والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح أحكام قراءة القرآن الكريم.. وحكم من يهجره | الحلقة الكاملة

المذيع حسن الشاذلي: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان يحب أن يستمع إلى القرآن الكريم من غيره، هو الذي قال حديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، صلوا عليه وسلموا تسليماً. أهلاً بكم، والله أعلم، لنسعد دائماً بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الدكتور علي جمعة. عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنستمتع أكثر وأكثر ونحن نقرأ آيات الله البينات ونتعرف على أحكام التلاوة. ما هي أحكام التلاوة؟ كيف نُجَوّد القرآن الكريم؟ ما هو الخطأ الخفي والخطأ الجلي واللحن في القرآن الكريم؟
مولانا الإمام، أهلاً بفضيلتك، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، مرحباً. المذيع: اسمح لي قبل أن أدخل في أحكام تلاوة لدينا بعض التساؤلات المتبقية من حلقة الأمس حول حكم الحلف بالمصحف، ومعنى أني حلفت بالمصحف أي أني حلفت بالقرآن الكريم، وهل يلزم ذلك كفارة. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. منصوص الأئمة أن الحلف على المصحف وبالكعبة ونحو ذلك لا ينعقد به يمين ولا يوجب بذلك كفارة، فالمصحف مع عظم شأنه ليس محلاً لأن يُقسم به القسم. أما أن يكون القسم بالله سبحانه وتعالى، وإما بما ألحق بذلك من حضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن الإمام أحمد (أحمد بن حنبل) يقول أن الحلف ينعقد بالنبي، يقول لو قال والنبي لأفعلنَّ كذا أو سأفعل كذا أصبح واجباً عليه ووجبت عليه الكفارة لأنه أحد
ركني الشهادتين، وهذا قول من القولين. أما عند الشافعية وجمهور الفقهاء فإن الحلف بغير الله مكروه ولا ينعقد به اليمين، كالحلف بالكعبة والحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم والحلف بالمصحف ونحو ذلك. المذيع: حسناً، هل يلزم على المرأة أو الرجل أيضاً في البيت أو حينما يقرأ القرآن أن يلتزم بزي معين، الحجاب للمرأة، وأن يكون الرجل في هيئة تناسب قراءة القرآن الكريم؟ الشيخ: هناك ما هو جائز وهناك ما هو حال الكمال. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال وكان إلا أن يكون جنباً فلا بد أن يغتسل حتى يقرأ القرآن، لكنه يقرأه وهو يسير، يقرأ وهو جالس، يقرأ وهو في الصلاة أو في خارج الصلاة إلى آخره. لكنه كان يذكر الله على كل حال، أيضاً
قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. وهكذا، إذن فالإنسان في حالة الجواز يقرأ القرآن على كل حال سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ، سواء كان مستقبلاً للقبلة، سواء كان لابساً أو غير لابس، إلى آخره من رجل أو امرأة كان ذلك، هذه القراءة داخل الصلاة أو خارج الصلاة فكلها سيان، ولكن هناك كمال، فالكمال أن نستقبل القبلة، والكمال أن نقرأ بالتجويد، والكمال أن نكون على هيئة طيبة. في الملابس خذوا زينتكم أي زينتكم عند كل مسجد، والقرآن فيه مساجد، ومساجد القرآن سجداته، وسجداته عندنا في الشافعية أربعة عشر سجدة، وعندها اسجد. فينبغي أن أكون حينئذ متوضئاً
ومستقبلاً القبلة وساتراً للعورة، وكل ذلك الذي اشترطناه في الطواف وفي الصلاة أيضاً يكون كمالاً في حالة القراءة. المذيع: مولانا اسمح لي. ان نذهب إلى آفاق أرحب وأجمل، ونقرأ القرآن الكريم، أحكام تلاوة القرآن الكريم، وماذا يعني أن نقرأ ونُجَوِّدَ القرآن الكريم. الشيخ: كان سيدنا ابن مسعود يقول وورد عنه: "جَوِّدوا القرآن واقرأوه بأحسن الأصوات". سيدنا ابن مسعود كان حسن القراءة، وكان محافظًا على الأحكام، وكان حسن الصوت أيضًا خاصة في طريقة تلاوته. لأن قراءة القرآن يُضاف إلى حُسن الصوت طريقة الأداء، فطريقة الأداء مسألة أخرى، التي يسمونها في العربية النبر، ويسمونها في الإنجليزية "Stress"، أي أنك تضغط على أي جزء في الكلمة وتضغط على أي
في الجملة. فأداؤك عندما تقرأ، وعندما تستمع إلى الشيخ المنشاوي، تفهم القرآن كأنك لست بحاجة إلى تفسير نفس طريقة الأداء فهناك عتاب وهناك سؤال وهناك إقرار وهناك فخر وهناك حث وهناك وعد وهناك وعيد وهكذا، فإذ بالقارئ يتفنن في هذا الأداء. هذه مسألة غير حسن الصوت. كان أحد القراء الكبار ومن علماء القراءة في القرون الأولى، في الأربعة قرون الأولى، كان اسمه ابن الخباز وابن الخباز هذا أسلم على يديه أكثر من سبعين ألف من قراءته ولم يكن حسن الصوت. كان سيدنا الشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف (شيخ عموم المقارئ المصرية السابق) رضي
الله عنه عندما تستمع إلى قراءته تخشع وتبكي، فيأتي شخص آخر بعده في التراويح حسن الصوت، المذيع: صوته أجمل من صوت الشيخ عبد الحكيم. الشيخ: كثيراً جداً. ولكنه غير مؤثر، فلا تحس بأى شئ وأنت تستمع له. وكان الشيخ عبد الحكيم طبعًا قمة في الأداء وفي الالتزام بإقامة التجويد. فكلمة التجويد موجودة منذ زمن بعيد من عهد الصحابة وهذه الأحكام الموروثة موجودة منذ زمن ولكن لم يتم التأليف فيها إلا في حدود القرن الثالث كما يشير إلى ذلك ابن الجزري (عالم في التجويد وعلوم القرآن والقراءات وهو شيخ القرّاء) بأنه من أوائل من صنف فيها أو أول من صنف فيها الخاقاني وألف فيها رائية مشهورة معروفة في نيف وخمسين بيتاً، كثير منها صار بعد ذلك هو علم التجويد الذي نُقل
بهذه الطريقة، لكنهم لم يبتدعوه هم تلقوه ولكن عند التلقي بدؤوا. في عملية تحليل للحرف في حقه ومستحقه في مخرجه وفي صفاته، ثم سموا كل هذه الصفات وكذلك إلى آخره ورتبوها، ثم أوجدوا أحكاماً للنون الساكنة وللميم الساكنة واللام وللراء وإلى آخره، وتكونت هذه العلوم حول خدمة القرآن الكريم، لكنها في الحقيقة أنها موروثة من لدن العرب، هذا التجويد أو الذي نسميه الآن الترتيل ما أُخِذَ من قوله تعالى "ورتل القرآن ترتيلا" هو خاص بالقرآن. وقيل إن السيد أحمد زكي كان يقول إنه بالسنة أيضاً، لكن المشهور أنه خاص بالقرآن، يعني لا نتلو ما هو خارج القرآن. سيدنا الشيخ عبد العزيز الزيات (عالم مقرئ مصري وإمام في القراءات) كان يرى أننا نلتزم
بهذه القواعد حتى ونحن نقرأ الفقه كنت أقرأ عليه المغني المذيع: بهذا الشكل وبهذا الأداء، الشيخ: فأقول باب الصلاة، فيقول لي: لا، الصلاة لأجل الذي يراقب، المذيع: أي لكي يعطي الحرف حقه المستحق دون تعسف، الشيخ: ولكن في غير القرآن المذيع: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا لنتعرف أكثر وأكثر على أحكام قراءة القرآن الكريم. ابقوا معنا، أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام. نتابع معكم لنفهم أكثر كيف نتلو القرآن الكريم، ويتسع لنا الوقت لنعرف أكثر وأكثر. وماذا يعني ألا نتعسف ونحن نقرأ القرآن ونحن ننطق بالحرف؟ وبداية الأحكام هي كيف ينطق القارئ بالحرف. الشيخ: يقول ابن الجزري: "وليس بينه وبين دركه إلا رياضة"امروء بفكه.
كان الناس في الماضي يجعلوننا نقرب شفاهنا هكذا من أذننا ويقولون لك على هيئة الابتسامة، وكانوا يجعلوننا نمد شفاهنا هكذا إلى الأمام على هيئة القبلة، فنظل يعني هكذا حتى تعتاد العضلات هنا أن تظهر وتختفي وتظهر وتتشكل وهكذا، لأنك إذا أردت أن تنطق حرفاً فيه رقة يكون لا بد أنك تُرجع شفتيك هذه جانب أذنيك مبتسماً، لكن الذي فيه تفخيم تخرج شفتيك للأمام أحياناً. الألف المرققة والهمزة مرققة، لكن الراء بعدها مفخمة، فيجب أن تقول "الأرض" وليس الأرض
لأنك بذلك ستجعل الهمزة مفخمة. ولا تقل "الأرض" لأنك بذلك ستجعل الراء مرققة، والأمر يُؤخذ بالجوار، أي أن المجاورة. تؤثر قليلاً من جاور السعيد، يسعد لكن هنا لا نريده أن يسعد، بل نريد أن نعطي كل حرف حقه ومستحقه إلى هذه الدرجة العليا من التوثيق ومن الآداء ومن الموسيقي ومن النظم ومن الالتزام. نقل المسلمون القرآن علوماً، كثيرة جداً وضعت تتعلق بعضها بعلم الأصوات وبعضها بعلم اللغة وبعضها بعلم التشريح كذلك دخل في المسألة لكي نعرف كم عدد حروف الحلق، فقال لك: الهمزة فالهاء ثم العين والحاء المهملتان ثم الغين
والخاء. هؤلاء هم الستة الذين يخرجون من الحلق. أما التي تخرج من وسط اللسان فهي مجموعة فى كلمة (جيش) الجيم والياء والشين. حسناً، والجيم هذه ما تحليلها؟ فيقول إنك تنطقها يجب أن تقول "اج" لكي تعرف كيف تنطق حرف الجيم، وهو ألف ساكنة قبله، والجيم مركبة كأنها بين الدال والشين. الأجهزة الحديثة أثبتت هذه الحقيقة وعرفت أن الجيم مركبة بين الدال والشين. الجهاز العصبي الذي خلقه الله للإنسان جعل بعض أهل الصعيد، وهم أهل اللغة، ينطقون الجيم دالاً لأن الدال مكونها، وحيث أن هناك تقارب بين مخرج الجيم والياء ففي الإمارات مثلاً وفي بعض دول الخليج، فكثيراً ما يحولون
الجيم إلى ياء، فيقولون لك "الريال" بدلاً من "الرجال". والمقصود بالرجال هنا هو الرجل، أما "الريال" فما الذي جعل الجيم هنا تتحول إلى ياء؟ هل لها أصل؟ يعني "رجائي لك" يقولونها "ريايي لك"، فلها أصل ما هي حقيقة الأمر؟ اكتشفت الأذن أن الجيم بجانب الدال، واكتشفت الأذن أن الدال والجيم بجانب الياء، واكتشفت الأذن أن الجيم مكونة من الدال والشين. كل هذه الأمور تبحر فيها المسلمون كثيراً وسجلوها. هناك فرق بين اشتغال المسلمون بها وهذا من لدن النبي، وهناك فرق بين تدوينهم وتأصيلهم. علوم ولذلك أخذنا نولد علوماً يا أستاذ حتى القرن السادس الهجري، المذيع: عصر التدوين يا مولانا. الشيخ: إنه عصر التدوين، أخذنا ندون علوماً لا بل نولد علوماً، يعني
نخترع علوماً للخدمة. المذيع: هذا غير مسبوق يا مولانا أبداً. الشيخ: لا، ليس هناك شيء كهذا. يعني ليس هناك شيء كهذا في تاريخ بناء الحضارات، لكن في الآن أمورٌ مثل هذه في المذيع: فى اللسانيات مثلا يا مولانا، الشيخ: لا، مثلاً الطب حينما ينفصل ثم يصبح ثلاثين أو أربعين قسماً، ثم يصبح مائة قسم وهكذا، فهذا توليدٌ للعلوم، هذا توليد للعلوم. المذيع: حسناً، مولانا الإمام، أي فكرة الخطأ الخفي والخطأ الجلي في القرآن الكريم، وما معنى أن تلحن أو لا تلحن وأنت تقرأ. في القرآن الكريم، الشيخ: قسّم النبي عليه الصلاة والسلام الناس وقال حديث: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ وهو يتتعتع فيه" - أى يبذل فيه مجهوده لكي يضبطه وليس قادرًا - "والذي يقرأ وهو يتتعتع فيه له أجران". إذن إذا أتيح لنا أن
نقرأ ويكون عندنا جرأة للقراءة وبعد ذلك الإتقان سيأتي لاحقاً. الذي نعنيه باللحن الجلي هو الخطأ في اللغة، مثل رفع المفعول، وجر الفاعل، رفعت ما بعد حرف الجر. هذه الأمور تعد جريمة. مثل أن تقول الحمدُ للهُ، نعم، هذه جريمة، إنها جريمة لأنك من المفترض أن تقولها مكسورة "للهِ"، لأن كل شخص يعرف الكسرة ويعرف الفتحة وهكذا، فهذا ما يسمونه. اللحن الجلي الذي يكون فيه خطأ في النحو وهكذا أو خطأ في الكلمة صحيح، الحمد لله، قرأها الجنة لا ريب فيه، قرأها لا زيت فيه، هذا يكون خطأً جلياً. أما اللحن الخفي فهو المتعلق بالمستحق الحق والمستحق الذي هو الصفات والمخارج والذي يتعلق بقواعد التجويد التي
لا يتقنها إلا المتخصصون فالصنايعي المتخصص، لو أنه لم يجوّد القرآن، فهنا نقف ونقول له: لا، أنت مخطئ. لكن الذي ليس متخصصاً في هذا، يقرأ القرآن بقدر إمكانه ويتدبره ويتعبد به. المذيع: مولانا الإمام، ماذا عمن لا يعرف هذه الأحكام من غير المتخصصين؟ الشيخ: نعم، المذيع: يعني ما حكمه؟ لا شيء، حكمه حسن، سينال أجرين. المذيع: ليس أجر واحد، الشيخ: لا، ليس أجر واحد، سيأخذ أجرين لأنه الذي يقرأ وهو يتعتع فيه فيه له أجران. إنه واضح إذن أن له أجرين. المذيع: حسناً، مولانا، هجر القرآن، ماذا يعني أن الإنسان أو المسلم يهجر القرآن الكريم؟ الشيخ: الإمام أبو حنيفة كان يقول: تقرأه مرتين في السنة وتكون بذلك لم تهجره. هل أنت معي؟ فهذا أحد الأقوال اللطيفة التي تجعلك تقرأ
القرآن في ستة أشهر، وقال إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض القرآن في رمضان مرتين، وآخر عرضة كانت عرضتين، أي أنه في السنة يعرضه مرتين. فعندما يكون لديك أنك تختم القرآن مرتين في السنة، تكون لم تهجره. الثاني قال: لا، أنا يعني النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر أنه لا يتركه فوق الأربعين، أي أنه لا يمر عليك أربعون يوماً إلا وأنت قرأت القرآن. لكن إذا مكثت أربعين يوماً لا تقرأ فيهم القرآن إطلاقاً، فهذا وضع غير جيد. والثالث: قال أخرج البيهقي حديث: "من قرأ القرآن خمسة خمسة لم ينسه فيكون خمس آيات في كل ركعة، إذاً هذا يعني أنه لم يهجره ولم ينقطع عن المذيع: أى أن المواظبة على خمسة، لم ينسَ، الشيخ: لم ينسَ، فخمسة خمسة. هذا يعني أننا نقرأ عشر
ركعات في اليوم، سبع عشرة ركعة نعم، لكن التي نقرأ فيها زيادة عن الفاتحة عشرة، فعشرة في خمسة يساوي خمسين آية فى اليوم يكون إذاً هذا حد الآية الاتصال مع القرآن الكريم أنه سيقرأ خمسين آية في اليوم والآخر قال لا هذه خمس آيات في اليوم وليست خمس آيات في الركعة، خمس آيات في اليوم يعني أنه سيقرأ مقدار هذا كله، هذا معناه أنه يعني دع لك شيئاً يا أخي بينك وبين القرآن اجعلها صفحة في اليوم المذيع: أى ورداً مثلاً فى اليوم، الشيخ: اجعله ورداً، نعم، حصة يسمونها الحصة. وكان كثير من مشايخنا لا ينام إلا بعدما يقرأ سورة تبارك، لا ينام إلا بعدما يقرأ سورة الواقعة، لا ينام إلا بعدما يقرأ سورة يس. المهم أن يقرأ، شيئاً، ويحفظ شيئاً، ويواجه ربنا بشيء. المذيع: ما أجمل أن نحفظ ونعي وندرك ما في قرآننا العظيم، مولانا الإمام الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، بالأزهر الشريف رضي الله عنكم، ودائماً نلتقي على هذا
الخير. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم مرحباً، المذيع: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.