والله أعلم | فضيلة د. علي جمعة يتحدث عن كيفية تحقيق وصية الرسول بالأم | الحلقة الكاملة
- •بر الوالدين يعتبر المكافئ العملي للتوحيد، إذ يقرن الله تعالى في القرآن الكريم عبادته بالإحسان للوالدين.
- •الأم خصها النبي ﷺ بمكانة خاصة حين قال: "الجنة تحت أقدامها"، وفي حديث آخر عندما سُئل عن أحق الناس بحسن الصحبة قال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك".
- •ما تعانيه الأم خفي بينما ما يعانيه الأب ظاهر، فالأم تتحمل الحمل والولادة والرضاعة والرعاية بحب لا مقابل له.
- •لا يستطيع الإنسان مهما فعل أن يرد جميل الأم لأن كل ما سيفعله سيثاب عليه فهو يعمل لنفسه.
- •يجب على الابن أن يسعى لإرضاء أمه بمعرفة ما يرضيها، فلكل أم طريقتها في الرضا.
- •بر الأم واجب حتى لو كانت غير مسلمة، فقد أمر النبي ﷺ أسماء بنت أبي بكر بصلة أمها المشركة.
- •من أسباب السعادة في الحياة بر الوالدين، فدعاء الأم مستجاب، وبركة دعائها تنزل على الأبناء.
- •من أكبر الكبائر عقوق الوالدين لأنه المكافئ العملي للشرك بالله.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن بر الأم
[المذيع]: أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وأهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنقف معه في هذه اللحظات ونسأل عن هذه العلاقة الرائعة، العلاقة الوثيقة الوطيدة بين الابن وبين الأم.
التي قالوا أن لها يومًا في العام نحتفي به، ولكنها في إسلامنا الجميل لها كل الأيام. الأم التي قال سيدنا رسول الله:
«الجنة تحت أقدامها»
أو كما قال، صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف نحقق هذه الوصايا التي أوصانا بها سيدنا صلى الله عليه وسلم لتكون الأم هي الطريق إلى الجنة؟ مولانا أهلًا بكم.
سؤال المذيع عن تحقيق وصايا النبي ببر الأم ورد جزء من جميلها
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بكم، كيف نحقق هذه الوصية والوصايا الجميلة التي أوصانا بها سيدنا صلى الله عليه وسلم؟ لكي نستطيع أن نرد ولو جزءًا بسيطًا من الجميل ومن الواجبات ومن كل شيء قامت به الأم.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. يبدو أننا سنعجز عن أن نقدم ولو النذر اليسير لآبائنا وأمهاتنا، خاصة الأم.
خفاء تعب الأم مقارنة بظهور جهد الأب عند الأبناء
وكان مشايخنا يقولون إن ما تعانيه الأم خفي، وما يعانيه الأب ظاهر. فتجد الأولاد ربما تميل قلوبهم مباشرة إلى الأب؛ لأن الأب هو الذي يسعى لهم، وهو الذي يحضر لهم احتياجاتهم ويشعرون معه بالحماية.
إنما لم نرَ الأم وهي حامل، الولد الذي كان في بطنها لم يرها وهي حامل. لم نرَ الأم وهي تلد وتواجه يعني الموت. لم نرَ الأم وهي ترعى أبناءها بحب ليس له مقابل في السنتين الأوليين الخاصتين بالرضاعة، أو إلى أن يشب حتى سبع سنوات ويجري هنا وهناك، أو يبلغ عشرة أو اثني عشر سنة، أي يدخل في مرحلة الفتيان.
المجهود الخفي للأم الذي لا يتذكره الأبناء ولا يفهمونه
ابتداءً من سبع سنوات يبدأ الولد يميز، ولذلك يسمونه سن التمييز. لكن كل المجهود الذي بذلته الأم هذا من ناحية هو مجهود خفي، لا أحد يتذكر متى كان في بطن أمه.
والمجهود الخفي الثاني: الأولاد لا يفهمون مدى حب الأم لهم، لا يفهمونه لا بنات ولا صبيان. يفهمونه عندما تتزوج البنت وتنجب، فتقول: الله، يبدو أن أمي كانت هكذا! ومع ذلك لا تصدق إلى هذا الحد، وإلى هذا الحد أيضًا؛ لأنه كما يقال: من ذاق عرف، صحيح.
عجز الإنسان عن رد جميل الأم والمثل المصري في ذلك
لكن من شاهده تبقى دائمًا موجهة قلبها إلى ابنها. المثل المصري يقول: قلبي على ابني تفطّر، وقلب ابني على حجر.
فحكاية أن نقدم شيئًا يكفي به النذر اليسير، أظن ليس في استطاعتنا أن نفعل هذا. حسنًا، ما الذي يبقى؟ أن نحمل المنّة سواء كانوا أحياءً أم أمواتًا، نحمل المنّة في حق سيدتنا، الله! أمنا وكفى، هي تأمر ونحن نطيع، ليس لها حلٌّ.
حديث جاهمة السلمي وأمر النبي بلزوم الأم لأن الجنة عند رجليها
فلنذهب إذن لنرى، مولانا يُحدِّثنا سيدنا صلى الله عليه وسلم ويقول لنا كيف أوصى سيدنا صلى الله عليه وسلم بهذه الأم، وكيف أوصى بها. كان هناك رجل يُدعى جاهمة السلمي، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال إن جاهمة هذا هو رجل، جاهمة مثل معاوية ومثل طلحة ومثل حمزة، فيُسمّونه المؤنث اللفظي، أي أن اسمه يحتوي على تاء التأنيث لكنه ليس مؤنثًا، ليس مؤنثًا حقيقيًا. يعني ليس مؤنثًا حقيقيًا، فاطمة مؤنث حقيقي، نعم.
لكن جاهمة السلمي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:
«يا رسول الله، أردت أن أغزو»
يريد أن يخرج معه في الجهاد. والنبي عليه الصلاة والسلام هكذا يقول لهم إن أفضل الأعمال إلى الله الجهاد في سبيله، لا يوجد شيء أكثر من ذلك، فأنت ستجود بنفسك في سبيل الله، وهذا شيء عالٍ جدًا. فأنا أريد أن أخرج معك للغزو، وقد جئت أستشيرك.
أمر النبي لجاهمة بلزوم أمه وأن الجنة عند رجليها
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«هل لك أم؟»
نعم، إن سيدنا [رسول الله ﷺ] ذكي وتنكشف له الأحوال، هكذا هو يسأل جاهمة: هل لك أم يا جاهمة؟ قال: نعم. قال:
«الزم أمك فإن الجنة عند رجليها»
وهو ما تقدمت به حضرتك في أول الحديث في الحلقة. هكذا هو: الجنة تحت رجليها، فإن الجنة عند رجليها.
توضيح أصل حديث الجنة تحت أقدام الأمهات وتخريجه
الذي أخذه العامة وأصبحوا يقولون: الجنة تحت أقدام الأمهات، هذا هو المعنى. أخذوا المعنى، خذوا المعنى، لكن هذا النص يعني قليلًا ليس واردًا هكذا. الوارد هو ما أقوله لك، هذا عن جاهمة السلمي، وقد أخرجه النسائي وأخرجه الإمام أحمد، والحديث صحيح على فكرة، أيضًا يعني سنده صحيح وكل شيء.
ولكن انظر إلى الحلاوة والجمال عندما يقول له: الزم أمك. اِلزَمْ، إذن ماذا يعني؟ يعني أن تكون خادمًا عندها، نعم، كعبدٍ من العبيد.
بر الأم فرصة لدخول الجنة وعجز الإنسان عن رد جميلها
الآن الشباب يقول لك: لماذا؟ أنا أصلًا حرٌّ! أنا أقول: لو كنت حرًا فعليك أن تكون عاقلًا، وأنا أقول لك: الجنة عندها، وهل تفعل شيئًا؟ بل حتى لو أعطيت، ولذلك قلت لك أنه لن تستطيع أن تؤدي الجميل الذي في عنقك لها.
لماذا؟ لأن كل ما ستفعله فيها من خير ستُثاب عليه، فأنت تعمل لنفسك يا عزيزي، لا تعمل لها. أنت تقدم لنفسك، نعم، أنت تنتهزها هي أيضًا فرصة، أنت تستغلها، نعم صحيح. كما استغللت بطنها، وكما استغللت حبها، وكما استغللت رعايتها، فإنك الآن تستغلها لكي تدخل الجنة.
بر الوالدين هو المكافئ العملي للتوحيد في القرآن والسنة
فانظر أنه لا توجد فائدة [في محاولة رد الجميل]، يعني مثل ماذا؟ عندما يأتي الإنسان ليحمد ربنا، حسنًا من الذي وفقك للحمد؟ ربنا. حسنًا استمر في الحمد، إذن أنه هو وفقك للحمد، حسنًا من الذي وفقك لأن تحمده أنه وفقك؟ ربنا.
ولذلك خلاص، نحن نعجز عن منة ربنا. فربنا جعل الأم في مكافئ عملي للتوحيد، نعم. فما دمنا:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
هكذا مباشرة، المكافئ العملي للتوحيد هو ماذا؟ إفراد الربوبية والألوهية لله. كيف أعمل به إذن؟ بالوالدين أول شيء.
عقوق الوالدين هو المكافئ العملي للشرك بالله تعالى
[المذيع]: هذا مكافئ عملي يا مولانا!
[الشيخ]: المكافئ العملي، الله! المكافئ العملي. إن أكبر الكبائر الشرك بالله هو عقوق الوالدين، نعم، الله! ما هو المكافئ العملي للشرك؟ هو عقوق الوالدين، أن تعق والديك.
فانظر إلى الحديث وانظر إلى القرآن، المكافئ العملي؛ لأنه هذا عقائدي أن أقول لا إله إلا الله في قلبي، بأنه بهذه الكلمة الطيبة خير ما قلت وقال النبيون من قبلي لا إله إلا الله. المكافئ العملي لها ماذا يكون؟ بر الوالدين.
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]
هذا هو التوحيد.
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
الله!
ترجمة التوحيد القلبي إلى عمل ببر الوالدين وأثره على الأسرة
إذا عندما نرجع للعمل سننزل إلى أسفل في الأرض هكذا، كيف أترجم هذا التوحيد القلبي؟ بر والديك. ولذلك يجب أن يعرف الأطفال الصغار هذه المسألة، ويجب أن تعرفها النساء أيضًا.
وهي أن الرجل الذي يبر أمه، فإنهم أحيانًا يسعدون به. قد تغضب الزوجة أحيانًا لأن زوجها يهتم بأمه أكثر من اهتمامه بها أو اهتمامه ببيته، وهذا المعنى يحزنها وتقول: دعنا نلتفت لحياتنا الآن.
لكن لو علمت ما الذي يفعله زوجها هذا ببره لأمه وأن البركة كلها تنزل عليهم، وأنها لو صبرت معه على بر الأم وهو صبر معها على بر أمها، ستتغير الدنيا وسيعيشان في سعادة غريبة.
نصيحة للنساء بقبول بر الزوج لأمه وتربية الأبناء على ذلك
أحيانًا تأتينا شكاوى من النساء ضد حماتها، إنها تثقل قليلًا على أولادها، وإما أن الابن نفسه منجذب إلى الأم. وانجذابه للأم تقول لي: هذا ابن أمه! حسنًا، وما المانع أن يكون ابن أمه؟ ابن أمه هذه يقولونها على سبيل السخرية والتهكم، لكن هذا يكون بارًا بوالديه.
ومن هنا نقول للسيدات: كوني عاقلة من أجل أولادك؛ لأنهم سيبرّونكم إذا رأوا منكم أن بر الوالدين شيء عظيم جدًا. فبروا الأمهات، وكما قلت حضرتك، يجعلون لها يومًا يسمونه يوم الأم، ونحن المفروض علينا أن نفعل ذلك ثلاثمائة وستين يومًا أو خمسة وستين يومًا التي في السنة.
معنى الزم أمك وأهمية بر الأم لبناء المستقبل مع الله
قال له ماذا؟ الزم أمك. انظر، الزم. انظر، التصق بها هكذا. الزم أمك فإن الجنة عند رجليها. هذا هو الحديث الشريف.
فإذن يجب على العقلاء سعيًا لبناء مستقبلهم مع الله أن يقدموا بر الوالدين وخاصة الأم؛ لأنه جاء الرجل الثاني قال له:
«يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»
ثلاث مرات الأم، يعني ثلاث مرات للأم.
سبب تكرار ذكر الأم ثلاثًا في الحديث لخفاء ما قدمته
لماذا؟ مشايخنا يقولون ماذا؟ يقولون: لخفاء ما قدّمت [الأم]. أي ليست أمك ثم أبوك وكفى، لا. انتبه جيدًا أن أمك قدّمت، انتبه أن الأم قدّمت، انتبه أن أمك قدّمت.
حسنًا، ولماذا أباك مرة واحدة؟ أجاب مرة واحدة: لأن الشرع يكتفي بالطبع. ماذا يعني ذلك؟ يعني الشرع لا يأتي ليقول لنا أن الأشياء التي يألفها الطبع هي حرام، بل يترك الطبع هو الذي يبتعد عنها.
مثلًا أيريد أن يأكل؟ لا. مثلًا أعزك الله، البول نجس، يحرم شربه وأكله وما إلى ذلك، لا يقول لي هكذا، لا يوجد حديث هكذا، لا يوجد شيء هكذا. لماذا؟ لأنني أعرف ذلك أصلًا، اكتفاءً بالطبع عن تنبيه الشرع.
قاعدة اكتفاء الشرع بالطبع وتطبيقها على تكرار ذكر الأم
لا يقول لي مثلًا: إن الزواج فريضة عليك ويجب أن تتزوج. لماذا؟ لأن طبيعتي تريد الزواج. فيكتفي بنفرات الطبع عن نهي الشرع، وبدفع الطبع عن أمر الشرع، دائمًا هو هكذا.
طيب، فلما وجد أن عطاء الأب ظاهر وأن الأم - يا عيني - هي التي عطاؤها خفي، فنبّه إليها ثلاث مرات: أمك ثم أمك ثم أمك.
فهم نساء الماضي لحديث أمك ثم أمك ثم أمك بدوائر المحبة
كانت النساء قديمًا، اللواتي كنّ يتعلمن الديانة وما شابه ذلك، نسألهم ماذا يعني أمك ثم أمك ثم أمك؟ نساء الماضي منذ مائة سنة، أي أننا أدركنا جداتنا، إنهن كنّ من القرن التاسع عشر، من القرن الماضي.
فما هو الشائع؟ كيف تفهمون هذا الكلام؟ يقولون لك: أمك ثم من تحبه أمك ثم أمك. انظر كيف! هي تفهم أن أمك ثم أمك ثم أمك: أمك الأولى التي هي ذاتها الشخصية نفسها، نعم. ثم من تحبه أمك، انتبه لهذه النقطة، انتبه أن ما تحبه أمك [مهم].
دوائر المحبة المتسعة انطلاقًا من حب الأم وأحبابها
حسنًا، إذا كانت تحب خالتك فعليك أن تحب خالتك، وإذا كانت تحب ابنتها فعليك أن تحب ابنتها، وإذا كانت تحب ابنها أي أخوك فلتحبه. ما تحبه أمك، ثم ما يحبه من تحبه أمك.
فإذا وصلنا هنا إلى عملية صعبة بعض الشيء، أي أن الأم وما تحبه الأم وما يحبه أولئك الأحباء، هؤلاء الأحباء. الله! هل أنت منتبه؟ ماذا يحبون إذن؟ أختي تحب زوجها، فيجب علي أن أحب زوجها إكرامًا لأمي.
أي وأنا أحب زوج أختي، أحبه من أجل أمي، الله! هل تلاحظ؟ أخي هذا يحب ابنه، فأحب ابنه أيضًا. لماذا؟ إكرامًا لأمي؛ لأن أمي تحبه وهو يحب ابنه. أختي أحبها، أمي تحبها، لكنها هي تحب زوجها.
الفهم المصري الجميل لدوائر المحبة من أجل عين الأم
لذلك أمك ثم أمك ثم أمك تعني أن دوائر المحبة هذه عملية صعبة علينا قليلًا. لكن أيضًا معنىً جميل، هذا فهم جميل، نعم، فهم جميل.
كان هذا هو الفهم الشائع في أوساط الناس المتعلمة دينيًا في أواخر القرن التاسع عشر، وهذا هو الفهم المصري الجميل: من أجل عين الأم تُكرم ألف عين.
سؤال المذيع عن تحقيق السعادة ببر الوالدين في الحياة اليومية
[المذيع]: فاصل ونعود. أهلًا بكم أعزائي المشاهدين، مولانا تحدثنا عن مفهوم جميل للسعادة في الجزء الأول، وتحدثنا أن من الممكن أن نتذوق السعادة عندما نبر الآباء والأمهات. حسنًا، كيف نجعل حياتنا بهذا الشكل يعني بدون أن تُكلِّفنا تكلفة كبيرة جدًا، وتكون السعادة في جوانب حياتنا في البيت، في الشارع، في العمل؟
[الشيخ]: السعادة مبدؤها ومنتهاها منك أنت، الذي ستسبب السعادة. والدين فتح الطريق، نعم، الذي على الدين عمله. لكن أنت الآن إذا أردت أن تعيش في سعادة أو إذا أردت أن تُنَكِّد على نفسك، لكن الدين فتح الموضوع.
قصة أسماء بنت أبي بكر وأمها المشركة وأمر النبي بصلتها
عندما جاءت أسماء بنت أبي بكر، وكان في ذلك الوقت بعد ماذا؟ بعد صلح الحديبية. فبعد صلح الحديبية كانوا يسمونها فترة العهد مع قريش، فجاءت أمها في أثناء فترة العهد مع قريش.
عندما جاءت الأم لزيارة أسماء، كانت هذه الأم زوجة أبي بكر لكنه طلّقها؛ لأنها أصرّت على الشرك وعدم الدخول في الإسلام وسافر. فجاءت لتطمئن على ابنتها أسماء بنت أبي بكر وأخت السيدة عائشة، وهي مشركة.
فذهبت [أسماء] إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت:
«استفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة، أفأصلها؟»
تعني: هل أستقبلها وأقدم لها شيئًا ونحو ذلك؟ قال:
«صِلي أمك»
صِلي أمك، يعني أحسني إلى أمك.
وجوب صلة الأم المشركة وبيان أن بر الوالدين مكافئ عملي للتوحيد
نعم، ماذا غير ذلك وهي مشركة؟
﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
لأنه مكافئ التوحيد، نحن لن نترك توحيدنا العملي، هل تفهم؟ حسنًا، هذه المرأة امرأة [مشركة ومع ذلك أُمرنا بصلتها].
معنى صلة الأم وكيفية تحقيقها بالإحسان والكلمة الطيبة
يعني جاء سيدنا أبو هريرة مرة، لكي أقول لك كيف تحصل السعادة وكيف أن الدين أدى ما عليه. هذا مهم جدًا، مفهوم السعادة في الحقيقة: الدين أدى ما عليه أنه قد فتحها لك.
السيدة المشركة حثّها [النبي ﷺ] أن تستقبلها وتصلها. كيف تصلها؟ ستقدم لها هدايا. ما معنى صِليها؟ يعني ستكرم الضيف وستأكل معها وتلطف بها.
ماذا تعني صِليها؟
قال رسول الله ﷺ: «الكلمة الحسنة صدقة يا أخي، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»
ما معنى صِليها؟ يعني ترى منها مكارم الأخلاق وبرًا. صِلْ أمك، فما المقصود؟ هل نحن قساة القلوب؟ إن لدينا قلوبًا كريمة رفيعة.
قصة أبي هريرة مع أمه المشركة ودعاء النبي لها بالهداية
فأبو هريرة دخل على أمه قائلًا: السلام عليكم، فردت عليه: لا سلام ولا كلام، وبدأت تشتمه وتشتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فحزن أبو هريرة كثيرًا وجاء إلى النبي باكيًا صلى الله عليه وسلم وقال:
«يا رسول الله، إن أمي تدخل عليّ فتسبني وتسبك»
حسنًا، سب الرسول هذا جريمة كبيرة عندنا فيها حد. هل أنت منتبه؟ والمالكية يقولون إذا كان الذي سب مسلمًا وتاب، فإننا سنقيم عليه الحد بعد التوبة، نعم، إنه مقام عالٍ جدًا.
فأبو هريرة يبكي، فواجهه سيدنا رسول الله قائلًا: هذه سهلة جدًا:
«اللهم اهدِ أم أبي هريرة»
وكفى. فاستجاب الله له وأسلمت أم أبي هريرة. لم يدعُ عليها، ولم يقل: اذهب لقتلها.
الرد على النابتة الذين يكفرون آباءهم ويستحلون دماءهم
حسنًا، أو لماذا لم تقتلها؟ هذا الكلام الجاهل الذي يتحدث به هؤلاء النابتة غير موجود أصلًا، غير موجود.
مرة قال لي أحد النابتة: أبي كافر مسلم، هو أبوه مسلم لكنه ليس سائرًا على طريقته. أبي كافر وأنا أفكر في قتله، ولكنني أتردد قليلًا بسبب الأموال التي يملكها؛ لأنهم سيمنعونني من الميراث وأنا أريد هذا الميراث لأستخدمه في الإفساد، أي ما يسمونه بالإرهاب، الإرهاب في سبيل الله!
قلت له: يا أخي، والله ربنا بريء منكم في الدنيا والآخرة.
الدين يفتح طريق السعادة وبر الوالدين من أعظم أسبابها
إذا الدين فتح لنا، قال لي: افعل كذا وكذا وكذا، وبعد ذلك قال لي: أسعد نفسك. كان [النبي ﷺ] يحب السرور، كان يحب التفاؤل في كل شيء.
فحضرتك في البيت أو في العمل أو في الشارع، أسعد نفسك. ما هي أسباب السعادة؟ أسباب السعادة بر الوالدين، والله نعم.
يقول لك عامة الناس بعد ما جربوا وعاشوا: يا لبركة دعاء الوالدين! صحيح، يا لبركة دعاء الوالدين! فدعاء الأم هذا هو دعاء مستجاب، ويجب علينا أن نسعد بهذه الشريعة ونطبق هذه السعادة في حياتنا، وذلك بالالتزام بأوامر الله ورسوله.
هل عقوق الأم ذنبه يتضاعف عن عقوق الأب بنص الحديث
[المذيع]: الوصية التي لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك. هل معنى ذلك أن عقوق الأم ذنبه يتضاعف عن عقوق الأب وحقوق الأب يا مولانا؟
[الشيخ]: انتبه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأربعة أوامر: الأولى للأم، والثانية للأم، والثالثة للأم، والأمر الرابع للأب، نعم.
فأنا عندما أعق أمي أكون قد خالفت ثلاثة أوامر، وعندما أعق أبي أكون قد خالفت أمرًا واحدًا. إذن الإجابة على هذا السؤال هي أن نص الحديث يُشير إلى عِظَم ذنب مخالفة بر الأم مقارنةً بمخالفة بر الأب.
ثم في الحديث للترتيب مع التراخي وليست للتأكيد فقط
أي أن مخالفة الأم التي تُعتبر نص الحديث هكذا؛ لأن هذه ثلاثة أوامر، يقول له: بر أمك، بر أمك، بر أمك. فهو إذا لم يبرها يكون قد خالف ثلاثة أوامر، هل انتبهت؟
لأن ثمّ ليست للتأكيد، بل هي أمر جديد.
[المذيع]: الترتيب يا مولانا.
[الشيخ]: للترتيب مع التراخي. قال له: أمك، فأجاب: حسنًا، سأنفذ برّ أمي. ثم من؟ قال: أمك، سأنفذها رقم اثنين. بعد ذلك من؟ قال: أمك.
حسنًا، أنا ذهبت وعققت أمي، فأكون قد خالفت ثلاثة أوامر. لكن عققت أبي، فيكون قد خالفت واحدًا فقط.
خطورة عقوق الأم مقارنة بعقوق الأب والجنة تحت أقدامها
حسنًا، إذا كان عقوق الأب سيدخلك النار، فعقوق الأم إلى أين سيأخذك إن شاء الله؟ هذه الحكاية أن الجنة تحت أقدامها.
[المذيع]: حسنًا يا مولانا الإمام، ونحن نتحدث ونبحث في الظواهر لكي تعتدل الحياة بالنسبة للأبناء، ما سبب نسيان وجحود الأبناء لما فعلته الأم في حياتها ونحن ما زلنا أجنة في بطونها؟ أي يعني الدعوات التي ندفع بها في الحياة منها حتى بعد وفاتها يا مولانا؟
سبب غفلة الأبناء عن جميل الأم هو عدم رؤيتهم لتعبها
[الشيخ]: ليس هناك نسيان؛ لأنه أصلًا لم يدخل هذا العقل. إنه طبع متأصل لا يتغير. ولذلك كانوا يقولون لك: الدنيا تُلهي، مليئة بالملاهي، اتركوها كما هي.
فلماذا الدنيا تُلهي؟ لماذا الإنسان غافل؟ لماذا الإنسان لا يتذكر؟ هو أصلًا لم يدخل ليتذكر. لا رأى الأم وهي حامل، ولا رأى الأم وهي تعاين الموت، ولا رآها وهي ساهرة وتكاد أن تسقط من طولها وهو رضيع، ولا كذلك، ولا رأوا التعب الذي أتعبها به أبدًا. ما رأى شيئًا كي يتذكر.
متى يستفيق الابن لتعب أمه وأهمية التذكير قبل فوات الأوان
ومتى سيرى ذلك؟ عندما يرى بعينيه أن زوجته حامل ومدى تعبها، سيراه في زوجته في أولاده، فيقول: يا الله! النساء يا أخي تتحمل كثيرًا، أنا لا أستطيع حتى أن أعمل هكذا. صحيح.
ويبدأ يستفيق إذا أراد الله له الهداية بعد الغفلة. فالذي تسأل عنه سيادتك سببه الغفلة، الناس في غفلة، والناس يعني في غفلة.
فإذا ماتوا انتبهوا، فيتساءلوا: أين كنا؟ لقد أضعنا فرصًا كثيرة. حسنًا، لقد جاءتك الذكرى:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
إن هذه الذكرى مهمة جدًا.
هل مغفرة الله مرهونة بمسامحة الأم وطبيعة قلب الأم المسامح
[المذيع]: نعم مولانا الإمام، يعني هذا تذكر بعد الغفلة وأراد أن يرجع لوالدته، فهل غفران الله له مرهون بأن تسامحه والدته؟
[الشيخ]: هي سامحته بالفعل، ولا تستطيع أن تغضب عليه، لا تعرف [كيف تغضب عليه]. هي الوحيدة في الكون التي لا تستطيع أن تتخلى عما فُطرت عليه من مسامحة.
أدعو على ابني وأكره من يقول آمين. المرأة تدعو على ابنها وتشتمه وقلبها من الداخل يحبه، وإذا شخص بجانبها أو امرأة قالت آمين، تضربها! صحيح، كيف تقولين آمين؟ يعني أنتِ تريدين الله أن يستجيب لي؟ إنني أدعو هذا الدعاء باللسان فقط.
قلب الأم المسامح دائمًا وندم العاق يوم القيامة
فهو حينما يعود سيجدها تنتظره بلهفة. تمثل عليه، نعم، من الوارد أنها تمثل عليه، فهي امرأة، والمرأة من طبيعتها الدلع والدلال وما شابه ذلك، لكن قلبها من الداخل مسامح.
ولذلك يوم القيامة عندما يكتشف صاحبنا المغفل هذا، يقول: يا إلهي، هذه كانت سهلة! كان يكفي أن أزورها بعد كل ما فعلتُ بها.
فلتزرها قبل يوم القيامة وقبل أن ترى بعينيك لتصدق. فكل شخص عقّ والدته فليزرها الآن، سيجدها موجودة. فليُسرع قبل الوفاة، قبل الفوت والموت؛ لأننا جميعًا سنموت. فقبل الفوت والموت، فليُسرع.
بر الأم بعد وفاتها بصلة أهلها وأصحابها وإسعادها في عالم الأرواح
[المذيع]: وإذا ماتت يا مولانا ورجعت إلى ربها؟
[الشيخ]: فليسعدها في أهل صلتها، في خالته، في أولادها، في ذلك يعني في أهل صلتها وأصحابها. انتبه! يبرهم ويخدمهم ويقدم لهم أي شيء في إمكانه وفي مقدوره؛ لأنها فرحانة به في عالم الأرواح.
[المذيع]: هل فعلًا عندما تموت الأم؟
[الشيخ]: ماتت التي كنا نكرمك من أجلها، فاعمل الآن صالحًا! طبعًا، يعني هذه هي الحقائق.
مكانة الأم عند الله واستجابة دعائها ورحمتها التي لا تعوض
هذه طبعًا ليست مصادر ولكنها حقائق، وهي أن الأم عندما تدعو لأحد، فإن الله يستجيب لها ويجبر بخاطرها حينما أقامها في هذه المكانة من المسؤولية والمنزلة، فالله يكرمها.
إذا ماتت الأم، فمن الذي سيرعاك بكل قلبه هكذا وقلبه محترق عليك؟ لا أحد، انتهى الأمر.
ولذلك المرأة عندما تريد الزوجة أن تُظهر حبها الشديد لزوجها، تقول له: أنا أمك، نعم. انتبه أنها عندما يكون حبها صادقًا جدًا، تقول له: أنا أمك وأختك وحبيبتك وزوجتك، وهكذا. فتضع في المقدمة الأم التي لا خلاف عليها.
الأم أساس الرحمة والقلب المتعلق وختام الجزء الثاني
هذا هو المعنى، هذا هو العنوان، أي أنا أمك، أنا أدعو لك كما كانت أمك تدعو لك. آه، هذا القلب المتعلق أساسه الأم. فإذا رحمت فأنت أم أو أب، هذان في الدنيا هم الرحماء.
صلوا عليه وسلموا تسليمًا. فاصل ونعود.
تعليقات المشاهدين حول تحقيق وصية النبي بالأم
[المذيع]: أهلًا بكم أعزاءنا المشاهدين. كان سؤالنا على صفحة الفيس بوك: كيف نحقق وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالأم؟ يعني وصلتنا مولانا الإمام بعض المدخلات وبعض التعليقات من السادة المشاهدين:
- •الأستاذة شيماء تقول: بطاعتها وبرها وعدم عصيانها.
- •الأستاذ ياسر يقول: بملازمة برها وتذكر فضلها وحسن صحبتها ودوام طاعتها.
- •ويقول الأستاذ هشام: بأن نعاملها بوصية الإسلام بها.
- •وتقول الأستاذة أمنية: بطاعتها وبرها والمداومة على زيارتها مهما كان الانشغال بالدنيا وهمومها، والدعاء لها سواء كانت حية ترزق أو انتقلت إلى رحمة الله.
هذه مجمل التعليقات على سؤالنا، وكيف نحاول في حياتنا أن نحقق وصية سيدنا صلى الله عليه وسلم بالأم.
إرضاء الأم هو الطريق إلى الجنة ورضا الله تعالى
[الشيخ]: هيا بنا نسعى، يعني أنا لا أحب الكلام الكثير، نعم. أنا أريد أن ترضى الأم، ترضى. وكيف ترضى؟ ترضيها، تظل تتحرك هكذا أمامها، نعم، إلى أن ترضى.
يعني أرضِها، هل تنتبه؟ أرضِها لأجل الجنة تحت قدميها. أرضِها لكي يرضى الله عنك.
كيف ترضيها إذن؟ اجتهد أنت، ابذل أقصى جهدك. ما يهمني هو كيف سترضيها. أرضِها بأن ترى ما تريده وتفعله لها؛ لأن ليست كل أم مثل الأخرى.
الفرق بين الصلة والبر وأن لكل أم مدخلها في الرضا
هناك أم تريد أن تبقي ابنها إلى جانبها، وهناك أم أخرى تريد أن يسعى في الأرض ويلتفت بعائلته. ستَرضى عندما تراه مهتمًا بعمله، هذه ستَرضى عندما يكون ناجحًا في حياته، هذه ستَرضى عندما يكثر زيارته لها.
الصلة مهمة للعلم وهي غير البر، فالبر هو نتيجة الصلة. الصلة تعني أن يجلب لها طعامها وشرابها وعلاجها وغير ذلك، ثم يحدث أنها ترضى، وهذا هو البر، أن ترضيها.
فكل واحدة لها مداخلها في الرضا. أنا لا أتدخل، أنا أريدك أن ترضيها، أريدها أن تكون راضية. ابحث عن الطريق الذي يوصلك إليها، انظر إلى أي صنف تنتمي أمك.
تنوع الأمهات في طلب الرضا والاجتهاد في إرضائهن
فهناك أمهات تغضب إذا زارها ابنها كل يوم، وتقول له: لماذا يا بني تفعل هكذا؟ ولماذا هذه المصاريف؟ ولماذا لا تراعي أولادك، أنت لست منتبهًا لهم.
وهناك أم ترغب في رؤية ابنها والسعادة به؛ لأنها تشعر بالوحدة والغربة والتقدم في السن والمرض وغير ذلك إلى آخره. وهناك امرأة وامرأة كبيرة وامرأة صغيرة وامرأة وهكذا.
لا، كل واحدة لها مدخلها، فسددوا وقاربوا.
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
فافعل غاية ما في وسعك، فربنا يجعلها ترضى عنك. إذا رضيت عنك تكون أنت في البر وفي رعاية [الله].
سؤال الأستاذة دينا عن حكم الخروج بعد حلف الزوج بالطلاق
[المذيع]: مولانا اسمح لنا مع الاتصالات الهاتفية مع الأستاذة دينا والأستاذة نادية والأستاذة زينب. يا أستاذة دينا، أهلًا بكِ.
[السائل]: أهلًا وسهلًا، تفضلي يا أستاذة دينا لو سمحتِ.
أسأل الدكتور سؤالًا.
[المذيع]: ما هو السؤال؟
[السائل]: كان زوجي قد أقسم عليّ، كنا في مشاكل وأقسم عليّ بالطلاق: ألا أخرج من الباب. وبعدها بقليل هو سكت، وحدثت مشكلة عندنا في بيت عائلتي واضطررت أنا وهو أن نخرج، وخرج معي. فهل هذا حرام أم لا؟
حكم يمين الفور في الطلاق وعدم وقوعه بعد زوال السبب
[الشيخ]: يا دينا، لا يقع في هذه الحالة الطلاق، وهذا يُسمّى في الفقه يمين الفور. يعني لا تخرجي من الباب الآن، بعد ساعة أو ساعتين اتصلوا بك وحدثت مشكلة، ورأيت أن تخرجا أنتما الاثنان لكي تذهبا لحل المشكلة أو التعامل معها، فلا يقع طلاق أصلًا؛ لأنك فعلًا لم تخرجي الآن.
متى كان يقع الطلاق؟ لو قال لك: أقسم بالطلاق لن تخرجي من الباب، قلتِ له: حسنًا، وذهبتِ وفتحتِ الباب وخرجتِ. هل حدث هذا يا دينا؟
[السائل]: لا، لم يحدث، أنا جلست قليلًا بعد ذلك، ثم خرجت أنا وهو.
[الشيخ]: حسنًا يكفى، ما دام لم يحدث فلا يوجد طلاق. لو كنتِ قد فعلتِ هذه الحركة السخيفة في ذلك الوقت كان وقع الطلاق، لكن أنتِ الآن لا يوجد طلاق؛ لأن هذا يمين يسمونه يمين اللغو.
سؤال الأستاذة نادية عن وصف الابن البار بأنه ابن أمه
[المذيع]: نعم، هل هناك أسئلة أخرى يا أستاذة دينا؟ أشكرك، شكرًا جزيلًا. أستاذة نادية.
[السائل]: السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي يا أستاذة، تفضلي.
[السائل]: سيدنا الشيخ، بالأمس كان في برنامج حواري على قناة سي بي سي أيضًا وقالوا: ابن أمه. أنا تخطيت الست وسبعين سنة. هل عندما يحترم الابن أمه ويحسب لها حسابًا ويعظم مكانتها، وكما تقول: الجنة تحت قدميها، فهل هذا يُسمى ابن أمه؟
ابن أمه من أهل الجنة وتحويل المعنى السلبي إلى إيجابي
[الشيخ]: حتى لو أسموه هكذا يا أستاذة نادية، فسنقول إن ابن أمه من أهل الجنة، نعم. على عكس الشخص الذي ليس ابنًا لأمه يكون ابنًا عاقًا ومن أهل النار. أرأيتِ إذن، هذه هي القصة.
[السائل]: إنه ابن أمه، حسنًا، لا بأس بذلك. لا بأس، يقولون نسبة الطلاق، يعني كنا نحن قد تجاوزنا السبعينات، كنا نراضيها أمه في زوجها، أي أن زوجي كنت أراضيه في أمه. حسنًا، ابن الأم، ابن أمه هذه يعني من أهل الجنة؟
[الشيخ]: نعم، وفقك الله لكل خير. هذا هو ما نجيب به: هل هذا الولد ابن أمه؟ نعم؛ لأنه من أهل الجنة، يا سلام! شكرًا لله.
تحويل وصف ابن أمه من معنى سلبي إلى معنى إيجابي شرعي
نعم، هو ابن أمه؛ لأنه من أهل الجنة. إذن ابن من؟ يا رب اجعلنا منهم يا رب، آمين.
يعني ابنُ أمهِ، طبعًا الذي يقولُها تهكُّمًا ويقولُها على أنه يعني مُستهتر أو ليس لديه مبادئ، ليست له كلمة، ليس لنا علاقة بالمعاني السلبية.
نحن سنحوِّلها إلى معنى إيجابي: هو ابنُ أمهِ، نعم؛ لأنه من أهل الجنة، وهذا كافٍ حتى نتجاوز هذه الإساءة.
أسئلة من المشاهدين: صحة الصلاة بدون حفظ التحيات وشكوى أم من ابنها العاق
[المذيع]: نعم، معنا أستاذة زينب. يا أستاذة أهلًا بحضرتك.
[السائل]: هل يمكنني التحدث مع الدكتور علي؟ تفضلي يا سيدتي، تفضلي. نعم، تفضلي يا زينب، تفضلي.
يا مولانا حاليًا، أنا طبعًا لا أحفظ التحيات وأصلي فقط بالفاتحة وقل هو الله أحد وسورة قل أعوذ برب الناس. هل هذا صحيح؟ هل تكون صلاتي صحيحة؟
[الشيخ]: مثل الفل، مثل الفل! شيء جميل، استمري على هذا النحو جيدًا، ولا تبالِ.
[السائل]: بعد إذنك، أنا الآن ابني لا يسأل عني أبدًا بسبب زوجته التي لا تعاملني بشكل جيد، ولا يسأل عني ولا يحاول أن يتصل بي ليطمئن عليّ.
[الشيخ]: ادعُ له بعد كل صلاة هكذا، قولي: يا رب اهده. ومن وقت لآخر، اتصلي به بالهاتف كل أربعة أو خمسة أيام، ربما يخجل.
[السائل]: لقد ظل عامًا ولم يكلمني.
[الشيخ]: لا بأس، كلميه أنتِ، نعم.
[السائل]: كلمته أنا، وجاءني مرة واحدة وبعد ذلك لم أره.
[الشيخ]: كلميه مرة أخرى، وقولي له: تعال، وهكذا. يعني لا تتركوه.
[السائل]: لكنني أشفق على نفسي جدًا.
[الشيخ]: أنتِ أم، ما زلتِ تُعالجينه؛ لأنَّ هذا الولد مريض، فأنتِ تريدين معالجته. فأنتِ تدعين له من ناحية وتتصلين به؛ لأنه في المرة الثانية أو الثالثة ستجدينه قد تحسَّن.
نصيحة للأم بعدم بناء حاجز مع ابنها والتواصل المستمر معه
[المذيع]: أفهمُ منك هكذا يا مولانا، فضيلتكم تقدمون بعض النصائح للأم أيضًا، فهل على الأمهات كذلك بعض الأمور التي يجب أن تقوم بها حتى تجعل الابن العاق يبرها؟
[الشيخ]: لا تصنع هذا الحجاب. أنا أقول لزينب: لا تساعدي في إنشاء الحائط بينك وبينه، أي لم نتمكن في قضية الحجاب. هو الآن زوجته تريد أن تبني حائطًا بينك وبينه، لا تمكّنيها من بناء الحجاب.
بماذا؟ بالتواصل. يقول لك: اللقاء تذيب الثلج، أي كان بيني وبينك جبل ثلج، وبعد ذلك نلتقي. عندما نلتقي ثلاثة أربع [مرات]، جبل الثلج هذا يذوب. فأراك إنسانًا مبتسمًا وأنت تراني إنسانًا مبتسمًا، ونتحدث مع بعضنا.
الأبناء يخطئون والأمهات يحلون المشكلة بالدعاء والتواصل
والله هذه هي الصورة يا أخي التي كنت أحملها في ذهني، فتفعل هكذا. الأبناء يخطئون، حسنًا، تتدخل الأمهات وتحل المشكلة، والدعاء يُجدي نفعًا.
سؤال الأستاذة زينب عن جواز القراءة من المصحف في صلاة الفرض
[المذيع]: الأستاذة زينب، يا أستاذة زينب أهلًا بك.
[السائل]: أهلًا بك، أهلًا. السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[السائل]: أقدم التحية لسيدنا الجليل الشيخ علي جمعة وحضرتك مولانا. مع حضرتك نشكركم على البرنامج الجميل الذي نستفيد منه جدًا. لكن أسأل الدكتور سؤالًا صغيرًا، فضيلة مولانا مع حضرتك، فضيلة مولانا.
[المذيع]: اتفضلي.
[السائل]: سلام عليكم سيادة مولانا الشيخ علي جمعة.
[الشيخ]: وعليكم السلام، ربنا يباركك ويكرمك يا رب.
[السائل]: الله يخليكِ. نسأل حضرتك: هل يجوز أن نصلي صلاة الفرض ونقرأ القرآن من المصحف لأننا لسنا حافظين آيات كثيرة من القرآن؟ فهل نفتح المصحف ونقرأ فيه؟
[الشيخ]: نعم، يجوز. وكان ذكوان يصلي بعائشة من المصحف، ووراءه أمثال الزبير بن العوام وطلحة وكذلك إلى آخره.
[السائل]: شكرًا جزيلًا لسيادتك، جزاك الله خيرًا عنا وعن كل المسلمين.
[الشيخ]: وهذا مذهب الشافعي يا زينب.
سؤال الأستاذة أماني عن ثواب بر الابن لأم لم تعدل معه
[المذيع]: الأستاذة أماني، أهلًا بك.
[السائل]: السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[السائل]: أنا أتكلم وأنا كلي فخر صراحةً أنني الحمد لله توصلت لفضيلة الشيخ، ربنا يعطيه الصحة ويكرمه، وبحق أجزل الله له كل خير. بعد إذن حضرتك يا فضيلة الشيخ، عندما تكون هناك أم لا تتعامل بالعدل مع أولادها، وفي نفس الوقت توفيت هذه الأم، لكن ابنها كان يعاملها معاملة في منتهى البر والتقوى، ولم يرَ منها للأسف معاملة حسنة، فهل يُثاب أيضًا إن شاء الله؟
[الشيخ]: بالتأكيد ستكون مجازاته خيرًا إن شاء الله.
الله لا يضيع أجر المحسن والبر المستديم يوصل إلى الجنة
[السائل]: طبعًا بعد إذن حضرتك.
[الشيخ]: نعم بالطبع، فالله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فإذا كان الولد بارًا والأم لسبب أو لآخر منقبضة منه أو شيء من هذا القبيل، أو أن طبيعتها هكذا، فالله تعالى ما دام قد وفقه لذلك البر المستديم فسيبقى.
إذا الله قد أعدّ له الجنة. فنحن ونحن جالسون هنا في الدنيا سنعيش غايته ثلاث دقائق.
﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ [المعارج: 4]
وتذهب إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أي ثلاثة وثلاثين سنة في دقيقة، مما يعني أنك لو عشت مئة سنة فكأنك عشت ثلاث دقائق عند ربنا.
الصبر على قصر الدنيا والآخرة هي الحياة الحقيقية
فلنصبر هذه الدقائق، وفي يوم القيامة سنجد الجنة ونعيمها ونجد الخلود؛ لأن الآخرة هي الحياة الحقيقية، كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64]
أي هي الحياة الحقيقية بين الحياتين؛ لأن حياتنا هذه قصيرة كثلاث دقائق، وهناك خلود دائم حيث لا يوجد موت، فالموت سيُذبح بين الجنة والنار.
إذن يكون مغفلًا ذلك الذي يتمسك بالدنيا ويترك الآخرة. جزاك الله كل خير يا مولانا، وربنا يكرمك يا رب ويمنحك الصحة، شكرًا.
عقوبة عقوق الوالدين في الدنيا والآخرة وعلاقتها بالشرك الخفي
[المذيع]: سؤال من الإس إم إس مولانا: البعض يتساءل هل عقوبة عقوق الوالدين في الدنيا وفي الآخرة معًا؟
[الشيخ]: طبعًا، في الدنيا أقل ما فيها أن أولاده يعقّونه؛ كي يشعر بالألم فيما أجرم وفيما فعل.
أما في الآخرة فكما قلنا، انظر كيف أن الله سبحانه وتعالى ينهانا عن الشرك، فالشرك منه ظاهر ومنه خفي. الرياء مثلًا نوع من أنواع الشرك، كأن أصلي ركعتين ولكن بنية خبيثة حتى يراني الناس وأنا أصلي، فكأني أقول: ها أنا أصلي انتبهوا! فهذا رياء.
الرياء شرك خفي وعقوق الوالدين من أنواع الشرك الخفي في الآخرة
والرياء يدب في القلب دبيب النمل. ماذا يعني الرياء؟ يسمونه الشرك الخفي، يعني حتى يمكن أن يخيل عليّ الرياء هذا.
ما هي عقوبة الرياء عند الله؟ يقول [الله تعالى]:
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من نازعني ردائي أخذته ولا أبالي»
يبقى إذن: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، ومن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي. فالرياء نوع من أنواع الشرك، والكبر نوع من الشرك الخفي.
ولذلك نحن أمام عقوبة العقوق في الآخرة عقوبة سيئة جدًا؛ لأنها تكون كنوع من أنواع الشرك الخفي.
ختام الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة على حديثه عن بر الأم
[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أعزائنا المشاهدين، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
