والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح المحكم والمتشابه في القرآن الكريم | الحلقة الكاملة
- •المحكم في اللغة من الحُكم الذي يعني الإتمام والإتقان، ومنه سمي القضاء حُكماً لأنه يتم فصل الخصومة.
- •الحكمة تعني وضع الشيء المناسب في مكانه المناسب في الوقت المناسب للهدف المناسب.
- •القرآن كله محكم من حيث الإتقان والكمال، كما قال الله: "كتاب أحكمت آياته".
- •القرآن أيضاً كله متشابه مع الكتب السماوية السابقة لأنها خرجت من مشكاة واحدة.
- •قوله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" يشير إلى أن المحكمات هي أصل الكتاب.
- •المتشابه في القرآن يمثل القدر المشترك مع الكتب السابقة، مما يسهل الحوار والتواصل مع أهل الكتاب.
- •فائدة المتشابه إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم والتعايش بين الناس.
- •الراسخون في العلم يدركون وحدة مصدر الوحي، فيقولون: "آمنا به كل من عند ربنا".
- •الوقف والابتداء في القرآن مبني على التفسير وليس توقيفياً.
- •القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، فهو دائماً متجدد.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن المحكم والمتشابه
[المذيع]: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. أَهْلًا بِكُمْ فِي "وَاللهُ أَعْلَمُ"، لِنَسْعَدَ دَائِمًا بِصُحْبَةِ صَاحِبِ الفَضِيلَةِ مَوْلَانَا الإِمَامِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ عَلِي جُمْعَةَ عُضْوِ هَيْئَةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ بِالأَزْهَرِ الشَّرِيفِ. مَوْلَانَا الإِمَامُ، أَهْلًا بِفَضِيلَتِكُمْ.
[الشيخ]: أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ.
[المذيع]: اسْمَحْ لَنَا وَنَحْنُ نَسْأَلُ أَسْئِلَةً كَثِيرَةً حَوْلَ القُرْآنِ الكريم، لنفهم ونعي ونسعى بعد ذلك، الوعي قبل السعي كما تعلمنا من فضيلتكم. المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ماذا نعني بالمحكم؟
معنى كلمة حَكَمَ في لغة العرب وعلاقتها بالقضاء والإتمام
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
حَكَمَ أي قضى في لغة العرب، وقضى هذه معناها أنه قد أتمَّ. ومنه القضاء؛ لأنه أتمَّ رفع الخصومة بين المتقاضيين، فسمَّوا القضاء بالحكم؛ لأن ما صدر من حضرة القاضي أتمَّ الأمر.
فلم يعد هناك نزاع بعد أن كان هناك نزاع، تمَّ الأمر. فقبل القضاء كانت هناك حيرة: من صاحب الحق؟ من الذي له ومن الذي عليه؟ وبعد القضاء أُحكِم الأمر، أي أُتقِن. أحكم الأمر يعني تمَّ، فحَكَمَ يعني تمَّ وفَصَلَ، يترتب عليها الفصل ويترتب عليها القضاء ويترتب عليها كل هذا.
معنى الحكمة في اللغة وعلاقتها بوضع الأشياء في أماكنها المناسبة
ومن هذا التمام تأتي كلمة الحكمة.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾[ البقرة: 269]
أيضًا من (ح ك م). يؤتي الحكمة، ماذا تعني؟ الحكمة تعني شيئًا تامًا مضبوطًا جدًا. الحكمة هي الشيء المناسب في مكانه المناسب، للشخص المناسب، في الوقت المناسب، للهدف المناسب. هذا هو الحكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 269]
القادر على أن يضع الأشياء في أماكنها، في أشخاصها، في أزمانها، لا يتقدم ولا يتأخر، ولذلك تؤتي ثمارها تمامًا.
معنى إحكام آيات القرآن الكريم وبلوغها درجة الكمال والتمام
فعندما يأتي [القرآن] ويصف الكتاب بهذا:
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [هود: 1]
يعني أن آياته وصلت إلى الدرجة العليا، يعني كل آية حصلت على المائة في المائة في الدرجة.
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
مكارم الأخلاق كانت موجودة عند حاتم [الطائي]؛ وموجودة عند عبد الله بن جدعان؛ في الجاهلية، وكان لديهم شهامة وشجاعة وإقدام وكل شيء، لكن هذا [النبي ﷺ] جاء ليكمل هذا إلى درجة مائة في المائة.
استعمالات كلمة حَكَمَ في القضاء والحكمة والملك والتصرف التام
فحَكَمَ فيها هذا المعنى، معنى التمام. ومن هنا استُعملت في القضاء، استُعملت في الفصل بين المتخاصمين، استُعملت في الحكمة، استُعملت في آيات الله، استُعملت في أشياء كثيرة.
فالملك هو التصرف التام. ما معنى أنك تمتلك شيئًا؟ أن تمتلكه يكون لك التصرف التام فيه. ما معنى التصرف التام؟ يعني أن تبيعه، أو تهبه، أو تستهلكه، أو تحتفظ به. الملك يبقى ملكًا.
ماذا يقول العوام؟
من حَكَم في ماله ما ظلم.
أي كلمة التصرف التام. كلمة التام هذه حوّلوها [العلماء] إلى كلمة حَكَمَ.
اللذة اللغوية في استعمال كلمة حَكَمَ والحكمة البليغة وراء اللغة العربية
هذه اللذة اللغوية أو المتعة اللغوية والمردود اللغوي في نفوس الناس عند استعمالاتهم، انتبه إليه؛ لأن وراءه حكمة بليغة، وراءه عمق، وراءه فهم تام.
انظر، أنا أقول حكمة بليغة لماذا؟ لأن وراءه فهمًا تامًا لمقتضيات اللغة.
فعندما يأتي [القرآن] ويقول مثلًا:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]
فتكون محكمات هكذا معناها وصلت إلى الغاية والتمام في تشريعاتها وفي أهدافها وفي تطبيقها وفي كل شيء.
تعريف الحكم الشرعي بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين
الحكم عندما نأتي لنقول الحكم الشرعي، الحكم الشرعي يعني ماذا؟ خطاب الله. قلنا له: حسنًا، وما معنى خطاب الله؟ يعني توجيه الكلام. فالله يوجه الكلام إلى البشر، فتوجيه الكلام إلى البشر هذا هو الحكم إذا تعلق بأفعال المكلفين بـ"افعل" أو "لا تفعل".
مثل: صلِّ، ولا تسرق، زكِّ، ولا تسرق. هذه أفعال المكلفين. إذن، فالحكم الشرعي هو خطاب الله.
الحكم: ماذا يعني؟ يعني التمام، يعني الجمل التامة التي أمرت ونهت. هذا هو معنى حَكَمَ في اللغة، ومنها نستطيع أن نتفهم هذه الكلمات كلها في كتاب الله.
سؤال المذيع عن الآيات المتشابهة وهل القرآن قسمان محكم ومتشابه
[المذيع]: مولانا الإمام، الآيات المتشابهات وأُخَر متشابهات في هذا السياق، والقرآن جملة واحدة كما أفهمتموني كثيرًا، وكما تعلمت من فضيلتكم، فهل الجملة الواحدة تعني أن هناك محكمًا وأن هناك متشابهًا؟
[الشيخ]: بعضهم ذهب إلى هذا المعنى، إلى أن النص يقول "منه"، يعني بعضه.
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: ٧]
ولم ينتبه إلى "هن أم الكتاب" هذه.
"منه آيات محكمات وأُخَر متشابهات"، لو كان قال ذلك لكان هناك نوعين، لكنه لم يقل ذلك، بل قال: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ.
تحليل إعراب آية آل عمران وبيان أن البعضية متعلقة بأم الكتاب لا بمحكمات
"هن أم الكتاب" منه، البعضية هنا "هن أم الكتاب" متعلقة بـ"منه" وليست متعلقة بـ"محكمات".
يعني هي من هذا البعض، يعني الكتاب قسمان: القسم الأول هو أم الكتاب، والقسم الثاني هو المحكم المشابه لغيره. فيكون القسم الأول اسمه المحكم الذي هو أم الكتاب.
[المذيع]: وماذا عن القسم القسم الثاني؟
[الشيخ]: المحكم أيضا؛ لأن المحكم قسمان. هذه المسألة مرت على بعضهم وموجودة في الكتب. المحكم الذي هو أم الكتاب في مقابل ماذا؟ ما هو القسم الثاني؟ المحكم الذي هو متشابه.
القرآن كله محكم لأنه بلغ الغاية والتمام وكله متشابه مع الكتب السابقة
الذي يجعلنا نقول ذلك [أنه محكم ومتشابه] أن القرآن يقول:
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]
أُحكمت آياته يعني أنها كلها محكمة خلاص.
﴿كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا﴾ [الزمر: 23]
كله متشابه. إذن كل القرآن محكم؛ لأنه بلغ الغاية والتمام في مراده: عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا وقصصًا وذكرًا إلى آخره.
وأيضًا هو متشابه، ماذا يعني متشابه؟ يعني:
﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]
يعني الذي نزل عليك من القرآن والذي نزل على موسى خرج من مشكاة واحدة. أنت لست بدعًا من الرسل، وإنك أنت لست مخالفًا لموسى وعيسى وإبراهيم ونوح وآدم وما إلى ذلك أبدًا، بل أنت في هذا السياق وفي هذا الصف من الرسل الكرام.
شهادة ورقة بن نوفل والنجاشي على تشابه القرآن مع الكتب السابقة
لست بدعًا من الرسل، هي أن كله متشابه. بماذا إذن؟ متشابه لما كان قبله.
ورقة بن نوفل كان عندما يسمع التوراة ويسمع القرآن يقول: هذان الاثنان خرجا من معينٍ واحد. وعندما يسمع الإنجيل ويسمع القرآن يقول: إن هذا جاء من الله، وليس بينه وبين ما نُزِّل على عيسى سوى هذا الخط، أي بينهما الزمن فقط.
فالنجاشي يقول هكذا، وورقة [بن نوفل] يقول هكذا، وكل أحد يسمع القرآن يرى أنه كما يقول بعضهم: هذا العهد القديم، وهذا العهد الجديد، وهذا العهد الأخير - أي القرآن الكريم. يسمون القرآن الكريم العهد الأخير؛ لأنه آخر كلمة من كلمات الله في اتصاله بالبشر.
ختم النبوة وأن القرآن كله محكم ومتشابه مع الكتب السابقة
ثم محمد رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبي بعدي ولا رسول. لقد انتهى الوحي.
فالقضية هي أن القرآن الكريم كله محكم، والقرآن الكريم كله متشابه مع الكتب السابقة في كونها قد خرجت من مشكاة واحدة. فإذا كان القرآن الكريم كله محكم وإذا كان القرآن الكريم مشابهًا لما قبله، فما فائدته؟ ما فائدة أن يبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم؟ وما الحاجة إليه؟ وهذا هو السؤال الذي أثاره اليهود في المدينة.
[المذيع]: نجيب على هذا السؤال بعد الفاصل، فابقوا معنا.
رد القرآن على شبهة عدم الحاجة لبعثة النبي محمد ﷺ وبيان مفهوم أم الكتاب
[المذيع]: إذن، كما أشرتَ بسؤال مهم جدًا، وأثاره البعض: لماذا أرسل الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن بدعًا من الرسل؟
[الشيخ]: لما أنزل التوراة ثم أنزل الإنجيل، لماذا إذن أنزل القرآن وهو متشابه؟
فربنا سبحانه وتعالى ردّ على هذا، وردّ عليهم [اليهود] بما يُطمئن قلوبهم لمن أراد له الهداية، فقال:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
من الذي أنزل القرآن؟ أي الله وليس محمدًا. هو الذي أنزل عليك الكتاب. فيصبح إذن هو أنزل ما يُسمى بـأم الكتاب.
تفرد أم الكتاب عن الكتب السابقة ومعنى النسخ في الشرائع
أم الكتاب وإن كانت مشابهة للإطار العام للوحي وللكتب السابقة إلا أنها متفردة، لم تُذكر بهذه الكيفية في كتاب قط. وهذا يؤيده قوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]
هناك أشياء أحلها الله بعد أن كانت محرمة في الشرائع السابقة [كشريعة سيدنا عيسى]
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]
وكذلك عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وضع عنا الأغلال والإصر التي كانت في أعناق الأمم السابقة.
قال النبي ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة»
وربنا وصفه بقوله:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
دور المتشابه في بناء القدر المشترك بين المسلمين وأهل الكتاب
فأصبحت العملية واضحة، أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بما فيه من أم الكتاب في بعض آخر محكم ومتشابه، سوف يدعو إلى القدر المشترك بيننا وبين أهل الكتاب السابقين.
[المذيع]: وهذا أدى إلى وجود المتشابه يا مولانا؟
[الشيخ]: طبعًا، فهو يقول لك: لا يمكن أن تجعل بينك وبين أحد من البشر حوارًا إلا بالمشترك. أنا هنا وأريد أن أدعو الناس. أقرب الناس إليّ من؟ الذين يقولون بأن هناك:
- ربًا،
2.وحيًا،
3.وتكليفًا،
4.ويومًا آخر،
5.وعقابًا وثوابًا،
6.وشريعة،
7.وأهل الكتب السابقة.
مفهوم كلمة سواء والأرضية المشتركة بين الأديان في القرآن الكريم
أهل الكتب السابقة؛ هؤلاء أقرب الناس إلينا. فيكون إذا هذا التشابه سوف سيكون قاعدة مشتركة للكلمة السواء.
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]
كلمة سواء بيننا وبينكم، الكلمة السواء التي هي ماذا؟ Common word بالإنجليزية، هكذا يُطلق عليها. ماذا تعني Common هذه؟ تعني شائع.
حسنًا، لماذا تحديدًا "سواء"؟ لأنه القدر المشترك الذي بيني وبينك. أنا لم ٱبعث لأنازعك في الخلافيات، بل منطلقٌ من القدر المشترك لكي نتفق.
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]
فهذه الأرضية تُسمى مشتركة، [كومن common]، أي أن هناك شيئًا مشتركًا بيني وبينك، أي أنا وأنت على نفس الأرضية.
غياب المشترك يؤدي إلى الحرب والإسلام سبق المواثيق الدولية بالمشترك الإنساني
دعنا نتفق إذن ونعرض الخلافات على القدر المشترك. حسنًا، لنفترض أنه لا يوجد بيني وبينك إطلاقًا أي قاسم مشترك، ليس هناك سوى الحرب. الحرب تنشأ بين اثنين افتقدا المشترك. لا يوجد حوار، لا مبرر للحوار حينئذ. لا يوجد حوار ولا يوجد مشترك. لنجلس معًا، إذا وجد بيننا مشتركًا لا توجد حرب. لا يوجد مشترك، فنحن دائمًا نصطدم ببعضنا.
[المذيع]: لقد سبقنا كل المواثيق الدولية والمنظمات الدولية والدعوات الدولية بالمشترك الإنساني
[الشيخ]: نعم، من خلال:
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]
ها هو مشترك.
مهمة المتشابه في القرآن وأمثلة على المشترك مثل خلق آدم
فما مهمة هذا المتشابه، فكل القرآن متشابه؟ "هن أم الكتاب" وهذه ليست أم الكتاب، هذه متشابهات وليست أم الكتاب؛ لأن هذا هو الغرض من الاشتراك لنبني عليه.
مثل ماذا؟ مثل أن الله تعالى خلق آدم. هذا هو المشترك الذي بيني وبينه [أهل الكتاب]. المشترك الذي بيني وبينه أنه خلق آدم، إذن آدم ليس عن طريق التطور من شيء إلى شيء وهكذا، هذا خلق ابتدائي. فهو ليس مخلوقًا من قرد ولا مخلوقًا من أسد.
الله سبحانه وتعالى أوحى وكلَّم وعلَّم، الله سبحانه وتعالى كلَّف، الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب. ربنا جعل في الكون غيبًا وملائكة وجنًا وغير ذلك مما هو غائب عن الإنسان.
﴿إِنَّهُ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]
التفاصيل غير المهمة في قصة آدم وحكمة القرآن في التجريد
ماذا نفعل الآن؟ قال هذا كله مشترك. حسنًا، ماذا يزيد عن ما عندي؟ أن آدم كان طوله ستين ذراعًا وأنه عاش ألف سنة، وأنه عندما جاء ليأكل من شجرة الحنظل أو من شجرة لا أعرف ماهيتها، وأن زوجته كان اسمها حواء، وغيرها تفاصيل كثيرة غير مهمة وهي غير موجودة عندي في القرآن.
فلأنه مشترك، لا أريد أن أعرف أن آدم طوله ستون أو ثمانية وخمسون ذراعًا، فهذا لن يفيدنا في شيء.
هذه أخبار قابلة للتصديق والتكذيب والأخذ والرد والذهاب والإياب وما إلى ذلك، وهي أقرب إلى التشكيك منها إلى التجريد الذي يؤدي إلى معرفة الغاية من القصة.
غاية القرآن من قصة آدم هي التكليف والخلافة لا التفاصيل الجزئية
أريد أن أقول إنه مخلوق لله، وأنه خليفة ربنا في أرضه، وأنه مكلف، وأنه يجب عليه فعل الخير والابتعاد عن الشر، تبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وأنه:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]
هكذا، أنا لا أريد أن أراه [أي أن أتوقف عند تفاصيل] آدم. وبالتالي أصبح يقول لي: أين هي هذه الجثة التي فيها ستون ذراعًا؟ أربعة وعشرون مترًا يعني؛ لأن الذراع بأربعين سنتيمترًا وبعض الشيء. فأربعة وعشرون مترًا، حسنًا، أين إذن هذا الجثمان؟
[المذيع]: هناك أناس ستصدق وأناس ستكذب
[الشيخ]: طبعاً.
عدم التوقف عند التفاصيل الجزئية والتركيز على جوهر التكليف والتوحيد
[المذيع]: هكذا لن يكون هناك مشترك.
[الشيخ]: سنجلس حينها خارج المعنى الذي نريده [أي بعيدا عن الهدف الحقيقي لنزول القرآن المناقشة أمور جانبية كالطول والمواصفات الخلقية]. ما شأني إن كان أربعة وعشرين مترًا أو خمسة وعشرين مترًا؟ إنها قضية يثبتها العالم أو لا يثبتها.
هذه ليست ما سنتوقف عنده، ولكن ما يهمني هو أنه مخلوق، وأنه مخلوق ابتداءً، وأنه مكلف، وأنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
رد آية آل عمران على دعوى اليهود بعدم جدوى بعثة النبي ﷺ وأفضليتهم بالتفاصيل
ومن هنا كانت آية آل عمران ترد على هذه الدعاوى التي تقول أمرين:
- •الأمر الأول: أنتم لم تأتوا بشيء جديد.
- •الأمر الثاني: أننا أفضل منكم لأننا لدينا تفاصيل ليست عندكم.
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]
محكمات لكنهن متشابهات لما سبق.
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]
يقولون: هذا موجود عندنا يا محمد! ابتغاء الفتنة وإنكار سيدنا محمد، وابتغاء تأويله.
ابتغاء الفتنة وتأويل المتشابه بالتفاصيل الجزئية التي تُلهي عن جوهر الدين
آدم كم ذراع طوله؟ ماذا أكل في مِن الجنة؟ وما اسم زوجته؟ وكم أنجب؟ وكم بطنًا أنجبت حواء؟ وكم سنة عاش؟ وهكذا. ويُلهيني عن قضية التكليف وعن قضية الوحي وعن قضية الحياة وعن قضية الآخرة وعن القضية الكبرى من توحيد الله إلى آخره.
فيكون شيئان إذن: ابتغاء الفتنة الذي هو إنكار نبوة محمد؛ لأنك لا حاجة لك أن تأتي. وابتغاء تأويله.
﴿ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
موقف الراسخين في العلم من المتشابه وإيمانهم بأن كله من عند الله
فإذن:
﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
يعني آمنا به كل عند الله. الراسخون في العلم هم الذين ذهبوا ودرسوا دراسات خارجية كثيرة ووجدوا أن ما هو من عند الله يصدق بعضه بعضًا، فمن هنا يؤمنون ويقولون:
إنَّ أقسام حكم العقل لا محالة هي الوجوب ثم الاستحالة ثم الجواز، ثالث الأقسام فافهم مُنحت لذة الأفهام. هؤلاء هم الراسخون في العلم.
حكم العقل بالجواز في تفاصيل خلق آدم وعدم التوقف عندها
ومن هنا يجوز أن يكون [آدم] ستين ذراعًا، فنحن لم نره.
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51]
كذلك يجوز أنه لا يكون هكذا. ليست قضية.
[المذيع]: لن تخدمنا كثيرًا. بل ربما تضلنا:
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
[الشيخ]: فلو أنك توقفت عندها [قضية طول آدم عليه السلام] لن تصل إلى شيء. وهذا ما فعله الليبراليون والعلمانيون وغيرهم، الذين ظلوا يبحثون في هذا باعتبارها أسئلة نهائية وليست أسئلة كلية.
الفرق بين الأسئلة الكلية والأسئلة النهائية وعجز العلوم عن الإجابة عنها
من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا نفعل هنا؟ هذه أسئلة نهائية. ماذا يريدون؟ يريدون أن ينتهوا.
[المذيع]: ما الفرق بين السؤال النهائي والسؤال الكلي؟
[الشيخ]: الوصف واحد: الماضي والحاضر والمستقبل، ولكنه يريد أن يستخدم العلوم للوصول إلى الإجابة. أي أنه حائر دائمًا، يقول مثلا: سأدرس الجيولوجيا، وماذا تفعل في هذه الجيولوجيا؟ وسأفعل فلك وسأفعل كذا لأجيب: كيف أتى الإنسان؟
يعني أنت محتار كيف جاء الإنسان؟ أنا لدي الأسئلة كلية أقول: الإنسان خلقه الله. وماذا يفعل الآن؟ يطيع الله ويعبده.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وماذا سيحدث غدًا؟ غدًا سيكون هناك:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
وسيكون هناك جنة ونار.
عجز الفلسفات المادية عن الإجابة على الأسئلة الكلية وظهور العدمية والإلحاد
يعني الأسئلة كلية. هو [الكافر] يقول: لا، قصة أنه جاء من أين هذه ليس لي شأن بها، لا أعرف، لست قادرًا على الإجابة عنها. وقصة كيف خُلقنا؟ الأصل أن هناك ثقوبًا سوداء وثقوبًا بيضاء وهناك ميكانيكا الكم، فيحاول أن يفسر بعض المظاهر الخارجية التي لا يستطيع حصرها. وغدًا ماذا سيحدث؟ ليس من شأننا.
إذا كنت ستجيب على سؤال واحد بكل هذه العلوم، هل أجبت؟
فبدأوا إذن يؤلفون في شيء اسمه "Ends"، وEnds تعني النهايات: نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية الحضارات. كتبوا عن هذا، ماذا تعني النهاية؟ قال إنهم وصلوا إلى النهاية ولا يوجد رب، وأنه لا توجد آخرة ولا شيء، وأن الحياة ليس لها فائدة، والعدمية هي الأساس.
فشل العلوم المادية في الإجابة على الأسئلة الكلية وانتشار الإلحاد
هذا ما نتج من العلوم التي لم تفعل شيئًا. القضية كلها أنها لم تستطع الإجابة على الأسئلة الكلية، ولم تستطع جعل هذه الأسئلة الكلية أسئلة نهائية؛ لأنها في النهاية لم تُجب.
[المذيع]: لأن الحياة استمرت بعد ذلك مستمرة. هذا الكلام كان في تسعينيات القرن الماضي أو في نهايات التسعينيات.
[الشيخ]: لا يوجد من يعرف إجابة هذه الأسئلة. فأصبح الإلحاد هو الشائع مع كمٍّ من المعلومات الضخمة التي علّمهم الله سبحانه وتعالى إياها لتكون حجة عليهم. هذه هي القصة.
ملخص أقسام القرآن بين المحكم الذي هو أم الكتاب والمتشابه وغرض كل منهما
إذن القرآن كله محكم والقرآن كله يشابه ما قبله. القرآن منه محكم هو أم الكتاب، وهو ما أتى به الدين الإسلامي جديدًا. وهو أيضًا منه جزءٌ قد نسخ ما كان قبله:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: 106]
أو من الشريعة القديمة. الشريعة القديمة:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
فهذا هو أم الكتاب. والقرآن أيضًا هو متشابه، وغرض هذا التشابه - وهو محكم متشابه - وغرض هذا التشابه هو جعل أرضية مشتركة بيننا وبين الآخرين حتى يحدث الإيمان ويحدث الانتقال من دين إلى دين بسهولة من غير ثورة يحدثها الإنسان.
دخول الناس في الإسلام أفواجاً بفضل المشترك بين القرآن والكتب السابقة
بل هو مؤمن من داخل دينه بمثل هذا المشترك. مهمته، وقد كان؛ الذي أقوله كله كان فعلًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
سواء كانوا من المشركين عَبَدة الأوثان، أو من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو من أهل الكتب القديمة المذكورة في المخطوطات مثل الفيدا وغيرها.
كلهم دخلوا الإسلام لأنهم وجدوا فيه نظامًا يجيب على الأسئلة الكلية بمنتهى العمق، ويجيب على المشكلات الست الفلسفية. فأصبح وكأنه مذهب، كأنه مذهب فلسفي عميق، ردّ على جميع أسئلة حيرة البشر.
فاصل البرنامج والعودة للحديث عن دعاة صدام الحضارات ونهاية التاريخ
[المذيع]: مولانا، اسمح لنا، سنذهب إلى فاصل ونعود لنجيب على بعض الأمور المتعلقة بشؤون الإنسانية؛ لأن الإسلام جاء ليضبط هذه الحياة. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. مولانا، إذن أولئك الذين نادوا بنهاية التاريخ وصدام الحضارات، كانوا لا يريدون أن يكون هناك مشترك في المجتمع الإنساني؟ وهددوا وقالوا إن الإسلام هو عدو كبير وأن الإسلام هو إسلاموفوبيا، فالإسلام هو الذي يقدم لهم الحلول.
الإسلام يأمر بالبحث عن المشترك بينما الغرب يرى الصراع أصلاً في العلاقات
[الشيخ]: هم طبعًا لا يرون المشترك. انظر إلى الإسلام وهو يأمرنا أن نبحث عن المشترك حتى نستطيع أن نجلس للتفاهم والتفاوض والتعاون وهكذا.
لا، هم يرون أنه لا يوجد مشترك، ولذلك فالعالم على حافة الصراع.
[الشيخ]: الأصل في العلاقة بين الإنسان والكون [عندهم] صراع. نحن عندنا العكس؛ الأصل هو التكامل. الأصل بين الرجل والمرأة [عندهم] الصراع، الأصل بين الحاكم والمحكوم الصراع. هم الذين يرون ذلك. الأصل بين رب العمل وصاحب العمال [الصراع].
ومن هنا لا بد من أن حقيقة الحياة [عندهم] هي الصراع.
نظرة الإسلام للتكامل بين الأضداد مقابل فلسفة الصراع الغربية
نحن وجهة نظرنا مختلفة تمامًا، ومع هذا الاختلاف أيضًا نبحث عن المشترك. فنحن نقول: الصراع موجود لكنه ليس الأصل. انظر كيف أن النسبية موجودة لكن لا تنكر بها الإطلاق. هو يريد النسبية فقط، وبناءً عليه بُنيت فلسفة نيتشه كلها. لا، هناك مطلق ونسبي، هناك صراع صحيح وهناك تكامل. لكننا نتحدث عن أصل الخِلقة،
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ [الليل: 3]
خلق التكامل بين السماء والأرض، والليل والنهار، والأسود والأبيض، والذكر والأنثى، والحر والبرد، وهكذا إلى آخره.
وهذا التكامل به عمارة الدنيا.
الإسلام يضع الصراع في حدود النتائج لا الأصول ويبحث دائماً عن المشترك
هذا ما نريده. نحن لا ننكر الصراع، نحن نضع الصراع في حد النتائج وليس في حد الأصول.
فوجهة نظرنا دائمًا مقيدة بالبحث عن المشترك، لكن هو وجهة نظره أنها حضارة واحدة والبقية كلها تخلف. هو الأصل صراع وليس تكاملًا.
[المذيع]: نظرة استعلائية يا مولانا.
[الشيخ]: لا، ليس بالضرورة استعلائية. هي نظرة ليست استعلاءً بالمعنى الفلسفي له، وإنما هي نظرة أنانية أو أحادية أو نرجسية. يعني ليس بالضرورة أن يكون مستعليًا، لكنه يعيش منغلقا على نفسه.
معنى النرجسية والشوفينية وخطر التطرف في حب الذات والقواعد
هذه النرجسية مبنية على أسطورة أن نرجس هذا نظر إلى روحه في صفحة الماء، فأُعجب بنفسه كثيرًا، فأراد أن يحتضنها، فاحتضن صورته التي في الماء فغرق. أي أن النرجسية تُهلك.
والشوفينية: شوفينز كان جنديًا من جنود الفرنسيين، وبعد ذلك كان محافظًا على سلاحه جدًا، وتاه في الغابة. وبعد أن عاد، بعد مدة طويلة من الزمن - عشرة أو عشرين سنة - فكان نابليون قد ذهب وانتهى أمره. فلم يرضَ أن يسلم سلاحه إلا لنابليون الذي هو غير موجود.
فسمّوا الغلو في حب القواعد والإجراءات والأوطان وما إلى آخره لدرجة تكرّ عليه نفسه هو بالبطلان شوفينية.
الوسطية في الإسلام وأن الأمة الوسط هي الأعلى مكانة
فيقول لك هذا ليس من قبيل الشوفينية، يعني الأنانية هذه والنرجسية والشوفينية وهذه الأشياء كلها هي تطرفات. ولكن هناك إذن، قال ماذا:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
الوسط هو الذي به الحياة والذي به الاجتماع البشري. الوسط هو الخلقة الأساسية، أن يكون في وسط الأمر.
والوسط كما قلنا قبل ذلك كثيرًا هو أعلى الشيء، فهو في العلو هكذا، يعني في منتصف الجبل صاعدًا ونازلًا يكون في المنتصف، أي قمة هذا المنحنى هي الوسط خاصته، هو الوسط خاصته؛ لأنه هذا في علو. وكانوا من أواسط الناس يعني من أعلاهم. فهذه هي القضية.
أهمية دراسة المحكم والمتشابه في الرد على الفلسفات المعاصرة وسؤال عن الاجتهاد في المتشابه
مسألة المحكم والمتشابه لو درسناها بعمق لاستطعنا أيضًا نحن أن نتعرض لفلسفات كثيرة جدًا بالتقويم وبالرد.
[المذيع]: فقضية الاجتهاد إزاء المتشابه يا مولانا، يعني هل هناك اجتهاد بين العلماء في تفسير الآيات المتشابهة أم هناك أمورًا ربما لا نقف عليها كثيرًا، مثل الخلاف أو الاختلاف حول الحروف المقطعة في القرآن الكريم؟
[الشيخ]: ففي أصل الحروف المقطعة في القرآن الكريم هناك توجهان في التفسير:
- الاتجاه الأول: هو التعامل معها [ودراستها].
- الاتجاه الثاني: أن نوكل علمها إلى الله.
الاتجاهان في تفسير الحروف المقطعة وعلاقتها بالمتشابه والوقف والابتداء
بعض الذين يقولون نوكل علمها إلى الله يقولون هذا من قبيل ما لا يعلمه إلا الله. وهؤلاء أيضًا عندهم رأي آخر داخل في أن ما لا يعلمه إلا الله هو المتشابه. ما لا يعلمه إلا الله فهو المتشابه.
فيبقى إذن أيضًا يأتون في الآية ولا يقفون، فيقول:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]
ويقفون بالواجب.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: 7]
هذا شيء آخر.
لكن طبعًا في الوقف والابتداء في القرآن الكريم مبني على التفسير وليس مبنيًا على القراءة، وليس واردًا عن القراءة أنك تقف هنا أو لا تقف.
[المذيع]: ليس توقيفيًا يا مولانا؟ يعني الوقف والابتداء ليس توقيفيًا في القرآن الكريم.
[الشيخ]: أبدًا إطلاقًا.
علم الوقف والابتداء في القرآن مبني على التفسير وعدد مواضعه ثمانية عشر ألفاً
الوقف والابتداء في القرآن تقريبًا، العلامات التي تشير إلى "قِلي" و"صِلي" و(ج) و(لا) و(م) و(طب) - وقف طيب، وقف تام، وقف كافٍ إلى آخره - تقريبًا حوالي ثمانية عشر ألف مكان.
ثمانية عشر ألف مكان؛ لأنهم ستة آلاف آية وزيادة، كل آية فيها من اثنين إلى ثلاثة وقوف، فعندما تضرب يتضمن ثمانية عشر ألفًا.
الشيخ علي الضباع عندما طبع مصحف الملك فؤاد مرة ثانية وكان رئيس لجنة التصحيح، غيّر ثمانمائة وخمسين موضعًا من مصحف الملك فؤاد الذي أعدّه الشيخ محمد خلف الحسيني.
[المذيع]: والذي هو في الوقف والابتداء يا مولانا؟
[الشيخ]: في الوقف والابتداء، نعم.
أمثلة على اختلاف الوقف والابتداء بحسب التفسير وأثره على المعنى
يعني هذا فهم، كانوا حوالي ثمانية عشر ألف، هو غيّر ثمانمائة وخمسين، يعني غيّر أقل من ألف. رأى أن التفسير أولى أن يكون هكذا.
يعني مثلًا يقول:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]
هل نكتب "لا" ونصل الآيتين لكي يتم المعنى أم لا نكتبها؟ خلاف ما بين وجهتي النظر.
وهو يقول لك: أخذنا وقوف هذا المصحف من التفسير. يكون حسب تبنيك في التفسير ستقول: هو هنا الأولى أن تقف أم الأولى أن تصل، أم الاثنان جائزان، أم يلزم أن تصل، أم يلزم أن تقف، إلى آخر ما هنالك من علم الوقف والابتداء.
علم الوقف والابتداء في القرآن الكريم مبني على التفسير.
الوقف اللازم عند تأويله إلا الله والمذهبان في علم الراسخين بالمتشابه
هنا في هذا الموضع:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]
وقد وقفوا وقوفًا لازمًا عنده، فهو لا يواصل. فيقولون:
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾[آل عمران: 7][جملة مستأنفة].
[المذيع]: نعم، لا يواصل.
[الشيخ]: [في القراءة الأخرى] يقولون:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ [آل عمران: 7]
الاثنان يعلمان، فيكون الراسخون يعلمون هكذا. في الأخرى لاحظ أن الراسخين لا يعلمون. هذا المذهب الذي يرى أن هناك أشياء في القرآن لن ندركها، كما جاء في الحروف المقطعة وقال: هذا مما لا يعلمه إلا الله، ولذلك فهي من المتشابه.
وبنى كذلك مذهبنا في تفسير المحكم والمتشابه وأن كل القرآن هداية يأبى هذا ويقول: لا، "الم" وكذلك هذه حروف لها معنى ولها دراسة.
الحروف النورانية والظلمانية وعلاقتها بمنازل القمر وآيات الكون
هؤلاء أربعة عشر حرفًا من ثمانية وعشرين حرفًا، سموهم بـالحروف النورانية. والحروف النورانية هذه يكون ضدها الحروف الظلمانية على وجه القمر.
ليس أن هؤلاء سيئون وهؤلاء جيدون، هذا على وجه القمر. فالقمر لأنه يعطينا وجهه المضيء الذي تنعكس عليه الشمس ولا يعطينا وجهه الآخر الذي هو الوجه الآخر غير المضيء.
فهؤلاء أربعة عشر وأربعة عشر، خاصة وأن منازل القمر ثمانية وعشرين يومًا وقليلًا بعدد الحروف.
[المذيع]: بعدد الحروف، نعم.
[الشيخ]: لأنهم هكذا ربطوا فيها آيات كتاب الله المسطور مع آيات كتاب الله المنظور ومع الخلقة الربانية.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
الخلاف بين السنة والشيعة حول المحكم والمتشابه وأن الاتفاق هو الأكثر
[المذيع]: مولانا الإمام، في هذا الإطار أيضًا، الأمر يصبح محسومًا حتى وإن كان هناك ثمة خلاف ما بين السنة والشيعة حول المحكم والمتشابه أو تحديد المحكم والمتشابه في القرآن الكريم؟
[الشيخ]: هو في الحقيقة الرأي الذي عرضناه هذا هو رأي جديد وليس رأيًا موروثًا. وعلماء الشيعة، عندما - أي أغلب كتبهم وإن اختلفت عن أهل السنة كثيرًا - إلا أنهم يأخذون كثيرًا من أهل السنة ويسمونهم العامة والجمهور.
طبعًا لأن عدد أهل السنة أكثر من تسعين في المائة من الأمة، وعدد الشيعة يقارب العشرة ولا يزيد. فلذلك أثرت طريقة كتاباتهم، وكذلك أمور أخرى أثرت كثيرًا فيما عليه الشيعة من تبنيات ومن آراء.
صحيح أن هناك مخالفات كثيرة، ولكن هناك الأكثر فيه اتفاق مع مدارس أهل السنة.
مداخلات المشاهدين حول علة وجود المتشابه في كتاب الله
[المذيع]: اسمحوا لنا أن نقرأ بعض مداخلات السادة المشاهدين حول سؤالنا في صفحة الفيسبوك: برأيك ما علة وجود المتشابه في كتاب الله؟
الأستاذة هدى تقول: في كل مرة يتشابه فيها الموضوع أو تتكرر القصة كقصة سيدنا موسى مثلًا، نجد فيها عبرًا جديدة ونستفيد بطريقة مختلفة، فلله في كل آية نعمة أو مجموعة من النعم.
الأستاذ عبد الله واصل يقول: لو بحثت في اللغة لعلمت أن أنسب لفظ موضوع في مكانه، وأنه لا يصح ولا أبلغ منه في الموضوع الذي هو فيه.
الأستاذ عبد الله واصل أيضًا يقول: إن كل حرف هو في مكانه في القرآن وكل لفظ يُعطي معنىً مختلفًا عن الآخر.
القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة الرد وختام الحلقة
[الشيخ]: هذا كلام طيب، وأيضًا هناك موضوعات تتعلق بالمحكم والمتشابه لم نذكرها، ولذلك فهذا يُعطيك أنه لا تنتهي عجائبه.
يعني القرآن لا تنتهي عجائبه عن كثرة الرد، ولا يبلى ولا يخلق من كثرة الرد. فهو دائمًا متجدد ودائمًا كل ناظر فيه ربنا يفتح عليه بما لم يفتح على غيره.
[المذيع]: مولانا أيضا يختلف التفسير عن التدبر، وسنتطرق إلى هذه المواضيع ولهذه القضايا في حلقات قادمة إن شاء الله. بارك الله لنا فيكم مولانا، ونلتقي دائمًا على هذا الخير.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا بكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه. إلى اللقاء.
