والله أعلم | كيفية تحقيق الرضا و ما هي أسباب عدم تحقق الرضا | الحلقة الكاملة - تصوف, والله أعلم

والله أعلم | كيفية تحقيق الرضا و ما هي أسباب عدم تحقق الرضا | الحلقة الكاملة

43 دقيقة
  • الرضا بقضاء الله يتولد من التوكل على الله الذي يُحدث في نفس الإنسان تسليماً لمراد الله.
  • العقيدة والأخلاق في الإسلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، فالعقيدة تقرر أن الكون من خلق الله ولا يكون فيه إلا ما أراد.
  • الرضا بقدر الله لا يعني عدم الدعاء برفع البلاء، بل يجتمع الرضا مع الدعاء، فالعين تدمع والقلب يحزن.
  • الرضا يحول المحنة إلى منحة، فالمؤمن يدرك أن ما يصيبه من ألم يرفع درجاته ويحط خطاياه.
  • الإنسان الذي لا يتوكل على الله لا يمكنه أن يصل إلى التسليم ثم الرضا، فيعيش في تعاسة مهما امتلك من متاع الدنيا.
  • الذكر والفكر والتخلية من الصفات السلبية والتحلية بالصفات الإيجابية طريق لترقية النفس من الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة فالراضية فالمرضية.
  • معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز العرش، فعندما يدرك الإنسان أنه لا قدرة له يصل للرضا الحقيقي.
محتويات الفيديو(49 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن معنى الرضا

[المذيع]: أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وأهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

عزيزي المشاهد، دعونا نتأمل هذا المشهد لسيدنا صلى الله عليه وسلم والأزمات تحيط به من كل مكان ويقول: «إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى». كيف نتأسى بهذا الخلق؟ كيف نُوفَّق إلى الرضا يا ربنا؟ لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد دائمًا أبدًا.

لنسأل مولانا الإمام: كيف نرضى وكيف نُوفَّق إلى هذا المعنى الرائع؟ مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم مرحبًا. ما هو الرضا يا مولانا؟

التوكل على الله يولّد التسليم والتسليم يولّد الرضا

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك ما يُسمى بالتوكل على الله، هذا التوكل على الله يُحدث في نفس الإنسان تسليمًا لمراد الله.

هذا التسليم بمراد الله يتولد عنه الرضا.

﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]

يرضى عن الله كما أن الله يرضى عنه، أنا أرضى عن الله. نعم، كيف؟ سأقول لك كيف: إنكم تريدون أن نفهم كيف نصل إلى التوكل الذي يولّد التسليم الذي يولّد الرضا. هذا هو سؤالك: كيف أصل إلى الرضا؟

كيف يكون الإنسان راضيًا مسرورًا رغم الأزمات والكوارث

أي أنني راضٍ مسرور، شخص مسرور. ما الذي أسعدك؟ ها أنت قد نزلت عليك أزمات، وأتتك كوارث، وأصابك ضيق شديد، وأنت مسرور، من أي شيء؟

نعم، أنا راضٍ، لأنني راضٍ. هذا يأتي كيف؟ إنه التوكل على الله. فالعقيدة والأخلاق في ديننا مرتبطة ارتباطًا عضويًا كما يقولون في الأدبيات، أي ارتباطًا شديدًا كالعضو الواحد بالعقيدة.

العقيدة الصحيحة أساس التوكل: الكون من خلق الله ولا يكون فيه إلا ما أراد

العقيدة تقول أن هذا الكون من خلق الله، ولا يكون في كونه إلا ما أراد. إذا لم يعتقد هذه العقيدة وفكّر لنفسه أنه له حول وقوة، وأنه فاعل، وأنه خالق، وأنه قادر، فإنه حينئذٍ لا يستطيع أن يصل إلى التوكل الصدق الحق على الله.

فلا يمكن أن يتولد التسليم، فلا يمكن أن يوجد هذا الرضا. هذا الرضا هو حفيد التوكل؛ عندما لا يكون التوكل موجودًا ولا يكون أبناؤه موجودين، فكيف سيتواجد الحفيد؟ في السلسلة إذن لا توجد هذه السلسلة.

أصل العقيدة: الكون الفاني من خلق الله ولا يقع فيه إلا ما أراد سبحانه

فيكون إذن أول شيء العقيدة التي تقول أن هذا الكون الفاني الذي له بداية وله نهاية، والذي يُولد أحدنا فيه ويشبّ من طفل إلى شاب إلى كهل إلى شيخ إلى هرم فيموت، أن هذا الكون هو من خلق الله. هذه أول العقيدة التي نعرفها جميعًا.

هذا الكون من خلقه. ثم خذ الثانية: أن في هذا الكون لا يكون فيه إلا ما أراد سبحانه وتعالى. ماذا يعني هذا؟ يعني أنا الآن أشعر بضيق، فهل هذا يعني أن الله لم يخلق لي الرضا؟

إذا لم يخلق الله الشيء شعر الإنسان بنقيضه مباشرة

وعندما يخلق الله لي الرضا سأكون في ضيق؟ إذا لم يخلق الله لي النور سأكون في ظلمة، وإذا لم يخلق لي الحرارة سأكون باردًا. فإذا لم يخلق الله سبحانه وتعالى الشيء، فسأشعر مباشرة بنقيضه.

ربنا لم يُقدّر لي الخير، فأنا في شر والعياذ بالله. ربنا لم يُقدّر لي الراحة، فأنا أتعب إذن. وماذا أفعل؟

ولذلك يقول لك بعض الفلاسفة: هناك أن الله لا يخلق الشر. انتبه، ليس أنه لا يخلق الشر فقط، بل هو لا يخلق الخير. انتبه، ولا يخلق النور، ولا يخلق ابني. انتبه، إنه لا يخلقهم خلاص.

حقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله وأن الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي

إذن أنا ليس لدي ابن، وهكذا. فالله سبحانه وتعالى خلّاق، ولكنه لم يخلق لي أنا. لماذا هكذا؟ إذن فهذه هي الحقيقة: لا حول ولا قوة إلا بالله.

عرفنا أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، فعرفنا أنه لا حول لي ولا قوة. وما الحول والقوة إلا بيد من؟ إلا بالله. الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي والقادر الحقيقي والعالم الحقيقي والموجود الحقيقي.

إذا نُسي هذا الكلام، سأعيش المشكلة، فيقول: هذه مشكلة وأنا متضايق وأنا مضطرب وأنا متعب.

المحنة منحة في حقيقتها لأن فيها أجرًا وثوابًا ورفعًا للدرجات

حسنًا، افترض أنني أتذكر أن ما أنا فيه إنما هو لأن الله أراده، فأقول له: حسنًا، أنت أردت يا ربي. لماذا؟ وأرجع للشريعة فأجد:

قال رسول الله ﷺ: «حتى الشوكة يُشاكها المؤمن له بها أجر»

الله! هذه فرصة يا مولانا. ماذا تعني فرصة؟ هذه فرصة، هذه منحة، ولكنني أراها من داخلها محنة، إنما هي في حقيقتها منحة. لماذا؟ لأنني جالس يُكتب لي درجة عند الله، وجالس يُكتب لي ثواب عند الله، وتُوضع عني آثام كنت قد اقترفتها عند الله.

فهذه الضيقة ليست بالضيقة، فأكون فرحًا وإن كنت متضايقًا، ولكني فرحان. وهذا ممكن.

مثال المرأة عند الولادة: الألم الشديد مع الفرح العميق بالنعمة

وقد قالوا: إن المرأة عندما تلد تتألم غاية الألم من شدة الألم وتقارب الموت، متعبةً وتصرخ، ومع ذلك فهي فرحة فرحًا لأن الله رزقها بالطفل.

هذا الطفل الصغير أو الرضيع الذي يُقال لك عنه بيبي، تحبه حبًا غير مبرر، تحبه حبًا عميقًا - أتفهم ذلك؟ سواء وُلد غير مكتمل النمو أو وُلد مكتمل النمو، سواء وُلد بحالة صحية سيئة، فأنتِ تحبينه وتبذلين النفس والنفيس لرعايته والاعتناء به.

حسنًا، كل هذا الألم، ألم يجعلك تكرهينه؟ لا.

من تدبر فعل الله في الكون وعلم أن البلاء يرفع درجته بلغ مقام الرضا

فكذلك الإنسان إذا تدبر فعل الله في الكون وأن هذا سوف يؤجره، وسوف يرفع درجته به، وسوف يحط عنه خطاياه، وسوف يكون له بذلك حياة أبدية في النعيم، يقول له: هذا ممكن؟ يقول له: ماذا يا رب؟ زِد!

صحيح، يا رب زِد. إن الذي يبلغ مبلغ الإيمان لا يقول هكذا، ولا يدعو على نفسه بالزيادة ولا شيء، وإنما في رضا. يعني حتى الذي يقول: يا رب زِد، هذا لا ينتبه. وأنت ستقول له: ربنا أتعسني أكثر مما أنت متعب، أتعبني؛ لا، لا تقل هكذا.

الشريعة تعلمنا سؤال اللطف في القضاء لا رد القضاء وقصة شيخ دعا لأخته الكفيفة

إذن الشريعة تقول لك قل ماذا؟ قل له: يا رب خفّف.

«لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف فيه»

أتنتبه؟ كان مشايخنا، نعم، يقولون ماذا؟ يقول يا ربّ. أحد مشايخنا أُصيبت أخته بضرر في عينها، أي أصبحت عمياء. فقالوا: يا ربّ، أنت حكمت أن تُصاب بالعمى، سلّمنا. نعم، تعمّدنا التسليم، خلاص يا ربّ، رُدّ عليها بصرها. فردّ الله عليها بصرها!

الله! أخذ بالك كيف! الله! ما هذا؟ ما الذي يحدث؟ إنه التسليم والرضا.

قصة الأعمى الذي توسل بالنبي ﷺ فرد الله عليه بصره

ولكن بإزاء هذه المصيبة وهو أن البنت الصغيرة ذات التسع سنوات أُصيبت عينها، ماذا نفعل بها؟ ندعو الله أن يشفيها فشفاها، يرد عليها بصرها فرد عليها بصرها.

جاء الأعمى إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرد الله عليّ بصري. فقال له: ألا صبرت؟ يعني لماذا لا تبقى على حالك وتصبر؟

قال رسول الله ﷺ: «من أخذ حبيبتيه جازاه بهما الجنة»

قال له: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرد عليّ بصري، فأنا أريد أن أرى. قال: إذن فتوضأ وصلِّ ركعتين، وبعدهما قل:

«يا الله إني أتشفع عندك بمحمد، يا محمد اشفع لي عند ربي أن يرد الله عليّ بصري»

فرد الله عليه بصره. أخرجه الترمذي وهو حديث صحيح. توسل فيه الأعرابي هذا أو الشخص الضرير هذا، هو توسل فيه بسيدنا النبي فاستجاب الله دعاءه. وفي الطبراني أن عثمان بن حنيف فعل هذا في بكرمة مع عثمان بن عفان.

التسليم والرضا يحولان المحنة إلى منحة بفهم لا حول ولا قوة إلا بالله

القضية إذن أمامنا ماذا؟ أمامنا شيء مهم جدًا وهو التسليم والرضا الذي يحوّل المحنة إلى منحة؛ لأنه فاهم، لأنه فهم لا حول ولا قوة إلا بالله، فهم أنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراد الله، فهم أنه لا بد من التوكل على الله حق توكله.

فينتج من هذا التوكل تسليم بقدر الله، حتى لو كنت حزينًا، حتى لو كنت كذا.

قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يغضب الرب»

وأمامنا الصبر، فصبر جميل والله المستعان.

الدعاء برفع البلاء وليس الاستسلام له وأهمية فهم العقيدة في تولد الرضا

الدعاء برفع البلاء ليس الاستسلام للبلاء ولا شيء من هذا القبيل، بل هو الدعاء برفع البلاء وبأن يخلق الله لنا الخير والرفاهية والغنى. فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

ولكن هذا الحال وهذا الفهم من العقيدة هو الذي يساعد على تولّد التسليم في قلب الإنسان والرضا من بعده.

[المذيع]: الحاكم هنا يا مولانا هو إدراك الحقيقة، إدراك أن الله هو الذي ابتلاني وهو الذي يرفع عني هذا البلاء؟

[الشيخ]: هو هذا تمامًا، نعم، نعم، إدراك هذه الحقيقة، إدراك الحقيقة، نعم، العقيدة. نعم، ما هذه؟ جزء من العقيدة، نعم نعم، هي جزء من العقيدة.

الرضا يساعد على الصبر والضراعة ويجعل القلب معلقًا بالله دائمًا

[المذيع]: سأرتاح يا مولانا بعد ذلك؟

[الشيخ]: فأنت دائمًا هكذا. هذا سيساعدك على الصبر، وسيساعدك على تجاوز المحنة، وسيساعدك على أن تصل إلى ما يُسمى بالضراعة والقلوب الضارعة. سيصبح قلبك دائمًا معلقًا بالله، يضرع له.

كلما يضرع له كل ما يفتح الله عليك، وكل ما يثبت الله فؤادك، وكل ما يكتب الله سبحانه وتعالى لك الدرجات والأجور، ويحط عنك السيئات، فتتحسن حتى أوضاعك أمام الملائكة. ستختلف نظرة الملائكة إليك، وسيرونك كرجل مرضيّ عنه محبوب.

إذا أحب الله عبدًا نادى في الملأ الأعلى فأحبه العالم كله

قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب الله عبدًا نادى في الملأ الأعلى: إني أحب فلانًا فأحبوه، فتأخذها الملائكة وتشيعها في العالم كله»

تخيّل أن العالم المحيط بك هذا يحبك، هذه الجمادات والأشياء التي أمامنا تحبك بأوامر إلهية. هل انتبهت؟ إنها تحبك. لا لا لا لا، ستحدث فرقًا، ستحدث فرقًا.

ولذلك سماها أهل الله سعادة الدارين. سعادة الدارين: عين الرضا عن كل عيب كليلة، وعين السخط تبدي لك المساوئ، تبدو لك المساوئ.

الرضا هو الذي يطمئن الإنسان رغم الهموم والمشاكل في الحياة

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلًا بحضراتكم مولانا الإمام، دعونا نرى المشاهد التي نعيشها والعلاج الذي قدّمته لنا قبل الفاصل، وهو أن نبقى مرتاحين بالرغم من أن على أكتافنا همومًا كثيرة.

والذي يقول إنه غير قادر على مفارقة ابنه، أو التي تقول إنها غير قادرة على مفارقة ابنها، ولديّ مشاكل لم أستطع الوصول إلى هذه الوظيفة أو لم أستطع تحقيق ما في ذهني. الحل هنا يكمن في الرضا، فالرضا هو الذي يطمئن الإنسان.

لماذا؟ أتعلم ما معنى هذا الرضا؟

السيدة عائشة ترى أن الله يسارع في هوى النبي ﷺ ومعنى الرضا المطلق

[الشيخ]: السيدة عائشة كانت تلاحظ حال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاحظ أنه وكأنه كلما رغب في شيء تحقق ذلك الشيء، فقالت له: أرى الله يسارع في هواك! الله! أرى الله يسارع في هواك.

أنا أراقبكما من الخارج، وأنت يعني تريد شيئًا معينًا فيحدث فورًا، تريد شيئًا معينًا فيحدث فورًا. هل تدرك؟

كما في الحديث:

«عبدي أطعني تكن عبدًا ربانيًا، تقل للشيء كن فيكون»

يعني كأنك حصلت على استجابة الدعاء التامة لذلك وإلى آخره.

الناحية الأخرى للرضا: النبي ﷺ موافق على كل ما أراده الله

فأهل الله وهم يدرسون هذا الحديث قالوا: ولكن هذا هو يبدو أنه حصل العكس. الدنيا جارية، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راضٍ عن كل شيء.

ما أنت يا رب الذي خلقت هكذا، فوسّع علينا الأرزاق. نعم، أنا أريد الرزق أن يُوسَّع، فضيّقها علينا، ولا بأس. لا يجري شيءٌ إلا وهو خير، هذا هو الرزق الإلهي.

جميل أيضًا، أتلاحظ؟

قال رسول الله ﷺ: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين»

فأعطاني الصحة، نعم، لكي أصلي وأعمل وما إلى ذلك وأصوم.

المرض في ميزان الحسنات وأنين المريض تسبيح عند الله

طيب، وأعطاني المرض. حسنًا، ذلك لأن أنين المريض هو تسبيح، والله تعالى يعطي للمريض ما كان يفعله في حال صحته.

ذلك أن ربنا سيأجرني وسيجعل هذا المرض في ميزان حسناتي يوم القيامة. راضٍ، كأنه مسرور من المرض.

فالإنسان عندما يصل إلى مرحلة الرضا، يظهر للمراقب له أن الله يسارع في هواه. الله! نفس المشهد مع السيدة عائشة، ولكن من ناحية أخرى. يعني أن السيدة عائشة ترى أن سيدنا الرسول كلما يرغب في شيء يحققه له الله، أما عكسها فهو أن كلما أراده الله فالنبي موافق عليه.

تسليم النبي ﷺ المطلق لله حتى في فقد إبراهيم ابنه وحمزة عمه

فلنبدأ نحن من هنا، نعم، لنبدأ بدايتنا من هذه النقطة، فهي كذلك هي الناحية الأخرى. عندما نذهب إلى ذلك نرى ماذا فعل النبي؟ سلّم تسليمًا مطلقًا، مطلقًا.

ماذا يعني؟ أن كل شيء جيد، بما في ذلك الحزن، وبما في ذلك الألم. نعم، بما في ذلك أنه فقد إبراهيم ابنه، وفقد حمزة عمه، وفقد. نعم، بما في ذلك هذا.

لكنه راضٍ يا أخي، راضٍ. كيف؟ أليس الله هو الذي خلق؟ نعم، حسنًا أنا راضٍ.

رضا النبي ﷺ عند كسر رباعيته وخوفه على أمته من عاقبة أفعالهم

هل يُفلح قوم أدموا فم نبيهم؟ والله لن يُفلحهم أبدًا. ولكن عندما كُسرت رباعيته، كان راضيًا، راضيًا.

هو هكذا، هو خائف عليهم. هو يقول لهم هكذا: ستذهبون في داهية، أنتم أحرار أبدًا. ما هو يحاول إبعادهم عن النار، لكنه راضٍ.

فهذا الرضا المطلق هو الذي يتولد من قضية التسليم لله وفعله في كونه. افعل يا رب في كونك ما شئت، أنا لست متبرمًا ولا معترضًا، أنا موافق على كل ما تفعله، وأدعوك يا رب أن تسترها معي، وأن تخفف عني، وأنك كذا وأنك كذا.

البلاء من الله ليس للإهمال بل ليستغفر العبد ويتضرع ويرجع إلى ربه

في نفس الوقت، في نفس الوقت، نعم، نعم. لأنك في الأصل لو أنه أنزل عليّ البلاء فقلت ماذا يعني؟ إنها مرحلة أخرى سيئة: أنت لا تبالي ولا أنا.

لقد فعلت ذلك لك لتستغفرني، لتستغفر الله، لترجع إليه، لتتضرع إليه، لتنكسر أمامه، لتنكسر له، لا لتقول لي أنا لا يهمني. هل تفهم؟

ولذلك عندما تحدث المحن نرضى، أي نُسلّم أمرنا وندعو الله.

الصبر عند الصدمة الأولى والدعاء بعد الرضا بمراد الله سبحانه وتعالى

ولذلك:

قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتحزن وتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»

قال رسول الله ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

وإنما الدعاء بعد هذا الصبر والرضا بمراد الله سبحانه وتعالى وبفعله. هكذا يكون الحال: التوكل في الرضا، في التسليم، في الرضا، في الدعاء. يكون هذه هي الوظائف التي يعيش بها الإنسان.

الصوفية يصفون لذة الرضا بأنها لو عرفها الملوك لقاتلوهم عليها

الجماعة الصوفية تقول لك: إنا نشعر بأشياء لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها، من شدة اللذة التي يشعرون بها. وكأن أحدهم يعيش كملك، فهو الآن راضٍ عن كل شيء، مسرور من كل شيء.

حسنًا، هذا الانبساط يجعله يعيش نوعًا من أنواع التفاخر؟ لا لا لا، إنه منكسر.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم»

فهو منكسر لله ويدعو الله في نفس الوقت مع التسليم والرضا بالخير.

دعاء النبي ﷺ عند رجوعه من الطائف ومعنى إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي

[المذيع]: نعم مولانا الإمام، يعني سيدنا النبي في عز الأزمة وهو راجع من الطائف: «إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى». انظر إلى التسليم! أنا أريد أن أفهم هذه العبارة، أريد أن أفهم أنه يقول له:

[الشيخ]: يا رب، أنت تفعل هذا بي ترقية أم تدنية؟ فإن كنت تفعله ترقية فلا أبالي، وإن كنت تفعله بي تدنية فاغفر لي.

هل انتبهت كيف أنه إذا تواضع لله فرفعه؟ إنه يخاطب ربنا، أدّبه ربه فأحسن تأديبه، صلى الله عليه وآله وسلم.

معنى التسليم المطلق في دعاء النبي ﷺ وأن الرضا بقدر الله هو جوهر الإسلام

فإن لم تكن بك عليّ غضب، يعني هذا ناتج من غضب؟ لا، ليس من غضب. لا أبالي، حسنًا. فهذا معناه أنني مسلّم. نعم، أنا مسلّم، مسلّم.

ورضا الله ماذا يعني؟ أتعبوني، ضربوني، لا أعرف أقبل ماذا مما أفعله وماذا أفعل؟ أنا مسلّم. ماذا أفعل يعني؟ هذه أرضه وهذه سماؤه، ماذا أفعل؟ ماذا؟ أأخرج من سمائه أو من أرضه؟ مستحيل! خلاص.

إن لم يكن بك عليّ غضب، وإن كان بك عليّ غضب فلك العتبى حتى ترضى.

التوبة والاستغفار عند البلاء والتواضع الذي يولد التوكل والتسليم والرضا

نعم، إذا كان بك [عليّ] غضب، سبحانك أتوب إليك، أرجع. إذا كانت هذه علامات لأني أتضرع إليك بالمغفرة، بطلب المغفرة، أنا أفعل هذا فورًا.

إذا كانت هذه ليست عن غضب، والله ولا أبالي ولا يهمني. حسنًا هكذا. فإذا هذا التواضع الذي لم يجعل، لم، لم يحكم هو. يعني الدعاء هذا فيه توكل على الله، والتوكل ينشئ التسليم، والتسليم ينشئ الرضا.

فهو هذا الدعاء الذي سلّم فيه أمره لله، فحدث هذا الرضا لقدر الله وفعل الله.

هل الرضا بالقضاء والقدر هو معنى الإيمان بالقدر خيره وشره

[المذيع]: مولانا، فضيلتك كنت تعلمنا الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. حسنًا، هل معنى من معاني الإيمان هو الرضا بهذا القضاء والقدر خيره وشره؟

[الشيخ]: لا، هو درجة من درجاته. يعني هو أصل. انتبه أن الإيمان له بداية، نعم، وهو التصديق. فالإنسان الذي يصدّق بالقضاء خيره وشره مؤمن؛ لأنني لا أكلّف الناس ما لا تطيق.

ولأنه عندما قال له في حديث جبريل: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه. ولكنه لم يتركها هكذا، بل قال: فإن لم تكن تراه، يعني أن هناك طائفة أخرى من الناس لن تستطيع أن تصل إلى درجة أن تعبد الله كأنك تراه.

بابا القلب: باب الحق وباب الخلق وأثرهما في الوصول إلى الرضا

فإن لم تكن تراه فهو يراك. إذا لم يكن لديك استحضار تام بقلبك الضارع المفتوح على الله سبحانه وتعالى ليلًا نهارًا، فاعلم أن هناك إلهًا بعقلك. أي أننا انتقلنا هنا من القلب إلى العقل.

إذا كان قلبك لا يعمل فليعمل عقلك يا حبيبي؛ لأن عقلك هذا هو المشترك بين البشر. كل البشر لديهم عقل، أما الذي ليس لديه عقل فقد سقط عنه التكليف، فلا يوجد تكليف ولا خطاب له.

وهنا للقلب بابان: باب على الخلق وباب على الحق. فإذا كان باب الحق مفتوحًا، فحينئذٍ تدخل منه الأنوار، وقلبك ضارع متعلق بالله سبحانه وتعالى.

إغلاق باب الحق يمنع التوكل والتسليم والرضا ويجعل الإنسان غافلًا

لكن لو كان [باب الحق] مغلقًا فيجب عليك أن تفكر وتعلم أن الله سيراك. ولذلك كلما تذكرته كلما استحييت منه، وكلما امتنعت عن الخطيئة، وامتنعت عن الأذى، وامتنعت عن كذا وكذا وكذا.

ومن غير هذا التصور لا يوجد رضا، فلا يوجد تسليم، فلا يوجد توكل، فلا يوجد باب مفتوح على الخالق سبحانه وتعالى، وحينئذ يكون غافلًا.

[المذيع]: مولانا الإمام، دعني أسأل من ناحية أخرى: ما الذي لا يجعل الناس راضية، بالرغم من أننا لسنا نتحدث عن فكرة الألم وفكرة المشكلة والأزمة؟ لا، أناس لديهم أموال وأناس تعيش مرتاحة، مما نراه بعين البشرية القاصرة هذه، وفي النهاية لا تجدها راضية. ما [سبب] عدم تحقق الرضا في الحياة؟

إغلاق باب الحق وفتح باب الخلق يجعل الإنسان يبحث عن السعادة في الدنيا فلا يجدها

[الشيخ]: غافلًا، قفل باب الحق سبحانه وتعالى. الدنيا عندما نغلق باب الحق ونفتح باب الخلق يصبح أمامنا سؤال: كيف أكون سعيدًا؟ كيف أكون سعيدًا؟

هذا يجعلني أقول: حسنًا، سأكون سعيدًا عندما أركب سيارات فارهة فاخرة، فأركب ثم أجد أنه لا توجد سعادة، لا توجد سعادة. وبعدها أقول: طيب ربما عندما يكون عندي ولد فيتزوج، فلا يجد فيها سعادة، وأصبح عندي ولد فلا أجد فيها سعادة.

حسنًا، الأكل ليس فيه سعادة. إذن ما هي السعادة؟ كيف أجد هذه السعادة؟

السعادة الحقيقية بالتوكل والتسليم والرضا لا بالمال والسلطة واللذات

السعادة بالتوكل الذي يولد التسليم الذي يولد الرضا. هذه هي السعادة: القناعة والاكتفاء الذي يحدث بالرضا.

لا يوجد رضا، لا توجد سعادة حضرتك. أنا لأنني فتحت باب الخلق أصبحت أجرّب: المال لم ينفع، السلطة لم تنفع، الولد لم ينفع، الصحة لم تنفع. إذن ماذا؟

وكثير جدًا من الذين أغلق الله عليهم قلوبهم ووضع عليها الران يحاولون ويسيرون في قصة اللذات، وكلما يوغل في اللذات كلما يشعر بتعاسة أكبر وأكثر، بل وألم.

الله يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع الرجوع وأكثر المجتمعات رفاهية أكثرها انتحارًا

وهنا يبدأ يتعجب ويكتشف أن هذا ليس الطريق، فنقول له: حسنًا، ارجع. والله كثير جدًا منهم قال لي: لست قادرًا، لست قادرًا أن أرجع، لست قادرًا أن أرجع من الطريق [الخاطئ] الذي سرت فيه.

نعم، انتبه!

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

إلى هذا الحد أنه يمشي في الطريق حتى يحول الله بينه وبين قلبه فلا يستطيع حتى الرجوع وهو يتألم.

حتى الإحصائيات والدراسات النفسية تقول إن أكثر المجتمعات رفاهية في أوروبا تحديدًا أو المجتمعات الغربية هي أكثر المجتمعات تشهد حالات انتحار.

سؤال المذيع عن النفس الراضية والنفس المرضية ومراتب النفس السبعة

[المذيع]: فاصل، نعود إليكم مرة أخرى لنعيش بشكل صحيح فنكون سعداء بالرضا. أهلًا بكم أعزائي المشاهدين. جميل يا مولانا أن نكون سعداء بهذه التراتبية وبهذا الحل والوصفة الإلهية التي أخبرتنا عنها فضيلتك. هذا يجعلني أسأل: ما هي النفس الراضية والنفس المرضية؟

[الشيخ]: الراضية والمرضية هذه عبارة عن مراتب من مراتب النفس السبعة؛ النفس إما أن تكون أمارة بالسوء، ثم بعد ذلك إذا ترقّت فتكون لوامة تلوم صاحبها على أفعال أو على تقصير يقصّر فيه في الطريق إلى الله.

ترقي النفس من الأمارة إلى الملهمة فالراضية فالمرضية فالمطمئنة فالكاملة

ثم تصبح ملهمة:

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8]

فهي ملهمة، ثم بعد ذلك تترقى إلى الراضية فالمرضية فالمطمئنة:

﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]

يعني ثم بعد ذلك الكاملة. الراضية والمرضية هذه تعني أنها درجة من درجات النفس.

وبعض أهل الله يقولون لك إن الملهمة والراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة كلها درجة واحدة. يعني هي ثلاث درجات: إما أمارة، أو لوامة، أو ملهمة.

برنامج ترقي النفس المأخوذ من القرآن: الذكر والفكر والتخلية والتحلية

كيف أصل إلى ذلك؟ فوضعوا برنامجًا مأخوذًا من القرآن. ما هو البرنامج؟ هذا البرنامج قالوا إن الطريق في ترقي النفس محاط بالذكر والفكر.

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

يعني القرآن كله ذكر:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

حتى القرآن اسمه ذكر.

الذكر والفكر والتخلية والتحلية طريق ترقي النفس من الأمارة إلى الراضية المرضية

فالذكر:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]

يبقى الذكر والفكر. وفي هذا الطريق الذي يترقى الإنسان فيه من الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة التي منها الراضية والمرضية: الفكر، الذكر والفكر، والتخلية والتحلية.

التخلي والتحلي: تخلٍّ من كل قبيح: الكبر، الحقد، الحسد، والغل. والتحلي بكل صحيح: التواضع والحب وهكذا.

والصفات السلبية هذه: الكراهية والعنف وما إلى ذلك، هي التي تعيق الإنسان في الوصول إلى هذا التوكل وهذا التسليم وهذا الرضا.

الإخلاص لله وعدم الالتفات إلى ما سواه وعدم الفتنة بالنعم والكرامات

أيضًا عندهم أن الله مقصود الكل فلا تلتفت إلى ما سواه:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]

ومعنى عدم الالتفات في هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى: كثير من الإشراقات، إشراق هذا نعمة فلا تقف عندها.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

كما أنك لا تُفتن بالمال ولا تُفتن بالقوة ولا تُفتن بالعلم ولا تُفتن بنعم الله المختلفة، كذلك لا تُفتن لا بالكرامات ولا بالرؤى ولا بهذه الأشياء كلها.

هذا الكلام ليس وحش الكلام، هذا الذي هو الإشراقات هذه نِعَمٌ من نِعَم. المال ليس سيئًا، الصحة ليست سيئة، العلم ليس سيئًا، لكنها نِعَم. إنما متى تُؤاخذ عليها؟ عندما تستعملها في غير ما هي له.

الطريق إلى الله محاط بالشريعة والكتاب والسنة ويؤدي إلى فهم لا حول ولا قوة إلا بالله

هذا الطريق الذي يشتمل على الذكر والفكر، التخلية والتحلية، القصد الموجه من غير التفات، يكون محاطًا بالشريعة بالكتاب والسنة.

هذا هو الذي يؤدي في النهاية إلى الراضية والمرضية، هذا هو في النهاية الذي يؤدي إلى الفهم الدقيق لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله.

يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري:

قال رسول الله ﷺ: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش»

هكذا النص.

الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري كلها منسوجة من لا حول ولا قوة إلا بالله

فجاء ابن عطاء الله السكندري وهو من أولياء الله، مدفون عندنا هنا في القاهرة في سفح المقطم، وألّف شيئًا اسمه الحكم العطائية، أكثر من مائتي حكمة كلها تعني لا حول ولا قوة إلا بالله.

انظر، انظر الآن بأفصح العرب - الله! - نعم. كلها تكلموا وانبهر الناس بها وشرحوها وفصّلوها. وكلما تتعمق في حكمة وتفصّل فيها وترى أصولها تصل إلى لا حول ولا قوة إلا بالله. كلما تتناول حكمة وتصل إلى أنها منسوجة من لا حول ولا قوة إلا بالله. الله!

سيد البشر ﷺ نصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين

هذا سيد البشر، يعني هذا والله يعني فعلًا هكذا: الأمانة ونصح للأمة، وجاهد في سبيل الله ورفع الغمة حتى أتاه اليقين عليه الصلاة والسلام. ما هذا؟ ما هذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش.

فهذا كثير جدًا، الناس ترى لنفسها حولًا ولنفسها قوة، وهذا يؤدي إلى التشويش على النفس الراضية المرضية، ويؤدي إلى التشويش على الوصول إلى مراقي العبودية، ويؤدي إلى التشويش على التخلية والتحلية والذكر والفكر.

اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك.

أسئلة من المشاهدين: سؤال عن إيذاء الأم بجهاز التنفس الصناعي وسؤال عن أخ قاطع أمه عشرين سنة

[المذيع]: مولانا الإمام، معي الأستاذة نادية والأستاذة مها. يا أستاذة نادية أهلًا بك.

[السائل]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل يا سيدي، أنا والدتي قبل أن تُتوفى المريضة، وبعد ذلك دخلت المستشفى يومين بالضبط العلاج المركّز، فوضعوها على جهاز التنفس الصناعي، وكانت تتألم منه ولا تريده، وكانت تشير إلى أن يُزال. نحن لم نسمع كلامها وسمعنا كلام الأطباء ولم نسمع كلامها، فهي توفّت. نحن بذلك نكون آذيناها لأنها كانت تتألم منه جدًا جدًا جدًا جهاز التنفس هذا؟ شيء آخر، ماذا أفعل لها أنا وإخوتي نحن أربع بنات لكي تستفيد بعد الممات؟

حاضر يا أستاذة نادية. أستاذة مها، سؤال حضرتك.

[السائل]: ألو، السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل يا سيدتي لو سمحت. كنت أريد أن أسأل شيخنا عن والدتي المتوفاة، وكانت قد أوصت أن لي أخًا لأنه كان يحبها جدًا جدًا جدًا قبل أن يتزوج، منذ عشرين سنة مقاطعها تمامًا، وبسبب الميراث وما شابه، مع أنها أعطته حقه وزيادة، ومع ذلك لم يصلح العلاقة معها ولم يرضَ أن يكلمها.

فهي وصّت إلى درجة أنه لا يحضر جنازتها ولا يتقبل العزاء فيها، ونحن بالتالي لا نريده أن يرث فينا نهائيًا. فلا أعرف هل هذا حرام أم حلال؟ وهي أيضًا كانت قد سألت شيخًا في الأزهر إذا حرمته من شيء، قال لها: حتى لا تزيدي حقده أكثر.

لأنه بعد أن تزوج لا نعرف ماذا حدث له. هذا أخوك، نعم. حسنًا، عشرون عامًا وهو لا يتحدث معها. لا إله إلا الله. حسنًا، حسنًا عشرون عامًا، وبالتالي أنا وإخوتي لا نريد أن يرث منا أي شيء إطلاقًا. فهل هذا حلال؟ لأنه يعني حتى الآن يعني هي توفّيت الحمد لله، الحمد لله كانت تبتسم ابتسامات وتضحك بحق. ربنا يرحمها، وقال لنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكلها تُشاهد وكلها كانت مسرورة.

هو الآن أنا أريد أن أعرف ماذا يمكن أن يفعل ربنا به بعد الذي فعلوه به؟ هذا، والذي الآن يريد أن يرث فيها.

حكم وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي وما يفعله الأبناء لأمهم بعد وفاتها

[المذيع]: رحمهم الله، يعني والدة الأستاذة نادية ووالدة حضرتك أستاذة نادية تقول: هل نحن آذينا والدتنا بفكرة التنفس الصناعي هذا؟

[الشيخ]: لا، لا توجد إيذاء ولا شيء؛ لأن المريض لا يملك القرار النهائي. يعني ونحن نفعل هذا ليس بغرض يعني الإيلام، ودائمًا العلاج مؤلم، العلاج أصلًا مؤلم، ونحن نرجو له الصلاحية.

وكان سيدنا رسول الله مرة في حمى ومرض وما إلى ذلك، وأرادوا إرغامه على أخذ الدواء، فكان يشير إليهم أن هذا يؤلمه أو نحو ذلك، وهم يصرّون. فبعدما قام واسترد عافيته قال لهم: حسنًا، سأفعل بكم كل ما فعلتموه بي، لتعلموا مدى الذي أنتم فعلتموه. يعني أو الألم هكذا.

فلا، وفعل فيهم هذا أو حاول أو كذا، قال له أشياء بسيطة هكذا، بحيث أن المريض يكون متضايقًا يعني، يكون نفسه ضيق. فأنا أقول لنادية: لا، ما أنتم لم تخطئوا في هذا.

ما يُفعل للوالدة بعد وفاتها من صدقة وقراءة قرآن ودعاء

السؤال الثاني الخاص بها أنه حسنًا، ماذا نفعل لها؟ كل أنواع الخير: اعملوا لها صدقة، كلما قرأتم القرآن هبوا ثوابه لها، كلما دعوتم أشركوها معكم في الدعاء، وهكذا.

حكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة وعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر

طيب، السيدة مها رحم الله والدتها تقول الآن: أخوها الذي قطع والدته عشرين سنة يا مولانا.

نعم، هو قطع. هذا حسابه عند ربه، وعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر، يعني مذكورة بعد الشرك بالله مباشرة. السبع الموبقات هي الشرك بالله...

إنما مها عليها أن تهتم بنفسها مع ربها، لا أن تلتفت إلى أخيها الذي أجرم هذا الإجرام وتريد هي أن تقوم بمحاسبته أو ما شابه ذلك.

وما دام هناك تركة للوالدة فهذا الأخ سيرث، ولعله أن ينتفع، أي يتوب إلى الله قبل الفوت والموت، أو لا يتوب هو حر. يعني هذه مسألة تخص ربنا وقدر ربنا.

قطيعة الرحم من شعب الكفر والأخ العاق يرث شرعًا ولا يجوز حرمانه

لكن أن يتزوج فيمكث عشرين سنة مقاطعًا لأمه، هذا كلام يعني هو من أعمال الكفر وليس من أعمال الإيمان. نحن لا نكفّره، لكن هذا من أعمال الكفر. هل تفهم؟ كل المعاصي من شعب الكفر، وكل الطاعات من شعب الإيمان.

فالذي هو يفعله هذا يا مها، هذا من شعب الكفر. لكن أيضًا هو سيرث؛ لأنه وارث من الورثة.

تقول ماذا؟ أنه لا نريده أن يرث منا أيضًا؟ هو بالطبع يرث معكم منها. هذه قضية. يرث منا، منا هذه معناها أنكم ليس عندكم مثلًا يعني ذكور، يكون هناك فقط بنات وكذا إلى آخره. أيضًا هذا ليس أمرًا شرعيًا أن تبحثي عن شيء تتهربين به أو تهربين به التركات من هذا الأخ الفاسق أو هذا الأخ المنحرف. اتركيها لله؛ لأن كل هذا إن لم يتب إلى الله سبحانه وتعالى سيكون في ميزان سيئاته يوم القيامة.

وصية الأم بعدم حضور الابن جنازتها ليست وصية شرعية ولا تحرم الميراث

[المذيع]: حسنًا، ففي لحظات سريعة يا مولانا، كيف يتعاملون مع ما يشبه وصية الأم التي تقول لهم: لا، أنا لا يحضر بجنازتي؟

[الشيخ]: وهذا ليس فيه توصية، ليست وصية هذه. لا، ما هي بوصية، ولا يُحرم الميراث هذه أيضًا بالكلمة التي قالتها. لا تصلح، لا تصلح.

هي تقول شيئًا تعبّر بها عن آساها، تعبّر به عن عقوق هذا الولد، تعبّر به عن مدى جرمه، تعبّر به عن غضب الله عليه، شيء من هذا القبيل.

ولكن عندما ننتقل إلى ظواهر الحقوق والواجبات، سنعطيه حقه وليذهب بعيدًا به.

خاتمة الحلقة وكلمة ابن أدهم عن الناس والعلماء

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم مولانا، أهلًا وسهلًا بكم.

سُئل إبراهيم بن أدهم عن الناس فقال: هم العلماء. إلى اللقاء.