والله أعلم | فضيلة د. علي جمعة يتحدث عن الإثم وكيف نفرق بينه وبين البر | الحلقة الكاملة
- •الإثم هو ما يترتب على الذنب من مؤاخذة، وتتنوع المؤاخذة ما بين العقاب والعتاب والحرمان والتضييق.
- •تنقسم الذنوب إلى ثلاثة أنواع: كبائر وصغائر ولمم، وتقاس الكبائر بثلاثة معايير: ورود لعن عليها، أو ترتب خلود في النار، أو وجود حد شرعي لها.
- •تختلف درجة الإثم حسب الزمان والمكان والشخص والحالة، فالذنب الواحد قد يتعاظم إثمه بحسب ظروفه.
- •عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بأنه "ما حاك في القلب وخشيت أن يطلع عليه الناس".
- •الصغيرة مع الإصرار تصير كبيرة، ولا كبيرة مع الاستغفار.
- •يقول ابن المعتز: "تجنب الذنوب كبيرها وصغيرها، فذلك هو التقوى".
- •الطريق إلى الله يتطلب التخلية (ترك المعاصي) والتحلية (فعل الطاعات) ليحدث التجلي.
- •حسنات الأبرار قد تكون سيئات للمقربين، لاختلاف المستويات في العبادة والطاعة.
- •الأذى غير المقصود للآخرين يعد من الإثم الذي يؤاخذ عليه الإنسان.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن معنى الإثم
[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي قال:
«لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق»
صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن في مصر نقول: النبي تبسّم، ما أجمل أن تلقى الناس بهذا الوجه المتبسم دائمًا! هذا هو ديننا، هذا هو نبينا، هذا هو إسلامنا.
أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنقف معه اليوم في هذه الحلقة عن معنى الإثم.
كنا تعرفنا عن البر وأنواع البر، ما هي أنواع الإثم؟ كيف نتحاشى الإثم في حياتنا وإن كنا نفعله؟ مولانا الإمام أهلًا بكم.
تعريف الإثم وعلاقته بالذنب والمعصية
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا. علّمتنا في حلقة من الحلقات أن البر هو حسن الخلق، فما الإثم؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، صلى الله عليه وسلم. الإثم هو ما ترتّب على الذنب، ما ترتّب على الذنب؛ يعني عندما نرتكب معصية فهذه المعصية تُسمّى بالذنب، يترتب عليها إثم، يترتب عليها قدرٌ يُؤاخَذ عليه.
الإثم هو هذا الذي يترتب على الذنب والمعصية مما يُؤاخَذ عليه.
أنواع المؤاخذة على الإثم من العقاب والعتاب والحرمان
ماذا يعني يُؤاخَذ عليه؟ عندنا أنواع المؤاخذة:
- •منها العقاب.
- •ومنها العتاب أيضًا.
- •ومنها الشدة.
- •ومنها الحرمان.
فأنواع المؤاخذة كثيرة، ولذلك كان في دعاء العارفين بالله: اللهم لا تؤاخذنا، أي لا تعاقبنا وكفى، لا عقابًا ولا عتابًا ولا حرمانًا ولا تضييقًا ولا شدةً ولا شيئًا.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]
مثلًا "لا تؤاخذنا"، كلمة مؤاخذة هكذا، فنحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا. فالمؤاخذة شيء يشمل أصنافًا، منها ما يصل إلى حد العقوبة.
تدرج العقوبات من عذاب الدنيا إلى عذاب القبر وأهوال القيامة والنار
وهذه العقوبة تتدرج حتى تصل إلى عقوبة بالنار، لكن هناك عقوبة أقل من النار وهي أهوال يوم القيامة، وهناك عقوبة أقل من ذلك وهي التضييق الذي يحدث للإنسان في القبر والذي نسميه عذاب القبر.
لكن هناك ضيق أهون من هذا، وهو الضيق الذي يحدث في الدنيا من الكوارث من آثار المعصية، أتفهم؟
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: 21]
فهناك عذاب أدنى وعذاب أكبر، لعلهم يرجعون؛ يعني هذه رحمة من عند ربنا.
[المذيع]: إنذار يا مولانا؟
[الشيخ]: إنذار وتحذير ومحاولة للرجوع، للتنبيه، للخروج من الغفلة.
الفرق بين الإثم والثواب وعلاقتهما بالطاعة والمعصية
فالإثم هو ما يترتب على الذنب فيُؤاخَذ عليه، وما يترتب على الطاعة هو الثواب. ونحن عندما نتحدث مع بعضنا نقول: يا أخي اعمل ثوابًا، أنت لن تعمل الثواب، بل ستأخذ الثواب.
نعم، أنت ستفعل الطاعة فتأخذ الثواب، فهذا يسمونه مجازًا "اعمل ثوابًا". ولذلك بعض العوام ينطقها بشكل مختلف، فيقولون لك: اعمل صوابًا.
نعم، صحيح، اعمل الصواب - بالصاد - وهو الشيء الصحيح، حتى تُثاب عليه، أي تفعل الطاعة. فالإثم هو ضد الثواب.
درجات الإثم بين الكبائر والصغائر واللمم وأثر النية والظروف
حسنًا، وهذا الإثم يأخذ عليه عقوبة أو مؤاخذة حسب درجات الإثم؛ لأن هناك إثمًا يُعَدّ من الكبائر، وهناك إثم يُعَدّ من الصغائر، وهناك إثم يُعَدّ من اللمم.
كل هذا يعتمد على درجة الذنب ودرجة نيتك في هذا الذنب؛ لأنه من الممكن أن تكون نية الإنسان نية سيئة في هذا المجال، فتُعظِّم من الذنب. تُعظِّم بالطبع من الذنب من كل الجهات: زمن الذنب ومكان الذنب والشخص الذي ارتكبت الذنب في حقه، وشأن الذنب والحالة التي ارتكبت فيها الذنب.
تعاظم الإثم بحسب الزمان والمكان والأشخاص في جريمة الزنا
معروف أن الفاحشة حرام والزنا حرام، لكن أن تفعل ذلك في الأشهر الحُرُم التي قال الله تعالى فيها:
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]
فهو هو الزنا زنا، لكن هنا كبيرة جدًا في هذا الزمن الشريف. في هذا الزمن الشريف أن تفعل ذلك في الحرمين مثلًا، لا لا لا لا، تقشعر منك الأبدان يا أخي!
هكذا أنت أضفت في الزمن الحرام وفي البلد الحرام، ما هذا الجبروت؟! تفعل هكذا مع جارتك؟ أما لو مع غريبة أو فاسدة أو ما شابه ذلك، إثم يدخلك النار، ولكن مع ماذا؟ هذه مصيبة!
تصاعد الإثم في الزنا حتى يصل إلى زنا المحارم
وزوجها ذاهب في الجهاد، مختفٍ في الجهاد! تصبح أشد وأمرّ وأمرّ وأمرّ وأمرّ، وبعد ذلك تكون أنها ذات محرم، فيكون من زنا المحارم. ما هذا الوحش الكاسر الذي ارتكب كل هذه الأشياء؟
فالذنب واحد، الذنب زنا، انتهى الأمر، لكن الإثم يعلو ويعلو ويعلو حتى يعلو بصاحبه في هوّة جهنم، هل انتبهت؟
فالآثام تختلف باختلاف أصولها من المعاصي ومن الذنوب.
تعريف النبي للإثم بأنه ما حاك في القلب وخشيت اطلاع الناس عليه
والإثم عرّفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه:
«ما حاك في القلب وخشيت أن يطّلع عليه الناس»
فهذا يعني أنك فعلت شيئًا خاطئًا. لكن بالرغم من هذا، فإن هذا تعريف - كما يقولون - تعريف وظيفي، بمعنى أنه سيحدث أشد من ذلك.
في حديث حذيفة حيث قال: أرأيت لو أنهم رأوا المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قال: أوَكائنٌ هذا يا رسول الله؟ قال: وأشد منه يكون؛ يعني هذا موجود وأشد منه سيكون، ويوجد أكثر منه وسيوجد أكثر منه.
فسيدنا حذيفة غير مصدق، يعني أقصد أنه مستغرب، مستغرب الموضوع، مستغرب الاستغراب الشديد، كيف يكون هكذا؟ فقال له: أشد من ذلك، النبي يعلّمه أشد من ذلك يكون.
سلب العقول في آخر الزمان وانقلاب المفاهيم عند الناس
ففي حديث أبي موسى الأشعري يقولون له، يقول له: أمعقول هذا يا رسول الله؟ أوَمعهم يومئذٍ عقولهم؟ هل جُنّوا؟ هل جُنّ هؤلاء أم ماذا؟ قال:
«يومئذٍ يسلب الله عقول أهل هذا الزمان»
هذا هو مفتاحها، أن الناس الذين انقلبت عندهم المفاهيم أو استهانوا هذا الهوان الشديد والاستهانة الشديدة، أو تجرّؤوا هذه الجرأة القبيحة، أعني هل معهم عقولهم؟
فالعقل المفروض أنه يعقل الإنسان عن فعل التهور، ومن ضمنها المعصية. قال: يسلب الله عقولهم؛ يعني يجعل كل واحد منهم يمشي كأن دماغه ممسوح لا يفكر.
تقديم النشاط على التفكر في الحضارة الأوروبية الحديثة وعلاقته بسلب العقل
وهذا الذي يعبّر عنه عبد الواحد يحيى رحمه الله تعالى وهو يرصد معالم الحضارة الأوروبية الحديثة، أن النشاط قد سبق التفكّر، فتجده يعمل قبل أن يفكر ويتدبر ما هي عاقبة هذا العمل.
فينشط وأهم شيء عنده هو أن ينشط ويعمل دون أن يتفكر فيما سوف تُحدثه هذه العمليات. ولذلك اخترعوا الأسلحة المدمرة، ولذلك اخترعوا الأسلحة ذات الدمار الشامل، وغاية ما وصلوا إلى أنهم ضربوا هيروشيما وناجازاكي وكذا إلى آخره.
تجد العقل يعمل فتعالى على نفسه وعلى الكون الذي خلقه الله وعلى ربه، فبذلك يُؤذِن:
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]
لأن هذا الكلام لا يُرضي ربنا وهو ضد عمارة الدنيا التي أرادها الله من خلق الإنسان:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
الإثم يترتب مع سلب العقل وتقديم النشاط على الفكر
فانظر الإثم، الإثم يترتب مع سلب العقل، وسلب العقل إنما هو في حقيقته عبارة عن إيقاف للتفكر وتقديم للنشاط على الفكر، كما يقول هؤلاء الفلاسفة. هم أدركوها من ناحية أخرى.
لكن سيدنا الرسول واضح هكذا: الإثم ما حاك في قلبك وخشيت أن يطّلع عليه الناس. ما دام قد خاف أن يطّلع عليه الناس إذن به خطأ، وهذا أقل درجات الإثم لتعلم.
وإنما يظل هذا الإثم يتعاظم في الوجود تعاظمًا في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال حتى يُورد صاحبه النار.
أنواع الإثم ودرجاته وربطه بالذنوب من لمم وصغائر وكبائر
رضي الله عن الشيخ عبد الواحد يحيى.
[المذيع]: ولكن ارجع مولانا، عرّفتنا وفهّمتنا وعلّمتنا أن للبر أنواعًا كثيرة جدًا، كثيرة في حياتنا، فهل الإثم له أنواع كثيرة هكذا؟
[الشيخ]: له أنواع ودرجات. فكما رأينا، نحن نربط الإثم بالذنب، ومن الذنوب اللمم، ومنها الصغائر، ومنها الكبائر. ولكي نعرف الإثم المترتب على كل واحدة يجب أن نعرف كل واحدة.
معيار ابن فورك لتمييز الكبيرة من الصغيرة بثلاثة ضوابط
حسنًا، ما هو تعريف الكبيرة؟ فالعلماء، ابن فورك من أئمة أهل السنة والجماعة في القرن الرابع الهجري يعرف هذا ويقول: واللهِ يوجد لديّ مقياسًا لأعرف به الكبيرة من الصغيرة. قلنا له: ما هو يا سيدنا ابن فورك؟ ما هذا الميزان؟
قال: أن يرد فيها من الشارع لعنة من الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم. نعم، فلما يقول: لعن الله كذا أو عليهم لعنة الله، فهذه كبيرة من الكبائر.
قلنا له: حسنًا، وماذا عن النوع الثاني؟ قال: أن يرد فيها خلود في النار، مثل قتل المؤمن.
حسنًا، وماذا عن النوع الثالث؟ أن يُنزل الله بإزاء هذه الجريمة حدًّا، مثل قوله تعالى:
﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا﴾ [المائدة: 38]
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا﴾ [النور: 2]
هكذا، ما دام أنزل حدًّا، فهذا من الكبائر. فإما أن يكون لعنًا، وإما أن يكون خلودًا في النار، وإما أن يكون حدًّا. وبهذه الثلاثة نستطيع أن نميز الكبيرة عن الصغيرة.
جمع العلماء لنصوص الكبائر وتتبع الأحاديث في السبع الموبقات
حسنًا، بهذا الشكل بدأ العلماء يجمعون النصوص التي في الكتاب والسنة التي ورد فيها اللعن، وبدأوا يتتبعون الأحاديث.
سبع من الموبقات التي هي أشد الكبائر، أتفهم؟ الشرك بالله وعقوق الوالدين والقتل والسرقة والزنا والسحر.
والثاني يقول لك:
قال النبي ﷺ: «من غشّنا فليس منا»
أو يقول:
قال النبي ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»
انظر إلى هذا الكلام الذي فيه التحذير بالنار، فهذا يعني أنه كبيرة من الكبائر. فيكون الكذب على سيدنا رسول الله كبيرة من الكبائر؛ لأنها ستضيع المصدر وتجعل الناس متشككة، فتضيع بذلك بعض أحكام الإسلام أو كله، إما بعضه أو كله.
تطبيق معيار اللعن والحد والنار على الكبائر وجمع الذهبي لأربعمائة كبيرة
فإذا نحن هنا عندنا المعيار الذي هو أن يكون فيها لعن:
«لعن الله من فرّق بين أمٍّ وولدها»
تكون كبيرة من [الكبائر أن] تفرق بين أم وولدها. فالثالثة التي هي الحد، فتكون هذه الحدود قد عرفناها، ويكون شرب الخمر من الكبائر، والزنا من الكبائر، والقتل من الكبائر، والسحر من الكبائر، وكذا من الكبائر.
ورقم اثنين هو اللعن، ورقم ثلاثة النار. وبذلك، عندما جمعوا هذه الأمور، وجدوا حوالي أربعمائة ذنب يُعدّون من الكبائر.
فقد ألّف الإمام الذهبي كتابًا وسمّاه الكبائر هكذا مباشرةً، العنوان هكذا هو، العنوان هكذا: الكبائر، الكبائر للذهبي. تذهب إلى كتاب الكبائر هذا تجده قد عدّ أربعمائة كبيرة.
تصنيف الكبائر في مجموعات حسب المقاصد الخمسة للشريعة
ما هذا؟ كثير الذي عدّه! فقال بعض العلماء إنه يمكننا أن نجعلهم مجموعات؛ يعني مجموعة متعلقة مثلًا بالمال فتكون مثل السرقة يليها الاختلاس يليها الاغتصاب يليها الرشوة. هذه أنواع، لكن هذا هو العدوان على المال.
يعني عندما نجمعها كلها في مكان واحد يكون لها عنوان: العدوان على المال. فعندما فعلوا ذلك، قالوا إن هناك:
- عدوانًا على النفس.
- وعدوانًا على العقل.
- وعدوانًا على الدين.
- وعدوانًا على كرامة الإنسان وعِرضه.
- وهناك عدوان على المال.
فأطلقوا عليها المقاصد الخمسة أو الكليات الخمسة.
تحريم الاعتداء على الكليات الخمس في كل شريعة وتصنيف الكبائر تحتها
تلك المقاصد الخمسة التي هي عبارة عن أن الله في كل شريعة حرّم الاعتداء عليها. حرّم الاعتداء على النفس لكي تظل النفس بنيانًا للرب يقوم بتنفيذ التكليف.
ثم حرّم الاعتداء على العقل لكي يبقى واعيًا؛ لأن العقل مناط التكليف. ثم حرّم العدوان على الدين، ولذلك حرّم الردة. ثم حرّم العدوان على كرامة الإنسان وانتهاك عرضه. ثم حرّم العدوان على المال.
هذه المجموعات الخمسة تستطيع أن تختصر فيها الأربعمائة تصرف المنهي عنها المتعلقة بهذه الخمسة، وصنّفوا تصانيف مثل هذا، وكل ذلك في مجال الكبيرة.
فاصل إعلاني والعودة للحديث عن الكبائر والميزان الذي حدده ابن فورك
سنعود بعد ذلك الفاصل، لكي نتعرف أكثر وأكثر على الأنواع الكثيرة حتى مهما صغر حجمها في هذه الحياة، لنتجنب كل مظاهر الإثم والذنوب. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
[المذيع]: أهلًا بكم أعزائي المشاهدون. مولانا الإمام، أيضًا نريد أن نعرف، يعني لقد تعرفنا على الكبائر ورأينا الكبائر والميزان الذي حدّثتنا عنه حضرتك وكتاب الكبائر للذهبي. حسنًا، نريد أن نعرف أنواعًا يمكن أن نعتبرها في الحياة الدنيا أنها أشياء صغيرة هكذا، ولكنها عند الله كبيرة.
قصة سيدنا عمر وأبيّ بن كعب في تعريف التقوى بالحذر من الشوك
[الشيخ]: كان ابن المعتز يروي أن سيدنا عمر كان يمشي مرة مع سيدنا أُبيّ بن كعب، وكان النبي يحب أُبيًّا كثيرًا، وعمر لاحظ هذا الأمر.
فقال له: يا أُبيّ، ما التقوى؟ وأُبيّ هذا من القرّاء، أي من حافظي القرآن الكريم، وكان حجة في القراءة.
قال: يا عمر، أسرتَ يومًا في طريق فيه شوك؟ قال له: نعم. قال: فماذا فعلت؟ قال: شمّرت ثيابي وحذرت ما أرى. قال له: هذه التقوى.
فالواحد عندما يمشي في طريق الله لازم يكون حذرًا ويحذر ما يرى من الشوك الموضوع، ويحاول ألا يضع رجله على الشوك حتى لا يشتكي ويتألم، فنقع في مشاكل كيفية إخراج هذا الشوك.
شعر ابن المعتز في تجنب الذنوب صغيرها وكبيرها وخطورة الاستهانة بالصغائر
فابن المعتز أخذ هذا المعنى وصاغه شعرًا وقال فيه:
تجنّب الذنوب كبيرها وصغيرها، لا تظل هكذا تصنّف كما فعل سيدنا الإمام الذهبي أن هذه كبيرة وتلك صغيرة، دع الذنوب كلها.
تجنّب الذنوب كبيرها وصغيرها، ذاك التقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرنّ صغيرة إن الجبال من الحصى.
آه، بالصغائر يعني تأتي الأمور الكبيرة، سنستهين بهذه وسنستهين بتلك، وفجأة نُفاجأ أن استهانتنا هذه جعلت الصغيرة كبيرة.
الفرق بين الكذب على رسول الله والكذب في كلام الناس ودرجاته
العلماء يعتبرون الكذب على رسول الله من أكبر الكبائر. جيد، والكذب في كلام الناس؟
واحد ركب حافلة بعدها قال لك إنني ركبت سيارة أجرة، لماذا؟ أنت لا تعرف، لا هو سيأخذ منك هذا ولا ذاك، ولا ربما يقول ذلك افتخارًا؛ يعني مثلًا هو ركب سيارة أجرة وهي شيء يُميّزه، أو ربما يريد أن يستدرّ عطفك معه بأنه تكلّف؛ لأن الحافلة أرخص من سيارة الأجرة.
أنت كُلّفت بمهمة، فيقول ذلك؟ مثلًا، نعم. حسنًا، وما فائدة ذلك؟ يعني الحقيقة لم يستفد منها كثيرًا، وإنما استفاد شيئًا نفسيًا فقط.
أمثلة على الكذب التافه الذي لا يستحق ودرجاته عند العلماء
مثل شخص ركب الحافلة رقم عشرة فقال لك: وأنا قادم ركبت الحافلة رقم تسعة. حسنًا، ما علاقة هذا بالغلاء؟ لماذا تكذب الآن؟ إنه لا يستحق، لا يستحق، فهما نفس الخط وهما نفس الأمر، لماذا تكذب؟
فأريد أن أقول لك أن بعض الكذب حتى يصل إلى درجة مضحكة، إنما هو هكذا. فالعلماء قالوا: لا، إن الكذب في حديث الناس أهون قليلًا، فهو ليس من الكبائر، هو حرام ولكنه أهون وأقل من الكذب على سيدنا رسول الله.
[المذيع]: الدرجات يا مولانا.
[الشيخ]: نعم.
الصغيرة تصبح كبيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار
فإذا طبعًا بعض العلماء يقولون هكذا، نحن نقول لهم: لا، الكذب حرام. وهنا ستختلط الصغيرة بالكبيرة، والصغيرة إذا استُحِلّت ومورست إلى هذا الحد من الخلل تصبح كبيرة.
فالصغيرة مع الاستدامة تصير كبيرة، لا صغيرة مع إصرار، فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار.
الله، فيجب علينا أن نستغفر الله سبحانه وتعالى من الذنوب والآثام.
تعريف اللمم وهو ارتكاب المعصية بدافع أو مبرر وراءها
الدائرة الثالثة من الذنوب هذه اسمها اللمم. اللمم هذا يكون فيه دافع أو شيء، يعني فيه دافع أو مبرر وراءه جعلني أرتكب المعصية.
هذه اللمم هذا، اللمم، أفهمت كيف؟ وعدّ العلماء مثل هذا التي هي حكاية أن آتي مثلًا أنا مستحٍ منك فآتي أقول لك: أنا أرسلت لك رسائل كثيرة، وأنا أرسلت لك رسالة واحدة فقط.
أنا أرسلت، لكن كلمة "كثيرة" هذه اقُحِمت في النص هكذا لتُحلّي الكلام أو لتؤثر.
أمثلة على اللمم في الكذب البسيط بدافع الخجل أو التهرب
فأنت سألتني، فقلت له: وصلتني منك رسالة واحدة، هل أنت أرسلت أكثر من رسالة؟ قلت لك: لا، هي رسالة واحدة. أنت كشفتني، إذن أنك منتبه.
كنت أريد أن أُدلّس عليك، فأنت لم تدع عليك الكلام. هذا كذب، ولكنه كذب أقل قليلًا من الكذب الذي يقول: أنا ركبت تاكسي وهو ركب لا أعرف حافلة أو غيرها إلى آخره.
كذب ربما الدافع إليه الخجل، أو الدافع إليه التهرب، أو الدافع إليه تحصيل مصلحة؛ يعني يوجد فكرة كذب بسببها. لكن هناك لا يوجد فكرة كذب بسببها.
اللمم يُغفر بالوضوء والصلاة والصدقة ومثال النظرة المحرمة
فلذلك أذهب لأتوضأ، ثم ربنا يغفره لي، أذهب لأصلي ركعتين، ثم ربنا يسامحني، أتصدق بشيء.
ومنها النظر مثلًا، أمشي هكذا ووقع نظري على محرم. هذه النظرة النبي قال:
«الأولى لك والثانية عليك»
فأنا نسيت نفسي أو دفعتني شهوتي أو ما شابه ذلك إلى آخره، فنظرت نظرة غير صحيحة، لكنها نظرة فقط؛ يعني لا يوجد أذى أو ما شابه ذلك إلى آخره.
وهنا أكون قد ارتكبت المعصية المستوجبة للاستغفار، فتأتي الصلاة ويأتي الاستغفار وتأتي الصدقة وتأتي أعمال الخير فتغفر هذا اللمم.
اللمم معصية لها دافع لكنها تستوجب الاستغفار والحسنات يذهبن السيئات
اللمم كما ترى أنه وقوع في معصية لكن ليس فيها أذى، مجرد وقوع في المعصية، لكن المعصية لها دافع. نحن لسنا معتمدين الدافع ولا شيء، ولكن مع عدم اعتمادنا إلا أنه أصبح لها مبرر.
أعني أنه كأننا نراه معذورًا قليلًا، لكنه ليس معذورًا، ولذلك يستلزم منه الاستغفار ويستلزم منه أعمال الخير حتى تذهب الحسنات السيئات.
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
هذا من كرم ربنا علينا ومن مراعاته لضعف الإنسان الذي خلقه وعلمه.
الغرض من المقارنة بين البر والإثم هو التخلية والتحلية
[المذيع]: نعم مولانا الإمام، المقصود في الحديث، حديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم الذي حضرتك تفضلت به قلت: البر هو حسن الخلق، الإثم ما حاك في القلب وكرهت أن يطّلع عليه الناس. حسنًا، ما الغرض من المقارنة لكي أفهم وأعرف؟ أم لأي غرض بالضبط؟
[الشيخ]: التخلية والتحلية. نعم، أن تُخلي قلبك من الإثم وأن تُحلّيه بالبر.
فالتخلية والتحلية لها ألفاظ أخرى تُستعمل على مستويات: من ضمنها المعصية والطاعة، من ضمنها الترغيب والترهيب، من ضمنها بشيرًا ونذيرًا، كلها واحدة، هل انتبهت؟
الأوامر والزواجر ومفهوم تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح
كان بعض مشايخنا يسير هكذا يقول للعميد: أي أوامر؟ فيقول له: لا. فيقول له: حسنًا، أليس هناك أي زواجر؟ هل تدرك كيف يقصد أي أوامر وزواجر؟
انظر إلى الأوامر والزواجر، والأمر والنهي، والمعصية والطاعة، والإثم والبر، والترغيب والترهيب، كلها تكون على هذا المفهوم: أنني أريد أن أُخلي قلبي من كل قبيح وأن أُحلّيه بكل صحيح.
وعندما ندخل إلى هذا القبيح نجده على هذه المستويات الثلاثة، هذه الأنحاء الثلاثة: الكبيرة والصغيرة واللمم.
التقسيم للفهم وخطورة تحقير الصغيرة وأساس التخلية والتحلية والتجلي
ونجد أن هذا تقسيم للفهم؛ لأنه من الممكن أن أُحقّر صغيرة فيتحول هذا التحقير إلى كبيرة. لا تَحقِرَنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى، معظم النار من مستصغر الشرر.
فالتخلية والتحلية هي أساس الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، أن يخلو قلبي من القبيح وأن يتحلى بالصحيح. وبالتخلي والتحلي يحدث التجلي.
[المذيع]: وما هو يا مولانا؟
[الشيخ]: أي تلك الأنوار الربانية، أوجدتم ذلك في قلوبكم؟ إنه محض الإيمان.
الأنوار الربانية التي تطمئن القلب وتوصل إلى مرحلة اليقين
تلك الأنوار التي إذا ما دخلت في الإنسان فإنه يصل إلى مرحلة اليقين التي لا تهتز ولا يكفر بعدها أبدًا ولا يتشكك ولا يتردد. هذه الأنوار التي تطمئن القلب الذي قال فيها ربنا سبحانه وتعالى حتى نصل إلى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
فهي قلوب مطمئنة بذكر الله، ولذكر الله هذه القلوب المطمئنة هدفها في النهاية أنها لا تتردد.
ما الذي حدث في القلب حتى وصل إلى هذه الدرجة؟ لا شك ولا ريب ولا تردد ولا نكوص.
صفات القلب السيئة في القرآن وزوالها بأنوار التجلي الإلهي
القلب له عشر صفات سيئة [ذُكرت في القرآن الكريم]، أنه:
﴿بَلْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [محمد: 24]
مثلًا:
﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا﴾ [المطففين: 14]
الريب والأقفال والطغيان والغُلف وكذا، عشر صفات في القرآن للقلب، ومنها أيضًا الحجاب وكذا.
كل هذه الأشياء تزول بالأنوار التي هو التجلي هذا. يحدث أنوار من عند الله سبحانه وتعالى تكشف للإنسان حقيقة الكون، فلا يستطيع بعدها أن يتقهقر أو أن يسير إلى الخلف.
واحد لا يوجد غيره دعاني لبيته، إلى بيته، ولما تجلى لي بالدمع ناجيته.
فاصل نعود إليكم مرة أخرى.
إيذاء الجار من الأفعال التي نظنها عادية لكنها إثم عند الله
[المذيع]: أهلًا بكم أعزائي المشاهدون. مولانا الإمام، هل توجد أشياء يمكن أن نفعلها في حياتنا هكذا ونعتبرها أنها حسنة وبعد ذلك نُفاجأ أنها سيئة؟
[الشيخ]: الأذية؛ يعني نحن أحيانًا بتصرفاتنا نؤذي الناس، وإذا كانت تصرفاتنا تؤذي الخلق فهي مشتملة على المعصية.
وهذا من أكثر الأمثلة شيوعًا في الجوار؛ يعني الجيرة. ونحن في الجوار من الممكن أن أكون مثلًا أقوم بتجديدات في شقتي، نعم، فأخرجت الركام للخارج، فبذلك آذيت جاري.
الحقيقة أنني لم أفكر أصلًا في جاري، وأنا لا أقصد أن أؤذي جاري، هل تفهم؟ ولكن التمادي في هذا وعدم الالتفات للآخرين ومراعاتهم يوقع الأذى على الجار دون أن يدري.
ضرورة التعامل بالحسنى مع الجيران وعدم التهديد بالشرطة
فيقوم الجار بإيذائي لأنه يشعر أن هذا أذى، يأتي ويقول لي إن ما فعلته آذاني، وأنه سيذهب ليبلّغ عني الشرطة.
حسنًا، لقد اتفقت مع المقاول على أن يأخذ هذا الركام وهذه الأشياء دون أن يؤذي الجيران بهذه المسألة. كان ينبغي عليك أن تأتي لأوضح لك هذه الحقيقة، وألا تهددني بالشرطة؛ لأنك بذلك تعاملني معاملة جافة ومعاملة ليست هي المأمور بها من رب العالمين.
هكذا بالشكل هذا وأمثال هذا من عدم الاعتناء بالإنسان أو عدم الاعتناء بالجار يكون إثمًا، أخذت بالك سيادتك؟ وهذا كثير الآن في الجيرة.
حق الجار في الإسلام ومنع الماعون والتكافل الاجتماعي بين الجيران
الجيرة قال ربنا فيها:
﴿وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]
الجار يأتي إليك يقول لك: أعرني القِدر، فتقول له: لا ما مِن قِدر. لا، الله يريدنا أن تكون أيدينا في أيدي بعضنا البعض، وأن نعيش معًا، ونعيش بتعاونٍ وتكافلٍ وكأننا أسرة واحدة.
ما كنا نراه قديمًا أنهم عندما يأتيهم عريسٌ مثلًا، تكون مجموعة في خدمة مجموعة أخرى. وعندما يكون لديهم مأتم، يُعِدّ الطعامَ الجيرانُ وليس أهل المصيبة.
حتى العرب يُسمّون هذه الوضيمة، قال: والوضيمة للمصيبة وتكون في جيرانه؛ يعني الوضيمة التي يصنعونها، هذه الوضيمة عبارة عن لحم وذبيحة ويطبخونها وهكذا لكي يأكل الناس القادمون للتعزية ويأخذوا واجبهم.
الأذى غير المقصود للجار قد يكون إثمًا لترك البر والتكافل
من الذي يصنع الوضيمة؟ أهل البيت الذي فيه الميت؟ لا، الجيران، الجيران هم الذين يصنعون الوضيمة، فيكونون قد قاموا باللازم.
عندما ما نفعل هذه الأشياء، نقع في أذى غير مقصود. نعم غير مقصود، وهذه الأذية التي هي غير مقصودة قد نُؤاخَذ عليها؛ لأننا تركنا بها البر، أو تركنا بها من غير أن نقصد، تركنا بها المثال التكافلي الأمثل.
تركنا بها:
«فليُكرم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره»
«خيركم من اتقى جاره بوائقه»
يعني أنه ساتر بوائقه ومصائبه عن جاره. فالأمثال الكثيرة في هذا المعنى، وهذا يتحول فيما نظنه أنه ليس فيه شيء إلى سيئة.
معنى حسنات الأبرار سيئات المقربين واختلاف المستويات في العبادة
[المذيع]: مولانا، علّمتمونا في التربية وفي التزكية وفي التصوف بعض المعاني هكذا، ربما يتساءل عنها البعض مثل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، كيف تكون حسنة وسيئة؟ البعض يقول لك نريد أن نفهم هذا المعنى وهذا الموضوع.
[الشيخ]: كل واحد على مستواه، كل واحد على مستواه. واحد اليوم يصلي الفريضة فقط، نعم، هو طاقته هكذا أن يصلي الفريضة.
صاحب البردة يقول: ولم أصلِّ سوى فرضي، ولم أصم صوم رمضان، ويكتفي بذلك. وبعد ذلك بدأ يقدم حسنة، فابتدأ يحافظ على سنة الفجر وعلى الوتر، أتنتبه؟ فأصبح بارًّا.
المقرب الذي ينقص عبادته تُعدّ حسنات الأبرار سيئات في حقه
طيب بأنه يفعل ماذا؟ بأنه يصلي سنة الفجر والوتر. حسنًا، المقرب الذي كان يصلي في اليوم ستين أو سبعين أو ثمانين إلى مائة ركعة، عندما يصلي الفريضة ومعها سبعة عشر ركعة سنة، ليس ركعتين وثلاثة أو خمسة، لا، بل سبعة عشر، يكون قد نقص.
نعم، لأنه كان يقوم لصلاة الضحى اثني عشر ركعة ثم تركها، ويقوم الليل إحدى عشر ركعة ثم تركها، ويصلي ما بين المغرب والعشاء ست ركعات ثم تركها، ويصلي لا أعرف ماذا ثم تركها.
هل يعني ذلك أنه الآن ارتكب سيئة؟ من أين جاءت السيئة؟ من الترك. إذن حسنات الأبرار تُعدّ سيئات للمقربين.
أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل والمحافظة على المستوى
ذاك الذي صلى خمس ركعات زيادة عن المعتاد تُعدّ سيئات بالنسبة للمقربين الذي كان يعمل مئة وأصبح يعمل سبعة عشر، فقد انخفض. فالحسنة زيادة والسيئة انخفاض.
إذن الأبرار زادت، حسنًا، نحن نشجع هذا الأمر. فالثاني رأى وقال: كيف أفعل أنا؟ ماذا؟ قلنا له: لا، أنت بالذات التزم بما أنت عليه. ولذلك قال النبي:
«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إني لا أريدك أن تكون مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه»
فيبقى إذا كان يقوم الليل فتركه هذه سيئة له.
[المذيع]: نعم، يعني وهل الليل فرض؟ يعني لا ليس بفرض.
المداومة على العمل القليل أفضل من الزيادة ثم النقصان
[الشيخ]: طيب ماذا، زميل لي أيضًا نائم معي في نفس الطريقة هذه، نعم، ولكنه كان من الأبرار.
«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
فهو يحافظ على القليل، وحضرتك فتحت فتحت فتحت إلى أن اعتاد جسمك على شيء، وبعد ذلك أخذ ينقص. أنا لا أحب النقصان.
فحسنات الأبرار سيئات للمقربين لاختلاف المستويات، حيث أن المقربين أعلى وأكثر عبادة من الأبرار.
أسئلة من المشاهدين حول الأذكار الشاذلية والتجار وطهارة الكلاب
[المذيع]: مولانا، اسمح لي، معي اتصال هاتفي، معي عبير. ألو ألو.
[السائل]: السلام عليكَ أستاذ حسن.
[المذيع]: أستاذة عبير، تفضلي يا سيدتي.
[السائل]: مولانا، أردتُ أن أخبر حضرتك عن أمرٍ ربما لن يساعدني فيه أحدٌ مثل فضيلتك. منذ كان عمري أربعة عشر عامًا، دائمًا ما أرى الرؤى وتتحقق، وأرى أماكن لأولياء الله الصالحين، وأصفها دون أن أراها، وعندما أذهب إليها أجدها كما هي مثل وصفي بالضبط. فكان منذ بضع سنوات مضت، هذا الكلام ما هو إلا منّة الله منذ صغري. أنا منذ بضع سنوات مضت رأيت رؤيا أني آخذ الأذكار الشاذلية، فلي خال من أهل البيت يعني، فأحضر لي هذه الأذكار. أنا خفت أن أقرأها لئلا يكون فيها تجاوزات. أنا أستمع إلى الصوفية أحيانًا يكون لديهم تجاوزات أو تعدٍّ قليل في الدعاء، فسمعت فضيلتك من عدة حلقات حيث ذكرت أن أذكار أبي الحسن الشاذلي هذه صُحّحت في الأزهر أو روجعت. فهل هي بالفعل تابعة لطريقة صوفية؟ أم أن هذه الأذكار التي تتحدث عنها في الموضوع شيء آخر؟
[المذيع]: حسنًا يا عبير، أستاذة عبير هل من أسئلة أخرى؟ السؤال الثاني يا أستاذة عبير.
[السائل]: آه، في سؤال، يعني في طلب من مولانا. حاضر.
[المذيع]: السؤال الثاني ليه يا أستاذة عبير؟
[السائل]: يا ليت مولانا يكلّم التجار قليلًا أن يرحموا الناس من غلاء الأسعار؛ يعني ممكن المال ينفعهم في الدنيا لكن أمام ربنا لن يستطيعوا أن يسددوه.
[المذيع]: حاضر يا أستاذة عبير. معي آدم. آدم، أهلًا بك، كيف حالك يا آدم؟
[السائل]: أنا بخير، الحمد لله. أريد أن أسأل الشيخ.
[المذيع]: تفضل يا آدم.
[السائل]: هل الكلاب تُنجِّس أم لا؟ ماذا؟ هل الكلاب تُنجِّس أم لا؟
[المذيع]: أشكرك يا آدم على اتصالك، ونريدك أن تتصل بنا كثيرًا يا آدم، أشكرك شكرًا جزيلًا.
الرد على سؤال الأذكار الشاذلية وكتاب مجموعة الأحزاب للكشمخانوي
[المذيع]: مولانا، الأستاذة عبير تتحدث عن الأذكار والأذكار الشاذلية وأنها ترى رؤى كثيرة وتتحقق، مولانا ترد عليها بماذا؟
[الشيخ]: لا، هي تسأل عن واقعة معينة وهي الأحزاب والأذكار والأدعية المنسوبة إلى الطريقة الشاذلية.
كان هناك أحد كبار العلماء المحدّثين في تركيا في القرن التاسع عشر، وهذا الرجل كان اسمه الشيخ مصطفى الكشمخانوي. والشيخ مصطفى الكشمخانوي كان يعني علّامة، وكان تحت يديه في مكتبات تركيا الشيء الكثير.
وجمع أذكار الشاذلية كلها بشروحها، بشرّاحها، بأدعيتها، بأذكارها، بأحزابها، شيء عجيب؛ يعني كيف توصّل هذا الرجل إلى هذا الكم من المعلومات.
تفاصيل كتاب مجموعة الأحزاب وطباعته ومراجعته من العلماء
وكانت الكتابة حينئذ تتم باليد على ما يُسمّى الحجر، كانت الطباعة تأخذ ليس بالحروف، كانت الطباعة بشيء شبيه بالزنكوغراف؛ بمعنى يكتبها بيده.
فكان الضبط سواء كان ضبط الكلمات أو ضبط النطق بهذه الكلمات أو سند هذه الأشياء ودرجاتها وأنواعها وما إلى ذلك كان شيئًا منضبطًا جدًا.
وجمع أحزاب هذه الشاذلية في مجلد، وعمل المجلد الثاني في أحزاب النقشبندية، وعمل المجلد الثالث في أحزاب سيدي محيي الدين بن العربي، وأصدر هذا الكتاب المثلث؛ يعني ثلاث مجلدات.
بعد ذلك في التسعينيات أعادت اسطنبول طبع هذا الكتاب مرة أخرى على النسخة القديمة كما هو، وتكرر هذا الطبع ربما من الستينيات وليس التسعينيات، ثم إلى التسعينيات.
كتاب مجموعة الأحزاب هو الأساس المحقق لأذكار الشاذلية وتطمين السائلة
والسيد حسن عباس زكي طبع هذا الكتاب لكن الشاذلية فقط، رضي الله عنه وأرضاه، يعني رحمه الله تعالى، وكان عضو مجمع البحوث الإسلامية.
فأنا أريد أن أطمئن عبير بأن هذا الكتاب هو الأساس في ضبط أحزاب الشاذلية، وهو الكتاب الذي يُسمّى بـمجموعة الأحزاب. ومجموعة الأحزاب المنسوبة إلى سيدي أبي الحسن الشاذلي أو المنسوبة إلى تلاميذه أو الأدعية المتعلقة بها أو كيفية تلاوتها أو تفسيرها، كل ذلك مجموع في مجموعة الأحزاب.
من مجموعة الأحزاب بدأت الكتب تستنسخ هذه الأشياء، فعندما ننزل إلى الأزهر مثلًا نجد مجموعة الأوراد الشاذلية وقد أخذوا كل هذا من الكتاب مجموعة الأحزاب.
مجموعة الأحزاب هي المصدر الأصلي المحقق من العلماء المحدثين
نعم، المجموعة الكاملة نجدها أيضًا مأخوذة من هذا الكتاب. هذا الكتاب هو الذي كان مصدرًا لهذه المسألة.
وهذا الكتاب محقق من العلماء، محدّثون وأفاضل وما إلى ذلك، وهو الأساس في ما شاع بعد ذلك. نحن نجد الكتاب الآن من غير سند ومن غير شيء وما إلى ذلك، لكن هذا هو الأصل لمن أراد أن يرجع إليه.
فنقول لعبير أنها تطمئن من هذا الجانب.
نصيحة للتجار بالأمانة والصدق وتحريم الاحتكار وغلاء الأسعار
بالنسبة لكلمة للتجار، فالأصل أن جعل الله الأرزاق تسعة أعشار الرزق في التجارة، والتاجر الأمين الصدوق ليس له جزاء عند الله إلا الجنة.
فالأمين هو الذي لا يرفع الأسعار، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار وعن ارتفاع الأسعار، وجعل المحتكر ملعونًا، وملعون يعني أنه يرتكب كبيرة من الكبائر كما كنا نقول بهذا المقياس.
الاحتكار هكذا وغلاء الأسعار والتلاعب بأقوات الناس وما إلى آخره من أكبر الكبائر، ونهانا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك نقول للتاجر: لك أنت لا تتصور ماذا يعني أن أقامك الله تاجرًا، فجعل لك فرصة في الجنة لأمرين: أن تكون أمينًا وأن تكون صادقًا، هذا فقط وكفى. والأرزاق هي تسعة أعشار الرزق في التجارة.
حكم طهارة الكلاب عند المالكية وختام الحلقة
طيب، آدم يقول: هل الكلاب تُنجِّس؟ عند المالكية وهي الفتوى التي نأخذ بها: ليست بنجسة.
فنقول لآدم: اطمئن، الكلاب ليست بنجسة. وإذا كان الأب أو الأم يقولون لك: نجسة، تقول لهم: الإمام مالك يقول ليست نجسة، وهذا كل شيء.
ها هو آدم سمع الإجابة وواضحة جدًا.
[المذيع]: بالنسبة لمولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أشكرك شكرًا جزيلًا. أهلًا وسهلًا بكم أعزاؤنا المشاهدون، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
