والله أعلم | فضيلة د. على جمعة يتحدث عن الإعجاز العددي للقرآن الكريم | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | فضيلة د. على جمعة يتحدث عن الإعجاز العددي للقرآن الكريم | الحلقة الكاملة

44 دقيقة
  • القرآن الكريم معجز في سوره القصيرة كما هو في الطوال، فسورة الكوثر مثلاً تحوي ستة ألفاظ لم ترد في القرآن من قبل.
  • المتحدى به أصغر سورة فيه، وقد انبهر فطاحل اللغة والبلاغة أمام إعجازه البياني واستغرقوا حياتهم في دراسته.
  • في القرآن ألف وستمائة وعشرون كلمة لم ترد إلا مرة واحدة، وهذا مما لا يستطيعه بشر ولم يوجد في مؤلفات العظماء.
  • هناك تناسق عددي في القرآن يظهر في العلاقات بين أرقام السور والآيات وعدد الكلمات والحروف.
  • الإعجاز العلمي يظهر في توافق إشارات القرآن مع الاكتشافات كقوله تعالى "اليوم ننجيك ببدنك" التي توافقت مع اكتشاف كلوريد الصوديوم في مومياء فرعون.
  • القرآن نسق مفتوح يتوافق مع كل سقف معرفي عبر العصور المختلفة.
  • القرآن خالٍ من التناقض والتضاد، وما به من اختلاف هو اختلاف تنوع يزيد ثراءه.
محتويات الفيديو(48 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع الحلقة

[المذيع: حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. ما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.

أهلًا بكم في والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذه القراءة لكتاب الله حول الإعجاز العددي.

يدور الحوار في هذه الحلقة: هل هناك ما يُسمى بالإعجاز العددي أم بالتناسق العددي كما يظن البعض؟ وهل نحن بحاجة إلى البحث في إعجازات مختلفة في القرآن الكريم؟

سؤال المذيع عن خلو السور القصيرة من الإعجاز البياني ورد الشيخ بالنفي

[المذيع]: مولانا، أهلًا بكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: مولانا قبل أن أدخل في الإعجاز العددي والأسئلة المتعلقة بالإعجازات المختلفة والمتنوعة، وفضيلتكم سبق وأن نقلت لنا أن هناك قراءات متنوعة ومتعددة للقرآن الكريم من حيث التأمل والتدبر والتفسير، هل السور القصيرة أو قصار السور تخلو كما أشار البعض من الإعجاز البياني قبل أن أدخل في الإعجاز العددي؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، هذا كلام فارغ [خلو قصار السور من الإعجاز البيانى]؛ لأنهم عندما عرفوا القرآن قال: المُتحدَّى بأصغر سورة فيه.

انبهار أئمة اللغة والبلاغة بالقرآن الكريم رغم عدم إسلامهم

فهناك فطاحل وأئمة كبار في اللغة وفي البلاغة وفي البيان، وفي الحقيقة هؤلاء الأئمة الكبار لم يجدوا أنفسهم مسلمين فقالوا ما قالوا، بل انبهروا أمام القرآن الكريم وانجذبوا إليه وإلى بلاغته وإلى جماله وإلى حسن تلاوته وما إلى ذلك.

هذا كلام واضح عند الجرجاني وعند الطبري وعند ابن كثير وعند كل من تعرض لتفسير آيات الله سبحانه وتعالى. فقط ليس أنهم قد وُلدوا مسلمين أو أنهم قد دخلوا في الإسلام؛ أبدًا. إنما الأمر أنهم كانوا أصحاب بيان وأصحاب بلاغة، درسوا من القرآن كل شيء فيه، فأبهرهم وجذبهم.

نموذج الفيروزآبادي وكتابه بصائر ذوي التمييز في إعجاز القرآن

شخصٌ عندنا مثل الفيروزآبادي الذي هو لُحمته وسُداه [القرآن]، ولو عصرناه كما كنا نتكلم ونحن طلاب العلم نقول له: هذا الشيخ فلان، إن عصرناه لخرج منه أصول فقه. كنا نقول هكذا عن سيدنا الشيخ أبو النور زهير، والشيخ فلان إن عصرناه لخرجت منه عقيدة، نقول هكذا عن سيدنا الشيخ محمد الشيخ، وهكذا.

فهؤلاء أناس قد تشبعوا بهذا العلم وعاشوا حياتهم فيه، الحقيقة أنه [الفيروزآبادى] انبهر بالقرآن. فألف كتابه المتميز بصائر ذوي التمييز في كتاب ربنا العزيز، أتى فيه بالعجائب والغرائب مما لاحظه وأظهره وما إلى ذلك.

الإعجاز البياني في سورة الكوثر واختلاف التنوع في تفسير الكوثر

فالذي يقول إنه ليس هناك بيان أو إعجاز بياني في السور القصار، مثل ماذا؟ مثل:

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]

هذه أصغر سورة في القرآن تقريبًا في عدد الآيات، فإذ بها تتأتى في نفسها وفيما حولها إعجازًا عظيمًا لم نرَ مثله، وقد انبهرنا بها.

كيف يكون هذا؟ إنا أعطيناك الكوثر، الكوثر تختلف التفاسير فيه، وهناك في التفسير ما يُسمى باختلاف التنوع وهناك ما يُسمى باختلاف التضاد. فاختلاف التنوع يجوز أن تكون الآية دالةً على كل هذه التفسيرات جملةً واحدة؛ لأن بعضها لا يناقض بعضًا.

الكوثر نهر في الجنة وأهل البيت والمقابلة البلاغية مع الأبتر

فمن ضمن ذلك مثلًا:

  1. أن الكوثر نهرٌ في الجنة، وأنه مُدَّخَرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يكون تحت القصر الخاص به صلى الله عليه وسلم.

  2. أن الكوثر هم أهل البيت الكرام. لو كانت أهل البيت الكرام يظهر إعجاز آخر: إنا أعطيناك الكوثر، ودعك من الآية في الوسط، إن شانئك هو الأبتر.

فيصبح هناك مقابلة، والمقابلة نوع من أنواع:

  • البيان.
  • المبالغة.
  • البلاغة.
  • الجمال.
  • التوازن.

الذي عيَّرك يا محمد بأنه ليس لك ولد يحمل اسمك، اتركه فإنه سينقطع.

ضياع نسل الأبتر في التاريخ وتعدد الأقوال في تحديد هويته

في التاريخ الإسلامي وفي العلم الإسلامي وفي النقل الإسلامي، لا نعرف من هو هذا الأبتر. ربنا أضاعه، فعندما نراجع التفسير نجد تسعة أقوال مختلفة اختلاف تضاد على الأبتر.

سبحان الله، مَن هو الأبتر هذا؟ أهو الوليد بن المغيرة أم أبو جهل أم أمية بن خلف أم لا نعرف مَن؟ ثم أين نسل أبي جهل الآن؟ والله لا نعرف. وأين نسل الوليد بن المغيرة؟ لا نعرف أيضًا، والله لا نعرف.

لقد أنجب [الوليد بن المغيرة] أحد عشر ولدًا، منهم تسعة ماتوا أمامه، واثنان أسلموا: الوليد ابن الوليد وخالد بن الوليد. والوليد هذا القول التاسع أو شيء من هذا القبيل. من هو شانئك هذا؟ من هو مبغضك الذي سيجعله الله أبترًا؟ لقد ذهب مع التاريخ.

كثرة ذكر النبي ﷺ على المنابر وبقاء نسله من أهل البيت

حسنًا، وأما سيدنا النبي فعلًا أعطاه الله كثرة الذكر، فشهد باسمه على المنائر في أرجاء الأرض [أشهد أن محمدا رسول اللَّه]. فهو ذُكر فكان اسمه ركنًا من أركان صلاة المسلمين البالغ عددهم مليار ونصف أو مليارين في وقتنا الحالي.

هذا النبي صلى الله عليه وسلم توفي جميع أبنائه في حياته، وبشّر فاطمة بأنها أسرع أهله لحاقًا به. وبالرغم من ذلك، فإن الحسن والحسين أنجبا وكانا كثيري الإنجاب والزواج. كلهم ماتوا فلم يبق من أبناء الحسين إلا علي زين العابدين.

وهذه إشارة ربانية أنه يؤيد ذلك النبي بأنه كان قادرًا أن يهلك علي زين العابدين [السجاد]، والثاني الحسن المثنى وزيد الأبلج [أولاد الإمام الحسن]. ومن هؤلاء الثلاثة جاء اليوم ثلاثون أو أربعون مليون إنسان منسوبين بالأسماء: فلان ابن فلان ابن فلان ابن ابن الحسن ابن الحسين.

انتشار الأشراف في الأرض وانقطاع نسل كفار قريش تحقيقاً للآية

[المذيع]: هل هم الأشراف يا مولانا؟

[الشيخ]: هم الأشراف والسادة وأهل البيت. ثلاثة يخرج منهم أربعين مليونًا موجودون في آفاق الأرض من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة، وموجودون ومعروفة أنسابهم.

هل عرفنا نسب أحد من الآخرين؟ هذا هو الأبتر حقًا، هذا لا اسم له ولا معرفة ولا نسل ولا نعرف شكل هذا النسل. يقول لك عائلة فلان وعائلة علان، هؤلاء أبناء أبي بكر، وهؤلاء أبناء عمر، وهذا موجود حتى الآن.

ولكن هل يوجد أحد من هؤلاء الكفار من قريش نعرف نسله إلى الآن؟ أبدًا والله.

ربط التشريف بالتكليف في سورة الكوثر ومحاولة مسيلمة الكذاب تقليد القرآن

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ﴾ [الكوثر: 1-2]

انظر ربط التشريف بالتكليف، من الممكن أن نتحدث كثيرا عن ربط التشريف بالتكليف. أحدهم لم يسمعها هكذا، مسيلمة الكذاب.

سمعها جرسًا لغويًّا:

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]

فهو سمعها جرسَ لغةٍ، فذهب وقال: فأنا أيضًا أوحى الله إليّ. قالوا له: كيف أوحى إليك؟ وبماذا أوحى إليك يا بائس؟ قال لهم: إنا أعطيناك التفاح، فصلِّ لربك وارتاح، إن شانئك هو العجل النطاح.

تحليل سخافة تقليد مسيلمة للقرآن ونظرية المعتزلة في الإعجاز بالصرفة

هيا لنحلل هذا الكلام السخيف المستثقل الذي لا يحمل في ذاته أي معنى ولا أي إشارة ولا أي حكمٌ ولا الذائقة حتى، وإنما هو نوع من أنواع التقليد الرخيص للجرس القرآني، ففشل.

ومن هنا جاءت المعتزلة وقالت إن إعجاز القرآن يكمن في أن الله صرف الخَلْق من أن ينشئوا مثله؛ لأنه:

﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾﴿الإسراء: 88﴾

وعلى ذلك فعندهم شيءٌ يُسمى الإعجاز بالصرفة. الصرفة تعني أن الله يصرف الناس ولا يُمكِّنهم من الإتيان بمثله [القرآن]

فشل محاولات الذكاء الاصطناعي والقسيس الأمريكي في تقليد القرآن

وعندما تُدخِل الكمبيوتر وتستخدم الذكاء الاصطناعي كي يستطيع أن يُنتج شيئًا مثل هذا [القرآن]، لن يستطيع.

وهذه المحاولة الفاشلة التي قام بها القسيس الأمريكي في أنه أراد أن يصنع سبعة وسبعين سورة قائلًا: سأصنع قرآنًا آخر. القرآن مائة وأربعة عشر [سورة]، لكنه لم يستطع، جاء بسبعة وسبعين وعجز.

وبعد ذلك نحن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فيقول لك: باسم الصليب أو بسم الأب أو بسم الابن أو ما شابه ذلك إلى آخره. تلفيق وتلزيق، لا نفع هنا ولا نفع هناك، فصار مثل الغراب الذي جاء ليقلد الطاووس فلم يستطع، ولم يستطع العودة إلى أصله.

فشل كتاب فرقان الحق والمحاولات الأخرى لتقليد القرآن الكريم

وبعد ذلك أسماه [القس الأمريكي] فرقان الحق، واستعان بشخص باكستاني مرتد لكي يصنع هذه المسألة، فهل سمع به أحد؟ أبدًا. كذلك حاول بعضهم أن يفعلوا هذا.

ولكن تعال قُل لي، تعال، أنت تقول لي السور القصيرة، حسنًا.

الإعجاز الفقهي في سورة العصر والاستدلال على حكم الحلف بغير الله

والعصر، العصر هنا، هل أقسم بالدهر والعصر؟ أم بصلاة العصر؟ قد يكون إذن أقسم بالعبادة، ونأخذ منها حكمًا فقهيًا.

فعندما آتي وأقول له: والنبي، يقول لي: يا أخي قُلْ لا إله إلا الله. لماذا يا أخي؟ لماذا أقول لا إله إلا الله؟ قال:

قال رسول الله ﷺ: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»

قلتُ له: صحيح، هذا الحديث صحيح، وفعلًا عندما أقول والله فهذا أعلى وأولى من أن أقول والنبي. قال الإمام الجويني: والحلف بالنبي مكروه قطعًا، يعني ليس حرامًا.

لكن ما الذي يجعله ليس حرامًا؟ قوله تعالى:

﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ [العصر: 1]

فهذا أصبح دليلًا على عدم حمل النهي على التحريم وهذا عمل أصحاب صناعة الفقه.

المبدأ العام في سورة العصر وعلاقته بعلوم النفس والاجتماع والإدارة

ثم انظر إلى المبدأ العام الذي ينفع الناس أجمعين، وليس المسلمين فقط، في:

  • علم النفس.
  • علم الاجتماع.
  • علم السياسة.
  • علم الاقتصاد.
  • علم الاجتماع السياسي.
  • وفي علم الاقتصاد السياسي وهكذا.

ما هو هذا؟

﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]

هذا مبدأ عام إن الإنسان لفي خسر. وتتوقف معها مفكراً، ففي نظريات في الإدارة درسناها: مستر إكس ومستر واي. هو الإنسان في أصله كسول فيحتاج إلى حافز أم لا لأنه نشيط؟ فعندما نجده كسولًا، نعرف أن هناك عوائق، فهل علينا أن نضع حوافز أم نزيل العوائق، أو ما هي القضية وهكذا إلى آخره.

تقديم الحق على الصبر في سورة العصر وارتباطه بنظريات الإدارة الحديثة

فهنا يقول له:

﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]

ثم يأتي ليقول له ماذا في الآية الثالثة؟ إلا، لأن هناك إكس وواي. فظهرت نظرية حديثة جدًا وهي نظرية زد، ماذا تعني؟ إن الإنسان يتقلب بين الاثنين، بين النشاط والكسل وبين الحافز والعائق.

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]

ويقدم الحق الأول، لماذا؟ حتى تصبر على الحق وتستمر عليه. ويأتي لك التوجيه النبوي:

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»

حكمة تقديم التواصي بالحق على التواصي بالصبر في سورة العصر

كنا ونحن صغار نخطئ ونقول: وتواصوا بالصبر وتواصوا بالحق. فالشيخ لكي يجعلنا نحفظ يقول ماذا؟ هم الآن عندما صبروا ماذا سيفعلون؟ لا، هم يتواصوا بالحق أولًا لكي يصبروا عليه.

و عندما كنا نقف ونقرأ سورة العصر في الصلاة، فنتذكر كلام الشيخ الذي يقول: قدم الحق أولًا؛ لأنك عندما تتواصوا بالحق ربما تأتي عوائق فبه، فتتواصى بالصبر على هذا الحق. فيجب أن تقدم الحق لكي تصبر عليه.

فالصبر يأتي عند نزول الكائنة، ولذلك الحق أولًا ثم نصبر عليه.

عظمة أصغر سور القرآن وثراء كلماتها في بناء الأحكام والتصورات

هذا أمر عجيب جدًا يا أخي أن أصغر آيات في القرآن هي إنّا أعطيناك الكوثر، والعصر وإن الإنسان لفي خسر.إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

وتجلس مع آمنوا وتستغرق في الكلام وفي الاستخراج وفي التصور وفي بناء الأحكام، وتجلس مع الصالحات وعملوا الصالحات وتتأمل وترى ماهية هذا الصلاح: صلاح الجسم وصلاح الكون وصلاح القلب وصلاح المتعدد.

وبعد ذلك تجلس وتقول: أين الحق الذي هو ضد الباطل، وأين الصبر الذي هو ضد الخوار. إذن نحن أمام معجزة، أمام معجزة حقيقية.

سورة الفلق تحتاج إلى مجلدات وقول الإمام علي عن تفصيل الفاتحة

الآيات الخمس التي تقول:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]

هذه تحتاج إلى مجلدات. لقد كان سيدنا الإمام علي وغيره من الأئمة كانوا يقولون: لو فسرنا لكم الفاتحة لكتبنا وِقْرَ بعيرٍ، كتبنا كتبًا تعجز الجِمال أن تحملها من الفاتحة فقط.

فحتى الكلمة [القسم] فقط بها إعجاز حينما يقول: والعصر ووالفجر ووالضحى ووالليل، هذا كلام معجز.

﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-76]

هذا شيء فوق الوصف.

موريس بوكاي وألفا آية كونية في القرآن وظاهرة الانبهار العلمي

فى إحدى المرات موريس بوكاي ذلك الرجل الفرنسي وهو لم يُسلم، مرة جمع أين في القرآن الإشارات العلمية التي يتحدث فيها عن الجبال والبحار والأنهار والأرض والأشجار والثمار والرمان والفواكه والزروع وما إلى ذلك، وأين يتحدث عن كل هذه الأصناف.

فوجد ألفي آية من ستة آلاف تتحدث فيما يتعلق بالكون الذي حوّلنا، فعندما أجد ألفين آية من ستة آلاف آية ، يعني ثلاثين في المائة. يحدث لي نوع من أنواع الانبهار، نوع من أنواع السكوت، نوع من أنواع الانجذاب. أحيانًا يسمونه النسق، وأحيانًا يسمونه الإعجاز، وأحيانًا يسمونه التعجيز، إلى آخره.

تعلق المسلمين بالقرآن لأنه نسق مفتوح يتجدد مع كل عصر

ولكن هو ذلك الذي جعل المسلمين يتعلقون بذلك الكتاب؛ لأنه ليس ككلام البشر.

[المذيع]: وكلما أتى عصر بمستجداته قرأه العلماء وقرأه المسلمون بقراءة متتالية عصرية. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

سؤال المذيع عن وجود ما يسمى بالإعجاز العددي في القرآن الكريم

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، ذكرت لنا منذ قبل ونحن نتعلم على يديك هذه القراءات وهذه الإجابة على هذه التساؤلات الكثيرة حول القراءات المتنوعة للقرآن الكريم من حيث التأمل والتدبر.

فثمة من يقرأ القرآن من حيث الإعجاز العلمي ومن حيث الإعجاز البياني، فهل هناك ما يُسمى بالإعجاز العددي؟

[الشيخ]: هو كما قلت لحضرتك الآن، كلمة إعجاز تأتي من المقارنة. أما هو في حد ذاته هكذا فسنسميه إعجازًا في ماذا؟

الإعجاز في مضمون القرآن ومنظوماته المتكاملة صادرة عن نبي أمي

عندما أجد منظومة متكاملة في علم الميراث، وعندما أجد منظومة متكاملة في علم البرنامج اليومي للإنسان، أو في علاقات الاجتماع البشري، أو أن إذ وجدت أمثال هذا كله في المضمون. إذن فهو إعجاز؛ لأن هذا صدر عن نبي أمي لا يعرف القراءة والكتابة، فإذ به يأتينا بكل هذه الحقائق.

ولكن لو قارنا قصة غرق فرعون في التوراة مع القصة القرآنية، نجد ما الزيادات التي هنا عن هنا.

الفرق بين قصة غرق فرعون في التوراة والقرآن وآية حفظ البدن

[الشيخ]: فيأتي في الزيادات مثلًا ويقول: هي مذكورة في التوراة، وأنه غرق هو [فرعون] والجيش الخاص به. ومذكورة في القرآن أيضًا أنه هو غرِقَ حتى أصبح كل فِرَق كالطود العظيم، وغرِقَ في وسطه هو والجيش الذي معه.

لكن في القرآن هناك إضافة صغيرة هكذا، وهي:

﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ [يونس: 92]

ما معنى ببدنك؟ ماذا يعني ننجيك ببدنك؟ يعني أنه لم يغرق؟ لا، بل غرِقَ، وبعد أن غرِقَ نجّاه ببدنه [أي جسده]. فهلجسده موجود حتى الآن؟، لا نعرف، وظل الناس لا يعرفون. فقط ربنا قال هكذا: اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية.

قصة اكتشاف مومياء فرعون سنة 1976 وتأكيد الآية القرآنية علمياً

[المذيع]: وهذه الزيادة يا مولانا، ماذا استفدنا نحن منها لكي يكون هناك فارق يصلح للمقارنة؟

[الشيخ]: سنة ستة وسبعين [1976م]، اتصل ميتران بالسادات، وقال له: سنعرض ونقدم مومياوات الفراعنة لكي نخلق جوًا جيدًا لمصر في أوروبا وليشاهد الناس الحضارة الفرعونية وأشياء أخرى إلى غير ذلك.

فذهبت هذه المومياوات ومن بينها توت عنخ آمون ومن بينها مومياء الملك رمسيس ومرنبتاح وابنه وما إلى ذلك. فحدث على ما يبدو شرخ أو شيء ما، استدعى تشكيل لجنة علمية لدراسة هذه المومياوات من أجل صيانتها وتأمينها وعدم تسرب أي نوع من أنواع النقص فيها أو الخلل؛ لأنها تراث للإنسانية.

اكتشاف كلوريد الصوديوم في مومياء فرعون وتطابقه مع الآية القرآنية

فإذ بهم يكتشفون أن إحدى هذه المومياوات فيها كلوريد صوديوم. ما هو كلوريد الصوديوم هذا؟ فأراد الرجل أن يكتب تقريرًا عن كلوريد الصوديوم الذي اكتشفه، وأن هذا الرجل قد مات اسفكسيا الخنق، وظن أنه قد اكتشف اكتشافًا عظيمًا جديدًا لا مثيل له.

فقالوا له: مهلًا، انتظر قليلًا؛ لأن الكلام الذي تقوله موجود في كتاب اسمه القرآن. فرد متسائلًا: كيف ذلك ونحن قد اكتشفناه للتو في الآن سنة ستة وسبعين؟.

فأحضروا له ترجمة بلاشير للقرآن إلى اللغة الفرنسية، فقرأها فوجد أنه:

﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ [يونس: 92]

قال: إذن هذا هو كلوريد الصوديوم، غير موجود في أي مومياء إلا في هذه المومياء التي تخص مرنبتاح ابن رمسيس فقط. هذا ما فعلوه.

التوافق بين نتائج العلم والحقائق الدينية وموقف المسلم من ذلك

عندما يأتي التوافق بين نتائج العلم والحقائق الدينية يأتي الانبهار عند المسلمين؛ لأن مسألة ربط نتائج العلم بالحقائق الدينية يرفضها كثير من الناس، ولن ندخل معهم في نزاع.

لكن القضية عند المسلم أنه يجد الحقائق الآتية أن الله يخبره بشيء، فإذ بالواقع لا يكذبها، إذ بالواقع تأتي فيه معلومات تتسق مع هذه الإشارات.

ماذا يفعل يعني؟ يقول: يا رب خيبني؟ هو يجب أن يقول: لا إله إلا الله وسبحان الله. فعلًا هناك توافق بين هذا وبين ذاك، بغض النظر عن الدخول في فلسفة تخشى أن تجعل المصدر الديني مصدرًا علميًا.

التفريق بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور وعدم الخلط بين المصادر

لأن العلم بُني أساسًا على التجريب في كتاب الله المنظور [الكون]، وهذا الكتاب والدين بُني على كتاب الله المسطور [الوحي]. فهم لا يريدون الخلط بين المصادر، فليعش حياته، ليس لنا تدخل.

لكن الذي يحدث الآن وهو ما يسمونه الإعجاز وما إلى آخره، أنه كلما توصل العلم أو الواقع أو الحس إلى معنى جديد، نجد أن النص لا يخالفه [القرآن]، وأن النص قد أضاف هنا شيئًا تميز به عما سواه.

هناك الغرق [في التوراة]. وهنا يقول: ننجيك بغير الغرق [في القرآن]. هذه حادثة وتلك حادثة أخرى. فالحالة التي مثل هذه تصنع نوعًا من أنواع السكينة عند المسلمين.

الرد على شبهة أخذ القرآن قصة غرق فرعون من التوراة

فيأتي مثلًا شخص مثل رشيد المتنصر الذي يتبع زكريا بطرس أفندي كعب الغزال، ويذيع من قبرص ويقول لك: أنا مُتنصِّر ثم اتَّضح أنَّه ليس متنصِّرًا ولا شيء، فيتلاعب ويقول لك: أنتم تقولون أنها أول مرة في القرآن يُذكر فيها أنه [فرعون] غرق، هذا موجود في التوراة. لا يا سيدي، الذي موجود في التوراة ليس اليوم ننجيك ببدنك.

هذا الذي موجود في التوراة تتحدث عن الغرق، والقرآن أيضًا يتحدث عن الغرق، فهذا يعني أنه [القرآن] أخذ من التوراة، ويشوش عليك، والعبارة الأساسية [ننجيك ببدنك] لا يتكلم فيها.

اتفاق القرآن مع كل سقف معرفي عبر العصور المختلفة

فعندما تستمر في دراسة القرآن بهذه الطريقة، ستجد أمورًا غريبة تحدث، تتفق مع كل سقف معرفي. عبر الأزمنة المختلفة والسقف المختلف.

فنحن لدينا أسقف معرفية. أسقف معرفية تعني أنه عندما وضع إقليدس هندسته، كان ذلك مختلفًا عن نيوتن. نيوتن أدخل الحركة والفعل ورد الفعل وهكذا، وهذا يختلف عن آينشتاين الذي أدخل بُعدًا رابعًا في الدراسة وهو بُعد الزمن.

هذه ثورات علمية تحدث يسمونها البراديم [النموذج المعرفي] الخاص بالعلم قد تغير؛ ومع كل هذا التغير فى البراديم النص القرآنى واحد والنص يحتمل.

آية جريان الشمس وتطابق الجريان الظاهري مع الحقيقي عبر الأسقف المعرفية

كانوا قديمًا يقولون: إننا نرى بأعيننا التي ستأكلها الديدان أن الشمس تتحرك في كبد السماء، لا يوجد أحد ينكر ذلك حتى اليوم. واتضح أن الشمس لا تتحرك ولا شيء، وهندسيًا لا يمكن أن تتحرك، فنحن الذين نلتف.

ربنا يقول ماذا:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

الشمس تجري، البدو يقولون: نعم الشمس تجري. وبعد ذلك نكتشف أننا نحن الذين نجري. حسنًا، يقولون إذن الشمس لها جريان ظاهري، فما مدى تطابق هذا الجريان الظاهري الذي تراه العين مع الجريان الحقيقي في الحسابات؟

فتوصلوا إلى أنه واحدٌ هو هو الجريان الحقيقي يساوي الجريان الظاهري تمامًا، لحظةً بلحظة وثانيةً بثانية من غير أي تأخير. عجيبة!

اكتشاف جريان الشمس الفعلي نحو نجم فيجا وارتباطه بمفهوم الساعة

وبعد ذلك قاموا باكتشاف في سقف معرفى ثالث يجعل النص ما زال مِعطاءً ومتجددًا، أن الشمس أيضًا تجري. كيف تجري؟ تجري وهي ممسكة بتوابعها التي عددها أحد عشر أو اثني عشر، والله أعلم بعددهم الآن.

وهي تجري في الفضاء هكذا نحو نجم فيجا بسرعة اثني عشر كيلومترًا في الثانية. فهل الشمس تجري أم لا تجري؟

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]

وأصبح المستقر بدلًا من أن يكون عند البدو هو الغروب الذي سينتظرها عندما تدور وتطلع من الشروق، أصبح المستقر الذي في الآية أصبح يحتمل شيئًا آخر، وهو أنها تذهب إلى فيجا وتصطدم به.

وحينئذٍ تكون أيضًا ما يُلمح إليه في الكتب المقدسة وخاصة القرآن مما يُسمى بالساعة:

﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]

فالساعة والقيامة وما إلى ذلك، أجد أن المعلومات تسير في ذات الاتجاه، وليست معارضة لهذا الاتجاه.

القرآن نسق مفتوح لا يتعارض مع العلم بخلاف ما حدث مع جاليليو وكوبرنيكوس

فهذا هو سبب الانبهار، أنه نسق مفتوح. ماذا يعني النسق المفتوح ؟ يعني ليس نسقًا مغلقًا مثل ما فعلوه مع جاليليو، ليس مثل ما فعلوه مع كوبرنيكوس. قالوا له: أنت تخالف النص، أين الدليل القاطع على ذلك؟ وآذوهم حتى قال جاليليو: لا، أنا تبت إلى الله، كل ما أقوله هذا خرافة، بالرغم أن كل ما يقوله موافق للنصوص.

لا، نحن [المسلمون] لسنا كذلك. لماذا؟ لأن كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور صدرا عن الله. هذا من عالم الأمر المسطور (الوحي)، وهذا من عالم الخلق المنظور (الكون). فأصلًا ليس عندنا تعارض بين الاثنين، وأصلًا ليس عندنا تخوف كما هو عند العلماء التجريبيين والطبيعيين من أن نخاف الاقتراب من المصادر الدينية لئلا تختلط الميثودولوجي والمنهجية العلمية.

تفسير ظاهرة انبهار المسلمين بالقرآن وانجذابهم إلى نسقه المفتوح

عيشوا حياتكم [المعترضين على إعجاز القرآن]، نحن لا نقول لكم شيئًا، نحن نقدم لكم تفسيرًا لظاهرة قد عجزتم عن تفسيرها، وهي: لماذا ينبهر المسلمون بهذا الكتاب؟ هذا الانبهار، ينبهرون انبهارًا شديدًا؛ لأنهم منجذبون إليه، لأنهم يدخلون في نسق مفتوح مع كل مستوى معرفي، لأنهم كلما درسوها وجدوها صالحة وليست طالحة.

كما ذكرنا سابقًا عن موضوع إنا أعطيناك الكوثر، كل آية في كل سورة من القرآن تحتوي على كلمات، ولو كلمة واحدة لم تتكرر في القرآن من قبل.

ألفاظ فريدة في سورة الكوثر لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة

إنا أعطيناك الكوثر وهي من أواخر السور، فيها ستة ألفاظ لم ترد في القرآن: إنا أعطيناك، والكوثر، فصل لربك لم تأتِ قبل ذلك وانحر، لم ترد كلمة انحر في القرآن إلا هذه المرة. إن شانئك هوالأبتر، كلمة شانئك لم ترد من قبل.

وهكذا:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

لكن هنا شانئك وليس شنئان.

ألف وستمائة وعشرون كلمة لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة

سبحان الله يا أخي، ست كلمات لم ترد في القرآن أبدًا [إلا في هذه السورة]. كم كلمة في القرآن لم ترد إلا مرة واحدة؟ ألف وست مائة وعشرون كلمة.

كم كلمة في القرآن في سورة البقرة مثلًا لم تَرِدُ [إلا فيها]؟ عشرين كلمة.

إذن يوجد عند المسلمين :

  • انبهار.
  • انجذاب.
  • انفتاح.

[المذيع]: هذا الانبهار وهذا الانجذاب الذي تحول مباشرة عند المسلمين إلى طاقة إيمانية متجددة.

سؤال المذيع عن سر الأرقام في القرآن وارتباط السور بعدد آياتها وحروفها

[المذيع]: إذن ما سر الأرقام في القرآن الكريم؟ ارتباط السورة بعدد آياتها، ارتباط الآيات بعدد حروف كلماتها. كل هذا سنعرفه بعد الفاصل، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم، مولانا سنعود معًا إلى هذه التفاصيل أيضًا، أو هذه الإجابات المتعلقة بالأرقام وسر الرقم في القرآن الكريم. سر رقم تسعة عشر مثلًا، وارتباط السورة بآيات وبعدد الآيات.

هناك أرقام لم يتم التناسق بينها والتوافق بينها بمثل ما تم التناسق فيها أو بينها في القرآن الكريم مقارنة بأي كتاب آخر. كيف نقرأ سر الأرقام في القرآن الكريم أو ما نسميه بالإعجاز العددي؟

رفض تسمية الإعجاز العددي ونظرية الأعداد الكبيرة في الإحصاء

[الشيخ]: أنا لا أحب أن أسميه بالإعجاز العددي. لدينا في الإحصاء نظرية معقدة قليلًا اسمها نظرية الأعداد الكبيرة.

ونظرية الأعداد الكبيرة هذه لا تتيح لنا هذا لأن القرآن فيه ثلاث مائة وخمسة وسبعين ألف حرف وزيادة، وفيه ستة وستين ألف كلمة. فكل هذه الكلمات وهذه الحروف لا تتيح لنا أن نفعل هكذا ولكنها تتيح لنا شيئًا آخر.

ادعاء رشاد خليفة بناء القرآن على الرقم تسعة عشر وادعاؤه النبوة والألوهية

أتي شخص يدّعي أنه اكتشف سرًا لم يكتشفه أحد قبله ولا بعده، وهو أن القرآن بُني على عدد تسعة عشر؟ فالبسملة تسعة عشر حرفًا، وأسماء الله الحسنى في القرآن مائة واثنين وخمسين وهي تقبل القسمة على التسعة عشر.

ورقم ما عندما نضعه مع رقم ما وهكذا. قال: وسر رقم تسعة عشر هذا لم يستطيع أحد الإتيان به قبل ذلك.

ولذلك أنا صاحب دين جديد، وبعد قليل ادَّعى الألوهية وقال بأنه ربنا.

قصة رجل طنطا الذي استخرج عجائب الأرقام من القرآن في خمسة مجلدات

وكان عندنا رجل مسؤول عن جمعية الشبان المسلمين في طنطا، أكرمه الله إن كان باقيًا على قيد الحياة، وربنا يرحمه لو كان انتقل.

كان يأتي من طنطا في القطار ويقضي مصالحه في القاهره ويعود ثانية. فكان دائمًا يمسك القرآن ليقرأه ويستخرج منه حكايات، فاستخرج منه أشياء غريبة جدًا جمعها في خمس مجلدات.

خمس مجلدات فيها: أن رقم أحد عشر هكذا أيضًا مثل رقم تسعة عشر، وأن رقم ثلاثة عشر هكذا أيضًا، وأن رقم واحد وعشرين هكذا أيضًا، وأن رقم سبعة هكذا أيضًا، وبدأ يكتب جداول إحصائية لكي يثبت لك هذا.

التوافقات العددية في القرآن بين الجنة والنار والليل والنهار وغيرها

وأنك لو جمعت على سبيل المثال كلمة الليل كلمة النهار كلمة كذا إلى آخره، ستجد أن الجنة والنار ذُكرتا بقدر بعضهما البعض، أن الليل والنهار تم ذكرهما بقدر مماثل، وإن السماء والأرض تم ذكرهما بعضهما.

ولو أنك أحضرت لفظ الجلالة المرفوع وأضفته إلى رقم الآية التي ستضربها في رقم السورة، لحصلت على نفس الرقم الخاص برقم ثاني.

نظرية الأعداد الكبيرة في الإحصاء، وقام [رجل طنطا] بعمل خمسة مجلدات. لكن ماذا تستنتج من هذا؟ إن تسعة عشر اكتشفت أنها ليست الوحيدة التي هكذا.

المصحف التوافقي التركي وعجائب تطابق لفظ الجلالة بين الصفحات

فجاء شخص آخر وقال إن هناك أغرب من ذلك. ماذا؟ اجمع رقم الآية واجمع عدد الآية، عدد الكلمات من أول كلمة في السورة إلى موضع الاستدلال، ستجد أن لها علاقة.

وجاء شخص تركي فعل أغرب من ذلك. ماذا؟ المصحف التوافقي، أن كل صفحتين في القرآن مثلاً كلمة الله هنا رقم اثنين في السطر، وهنا بعدها كلمة في آخر السطر.

فذهب كاتبهم بالأحمر والأحمر، فعندما يُغلقان يكون لفظ الجلالة على لفظ الجلالة. ربكم هنا أصبحت هنا، إن هنا أصبحت هنا، بحيث أنه كتب القرآن بصورة توافقية.

وطُبع، وموجودٌ لديَّ، وطُبِع في تونس وطُبِع في إسطنبول، وبدأتْ تظهر عجائب.

تسمية هذه الظواهر بالمبهرات والعجائب بدلاً من الإعجاز العددي

أنا لا أريد تسميتها إعجازًا، أريد أن أقول عنها المُبهِرات، أو أريد أن أطلق عليها العجائب، المُدهِشات، الغرائب، اللطائف، الطرائف، هكذا. إنها شيءٌ من هذا القبيل.

يعني فطبعًا هناك أناسٌ يغضبون من هذه المسألة ويقولون: لا، هذا إعجاز. نعم، إعجاز عندك أنت، ولكن الآخر ماذا يقرأه مثلًا أو كيف يراه.

نعم، وبعد ذلك نحن قلنا عند المقارنة. فبدأوا يعني يقولون أشياء: هل يمكن لبشر أن يصنع كتابًا في ثلاثة وعشرين سنة، ألف وست مائة وعشرين كلمة لا تتكرر؟ هذا شيء فوق العقل.

استحالة تكرار ظاهرة القرآن في أعمال شكسبير وتولستوي والعقاد وأبي العلاء المعري

لأننا درسنا شيلي، درسنا شكسبير، درسنا تولستوي، درسنا ت. س. إليوت، لا يوجد أحد يفعل هكذا.

أحضر كتب العقاد، فالعقاد ألّف اثنين وثمانين كتابًا. أحضر كتب أبي العلاء المعري سقط الزند.

فسقط الزند هذا أمسكه وانظر إلى التكرار الموجود فيه، لن تجده هكذا.

هذا هو الانبهار، هذه هي العجائب، وهذه هي الغرائب التي يسميها الناس بالإعجاز.

القرآن نسق مفتوح في عصر الحسابات وأي مدخل يكشف عجائب جديدة

أنا أقول إن القرآن ليس فقط في هذا الموضع [الإعجاز العددي]، وحيث أننا الآن في عصر الحسابات والكمبيوتر والأرقام، ظهر أن الرسم معجز، وظهرت الأرقام فيها عجائب وغرائب ولطائف وروائع وطرائف لا نهاية لها. وتبيَّن أن أي مدخل ستضعه يحدث غرائب، وكنا عندما نسأل شخصًا هكذا جاء ببعض الأفكار الغريبة.

نقول له: يعني ما هذا الكلام الذي تقوله؟ قال: هيك ضبطت. (هو شامي) يعني حدثت بالصدفة.

فعندما تدخل بهذه الصدفة أيضًا تجد عجائب وغرائب. لماذا لا تتوافق مع شكسبير ولا مع تولستوي؟ لماذا لا تتوافق مع أبي العلاء المعري ولا مع العقاد؟ لماذا لا تتوافق لا في الإنجليزية ولا في العربية؟ هذه هي القضية.

الاكتفاء بالبيان دون الجدال ومعنى اختلاف التضاد والتنوع في القرآن

نريد أن نكتفي بهذا حتى لا ندخل في جدالات بيننا وبين التجريبيين ولا نريد نزاعًا بيننا وبين الخلق، نحن نريد البيان.

ماذا يقول البيان؟ إن الحكاية فيها عجائب وغرائب وطرائف ولطائف تستدعي الانبهار والدهشة والاستغراب، مجموعة من الكلمات هكذا.

[المذيع]:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

هل هذا الاختلاف المقصود في هذه الآية هو ما تعنيه فضيلتك الآن؟

[الشيخ]: لا، ليس الاختلاف الذي هو اختلاف التضاد؛ لأن الاختلاف نوعان كما ذكرنا: اختلاف تضاد واختلاف تنوع. فالاختلاف الموجود فيه اختلاف تنوع ثراء. ولكن اختلاف التضاد لا يوجد فيه إطلاقًا، لا التضاد ولا التناقض.

عمل الفقهاء المسلمين على القرآن كنسق مفتوح لا تناقض فيه

ولا يمكن أبدًا أن يكون فيه آيتان [متضادتان]، وهذا هو ما عمل عليه الفقهاء المسلمون. وكلما عملوا عليه وجدوا أنه نسق مفتوح لا نهاية له.

عمل عليه أمثال أبي حنيفة وأمثال الشافعي، وعمل عليه أمثال مالك، واشتغل عليه أمثال أحمد والأوزاعي، واشتغل عليه أمثال ابن كثير، وهكذا اشتغل عليه أمثال يعني أناس علماء كبار.

وجدوا أنه لا تناقض، ما عرفوا حتى يأتوا بمثال للتناقض الظاهري حتى، وانتبه، لماذا كله مفكوك بطريقة. يعني أنا أقول إنها تغيظ، تغيظ طبعًا أناسًا آخرين؛ لأن هذا ما هذا؟ ما هذا؟

خاتمة الحلقة والتأكيد على أن الانبهار بالقرآن هو جوهر الإعجاز

هذا انبهار. ماذا يعني انبهار؟ الكثيرون عبّروا وقالوا: هذا إعجاز.

[المذيع]: هذا هو قرآننا، وهذا هو نبينا، وهذا هو ديننا.

مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وشكر الله لكم دائمًا. مولانا.

دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.