سؤال عن دور المسلم المقيم في الغرب ودورنا في إعادة صورة الإسلام

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، بعد استعراض هذه المجهودات القيمة والمهمة جدًا في وقتها، وكان من المفترض أن يكون هناك تتابع وتوالٍ لهذه المجهودات، هناك دوران لا بد أن نقف عندهما مع فضيلتك:

دور المسلم المقيم في الغرب، ودورنا نحن اليوم في إعادة الصورة الذهنية الحقيقية للإسلام لدى الغرب. يعني ما بين هذا الدور وذاك، كيف يكون الأداء؟

نماذج مسلمة ناجحة في الغرب: عبد الحكيم وينتر في كيمبريدج

[الشيخ]: سأشرح لحضرتك بعض المواقف للمسلمين المقيمين في الغرب، سواء كانوا من أصل البلاد أو كانوا الذين تحدثنا عنهم قبل قليل. وهو الكتاب الذي يتحدث عن الشعراء الإنجليز الأصليين الذين ألّفوا القصائد في مدح بريطانيا وفي الدفاع عنها وغير ذلك إلى آخره.

جمعه عبد الحكيم وينتر، أستاذ الدراسات التاريخية التركية في جامعة كيمبريدج. هو وينتر، يعني أنه أصلًا إنجليزي، لكنه فكّر في هذا: كيف أكون إنجليزيًا ومسلمًا في نفس الوقت؟

وهو هناك في كيمبريدج مرجع، وهو رجل مسلم، ويعيش في تعايش وفي دراسة وعلم بالنسبة له هناك بشكل كبير، ولكنه أيضًا يؤدي شيئًا يخدم الإسلام والمسلمين في منتهى الجمال وفي منتهى الحلاوة.

أنس الشيخ علي ودوره في تتبع الأدبيات المعادية للإسلام في بريطانيا

هناك شخص آخر هو أنس الشيخ علي، رجل عراقي. أنس الشيخ علي سافر وأصبح أستاذًا للأدب الإنجليزي في أوكسفورد، وهذا شيء جميل وجيد أن يصبح المرء أستاذًا للأدب الإنجليزي، هو أمر جيد.

تتبع شيئًا يلقي ظلال العناصر التي نقول عنها إسلاموفوبيا. من أين؟ قلنا المناهج التعليمية وقلنا من التشريعات المنحرفة عن المسلمين. لا، هذا أصبح في الأدبيات.

[المذيع]: نعم، هذا العنصر الثالث المهم، في الأدبيات، العنصر الثالث في الأدبيات.

[الشيخ]: ماذا فعل؟ تتبع منذ سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين فقط الروايات التي تُطبع في بريطانيا ضد الإسلام والمسلمين مباشرة، يعني يُذكر الإسلام ويُشتم.

ألف وسبعون رواية معادية للإسلام في عشرين سنة في بريطانيا

حتى أربعة وتسعين، عامًا أنتجوا ألفًا وسبعين رواية خلال عشرين سنة. وكان لديه ملفات هكذا، يُصوِّر لك الصفحة الأولى من كل رواية، تلو الأخرى. يعني نوفل، يعني رواية.

ويقول لك: هي موجودة حتى لا تسألني أين هي، مَن الناشر، من الفاعل، لا، كلها موجودة هنا. وقد أجرى بحثه ليتحدث أن هناك ما يُقال بأن هذه مُعارضة للنبي محمد وضد القرآن وضد الشريعة وضد كذا وكذا، وضد المسلمين وضد المسلمين في النهاية، وضد حضارة الإسلام وتاريخ الإسلام وشريعة الإسلام، وبالتفاصيل.

ثلاثة آلاف وستمائة رواية معادية للإسلام في أربعين سنة

يعني بعد ذلك من عام أربعة وتسعين، وبعد عشرين سنة أخرى أصبحنا في عام ألفين وأربعة عشر، وأصبحت الروايات الصادرة في لندن وحدها ثلاثة آلاف وستمائة من ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين إلى ألفين وأربعة عشر.

يعني أربعين سنة، في الأربعين سنة هذه صدرت ثلاثة آلاف وستمائة رواية تشتم الإسلام والمسلمين، كلها روايات، كلها روايات. هذا هو شرطه هكذا، هو لا يتحدث إلا في الروايات.

حجم الروايات المعادية مقارنة بإجمالي المطبوعات البريطانية وصناعة الإسلاموفوبيا

أين هذا أو ماذا يعني، ما حجمه؟ هذا لو عرفت أنه في بريطانيا تُنشر كل سنة ثلاثمائة وخمسة وسبعون ألف مطبوعة، ألف كتاب، ثلاثمائة وخمسة وسبعون ألف كتاب جديد ينشر في بريطانيا.

هل تعلم أن هذا لا شيء؟ هل تنتبه كيف؟ لكن تكون في النهاية صورة تصنع الإسلاموفوبيا، صورة مقيتة للإسلام والمسلمين: الجهل، الوثنية، يصورون المسلمين هكذا، الإسراف، الجنون. هل تنتبه؟

وبما أننا نتعامل مع هذا الصنف من البشر، كما يقول نابليون في مذكراته: كنت أقتل ثلاثة كل يوم؛ لأنه لا يصلح معهم إلا هذا. فهؤلاء الناس لديهم صور [مشوهة عن المسلمين].

الإعلام كعنصر رابع في صناعة الإسلاموفوبيا وتشويه صورة المسلمين

الرابع لدينا، قلنا: المناهج المدرسية، وقلنا القانون، وقلنا الأدبيات. الرابع هو الإعلام.

عندما يأتي هذا الإعلام - وهذا يُجيب على سؤالك: ماذا يفعل الذي هناك وماذا يفعل الذي هنا، وما إلى ذلك - عندما يأتي الإعلام، يذهب ليُحضر أبو حمزة المصري الإرهابي لكي يقول: هذا هو الإسلام.

حسنًا، لماذا لا تُحضر جمال بدوي؟ تركتَ جمال بدوي وأمسكتَ بأبي حمزة المصري! جمال بدوي كان يعني مؤرخ، هو جمال بدوي كان مستشار الملك أو الأمير تشارلز.

المهم أريد أن أقول لك أن هناك أناسًا فعلًا يفعلون أشياءً خاطئة ضد الإسلام والمسلمين.

القذاة في عين الغربي وجذع النخلة في أعيننا والتقصير في المواجهة

كل هذه الأشياء أنا أسميها القذاة التي في عين أخي. فالمصيبة السوداء تكمن في الجذع الذي في عيني أنا، وأنني أنا ساكت عنه وغير راضٍ، أقوم بهذه العمليات كلها.

حسنًا، هل هناك أحد سمع عن الثلاثة آلاف وستمائة؟ هل ذهب أحد حتى كتب بحثًا عنها باللغة العربية عن هذه الروايات وهذه المطبوعات؟

أتعرف رواية منهم وهي خاصة بـسلمان رشدي؟ انظر إلى رواية آيات شيطانية، آيات شيطانية هذه واحدة فقط من ثلاثة آلاف وستمائة.

بالونات الاختبار من الأفلام المسيئة للأنبياء وموقف المسلمين منها

لأنهم صنعوا فيلمًا يسيء إلى سيدنا موسى، فاليهود سكتوا لأنهم يعرفون الأمر، وانتهى الفيلم ولم يسمع عنه أحد. ثم صنعوا فيلمًا يسيء إلى سيدنا عيسى، فسكت المسيحيون.

ثم أرادوا صناعة فيلم يسيء إلى سيدنا محمد، فقيل لهم: لا، إلى هذا الحد. واعملوا بالون اختبار. فأحضروا هذه الآيات الشيطانية ليصنعوا بها بالونات اختبار، فهاجت الدنيا ووقف المسلمون ضد هذا تمامًا، فألغي الفيلم.

بعد ذلك ظهرت محاولات في هولندا ومحاولات في هوليوود يحاولون نفس الحكاية، يريدون شتم النبي، وكذلك في الدنمارك والرسوم في صحيفة الدنمارك. كل هذه بالونات اختبار إلى أن ظهر الفيلم فعلًا، ولكن لا أحد شعر به ولا أحد اعتد به.

الإساءة للنبي تُعلي من قدره والظلم ظلمات يوم القيامة

وهذا يُعلي من قدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يصبح مظلومًا والظلم ظلمات يوم القيامة. هذه هي الحكاية، صلى الله عليه وسلم.

أسئلة من المشاهدين حول أسباب استهداف الغرب للمسلمين

[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا أن أستعرض بعض تفاعلات السادة المشاهدين مع السؤال على فيسبوك: ما سبب استهداف الغرب للمسلمين؟

الأستاذ معتز يقول: إن الإرهاب الذي تقوم به داعش يجعل الناس في أوروبا يظنون أن كل المسلمين إرهابيون.

[الشيخ]: نعم، هذا جزء من جذع النخلة.

[المذيع]: الأستاذ محمد حمدي يقول: إن تصوير الإعلام لهم بأن المسلمين هم داعش والجماعات الإرهابية، وتقصير أيضًا من جانبنا في توصيل الإسلام.

[الشيخ]: هو جزء من الجذع.

[المذيع]: الأستاذ باسم: لأن الإسلام النظام الاجتماعي الذي يتوافق مع كل حياة وواقع، وإذا انتشر هذا الإسلام سيهدد بالتأكيد مصالح الكثير من الأعداء.

[الشيخ]: هذا جزء من القذاة التي لديهم.

[المذيع]: ولن ننكر تصرفات الإسلاميين الذين ترجموا دينهم خطأً أمام الشعوب الغربية بدلًا من إظهار أفضل وأحسن الصور.

[الشيخ]: هو رجع إلى الجذع، أصبح هذا هو يقول.

رأي المشاهد أحمد في صعوبة تعايش المسلم مع الثقافات الغربية

[المذيع]: الأستاذ أحمد: في نظري أنا شخصيًا أن أي مسلم لا يستطيع أن يتعايش مع الثقافات الغربية؛ لأن المسلمين هم الأكثر إيمانًا وبالتالي الأكثر تمسكًا بالعقيدة، وبالتالي الأكثر تطبيقًا لأحكام الخالق عز وجل ومقاومة ملذات الحياة وشهواتها، وهو ما لا يريده الغرب؛ لأنهم يقدسون متع الحياة في المقام الأول قبل كل شيء.

[الشيخ]: هذا يدور حول الذوبان والاندماج.

روشتة وخطة لإعادة الصورة الحقيقية للإسلام: المشروعية والمرجعية

[المذيع]: مولانا، في دقيقة أو دقيقتين ما تبقى في البرنامج، يعني والموضوع ذو أهمية، روشتة وخطة لغدٍ لا بد وأن نعيها جيدًا حتى نستطيع أن نعيد هذه الصورة الحقيقية للإسلام كمفهوم هكذا من كل الجهات، ويصبح عملًا فرديًا ومؤسسيًا.

[الشيخ]: الشرعية والمرجعية. لا بد أن الأزهر يعلو برأسه يا جماعة: أنا هنا مرجع وها هو. وكل العالم موافق عليه، حتى الشيعة موافقون على الأزهر.

فالأزهر يرفع يده لهؤلاء الناس ويقولها: أنا هنا المرجع، عندما تريدون شيئًا أو تسألون عن شيء، اسألوني هنا.

المشروعية في حياة المسلم بالغرب ووجوب الالتزام بالقوانين

والمشروعية هي أن يعيش المسلم في مكانه من غير مخالفة. لقد رأينا أناسًا في ألمانيا بتسرق مستحلين أموال غير المسلمين. هذا الكلام مصيبة، هذا الكلام خطأ فقهًا ودينًا وواقعًا.

فيجب علينا أن نبذل السعي في هذين الأمرين: المشروعية والمرجعية. ستجد أن العالم وصل إلى مرحلة التعايش والسلام.

خاتمة الحلقة والتأكيد على أهمية المعرفة والتعلم

يؤكد فضيلة مولانا على المعرفة وأن نقرأ وأن نعرف وأن نتعلم؛ لأن من يعرف يملك.

نشكر فضيلة مولانا دكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. شكر الله لكم يا مولانا، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.