والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يجيب متي بدأت خيرية الامة | الحلقة الكاملة
- •خيرية الأمة الإسلامية باقية ومستمرة ولكنها مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
- •الخيرية نوعان: خيرية فاعلة وخيرية بالقوة، وما نراه في واقع الأمة اليوم هو خيرية بالقوة في أكثر الأحوال.
- •عندما تتخلى الأمة عن شروط الخيرية تتعلق الخيرية ولا تُسلب، فيتقدم عليها غيرها.
- •حقق المسلمون الأوائل الخيرية بتحويل المطلقات إلى برامج عمل نسبية، كتحويل الرحمة إلى مساقٍ للحيوانات وأكشاك للمساعدة.
- •تحويل المطلق للنسبي شمل مجالات العلوم والفنون، فتحول الإسلام إلى الفقه، والإيمان إلى العقيدة، والإحسان إلى الأخلاق والتصوف.
- •الخوارج والجماعات المتطرفة أسقطوا شروط الفهم ففسروا النصوص تفسيراً خاطئاً فضلوا وأضلوا.
- •عمان نموذج للخيرية الباقية في الأمة، والمهلب بن أبي صفرة الذي قاتل الخوارج ساهم في بناء حضارة راسخة.
- •القلوب الضارعة إلى الله هي مفتاح استعادة الخيرية الفاعلة، بجعل الأعمال كلها لله والقلوب متعلقة به.
مقدمة البرنامج وطرح سؤال خيرية الأمة الإسلامية وكيف تتحقق
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك.
أهلًا بكم في والله أعلم، لنسعد بصحبة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، ونطرح عليه هذا السؤال المهم جدًا والملح حول خيرية هذه الأمة:
كيف تتحقق خيرية هذه الأمة؟ وإذا كنا خير أمة أُخرجت للناس، فلماذا يتخلف المسلمون ويتقدم غيرهم؟
حقيقة خيرية الأمة في القرآن الكريم وشروط التشريف والتكليف
[المذيع]:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
حقيقة هذه الخيرية وما معناها يا مولانا؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كما قلنا، عندما نقرأ القرآن والسنة ونستدل بهما ونفهمهما ونتوضح منهما، ونطلب منهما الإيضاح لمسائل حياتنا الدنيا، فإننا يجب أن نقرأهما بشروطهما التي سميناها نظرية الشروط، وسمّيناها قيد الحيثية، وسمّيناها الأحكام، وسمّيناها أشياء كثيرة، لكنها في المعنى واحد.
أنه ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذا تشريف، ماشرطه؟
التشريف والتكليف وجهان لعملة واحدة وموقف إبليس من السجود لآدم
إذن لنرى ما هي هذه الشروط.
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذا تشريف، ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تكليف.
والتشريف والتكليف وجهان لعملة واحدة؛ لا تشريف إلا بتكليف، ولا تكليف إلا ومعه تشريف.
﴿ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا﴾ [البقرة: 34]
[سجدوا] مباشرة؛ لأنهم [الملائكة] يعلمون أن هذا التكليف بالسجود لآدم هو تشريف لهم. ولكن هذا ما لم يفهمه إبليس، هو الذي أسقط الشروط، فلما أسقط الشروط أصبح [على نهجه] الخوارج من كلاب أهل النار؛ لأنهم تمثلوا بإبليس ولم يتمثلوا الملائكة؛ لأنهم يطبقون الأمر لا كما أراده الله بل كما يريدون هم، وكل أحد كذلك فهو على خطأ، ولا ينتج عمله خيرًا لا في الدنيا ولا ثوابًا في الآخرة.
تعليق الخيرية بترك الأمر بالمعروف وحديث غثاء السيل
ولذلك ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلا بد أن نأمر بالمعروف، فإن سكتنا عن الأمر بالمعروف عُلِّقت خيريتنا.
انظر إلى كرم الله أنه إن الكريم إذا وهب لا يسلب، يعني إذا أعطانا الخيرية لن يسحبها منا، لكن يعلقها.
[المذيع]: ما الذي يحدث إذن هنا مولانا؟
[الشيخ]: تتقدم علينا الأمم وتدوسنا أقدامهم الضعيفة.
«[قال قائل] أمن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، [أي يتجرأ عليكم] وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! وما الوهْنُ ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ»
انظر إلى الدقة، لم يقل حب الحياة؛ لأن المسلم يحب الحياة أصلًا والله كلفنا بحب الحياة، إنما قال حب الدنيا: [أي] مجموعة الرغبات والشهوات والضلالات، وأن تفرح بالموجود وأن تحزن على المفقود، أن تكون أنانيًا، أن تكون مفسدًا، ألا تُصلح في هذه الأرض، مجموعة هكذا على بعضها.
شروط الخيرية الثلاثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله
إذن الخيرية لها شروط: الأول تأمرون بالمعروف، ليس أننا سنأمر فقط بالمعروف وسكتنا عن المعروف فلم نُشِعه بيننا.
ثانيًا ﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وهذه مرحلة ثانية مختلفة تمامًا عن الأمر بالمعروف وهي النهي عن المنكر، فإذا تواطأ القوم على السكوت على الرشوة حتى شاعت وذاعت حتى أصبحت ثقافة سائدة وكأنها من الحقوق المكتسبة، وإذا سكت القوم على الكذب وانتشاره وذيوعه، فلا يوجد أحد هنا ينهى عن المنكر.
السكوت عن الإرهابيين وتسميتهم بالخوارج وموقف علماء الأزهر
وإذا سكت الناس مرة حيرةً ومرة خسارةً وبوارًا على الإرهابية ولا يستطيعون أن يقولوا للأعور: أنت أعور في عينه، ولا يقولون لهم أنهم خوارج.
منذ خمس أو ست أو سبع سنوات قلت لهم: أنتم خوارج. فرد عليّ أحدهم قائلًا: لم نجد إلا حضرتك من يقول علينا خوارج!
فألف أحد طلبة العلم كتابًا جمع فيه علماء الأزهر منذ نشأة هذه الجماعة الإرهابية وإلى يومنا هذا، الذين سمّوهم بالصريح المريح المواجه خوارج. قال لهم: ليس هو وحده الذي قال إنكم خوارج، وإنما رفع صوته فقط بأنكم خوارج لا غير. ولذلك أنتم خوارج.
حرق مسجد ضرار كنموذج للنهي عن المنكر وإن كان ظاهره مسجداً
فإذن تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. بعض الناس يقولون لك: لا، فإنهم يصلون. فالنبي ﷺ حررنا من هذا وحرق مسجد ضرار. نعم، إنه مسجد لكننا سنحرقه؛ لأنه يدعو إلى المنكر، لأنه يضع ويرفع لافتة وإعلانًا مخالفًا لمراد رب العالمين في عباده المؤمنين.
[المذيع]: برغم أنه مسجد يا مولانا؟!
[الشيخ]: ﻷن الله دلنا، ماذا نحرق هنا؟ مسجد، لكنه [مسجد] كفر وضلال وتفريق بين المؤمنين وإرصاد لمن حارب الله ورسوله، فهو من الخارج رخام ومن الداخل سخام.
ونحن لا نعمل بما هو ظاهر. يقول الإمام الغزالي:
فإن من طلب الحقائق من الألفاظ هلك
ها هو المسجد، لكن انظر يا أخي ما وظيفته.
مسجد الضرار ينقلب إلى ضده إذا فقد شروط الخيرية ووجب هدمه
فإذا كان وظيفته هو أن يرصد المنافقين لحرب الإسلام، وأن يكر على الإسلام وعلى المحجة البيضاء التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطلان، فلعنة الله عليه.
مع أن اسمه مسجد، ولكن لعنة الله عليه، وسنقوم بحرقه؛ لأن هذا ليس مسجدا، بل يوجد شرطية لديه أنه مسجد ضرار وتفريق وإرصاد لمحاربة الله ورسوله.
فإنه ينقلب إلى ضده فورًا ويستوجب منا بدلًا من التكريم وبدلًا من التطهير:
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26]
يستوجب منا الهدم والتحريق والإزالة والبوار:
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]
لماذا؟ لأن علوهم باطل بدون الشروط التي هي للعمران للخير والصلاح.
النظم المبنية على إنكار الله ستنهار لأن الله موجود ومالك يوم الدين
أي هدموا ما بنوا، هم يستمرون في بناء نظم، وهذه النظم كلها مبنية على أن الله غير موجود، ستنهار على رؤوسهم؛ لأن الله موجود، ولأنه يستحق منا العبادة، ولأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولأنه صاحب هذا العالم، مالك يوم الدين، رب العالمين.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، انظر، هذه مسألة وهذه مسألة أخرى.
حديث حذيفة عن انقلاب المعروف منكراً والمنكر معروفاً والأمر بالمنكر
أرأيتم لو أن المعروف صار منكرًا والمنكر معروفًا؟ فيقول قائل له: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ (يعني هل سيحدث ذلك؟ أمعقول أن هؤلاء الناس مغفلة؟ يعني كيف يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟)
قال رسول الله ﷺ: وأشد من ذلك يكون. فما الذي أشدُّ من ذلك؟ أن تأمرَ بالمنكر وأن تنهى عن المعروف.
فقد أن تعرف المنكر وتسكت، أو أن تعرف عدم المعروف فتسكت، لكن هناك من لن يسكت، بل سيأمر بالمنكر ويجعله ثقافة عامة، وينهى عن المعروف ويجعله شيئًا تفرُّ الناس منه.
ولذلك هذه الحالة ماذا نسميها؟ إنها حالة قد خلت من الله، أزالوا الله منها.
الجماعات الإرهابية والملحدون أدعياء وأعداء اتفقوا على وصف الإسلام بما ليس فيه
ولذلك ينطبق هذا [أزالوا منها الله] على الجماعات الإرهابية كما ينطبق على الملحدين، هؤلاء مفسدون وهؤلاء مفسدون.
ولذلك كان لي تصريح لأولئك الناس بأن [جماعة] الإخوان المسلمين الإرهابية وداعش وأمثالها والملحدين وجهان لعملة واحدة.
[المذيع]: أدعياء وأعداء، أنت تفضلت بهذا الكلام، وهذا الوصف حقًا صحيح.
[الشيخ]: أدعياء وأعداء. شخص يدّعي الإسلام ويصفه بما ليس فيه، وآخر عدو للإسلام ويصفه بما ليس فيه. فالاثنين اتفقا على وصف الإسلام بما ليس فيه - الأعداء والأدعياء.
الإيمان بالله هو الشرط الذي يحفظ المعروف معروفاً والمنكر منكراً
ولذلك ربنا قدر لنا هذا الذي يسري مسرى الماء في الورد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فماذا قال؟ ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ هذه هي العبارة التي لو أُزيلت من هذا وذاك، لن يصبح المنكر منكرًا، ولا المعروف معروفًا، ولن نعرف رأسنا من أرجلنا.
الناس تتكلم، فتقول لك: وما رأيك أنت في هذه المسألة؟ حسنًا، رأيي هذا يكون في الفهم، رأيي هذا يكون في التطبيق، رأيي هذا يكون في محاولة الوصل، رأيي هذا يكون في فعل الخير وإصلاح الأرض وعمارة الدنيا. هذا رأيي، لكن لا يأتي رأيي ليناقض كلام الله ومراد الله من خلقه:
العبادة والعمارة والتزكية أركان مراد الله من خلقه
من العبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
من العمارة:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
وإن كانت قد نزلت في سورة هود، إلا أنها تتحدث عنها كلامًا عامًا كقضية ومبدأ عام قرآني: هو أنشأكم من الأرض وطلب منكم عمارتها.
والتزكية:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7-10]
إذن، فنستطيع أن نقول أن الخيرية لها شروط، إذا قمنا بها حصلنا على فوائد الخيرية وأثرها، وإذا تركناها سبقتنا الأمم وأصبحت الخيرية خيرية قابلية وقوة لا خيرية فعل.
الفرق بين الخيرية بالقوة والخيرية بالفعل ومثال التراب والطين والطوب
فالخيرية منها خيرية فاعلة ومنها خيرية بالقوة.
[المذيع]: ما الفرق والمشهد متى كان بهذا الشكل؟ وكيف كان بشكل القوة أو بالفاعلية؟ **
[الشيخ]: [تقصد] ماذا تعني القوة؟ وماذا تعني الفاعلية؟
[المذيع]: نعم، والمشهد حتى يكون الأمر واضحًا بالنسبة لنا**
[الشيخ]: سأعطيك مثالًا نعمل عليه. التراب، عندما نصب عليه قليلًا من الماء ونعجنه، يصبح طينًا. هذا الطين يمكننا أن نصنع منه قوالب، وهذه القوالب نبني بها بيوتًا. يقال إنه بيت من الطين،كانت تُبنى به الصروح قديمًا بهذا الطين.
نحن استخدمنا الآن الإسمنت وما شابه ذلك، والطوب وغيره.
القابلية البعيدة والقريبة في تحول التراب إلى طوب وعلاقتها بالخيرية
هذا التراب قابل لأن يكون طينًا، ولكنه قبل إضافة الماء، لم يكن طينًا ولا شيء، كان ترابًا، وبعد إضافة الماء أصبح طينًا.
إذن نستطيع أن نقول إن التراب لديه قابلية للتحول إلى طين، والطين قابل إلى أنه يتماسك بعضه هكذا ويصبح قويًا، [يقولون] استحجر الطين يعني صار حجرًا.
إذا وضعنا هذا الطين في القمينة، يخرج طوبًا أحمر من القمائن [الأفران] التي يوضع فيها، وهي بالقاف، قمائن، فيخرج طوبًا أحمر.
إذن هذا التراب كيف يتحول إلى طوب أحمر؟ بالقابلية البعيدة، لماذا؟ لأن هناك خطوة في الوسط [خطوة زائدة] وهي أننا نضع عليه ماءً فيصبح طينًا، ثم نُدخله في الحرارة فيصبح طوبًا.
إذن هذا التراب قابل لأن يكون طوبًا لكن بالقابلية البعيدة، أما الطين فهو قابل لأن يكون طوبًا بالقابلية القريبة.
الأمة الإسلامية لديها قابلية الخيرية بشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هذه الأمة لديها قابلية للخيرية بمعنى أنها لو أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر من خلال إيمانها بالله فإنها ستكون خير الأمم، ولو فقدت كل ذلك وتشوش عليها أمرها وأمر دينها ودنياها، فقد فقدت الخيرية.
إذن أصبحت ماذا؟ أصبحت رأسًا برأس [مع غيرها]. وماذا يعني رأسًا برأس؟ يعني مثلما يجري على أسباب العالم يجري عليها.
[المذيع]: تقصد مع الآخرين؟
[الشيخ]: نعم، مع الآخرين. لا توجد معونة، بل هناك حول وقوة، فكل شخص يعمل بطريقته، فهناك أسباب، لمن يأخذ بها.
[المذيع]: فأتبع سببًا.
[الشيخ]: نعم، فسيتبعون السبب.
الأخذ بالأسباب المادية والفرق بين الأمم في التقدم والمعونة الإلهية
لكي أركب الطائرة، عليّ أن أصنع، ولكي أصنع، يجب أن أحضر الفولاذ والحديد، ولكي أصنع الكمبيوتر، يجب أن أعمل وادي السيلكون. ولكي يكون لدينا شيء متقدم، أنشأت القرية الذكية. فإن افترضنا أن إدارتها فسدت، ستنهار وستخسر.
إذن ما الفرق بين هذه وتلك؟ المعونة، ما الفرق بين الخيرية وبين جريان الفرس مع الآخرين؟ المعونة.
فما هي المعونة؟ هذه المعونة شيء إلهي رباني، إنها بركة، إنه عطاء إلهي يمد به عباده. هذا يجعلهم مع أقل تكلفة وأقل تمكن يجعلهم السابقين.
العمل بالأسباب دون طلب المعونة وتقدم الأمم بالإدارة والعمل
[ربما يقول أحدهم] لا، أنا لا أريد أن آخذ بهذه الحكاية الغيبية، أنت حر، أمامك الأمر:
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
لا تطلب المعونة، اعمل بالأسباب. سيعمل بالأسباب، وسنرى من الذي سيعمل ومن الذي لن يعمل.
أمريكا لديها أرض أخصب من مصر، إذن أمريكا ستتقدم على مصر. ولديها إدارة أفضل من مصر، فبالتالي ستتفوق أمريكا على مصر. الهند دخلت في المسار ولديها إدارة مختلفة عن إدارة أمريكا فتقدمت. الصين لديها عمل، تعمل وتسعى تغزو العالم. اليابان ستستمر على نهجها في العمل [فستتقدم]. وهكذا.
سؤال المذيع عن واجبات الأوائل لتحقيق الخيرية وتأكيد الشيخ أن الخيرية لا تزال كامنة
[المذيع]: ماذا فعل الأوائل لتحقيق هذه الخيرية؟ وما الواجبات التي أدوها خلال هذه المراحل المهمة في تاريخنا وفي حضارتنا الإسلامية والعربية؟ وماذا يجب علينا نحن المسلمين اليوم؟
فاصل ونعود إليكم، أبقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، حينما تحققت هذه الخيرية في بدايات هذه الأمة وانتشرت المعارف والحضارة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، أصبح الغرب مستشرقين على حد قول العقاد، فما الواجبات التي أدوها لتحقيق هذه الخيرية والبنيان الحضاري الذي انتشر في جميع أنحاء الأرض؟
[الشيخ]: مرة أخرى أريد أن أؤكد وأعيد التأكيد أن الخيرية ما زالت موجودة وأنها كامنة في الأمة، فلو خَبَتْ فبفقد شروطها، ولو عادت فبالتمثل والاتصاف بشروطها، لكن الخيرية موجودة. هذه الأمة معجونة بالخيرية، هذه الأمة جاهزة لنيل درجة الخيرية. بماذا؟ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله في أي وقت.
رفض لهجة التشاؤم والتأكيد أن الخيرية لم تنتهِ بل فقد بعض الأمة شروطها
ولذلك فدائمًا هذه اللهجة، أنا لا أؤيدها كثيرًا، وهي لهجة كنا وكيف نعود. لا، نحن لسنا "كنا وكيف نعود"، فنحن كنا ولا زلنا.
إذا ما هذا [ويقصد حال الأمة الآن]؟ أن كثيرًا من الأمة - وليس كل الأمة - قد فقدت هذه الثلاثة [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله]، فلما فقدوها فقدوا معها السبق.
والذين تمسكوا بها سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجموعة كالأسرة ومجموعة المسجد ومجموعة العمل، أو على مستوى المجتمع، أو على مستوى الأمة، فإنهم ينالون قسطًا مما تمسكوا به.
قال رسول الله ﷺ: «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يضرُّهُم من خالفَهم إلى يومِ القيامةِ»
حكاية أسود وأبيض هذه [ويقصد حال الأمة] مُرِرَت علينا، فهم يريدوننا أن نجلد أنفسنا حتى نستيئس.
الأمة ليست في ذيل الأمم والكيان الصهيوني زُرع خوفاً من عودة الخيرية الفاعلة
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فهل نحن الآن في ذيل الأمم؟ لا، نحن لسنا في ذيل الأمم. نحن ما زلنا يَنظرون إلينا حتى الآن على أن معنا شيئًا يقاتلونا عليه ويدبرون لنا، ولا يتركوننا وشأننا به.
ويزرعون هذا الكيان الصهيوني النجس في وسطنا من أجل الخوف المميت عندهم أن نعود مرة أخرى إلى الخيرية الفاعلة.
لكن هذه أمة قابلة للخيرية، والخيرية فيها إلى يوم القيامة، وإنما تخبو هذه الخيرية، وتكمن، وتختفي، إذا تركت الشروط. وقد ترك كثير منا الشروط، وكثير آخرون منا لم يتركوها.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجسد في أجهزة الدولة كالرقابة الإدارية
نحن والحمد لله طورنا واستجبنا وشعرنا بأشياء كثيرة من ضمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمثل في الأجهزة، عندما أُنشئت في سنة أربعة وستين هيئة تسمى الرقابة الإدارية. ما الرقابة الإدارية إلا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر لكن على مستوى معين.
عندما تُطلق برامج في وزارة التخطيط أو في وزارة التنمية المحلية حول الجهاز الإداري في البلد، وكيفية مقاومة الفساد فيه، وكيفية التدريب على الصالح، فهذا هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
ولكن عندما يفتح شخص درجه لكي يتلقى رشوة باعتبار أنها من حقه وأن يؤول كل تأويل من أجل [استباحة] هذه الرشوة التي يأخذها، وهكذا، الفساد موجود بالفعل ، هذا ليس من خير الأمم، ليس فيه الخيرية.
الخيرية موجودة على مستويات وبذرتها كامنة حتى في المرتشي إذا تاب
ولكن انظر، الخيرية موجودة على مستوى معين، وليست موجودة على مستوى آخر.
هنا يقول ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، والأمة تشمل المجتمعات وتشمل المجاميع وتشمل الأفراد.
فالقابلية موجودة، أي أن بذرة الخيرية فيهم. حتى الشخص المرتشي هذا، الخيرية كامنة فيه، فلو أنه وُعِظ فاتعظ وتاب، ولو أنه ذُكِّر فتذكر، سيعود خيريًا مرة أخرى.
القضية ليست متعلقة بما انتشر بين الناس "نحن كنا أمة كبيرة وأصبحنا أمة ليست كبيرة" لا، ما زلنا أمة كبيرة، والأمل فينا واضح تمامًا، والقوة فينا واضحة.
المسألة تتعلق بإعادة الشروط لا بإعادة الوجود فالخيرية باقية فينا
لكننا نريد أن نعيد الشروط لا أن نعيد الوجود.
[المذيع]: المسألة تتعلق بالشروط الآن.
[الشيخ]: لكن الوجود باقٍ، الوجود نحن موجودون وموجودة فينا أيضًا الخيرية، باقية فينا قابلية الخير.
هيا إذن نحقق الشروط فنُبرز هذا الخير ونسبق الآخرين:
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
[المذيع]: كيف نعيد هذه الشروط؟ ماذا يجب علينا نحن المسلمين اليوم؟
[الشيخ]: نعم.
كيفية إعادة الشروط عبر تغيير مناهج التعليم والإعلام والارتقاء بالثقافة
هيا بنا نغير مناهج التعليم، وندخل فيها هذه المفاهيم. هيا بنا نغير الإعلام، ونجعل من ميثاق الشرف الإعلامي هذا المعنى: الأمر المعروف والنهي عن المنكر، الإيمان بالله، بحيث أنه يكون مستهجنًا قضية الإلحاد، وقضية الإنكار وقضية الاستهانة، وقضية الترك والتجاوز.
هيا بنا نرتقي بالثقافة السائدة ونبني الثقافة، ولدينا أجهزة قادرة على هذا، لدينا وزارة الثقافة بما يتبعها من قصور الثقافة ودور الكتب وغيرها.
فماذا فعل المسلمون الأوائل؟ لقد حوّلوا، هذا ما يجب أن نقف عنده، ماذا فعلوا؟
المسلمون الأوائل حوّلوا المطلق إلى برامج عمل نسبية كتحويل الرحمة إلى واقع
حوّلوا المطلق إلى برامج نسبية. ﻷنهم سمعوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتكلم عن الرحمة فحوّلوها إلى برنامج عمل.
[المذيع]: يعني الرحمة معنى مطلق، فكيف حولوها ألى برامج عمل؟
[الشيخ]: قالوا من نرحم؟ فقالوا: نرحم النبات، ونرحم الحيوان، ونرحم الإنسان، ونرحم العلاقات، ونرحم البشر - يعني المسلمين وغير المسلمين - وهكذا.
فذهبوا وعملوا مساقي للكلاب وهذه ترجمةً للرحمة.
من أدوات التربية الصوفية غسل مساقي الكلاب ترجمة للرحمة وكشك الرحمة عند السوق
ومن أدوات التربية الصوفية أنك كمريد تريد وجه الله، وتريد أن يرق قلبك لذكر الله، وتريد أن تنتقل من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، إنك تذهب لتغسل مساقي الكلاب في الليل لتجهزها لهم في الصباح؛ حتى يشرب منها الكلب المار.
بالله عليك إذا حدث هذا هل يوجد من سيتجرأ على تسميم القطط وإلقائها بالعشرات وما شابه ذلك؟ أبدًا، لن تطاوعه نفسه أن يفعل هكذا.
كشك الرحمة، يبنوه عند مدخل السوق، ويأتي إليه رجل عجوز لطيف ذو وجه منير، ثم يمشي الرجل العجوز على قدميه حتى نهاية السوق.
قصة كشك الرحمة والطفل الذي انكسرت سلطانيته في السوق
فيجد جارية تبكي أو طفل يبكي أو ما شابه، يقول له: ما بك يا بني؟ فيقول له: السلطانية [صحن عميق] كان فيها عسل وطحينة وانكسرت. يقول [الرجل] له: حسنًا، لا تخف، كيف شكل السلطانية؟ هل تستطيع وصفها؟ يجيب [الطفل]: نعم، أعرفها.
فيقول [الرجل]: إذن ما المشكلة؟ يجيب [الطفل]: أبي سيضربني أو جدي سيضربني عندما أصل؛ لأنني هكذا لم أحضر الأشياء المطلوبة، وأيضًا كان معي خمسة قروش متبقية ضاعت.
فيقول له: لا تحزن. ويذهب إلى الرجل صاحب الخزف ليحضر له سلطانية مثلها تمامًا، ويملؤها له بالعسل والطحينة، ويعطيه الباقي.
فيقول [الرجل]:كم أعطاك أبوك؟ فيجيب [الطفل]: عشرة صاغ، اشتريت بخمسة وبقي خمسة،
فيقول له [الرجل]: خذ الخمسة المتبقية هذه.
ويوصله إلى البيت حتى لا تقع منه ولا تُكسَر ولا كذا إلى آخره.
ثقافة الرحمة السائدة في المجتمع المسلم وتعامل النبي مع الأطفال
فيدخل على أهله ومعه الحاجة، حتى لو قص لهم ذلك كانوا يحتضنونه ويربتون عليه؛ لأن الواقف يريد ذلك، الذي أوقف هذا الموضوع يريد هكذا، فهم يعرفون، وهذه ثقافة سائدة.
فالناس تُسَر غاية السرور وتفرح بذلك وتقول له: حسنًا، انتبه يا بني في المرة القادمة، ولا تفعل هكذا، أو أنت كنت تلعب أو تفعل وهكذا إلى آخره. ويعاملوا الطفل [على أنه] طفلًا، ويفعلوا الرحمة رحمة، ويشيع في المجتمع هذا المعنى.
من «لا تغضب ولك الجنة»، ومن أن الأطفال أحباب الله، والطفولة توقف الأحكام.
[المذيع]: ما هذا المعنى الجميل: الطفولة توقف الأحكام!
النبي ينزل من المنبر لاحتضان الحسين وأمامة تلعب على ظهره في الصلاة
[الشيخ]: فقد كان [النبي ﷺ] يخطب فوجد سيدنا الحسين يمشي يتعثر في جلبابه، فنزل واحتضنه؛ لأنه يريد أن يُشبعه أي يُشعره بالتشبع والإشباع بالحنان والأمان وما إلى ذلك.
كان ساجدًا فأمامة بنت زينب الكبرى صعدت على ظهره فأطال سجوده، فالصحابة بعد ذلك يقولون: يا رسول الله، كان في السجدة الثانية هذه تطويل قليل، هل نفعل هكذا دائمًا أم ماذا؟ على غير العادة، ماذا نفعل؟
قال لهم: لا، أمامة كانت على ظهري، فأردت أن تقضي وطرها - يعني رغبتها - في أن تلعب مع جدها أو على ظهر جدها وهو يصلي.
الطفولة توقف الأحكام وجواز الزيادة في الصلاة من أجل الطفل
رغم أن زيادة شيئًا في الصلاة من أجل ما هو خارج عنها لا يجوز، ولكن هنا يجوز.
يعني وأنت واقف تصلي وجاءك شخص متوضئ يقول لك:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]
[ويقصد الإطالة في الركوع] فإذا قال لك لا تطعه، حتى لا تكون قد أطعت أحدًا خارج الصلاة. الصلاة لا يطيع فيها أحد شخصًا خارج الصلاة إلا في حالة الطفولة، إذن فالطفولة توقف الأحكام.
[المذيع]: وهي تجلٍّ من تجليات الرحمة.
[الشيخ]: حوّلوها [المسلمون] إلى برنامج.
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى»
دخول النار في هرة ودخول الجنة في كلب وتحويل الرحمة إلى عمارة ومآذن لإطعام الطيور
دخلت امرأة النار في هرة، ودخلت امرأة بغي الجنة في كلب وجدته عطشانًا فسقته إلى آخره. فكيف يتحول هذا [إلى برنامج]؟
يتحول بأن محمد بيك أبو الدهب وهو يبني المسجد، يبني أربع صوامع على المئذنة يوضع فيها الحبوب حتى تأكل طيور السماء. ما هذا؟!
لنا شأن حتى بطيور السماء؛ لأن الذي يتمتع بالصوت الحسن والذي يتمتع بالريحان ويشم الورد والذي يتمتع بالجمال والذي يجعل الجمال في باطنه وفي ظاهره، وليس كما قالت الفلاسفة الجمال كله منظور، لا، أيضًا الباطن فيه جمال.
الرحمة تمنع قسوة الخوارج والنبي يأمرنا بالرحمة وتحويلها إلى برنامج عمل
لن يستطيع [من تشبع بالجمال والرحمة] أن يفعل ما فعله الخوارج من هذه القسوة التي جعلت أحدهم يقول لا أبالي بمصر، والآخر يذبح الناس، والثالث والرابع وهكذا.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرنا بأمر عظيم:
قال رسول الله ﷺ: «الرَّاحمونَ يرحَمُهمُ الرَّحمنُ ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ»
فيحولها الناس هذه إلى برنامج عمل.
حديث جبريل وتحويل الإسلام والإيمان والإحسان إلى علوم ومناهج
ومثل حديث جبريل جاء لكي يعلمنا أمر ديننا: الإسلام والإيمان والإحسان وما إلى آخره، فيحولها إلى علوم ومناهج:
- •يحولوا الإسلام إلى الفقه.
- •ويحولوا الإيمان إلى العقيدة والتوحيد.
- •ويحولوا الإحسان إلى الأخلاق والتصوف.
فإذن هي تقسيمة عجيبة غريبة ووضعية فائقة رائقة. يجب علينا أن نأخذ عبرة من هذا، حيث حوّلوا كل مطلق إلى برنامج عمل نسبي سواء كان في مجال الأخلاق أو في مجال العلوم أو في مجال الفنون.
تحويل النصائح النبوية إلى فنون الخط والزخرفة والعمارة الإسلامية وتخطيط المدن
حوّلوا النصائح النبوية في مجال الفن إلى الخط العربي، وحوّلوه إلى الزخرفة الإسلامية النباتية، وحوّلوه إلى فنون العمارة والأرابيسك، وحوّلوه إلى البنايات والسبل.
[المذيع]: والطرز الإسلامية في العمارة.
[الشيخ]: حتى في تخطيط المدن، لما في ذلك من تخطيط للمدن وبناء للجوامع وبناء للمدارس والسبل والتكايا والرُبط (رباط المجاهدين والمدافعين). إنها أشياء جميلة جدًا.
إذن ماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يحوّلون المطلق إلى النسبي عن طريق برامج عملية واقعية.
سؤال المذيع عن أثر الخوارج في إيقاف الخيرية وتوضيح الشيخ أن المشكلة في ترك شروط الفهم
[المذيع]: هل كانت هناك أفعال وأعمال أخرى بالإضافة إلى هذا العنوان المهم والأثير في منهج مولانا حينما يقرأ واقع الأمة ويستشرف المستقبل؟ فاصل ونعود إليكم.
أهلًا بحضراتكم، مولانا لدي سؤالان، سؤال حول ماذا كانوا يعملون أيضًا بخلاف هذا المبدأ الهام؟ أو العنوان الذي تحدثت فضيلتكم عنه وهو تحويل المطلق إلى برامج عمل؟ هل وجود هذه الفرق، والتشرذم الذي حدث نتيجة وجود الجماعات المتطرفة أو الخوارج هو الذي أدى أيضًا إلى إيقاف الخيرية إلى حد ما يا مولانا أو علقها؟
[الشيخ]: لا، ﻷن الفرق والخوارج فئتان انحرفتا عن المنهج وتركتا الشروط، ليست شروط الخيرية وإنما شروط الفهم.
ترك قواعد فهم النصوص أنشأ الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والمرجئة
فهناك شروط للفهم كما ذكرنا سابقًا، إن هناك نصًا، وهناك تفسيرًا للنص، وهناك تطبيقًا للنص. حتى تستطيع أن تتعامل مع النص تفسيرًا، لا بد من قواعد، فتركوا القواعد، ففسروا خطأ، فضلوا وأضلوا.
وركب بعضهم رأسه إلى أن أصبح ضلاله ضلالًا بعيدًا. وشبهناها قبل ذلك مرات بمن ركب القطار يريد الإسكندرية فذهب إلى أسوان، حينما وجد أمامه بني سويف لم ينزل، كان ينبغي أن ينزل [يتوب عن الضلال]. ومنهم من فعل هذا، لكن منهم من تمادى إلى الضلال البعيد، يعني طبقة فوق طبقة فوق طبقة في الخطأ؛ لأن الصواب هنا كان أن هو أراد الإسكندرية، فعندما يبتعد يكون مخطئًا، سادر في غيه.
هذا الضلال البعيد هو سمة ناتجة من عدم فهم النصوص، وهذا الذي أنشأ المعتزلة والخوارج وغيرهم والمرجئة والمعطلة والمجسمة.
ظهور السبئية والخوارج أعاق بناء الحضارة حتى تم القضاء عليهم
إن عدم فهم النصوص [المتمثلة في] الأمور التي أشرنا إليها مرة، مثل الحقيقة والمجاز ومعنى "قال" ومعنى "حروف المعاني" وغيرها من هذه الأمور التي افتقدها هؤلاء الناس فضلّوا وأضلّوا.
فعندما ظهرت هذه البلايا، أول الظهور كان للسبئية، وثاني الظهور كان للخوارج. عندما ظهرت هذه المصائب لم يستطع المسلمون بناء الحضارة وتحويل المطلق إلى نسبي إلا بعد القضاء عليهم، لم يستطيعوا.
المهلب بن أبي صفرة جد السلطان قابوس وبطل مواجهة الخوارج وبناء الحضارة
فالمهلب بن أبي الصفرة الذي وُلِدَ في عمان -وهو جد السلطان قابوس بن سعيد-، هؤلاء الناس واجهوا الخوارج، ليس فقط واجهوا الخوارج بل بنوا الحضارة.
يعني سلطنة عُمان هذه لو عرف أحد قيمتها وعرف مدى تقدمها وعرف ما قدمته للإسلام والمسلمين، لجعلوها ربما الدولة رقم واحد. لماذا؟ ﻷن فيها من بدأت على يده الحضارة.
هؤلاء الناس هم الذين منهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولذلك تجد العمانيين حتى الآن بالسليقة شعراء يقولون الشعر بسهولة.
عُمان نموذج لتحويل المطلق إلى برامج عملية وزيارة الشيخ لها وموقفهم من المرأة
وأنتم [أيها العمانيون] عرفتم هذه الأوزان [الشعرية] من أين؟ وكشأن العرب الأوائل، هذه اللغة جعلتهم يحسنون تحويل المطلق إلى برامج.
ولذلك أنا أول مرةً زرتُ عمَّان منذ سنواتٍ عديدة، يعني من حوالي عشرين سنة. أو واحد وعشرين سنة الآن. فوجئتُ بموقفهم من المرأة. أنت تسألني عن الخيرية وأن المرأة عندهم في المكانة العليا، لها مكانتها، وأن المرأة عندهم حجابها حجابٌ مثالي، لا يوجد غطاء للوجه ولا تبرج ولا غير ذلك إلى آخره.
كانوا يعيشون بمناهج وبرامج ربانية إسلامية على أحسن ما يكون.
المهلب بن أبي صفرة المؤسس الذي قاوم الخوارج وفضله على كل مسلم
كل هذا جرنا إليه المهلب بن أبي صفرة، هذا المؤسس الذي قاوم الخوارج وقاوم هذا البلاء وقضى عليهم. كان قد ولد في [قرية] أدم، وأدم هذه موجودة إلى الآن، القرية التي ولد فيها.
ولكن الأهم من ذلك أن المهلب البطل هذا الذي ملأ التاريخ وله في عنق كل مسلم منا في العالم له الفضل في أنه قضى على الخوارج. هذا المهلب هو أصل عائلة السلطان قابوس، وجده مباشرة، فهو من نسله.
فهؤلاء الناس يا مولانا يجب علينا أن نقدم لهم الشكر التاريخي والعرفان، الشكر والعرفان لعُمان ولأهل عُمان، خاصة أنهم بنوا نماذج من تحويل المطلق إلى النسبي.
الخيرية ما زالت موجودة وعُمان نموذج حي ومن يكره عُمان فهو من الخوارج
هذه هي نماذج رائعة فائقة. والذي أريد أن أقوله لك إن الخيرية ما زالت موجودة وإلى يوم الناس هذا.
ولذلك أي شخص تجده من النابتة ومن كذا إلى آخره تجده يكره عُمان، والذي تجده من المحبين محبي الله ورسوله وكذا إلى آخره يحب عُمان. الذي يتكلم بسوء عن عُمان فهو من الخوارج مباشرة.
ولذلك هذا الكلام لن يعجب الخوارج، لكن هذا هو الواقع أن هذه البلاد بلاد مباركة، بارك الله سبحانه وتعالى فيها وفي أهلها وجعلها متمكنة من أداة الفهم وهي اللغة العربية وجعلها متمكنة من البطولة.
المهلب بن أبي صفرة جد أهل عُمان وضرورة توضيح الحقائق التاريخية
وأنا قلت قبل ذلك أن هناك أناسًا يسعون للخراب في قطر، أولاد قطري بن الفجاءة أو كذا إلى آخره. المهلب بن أبي صفرة هو كان جد هؤلاء الناس، لكي تتضح الحقائق؛ لأننا في ورطة كبيرة من عدم وضوح هذه الحقائق.
[المذيع]: المهلب بن أبي صفرة هو الذي حارب الخوارج من عُمان، من هذه البلدة الطيبة أهلها.
[الشيخ]: عُمان قد تحملت كثيرًا من هذا. ولذلك تجد أن بعض الناس الذين نعرفهم [الخوارج] لا يعجبهم هذا الأمر، لكنهم [العمانيون] بهدوء وسعة وراحة يقومون بعمل جليل.
عُمان تقوم بعمل جليل للإنسانية بهدوء ونموذجها حجة على الخيرية الباقية
ومن غير ضجيج يقومون بعمل جليل ليس للمسلمين فقط، بل للإنسانية كلها. فهمٌ واعٍ وخطوات محسوبة، وفي نفس الوقت إلى الأمام.
ولذلك أنا حرصت منذ بداية البرنامج -ولكن لم يكن نموذج عُمان في ذهني- لأنفي قضية أن "الخيرية انتهت". لا، لم تنتهِ، فهذه دولة مثل عُمان وما حدث فيها في الخمسين أو الستين سنة الأخيرة هو في الحقيقة نموذج للخيرية.
انظر كم هي الثقافة والوعي والكتب التي نُشرت وهذه الأمور كلها. فأنا لا أريد أن أستفيض في هذا؛ لأن الجزاء عند الله.
[المذيع]: ومثال يتضح به المقال يا مولانا حقيقةً، حينما تعرض مثال كعُمان من هذا البلد الطيب أهله، حقيقةً.
النموذج الباقي يجعل الخيرية حجة علينا والتمسك بالدين مع التقدم في نفس الزمن
[الشيخ]: طبعًا، ﻷنه نموذج باقٍ، والنموذج الباقي هذا يجعل الخيرية حجة علينا. فيقول لك [الله ] هذا [النموذج الخيري] كان هنا، فماذا تفعل أنت؟
لكن من يقول لك: الأمر يعود إلى أننا في زمن معين! أو نحن لسنا في زمن مناسب!
ها هو نفس الزمن، [عُمان] تعيش في نفس الزمن وفي نفس الوقت، ومع ذلك لديهم تمسك بدينهم، واعتزاز بهويتهم، ولديهم علم، ولديهم تقدم، إلى آخره.
فعندما نأتي ونريد مثالًا، فالأمثلة كثيرة والحمد لله، والخير موجود في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون منهم.
الخير كامن في الأمة ودعوة للعودة إلى الشروط وعدم اليأس
ولكن هناك أيضًا -نحن نقول ما علينا وما لنا- طائفة من أمة محمد تركت الشروط، فنقول لهم: الخير كامن فيكم، هيا بنا نرجع مرة أخرى، لا تيأسوا.
[المذيع]: إن الخير فيّ وفي أمتي حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذا عنوان مهم لا بد وأن يكون ديدن لكل مسلم.
[الشيخ]: هو عنوان ولكنه ليس حديثًا، عنوان نحن صنعناه. إن الخير في أمة محمد، من أين أتينا به؟
قال رسول الله ﷺ: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِ، لا يضرُّهم من خالفَهم، ولا من خذلَهم، حتى تقومَ الساعةُ»
ها هي أمثلة، نحن هنا من غير تكلف ظهر لنا مثال، وستظهر لنا أمثلة أخرى فهناك أمثلة قوية جدًا أخرى على مستويات معينة.
أمثلة على تحول نظام الحسبة إلى أدوات معاصرة وأهمية النية في العمل
لقد ضربت مثالًا بالرقابة الإدارية وما تفعله، وضربت مثال بالأجهزة وما تفعله، بالحسبة التي تحولت إلى شرطة المرور، هذه حسبة. مفتش التمويل هذه حسبة. يعني نظام الحسبة في الإسلام تطور وأصبح بأدوات معاصرة. فهيا إذن ونحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
[المذيع]: ماذا نفعل؟ ماذا نضع ونحن نقرأ المنهج؟
[الشيخ]: نضع أمامنا ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، النية. نجعل هذا كله، وهذا شيء سهل جدًا: كأن يكون رجل الرقابة الإدارية ينوي أن ما يفعله إنما هو لله، ليس للمجد، ليس للشهرة، ليس حتى للمصالح، إنما هو يفعل هذا رغبةً في الله ورجاءً في وجهه واعتمادًا عليه.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
اجعل قلبك مع الله في كل حركاتك وسكناتك وتحويل العادات إلى عبادات
أنا لا أقول كلام فارغ، بل أقول له: ليكن قلبك ضارعا لله، وابقَ كما أنت وأنت تعمل في مسارك وفي طريقك وفي مكانك، كيف ما كنتَ تفعل، لا يوجد أي شيء [زائد] عليك من الناحية الفنية، ولكن القلب اجعله مع الله.
[المذيع]: كلنا يا مولانا في كل مكان نعمل فيه؟
[الشيخ]: في كل موضع، كل وفي كل شيء حتى شربة الماء. يجب أن تجعل قلبك مع الله. عندما تأتي إلى هذا البرنامج إجعله مع لله، وعندما تغيب اجعله لله. مجيئك لله وغيابك لله. ببساطة، اجعل حركاتك وسكناتك وقلبك متعلقًا بالله.
هذه القلوب المتضرعة لها الفائدة وعليها العائدة في الدنيا والآخرة.
[المذيع]: أي أن تتحول عاداتنا إلى عبادات بهذه الكيفية.
[الشيخ]: نعم.
مداخلات المشاهدين حول سؤال ضياع خيرية الأمة الإسلامية
[المذيع]: اسمح لي مولانا، أقرأ بعض مداخلات السادة المشاهدين حول سؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما رأيك فيمن يقول بضياع خيرية الأمة الإسلامية؟
الأستاذ ماجدي زهران يقول: خيرية الأمة الإسلامية باقية ودائمة ليوم الدين، والدليل وجود فضيلة الدكتور علي جمعة وغيره من كبار العلماء معنا وبين أيدينا، وقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
الأستاذة إسراء تقول: لا أوافق، فكيف يكون الضياع وسيدنا النبي فينا ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾؟!
أستاذ محمد يقول: لا أوافقه، وأقول لهم: ما زال وإلى يوم القيامة يوجد في أمة سيدنا محمد أناس فيهم الخير لأنفسهم أو لغيرهم.
ما ينقصنا هو القلوب الضارعة والتوكل على الله والتسليم والرضا
[الشيخ]: الناس فاهمة، والله هذا كلام فاهمين، فالحمد لله رب العالمين.
[المذيع]: ينقصنا أن نقرأ هذا المنهج، وأن نفهم، وأن نعرف كيف نحوله إلى واقع عملي.
[الشيخ]: تنقصنا القلوب الضارعة. فهيا بنا نبدأ فكرة القلوب الضارعة، وكما أنت في حركاتك وسكناتك وفعلك واجعلها لله. اجعل قلبك متعلقًا بالله، توكل على الله، ارمِ اعتمادك على الله، ارضَ بما قسم الله لك، وسلِّم أمرك له.
فالتسليم والرضا والتوكل والاعتماد والتعلق هو حقيقة الذكر، الذكر ليس باللسان فقط، بل الذكر باعتماد القلب على الله، بتعلقه به. تكون أنت راغبًا فيما عند الله دنيا وآخرة.
القلوب الضارعة مفتاح التأييد الإلهي والخيرية الفاعلة للأمة
هذه الدنيا هثلاث دقائق على الأكثر، إذا عشت مائة سنة، لكن الآخرة لهي الحيوان.
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
فنحن أمامنا هذه القلوب الضارعة مهمة جدًا، ونرى ونفتش ونعمل ونقرأ على الإنترنت ونقرأ القلوب الضارعة ونبحث. ما هي القلوب الضارعة؟
بالذكر نذكر، بالعبادة نعبد، بالتوكل، بالتأمل، بالأمر. المهم أن تكون القلوب ضارعة لرب العالمين.
ربنا يحبك إذا توجهت إليه، فإذا أحبها أيدنا وكنا مؤيدين، وحينئذ سنكون خير أمة أُخرجت للناس.
قرع باب الذكر بالافتقار والرضا بإرادة الله دون انتظار الجواب
[المذيع]: سيدي أبو الحسن يقول: اقرع باب الذكر باللغة والافتقار، يعني هل هذا من ضمن المعاني أن أقرع باب الذكر؟
[الشيخ]: جزء من الضراعة أن تقرع الباب وألا تنتظر الجواب، أقرع الباب ولا أنتظر الجواب. إذا فُتح الباب فالحمد لله، وإن لم يُفتح، أواصل قرع الباب ولا أنتظر الجواب. أي لا تيأس، وارضَ؛ لأنه قد يختبرك ويبتليك باعتبار أنه رب العالمين ويريد تحرير نيتك أمام نفسك.
فأنت عندما تقرع الباب ليس من أجل الجواب، فتبقى هذه مصحوبة بهذه، ولكن لا، اعملها لله واتركها، اعملها لله واتركها، اعملها لله واتركها.
فيكرمك ربنا حتى لو لم يُفتح الباب أو تأخر، لا يضرني شيء. تأخر قليلًا؟ فليتأخر، وما شأني؟ هي إرادة الله، وأنا راضٍ أيضًا، ليعطينا ما يريد لا ما نريد نحن.
خاتمة البرنامج والدعاء والسلام على مولانا الإمام الدكتور علي جمعة
[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. رضي الله عنكم وشكر الله لكم دائمًا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا بكم.
[المذيع]: في رعاية الله وأمنه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، إلى اللقاء.
