والله أعلم | كيف نحقق التوكل على الله بلا تواكل ؟ | الحلقة الكاملة - تصوف, والله أعلم

والله أعلم | كيف نحقق التوكل على الله بلا تواكل ؟ | الحلقة الكاملة

53 دقيقة
  • التوكل على الله مبني على الرضا بفعل الله في كونه والتسليم له في كل شأن.
  • الرضا يقتضي عدم التبرم والاعتراض، ويتولد عنه الصبر عند الابتلاء.
  • ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها وحدها شرك، فالمتوكل يعمل بالأسباب مع تفويض النتائج لله.
  • يجب اتخاذ الأسباب المشروعة مع الدعاء، كما في حديث النبي "اعقلها وتوكل".
  • قال النبي: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير"، فالطير تسعى ولا تبقى في أعشاشها.
  • التواكل هو ترك الأسباب والاعتماد على الله دون سعي، وهو مخالف للشرع.
  • حتى الأنبياء كانوا يأخذون بالأسباب: النبي ارتدى درعين في أحد، ومريم أُمرت بهز جذع النخلة.
  • السعي بين الصفا والمروة تذكير بسعي هاجر وأهمية العمل مع التوكل.
  • التوكل درجات كسائر الطاعات، وكلما ازدادت الأعمال الصالحة ازداد نور الإيمان في القلب.
  • الاستهتار والاستهانة منافيان للتوكل، والمؤمن جاد في حياته وأعماله.
محتويات الفيديو(58 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بموضوع التوكل والتواكل بين الشباب

[المذيع]: أسعد الله مساءكم بكل خير، أرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من والله أعلم.

في هذه الأيام نجد خصوصًا ما بين الشباب والفئات العمرية صغيرة السن إلى حدٍّ ما بعض المفاهيم الخاطئة، يعني نرى من يُقصِّر مثلًا في الاجتهاد في تحصيل العلم أو في المذاكرة أو في الدراسة الجماعية الخاصة أو حتى المدرسية، أو نرى من يُقصِّر بعد ذلك في البحث عن مصدر عمل ويستسهل الجلوس في البيت والاعتماد على الأهل بدلًا من أن يجتهد في البحث عن عمل.

وربما يكون الرد ببساطة: دعها على الله، سألقيها على الله، وربنا إن شاء الله سيحلها لي، وربنا يرزق النملة. نسمع أشياء من هذا القبيل، وهو في ذاته يعتقد بأنه بهذا الشكل وبهذا المعتقد هو يتوكل على الله، يعني بمنتهى البساطة رمى حمله على الله.

طرح موضوع الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة وسؤال حقيقة التوكل

ولكن هنا يحدث تشابك ما بين مفهوم التوكل على الله ومفهوم التواكل. في حلقة هذا المساء إن شاء الله مع فضيلة الدكتور سنحاول أن نبحث في هذا الأمر، ولكي نفض الاشتباك في هذه المسألة: الفارق بين التوكل والتواكل.

اسمحوا لي في البداية أن نرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا بكم.

[المذيع]: بدايةً مولانا، ما حقيقة التوكل على الله؟ ما المعنى أو ما المقصود بأن دائمًا نعتمد على سبحانه وتعالى ونتوكل على الله سبحانه وتعالى، وما هو الفرق بين هذا الشعور والإحساس والمفهوم وبين التواكل؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. التوكل على الله مبني على الرضا وعلى التسليم؛ رضيت بالله ربًّا ورضيت بفعله في هذا الكون، وسلّمت له أمري، وهذا هو حقيقة التوكل.

حقيقة التوكل مبنية على عمودي الرضا والتسليم لله تعالى

التوكل مبني على عمودين: الرضا بفعل الله في كونه، والتسليم له في أمري وفي كل شأن. هذا هو التوكل.

الرضا يقتضي عدم التبرُّم والاعتراض؛ عبارة "لماذا هكذا يا رب" هذه غير موجودة عند من رضي.

﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]

راضين عن ربنا. فشخص ابتُلي بفقد عزيز لديه، الأمر لله، لله ما أعطى ولله ما أخذ. ولذلك يتولد عن هذا الرضا الصبر؛ كوني أنني فارقت الحبيب، فارقت العزيز، فارقت من أحتاج إليه، من يساندني وهو معيني في هذه الحياة الدنيا، كل هذا مسألة مؤلمة.

الصبر عند الصدمة الأولى وعدم الاعتراض على قضاء الله

إن العين لتدمع وإن النفس لتحزن ولا نقول ما يُغضب الله، لا نقول "لماذا هكذا يا رب"، ليست موجودة هذه العبارة. والصبر يكون عند الصدمة الأولى؛ لأنه يعيش في الرضا.

ولذلك كان وإن بكى وإن حزن، إلا أن هذا الحزن والبكاء ولوعة الفراق لا تؤثر إطلاقًا في الاعتراض على الله، بل هناك رضا وهناك تسليم. خلاص، هو الخيرة فيما اختاره الله، الخيرة في هذا الفقد.

قصة أم سلمة وتعويض الله لها برسول الله بعد فقد زوجها

نعم، أم سلمة يقول لها الرسول ﷺ:

«لعل الله أن يُبدلك خيرًا منه»

فقالت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ أبو سلمة صاحب هجرتين إلى الحبشة ثم الثالثة إلى المدينة، صاحب الهجرات الثلاث. أبو سلمة ما رأت مثله.

فإذا بها قد عوّضها الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو سيد الخلق، الذي هو صخرة الكونين.

فالتوكل حقيقته الرضا والتسليم، هذه حقيقة التوكل.

الدنيا مبنية على الأسباب وترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك

هناك ربنا خلق هذه الدنيا بأسباب. عندما آتي لأقطع اللحم، تجد أن اللحم لا يقبل أن يُقطع إلا بسكين، فجعل السكين قاطعة والنار محرقة تسبب النضج. لا أعرف أن أنفخ في اللحم هكذا فينضج أبدًا، بل لا بد من وضعه على النار، ولا بد من الانتظار أيضًا عليه قليلًا حتى يُسلق أو حتى يُشوى أو حتى يحدث كذا إلى آخره.

ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. إليك حقيقة التوكل: ماذا يعني ترك الأسباب؟ أن أمتنع عن فعل السبب الذي جعله الله وسيلة.

الأخذ بالأسباب مع الدعاء هو حقيقة التوكل كما علمنا النبي

لقد جعل الله لي وسيلة لتوصلني إلى عملي البعيد خمسة كيلومترات أو عشرة كيلومترات، وهي السيارة. فإذا قلت: لا، لن أستخدم السيارة لأنني توكلت على الله، فأنت بذلك تركت السبب.

وهذا سيدنا الرسول ﷺ علّمنا أن لا نترك الأسباب، إنما نعمل الأسباب ثم ندعو الله سبحانه وتعالى بالتوفيق والسداد؛ لأنه هو الذي يوفق وهو الذي يسدد.

الاعتماد على الأسباب دون الله شرك كالعلمانية التي تستغني عن الإله

[المذيع]: فالاعتماد يا مولانا، هل وصل هنا إلى مرتبة الشرك؟ الاعتماد على الأسباب.

[الشيخ]: لو اعتبر أنه هذا [السبب] هو الفاعل وليس الله، أو هذا هو الفاعل والله يعني ينظر إليه هكذا فقط، يعني ليس له عمل. نعم، مثل ما يُسمى بالعلماني أو يُسمى، بغض النظر عن المفهوم العلماني، يعني من يرى بأن العلم هو الأساس في كل شيء، يعني أن العلم هو الذي صنع كل هذا.

يعني عندما أعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد وهبنا العلم وعلّم الإنسان ما لم يعلم وأن هذا العلم هو الذي نرى من خلاله حقائق الأشياء، هذا جيد جدًّا وأنا أتفق مع ذلك. لكن عندما أقول إن العلم بديل عن الإله فنحن لسنا في حاجة إلى ما أمر به وما نهى عنه من خُلق ممدوح أو خُلق مقدوح، فهنا في هذه الحالة أشركتُ بالله.

مفهوم الطوطم والشرك الناتج عن ترك خصائص الألوهية

صنعتُ طوطمًا، والطوطم هو الإله المعبود من دون الله. في إفريقيا كان يُسمى طوطمًا؛ كانوا يعبدون النهر، ويعبدون الشجرة، ويعبدون البقر، ويعبدون أي شيء. فصنعتُ شيئًا هكذا وقلتُ: هذا هو إلهنا. أفهمتَ تمامًا؟

فيكون الشرك هنا ناتجًا من ترك خصائص الألوهية. تعني أنني لا أعتقد في الله أن يكون له علاقة بهذا الأمر، فما شأنه بهذه المسألة؟ لا، ما شأنه بهذه المسألة؟ إذا قلت ذلك فقد أشركت، وهذا غير جائز، وتصبح هذه عقيدة فاسدة وعقيدة سيئة.

الشاب الجالس في بيته متواكل والسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة

[المذيع]: كذلك يا مولانا، لقد أكدت حضرتك في حديثك على جزء اقتران العمل أو الأخذ بالأسباب مع التوكل، مع التوكل. يعني الشاب الذي يجلس في بيته وهو يظن أن الله كتب له هكذا، أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً؟

[الشيخ]: هذا كلام سيدنا عمر. وعندما ذهب إلى عمواس ورأى فيها طاعونًا لم يدخل، فقال له أبو عبيدة: أتفرُّ من قضاء الله؟ قال: أفرُّ من قضاء الله إلى قضاء الله.

نعم، ما هو هنا سأدخل هنا فيكون قدرًا، وهنا [لا أدخل فيكون قدرًا آخر]. وبعد ذلك قال له أحدهم: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:

«إذا كان [الطاعون] بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا كان بأرضكم فلا تخرجوا منها»

معنى لا عدوى في الإسلام مسألة عقدية وليست كونية مع وجوب الحجر الصحي

هل تنتبه كيف أنه يقول: لا عدوى؟ فكيف إذن؟

قال النبي ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة، وفِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»

يبقى "لا عدوى" معناها أن الذي سيخلق انتقال الأمراض هو الله بمشيئة الله وترتيب الأسباب. طيب، أنا كإنسان ماذا أفعل؟ أرى الذي لديه هذا المرض المعدي وأبتعد عنه حتى لا يُصيبني بالعدوى، ويُعمل الحجر الصحي.

نعم، أقوم بالحجر الصحي حتى لا تنتقل العدوى. أنت ألا تقول لا عدوى؟ نعم، هناك عدوى كونية، لكن معنى "لا عدوى" أن الذي أمرضك هو الذي أمرض الأول. افترض أن شخصًا كان أول من أصيب بالمرض، من الذي نقل إليه العدوى؟ لا أحد، لقد سلّط الله عليه الفيروس أو الميكروب فأصابه. سيفعل بك هذا فقط عن طريق ذلك وأنت منتبه.

فمسألة "لا عدوى" هنا مسألة عقدية وليست مسألة كونية. الكون يقول إن هناك عدوى، ونعمل على ذلك، أي أن هناك عدوى فنقوم بالحجر الصحي والتباعد والاحتياط، ونتخذ الإجراءات.

تطبيقات عملية للأخذ بالأسباب في الأوبئة والأمراض المعدية

إذا كنا في أرض فيها كوليرا أو طاعون أو غير ذلك مما لا أعرفه فلا نخرج منها ولا ندخل إليها. نفعل كل هذه الأشياء، وأنفلونزا الطيور نبتعد عنها ونفعل لا أعرف ماذا، من الممكن أن نذبح كل الطيور حتى لا تنتقل إلى الإنسان، ونفعل كل شيء.

الفلاح يُلقي الحَبَّ ثم يدعو قائلًا: يا رب. لكن افترض أنه لم يُلقِ الحَبَّ، لن ينبت الزرع. يكون الذي يُلقي الحَبَّ ويدعو قائلًا: يا رب، هو المتوكل.

نعم؛ لأنه اتخذ الأسباب ثم إنه رضي وسلّم أولًا بأسباب الله في كونه.

حديث لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير

حسنًا، النبي ﷺ ماذا قال لنا؟ قال لنا:

«لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير في السماء، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»

وتروح بطانًا، هكذا قال. قالوا: انظر كيف ذهبت وجاءت. ماذا لو افترضنا أنها جلست في أوكارها وأماكنها؟ لن تُرزق، لن تُرزق.

لا بد أن تترك العصفورة عشها وتسعى لتُحضر بعض الطعام في فمها لأولادها. إن لم تفعل ذلك فلن يكون هناك طعام، ولن يكون هناك طعام، وتفنى الحياة، وتفنى الحياة.

فتغدو وتروح لتأكله هكذا، ثم بعد أن يعرف صغيرها أن يطير فتُطيِّره معها أيضًا كي تُريه من أين تأكل وما هي القصة والحكاية. أليس الله سبحانه وتعالى قد ضرب لنا مثلًا؟

الفرق بين المتوكل الذي يسعى والمتواكل الذي يمتنع عن الأسباب

نعم، هناك فرق بين التوكل الذي يمثله هذا الطائر، حيث يخرج الطائر في الصباح مثل البائع الذي يعتمد على الله. عندما تسأله: ما عملك؟ يجيبك: على باب الله، أُتاجر في أشياء هكذا، لا أدري هل سأُرزق اليوم أم لا، لا أدري هل سأُرزق بمائة أم بألف.

وبعد ذلك يخرج على باب الله هكذا ويرجع مجبور الخاطر. في اليوم التالي لا يوجد معه ولا مليم؛ لأنه معه عشاؤه فقط. في اليوم الثالث نصف ونصف، وفي اليوم الرابع يُفتح عليه مرة ثانية. ما بالُك، يقولون عنه ماذا عندنا في البلد؟ أَرْزَقِي، من الرزق، يعني متوكل على الله هكذا، لا مانع، لا يحدث شيء.

لكن كونك تعتقد أن الامتناع عن الأسباب توكل، لا، هذا لا يصح.

النبي لبس درعين في أحد أخذًا بالأسباب رغم عصمة الله له

فقد استدل العلماء على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحُد خالف بين درعين؛ ارتدى درعًا هكذا ودرعًا ارتداه خلفه، وذلك لكي إذا جاء السيف عليه [يحميه الدرع].

حسنًا، ربنا يقول:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

فهو معصوم أصلًا، فكيف يكون ذلك؟ قال: لا، هو لم يترك الأسباب، وبعد ذلك يتوكل على الله، وهو متوكل على الله ومصدِّق الله.

فإذا ترك الأسباب فهذا جهل، والاعتماد عليها [دون الله]، إذن فهي التي نجّتني؟ من الذي قال لك لا؟ ليس الطبيب هو الذي شفاك، ولا الدواء هو الذي شفاك، ولا الميكروب هو الذي أمرضك، ولا أي شيء.

وجوب التداوي والأخذ بالأسباب وعدم تركها بحجة التوكل

فنحن لدينا في الصحة ما يُسمى حامل المرض وهناك المريض. حسنًا، تداووا فهو أمرٌ منه ﷺ:

«ما خلق الله داءً إلا وخلق له الدواء»

فلا تأتِ وتقول: أنا لن أتداوى، توكلت على الله ولن أتداوى. بذلك تكون قد تركت السبب. ما جعل الله داءً إلا وقد خلق له الدواء.

فيجب عليك أن تتداوى، ويجب عليك أن تذهب إلى الطبيب، ويجب عليك أن تبني بيتك بشكل صحيح، ولا تبنيه على شفا جُرُفٍ هارٍ على رؤوس الذين أنجبوه! لا.

خلاصة الفرق بين التوكل والتواكل والمبالغة في الأخذ بالأسباب

إذن نحن لدينا هنا التوكل والتواكل. التوكل هو العمل بالأسباب مع الرضا والتسليم لله.

نعم، والتواكل هو ترك الأسباب، فهذا تواكل.

[المذيع]: نعم، حسنًا مولانا، هناك بعض الناس يبالغون، أي فكرة الأخذ بالأسباب، هو متوكل على الله ولكن في النهاية يبالغ. يعني مثلًا نجد أناسًا يُفنون أنفسهم ويقولون: لا، أنا أريد أن أؤمِّن نفسي وأؤمِّن نفسي من الغد. حسنًا يا سيدي، أناس يقولون له: دعها على الله، فيقول: حسنًا، أنا أتركها على الله لكنني أجتهد، لا أعرف ماذا سيحدث غدًا. هل هنا تعارض؟ تعارض الأخذ بالأسباب مع حقيقة التوكل على الله بأنه كله مقدر؟

الاستمرار في العمل مطلوب شرعًا وقلة العمل سبب قلة الإيمان

[الشيخ]: نحن نريد أن نعمل عشرين ساعة ونسقط من التعب من هذا العمل، فنحن وراءنا عمل كثير. فالذي يريد أن يبني نفسه والذي يريد أن يجاهد وما إلى ذلك، هذا يُشجَّع وهذا شخص صالح.

﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]

وليس "قل ناموا أو اكسلوا"، لا.

في المخاوف من الغد، يعني يقولون إنني لا أعرف ماذا سيحدث غدًا، بالفعل نحن لا نعرف ماذا سيحدث غدًا. ولذلك حتى في الحديث الذي ضعَّفوه يقول لك:

«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»

يعني استمر في العمل دائمًا.

العمل الدائم توكل حقيقي وقلة العمل سبب ضعف الإيمان

حسنًا، هذا أنا سأموت غدًا وليس لك شأن، اعمل كأنك ستعيش للأبد، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا. هل انتبهت سيادتك كيف؟

فيكون إذا "اعمل لدنياك كأنك تعيش فيها للأبد" نوع من أنواع الاستمرار في العمل. فهذا شخص نحن بحاجة إليه، يا رب أن نكون جميعًا هكذا. ليس هذا نقصًا في الإيمان، لا، هذا نحن في أشد الحاجة لمثل هذا الشخص.

إن قلة الإيمان الموجودة الآن ناتجة عن قلة العمل. ولذلك عندما ألّف الحبشي كتابه الماتع سمّاه "البركة في السعي والحركة". انظر إلى اسم الكتاب: البركة في السعي والحركة.

أي دعنا من فكرة "نَمْ وارتَحْ يأتيك النجاح"، فهذا مبدأ مرفوض تمامًا ومبدأ ليس بالسليم، وما ليس كذلك إنما هو من قبيل التواكل لا من قبيل البركة في السعي والحركة. هذا توكل.

التواكل يؤدي إلى الفشل وسوء العاقبة لا إلى النجاح

[المذيع]: نعم، لكن التواكل يكون في أي شيء؟

[الشيخ]: نَمْ وارتَحْ يأتيك النجاح، لا، لن يأتيه النجاح أبدًا، بل يأتيه الفشل ويأتيه سوء العاقبة.

التوكل درجات كالإيمان يزيد وينقص ومكوناته الرضا والتسليم والحب

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، لو نظرنا إلى القرآن في قوله تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

أو في الحديث الشريف الذي ذكرته منذ قليل: «لو توكلت على الله حق توكله» إلى آخر الحديث. هنا سنجد أن المتوكلين يصلون إلى مرحلة المحبة من الله سبحانه وتعالى، وسنجد في الحديث فكرة "حق التوكل". فهل أفهم من ذلك أن التوكل هذا درجات؟

[الشيخ]: بدون شك، كل طاعات الحب درجات، والتسليم درجات، والرضا درجات، والتوكل درجات، له بداية وله نهاية.

حتى الإيمان درجات يزيد وينقص. أصل الإيمان هذا شيء ثابت هكذا، هو أن نؤمن بالله والأركان الستة هذه: بالله ورسله وكتبه والملائكة والقدر خيره وشره ويوم القيامة إلى آخره.

زيادة الأعمال الصالحة تنير القلب وتزيد التوكل والرضا والحب لله

لكن الإيمان أصبح كلما تزداد الأعمال الصالحة كلما ازدادت القلوب ضراعة لله سبحانه وتعالى، فإنه ينير في القلب فيزداد ويزداد سطوعًا.

وهكذا التوكل، وهكذا التسليم، وهكذا الرضا التي هي مكونات التوكل، وهكذا الحب، وهكذا الحب.

هذا يعني وصل بالمحبين أن يقول أحدهم: والله أنا لستُ خائفًا من نارك، لستُ خائفًا من نارك، ولست طامعًا في جنتك، أنا أحبك أنت.

يعني هذه درجة كبيرة من الحب المشتعل الذي قالوا عنه أن الحب يُهلك إلا إذا كان لله فإنه يزداد.

فاصل وطرح سؤال الحلقة عن كيفية تحقيق التوكل بلا تواكل

[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا. طيب، نخرج إلى فاصل ونعود إن شاء الله من بعد الفاصل لكي نتناقش في أمور أخرى في مقالنا عن التوكل والفرق بينه وبين التواكل.

نطرح عليكم سؤالنا، سؤال الحلقة على الفيسبوك: كيف نحقق التوكل على الله بلا تواكل؟ هذا هو سؤالنا، وفي انتظار إجابات حضراتكم إن شاء الله.

الفرق بين المتوكل الذي ينجز والمتواكل الذي ينتظر غيره

المتوكل ينجز العمل ويسعى لتحقيقه، ولا يجلس منتظرًا أن يقوم أحد بالعمل بدلًا منه. أما المتواكل فهو من ينتظر أن يقوم أحد بإنجاز هذه المصلحة ويأخذ النتيجة لصالح نفسه.

اعقلها وتوكل. حسنًا، ماذا يقول الإنسان؟ لا، خلاص، إنني سأترك الجمل دون أن أربطه وسأعود لأجده مرة أخرى؟ لا، هذا غير مقبول، يجب على الإنسان أن يفعل ما عليه.

هذا الذي فعل ذلك [ترك الأسباب] يُسمى تواكلًا. الذي يجلس في بيته منتظرًا الرزق أن يأتيه، توكل على الله؟ عليَّ أن أقوم بما أستطيع وأتوكل على ربنا أن يُكمل ما بدأته.

التواكل هو ترك العمل والاعتماد على الغش بدلًا من الاجتهاد

أما تواكل الإنسان المهمل فهو يقول لك: يا عمي، دعها على الله وما شابه، ولا يكافح ولا يذاكر. مثلًا طالب طُلِب منه المذاكرة أو ما شابه يقول: لا، دعها على الله وغير ذلك، ويعتمد على أن يغش.

التوكل يأخذ بالأسباب ويعمل ما عليه، وبعد ذلك انتهى الأمر، أي سلّم الأمر لله، ولا يظل متعلقًا بأن هناك نتيجة معينة ستحدث.

أما التواكل فهو أن يكبر ولا يعمل أي شيء على الإطلاق ويقول: أنا متوكل على الله، أنا شخص جيد وسأتوكل على الله، وما يحدث سواء جاءت أم لم [تأتِ].

البسملة والاجتهاد في العمل أساس التوكل ومن جدّ وجد

كل من يبدأ أي عمل يجب أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن هذا يسهل اليوم ويسهل العمل. من جدَّ وجد، يجب أن أذاكر لأنجح، لأصل للشيء يجب أن أفعله.

يقول: هذا هو الفرق بين الرجل الذي يعمل والرجل الجالس في البيت. سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وجد رجلًا جالسًا في قلب المسجد، كل يوم يذهب ليصلي، فسأل: من يصرف عليه؟ قالوا: أخوه. قال: أخوه عند الله أفضل منه.

ظاهرة كلمة كبّر وطنّش بين الشباب وخطورة الاستهتار على المؤمن

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. الحقيقة التقرير فيه كلام مهم جدًّا من المتحدثين الكرام. سأبدأ مع مولانا بظاهرة ذكرتها أختنا الكريمة التي تقول: أي شخص يقول لآخر شيئًا يقول له "كبِّر". هذا التكبير للأسف يا مولانا أصبح أسلوب حياة في المجتمع. بالطبع لم يكن موجودًا في أيامنا، هذه الكلمة موجودة، التي "كبِّر" هذه من كلمات الشباب الجديدة واللغة تتطور.

[الشيخ]: لكن على كل حال كانت عندنا كلمة أصعب قليلًا منها وهي "طنِّش".

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لا تزال موجودة وما زالت تُستخدم كثيرًا والله. أتنتبه؟ فكلمة "طنِّش" هذه أو الكسل و"كبِّر" و"طنِّش" و"اتركها" وما شابه ذلك، هذا استهتار.

والمؤمن جادٌّ في حياته، بعيدًا أبعد ما يكون عن الاستهتار والاستهانة. فهذا استهتار واستهانة. ولذلك نحن ننصح الشباب بأن يكون جادًّا؛ لأنه سيستطيع بهذه الجدية أن يحصل على مراده كما هو يريد.

استحضار البسملة في بداية العمل شكل من أشكال التوكل لا التواكل

[المذيع]: أيضًا في التقرير، يعني أحد المتحدثين الكرام يقول: على فكرة، استحضار ذكر الله سبحانه وتعالى دائمًا في بداية العمل هذا يسهل. يعني يقول: إن كان شخص يقول بسم الله الرحمن الرحيم فهذا توكل على الله وليس تواكلًا، بل هو طلب للرزق. ففكرة الاستحضار هنا، هل هذا شكل من أشكال التوكل أم التواكل؟

[الشيخ]: لا طبعًا، فالرجل هنا وهو يتكلم عن مفهوم قوله تعالى:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

فدائمًا الذكر الخاص بربنا بالبسملة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

«كل عمل ذي بالٍ لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر» أو «أقطع» أو «أجذم» - روايات مختلفة.

فهو أخذ الكلام هذا من هنا، من أنه:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وبأنه:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ﴾ [هود: 41]

يعني بسم الله وهو يذبح، بسم الله وهو يعمل، ويعمل كل هذا.

قصة السيدة مريم وأمر الله لها بالعمل رغم ضعفها الشديد

ولكن الحقيقة أن العمل مهم للغاية. انظر مثلًا في قصة سيدتنا مريم عليها السلام، عندما واجهت مفاجأة صعبة، أن يأتيها الملك وأن ينفخ في جيبها فتحمل من ساعتها. كانت مفاجأة صعبة جدًّا، حتى مفاجأة صعبة بيولوجيًّا، يعني من ناحية الجسم ومن ناحية مفاجأة صعبة جدًّا.

ومع هذه المفاجأة الصعبة يأتي المخاض والولادة. المرأة وهي تلد تعاين الموت أصلًا. وهذه عليها السلام، الصديقة المكرمة، التي فوجئت والتي جاءها المخاض إلى جذع النخلة.

ربنا يقول لها ماذا؟

﴿وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]

هز النخلة يحتاج زلزالًا لكن الله أمرها بالعمل ليثبت قلبها بالمعجزة

هي في ماذا ولا في ماذا [من الضعف والألم]؟ هذه تحتاج زلزالًا، هزي النخلة! هذه تحتاج زلزالًا. والأكثر غرابة من ذلك أنها كانت في عزلتها، حقًّا، يدخل عليها سيدنا زكريا فيجد فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويقول لها:

﴿أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ [آل عمران: 37]

قالت: هو من عند الله.

هل تلاحظ كيف كانت تُرزق وهي في الخلوة؟ هذه الأجدر أن تنتظر لترى ما الذي يحدث وهي خائفة من أهلها لئلا يفهموا الأمر بشكل خاطئ، ولئلا يكذبوا المعجزة التي حدثت والتي لم يحدث مثلها في التاريخ. فالحالة النفسية والحالة الجسدية والحالة الواقعية كلها تطرح تساؤلات صعبة.

فإذا بها يأمرها بالعمل:

﴿وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ﴾ [مريم: 25]

الله كلّف مريم بالعمل رغم ضعفها ليثبت قلبها بمعجزتين متتاليتين

ولكن انتبه جيدًا، انظر كيف أن ربنا الكريم كلّفها بالعمل. حسنًا، هذه امرأة أولًا، وثانيًا والدة، يطلقون عليها في بلدنا نُفَساء، وهذا يعني أنها ضعيفة وتحتاج إلى شيء يقويها ويدعمها.

فإذا كانت هي بصحتها وقوتها وكانت امرأة قوية البُنيان لا تستطيع أن تهز هذه النخلة، هذه النخلة صعبة. فقال ربنا: لا، ولكن ضع يدك هكذا وافعل هكذا، فإذا بالنخلة تهتز. لماذا؟ لتُنزل الرطب، فينزل الرطب. هذه معجزة.

فيُسلّي قلبها. ما الحكمة يا مولانا؟ لكي يُثبتها، يقول لها: لا تخافي، أنا معك. نعم، أنا منتبه لك، كما أحضرت لكِ فاكهة الصيف في الشتاء، رأيتها ورؤيتها، مثلما أحضرتها لكِ هكذا.

المعجزة الثانية إنطاق الرضيع عيسى عليه السلام لتسلية قلب مريم

انظر، ينظر، يعمل هكذا، أي هذه معجزة ثانية. ها هي، افعلي هكذا فقط، فعلت هكذا، وجدت الشيء قادمًا ويسقط. قال: لا، أنا معك، أنا منتبه لك.

كيف؟ رقم اثنين، المعجزة الثانية لتسلية قلبها: أنطق لها الرضيع الذي هو الطفل الصغير هكذا، سيدنا عيسى عليه السلام. وانتبه:

﴿فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]

ما هذا؟ إن الطفل نطق! فبدأت تستوعب أن هذا الأمر ليس هيّنًا، وأن هذا الأمر فيه تأييد ومعونة من عند الله.

مريم تأتي قومها بعيسى ونطقه في المهد دفاعًا عنها

وبدأت، فأتت به قومها تحمله:

﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ۝ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ۝ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ۝ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 27-30]

إلى آخر الآيات. شيء في منتهى القوة في قضية التوكل والتواكل.

أمر مريم بالعمل وهي في أضعف حالاتها دليل على وجوب اتخاذ الأسباب

إنه أمرها بالعمل وباتخاذ الأسباب وهي على قمة حال من يمكن أن نُعفيهم عن الأسباب بشأنه. صحيح.

أولًا: هذه التقية النقية الصديقة بنت الصديق. ثانيًا: هي في حالة جسدية ونفسية وواقعية يُرثى لها. ثالثًا: أنها كانت مكرمة [بكرامات من الله].

وبالرغم من ذلك يقول:

﴿وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]

إذن هذا عندما نتأمله هكذا يجعل المرء يستحي من نفسه أن يتكاسل أو أنه لا يتخذ الأسباب.

إبليس يحاول إغواء عيسى بإلقاء نفسه من الجبل اختبارًا لله

يعني ظهر لسيدنا عيسى إبليس، عندنا هكذا في تراثنا. فقال له: أنت روح الله؟ قال له: نعم. وكلمة الله ألقاها إلى مريم؟ قال: نعم. قال له: حسنًا، فلماذا لا تقول يا رب وتُلقي بنفسك من هنا، من الجبل؟

قال له: اذهب يا لعين، ما كان لي أن أختبر الله. سبحان الله!

هذا الذي يتواكل يا إخواننا يختبر الله، عيب! ما كان لي أنا. حسنًا، لو أن سيدنا عيسى دعا ربنا: يا رب أنا أريد أن أطير في الهواء هكذا، أكان سيُطيِّره؟ لكنه لم يفعلها. هو يختبر الله، يعني يقول له: أريد أن أرى إن كنت قادرًا أم غير قادر. لماذا تفعل هكذا؟

الفرق بين طلب إبراهيم للمعلومة وطلب إبليس لعيسى باختبار الله

ولكن الذي سيطمئن قلبي مثل سيدنا إبراهيم، لكن ما طلبه سيدنا إبراهيم كان معلومة وليس فعلًا، ليس فعلًا. تمامًا، لم يقل له: طيِّرني في الهواء.

لكن تلك، قال له:

﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: 260]

وأعني هكذا لأخبر عن عيان. فهذا يسأل عن معلومة صحيحة. لكن هذا إبليس جاء ليقول له عن فعل، والفعل فيه اختبار لله هكذا.

نعم، ما كان لي أن أمتحن الله، الله يمتحنني.

نجاة عيسى من إبليس وقصة هاجر والسعي بين الصفا والمروة

نعم، والحمد لله نجا سيدنا عيسى كالمعتاد من إبليس وشره؛ لأنه هو كلمة الله.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. طيب، هنا يأخذنا الحقيقة إلى قصة أخرى، يعني قصة سيدنا إسماعيل والسيدة هاجر بعدما تركهم سيدنا إبراهيم عليهم السلام جميعًا. يعني بعدما تركهم في هذه الصحراء، بعد أن يدعو نبي، وما هو نبي بل هو سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، بعد أن يدعو ثم بأن هذه الأرض ستكون عامرة وسترزق من الثمرات والخيرات وما إلى ذلك.

مولانا، نجد أن السيدة هاجر في ضعفها تتحرك حركة بندولية ما بين الصفا والمروة.

السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج تذكرة بأن الدعاء لا يكفي دون عمل

هنا حقيقة مولانا أنه لا يكفي فقط الدعاء حتى وإن كان الدعاء من نبي، ولكن لا بد أن يقترن بالسعي. ولذلك ومن أجل تعظيم هذا المشهد أصبح السعي بين الصفا والمروة ركنًا من أركان العمرة وركنًا من أركان الحج.

[الشيخ]: صحيح، تذكرة للمؤمنين أن هذا السعي، وسمّوه هكذا: السعي. الطواف حول البيت، والسعي ما بين الصفا والمروة.

كان من الممكن أن نجلس وندعو أمام الكعبة وانتهى الأمر ونسافر؟ هل انتبهت؟ ننظر إليها أو نعمل أي شيء. لا، اسعَ كثيرًا، خمسة كيلومترات وستة من عشرة، وهي المسافة التي بين الصفا والمروة، ثمانمائة متر، ثمانمائة في سبعة بخمسة كيلومترات وستمائة متر. خمسة كيلومترات وستمائة متر هي المسافة.

السعي فرصة للدعاء والضراعة وتذكرة بتوكل السيدة هاجر دون تواكل

ووقت، يعني إلى أن يمشي المرء على قدميه ذاهبًا وآيبًا. يأتي في هذه المسألة فرصة للدعاء والالتجاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، لكن في النهاية ما هو؟ السعي.

العنوان الذي يذكرنا بالسيدة هاجر وأنها مع ضعفها توكلت ولم تتواكل.

[المذيع]: يعني مولانا لم يكتفِ فقط بدعاء نبي ولا بدعاء صالح ولا ولي من أولياء الله، ولكن لا بد أيضًا أن أسعى. كما قلنا هكذا، الفلاح يُلقي البذر ثم يدعو قائلًا: يا رب.

[الشيخ]: نعم، فالتوكل يحتاج إلى مفهوم صحيح.

طرفة تربوية عن المريد الذي أراد التوكل بعدم رفع الطبق للطعام

بالتأكيد، كانت واحدة من الطرائف واللطائف في تربية سيدنا الشيخ عمر النقشبندي في السليمانية. وهذا الرجل كان لديه أربعين أو خمسين شخصًا يتعلمون ويتعبدون ويفعلون كذا إلى آخره.

فيدخل عليهم الرجل الذي يوزع العدس الظهرية هكذا، يعطي لكل واحد في طبقه عدسًا. فقال [أحد المريدين]: أنا اليوم سأتوكل. فإخوانه قالوا له: كيف ستتوكل؟ قال: لن أرفع الطبق للرجل الذي يوزع علينا العدس، هو الذي يجب أن يقول لي: ارفع الطبق. فأنا عندما يقول لي خلاص، هو يقول لي فأرفع الطبق.

الله سبحانه وتعالى لن يرزقه [بدون سبب]، وأنا سأتوكل على الله في كل شيء، فسأتوكل عليه ولن أرفع الطبق.

تتمة قصة المريد والتنحنح الذي لا يفسد التوكل ودرس رفع الطبق

المهم، جاء الرجل وقدّر الله - لكي يربي هذا المريد أو الطالب - جاء الرجل وناداه شخص وهو أمام أخينا هذا فأجابه، ثم بعد ذلك تحول، عندما لم يجد الطبق مرفوعًا تحول إلى من بعده.

فتنحنح هذا: أحم. فالتفت له: ما الأمر؟ قال له: يعني، أحم. نظر فوجد أنه لا يوجد شيء في الطبق، فرجع إليه وقال له: ارفع الطبق. فرفع الطبق ووضع الطعام.

فضحك إخوانه وقالوا له: أنت الآن كنت متوكلًا، فلماذا تنحنحت إذن؟ قال: التنحنح لا يُفسد التوكل! وهذا هو التأويل.

نعم، لكن الله تعالى ربّاه، الله علّمه أنه لا يفعل هكذا. انظر كيف عندما جاءك وهو معتمد على العادة، لما جاءك انشغل، وأنت لم ينفعك عدم رفع الطبق ولا شيء. ترفع الطبق، ورفع الطبق من التوكل وليس ضد التوكل. أما مسألة أننا لا ننقض التوكل، هذا أمر غير مقبول.

فاصل وسؤال هل التوكل على الله يوسع ويزيد من رزق العبد

[المذيع]: حسنًا مولانا، بارك الله فيكم. إذا سمحت حضرتك، بعد الفاصل سنتطرق لجزئية أخرى: هل التوكل على الله يوسع ويزيد من رزق العبد؟ إن شاء الله بعد الفاصل، ابقوا معنا.

هل استحضار التوكل على الله دائمًا يوسع رزق الإنسان

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. وفضيلة الدكتور، هل التوكل دائمًا واستحضار النية بالتوكل على الله سبحانه وتعالى والتجديد في هذه النية يوسع من رزق الإنسان؟ بأنه دائمًا ما يستحضر الله سبحانه وتعالى في كل أعماله.

[الشيخ]: ما هو أصله يوسع عليه؛ لأنه قد التزم بمراد الله في كونه من اتخاذ الأسباب.

قصة سيدنا عمر مع المتوكلين الكاذبين والمتوكل الحقيقي هو من ألقى الحب ودعا الله

مرة سيدنا عمر في الحج وجد أقوامًا كذلك، فقال لهم - وكانوا فقراء وضعاء، يعني يظهر عليهم الفقر - فقال لهم: من أنتم وإلى أين تتجهون وما شأنكم؟ يريد أن يطمئن على أحوال الدولة وعلى أن هؤلاء فقراء جدًّا، كيف يعيشون؟

قالوا: نحن المتوكلون. قالوا له: نحن المتوكلون. فقال لهم: كذبتم، أنتم شكلكم هكذا، لستم متوكلين ولا شيء. إنما المتوكل من ألقى الحَبَّ في الأرض - وانتبه - ثم دعا الله فنزل المطر.

الذي هو الفلاح يُلقي البذور ويدعو قائلًا: يا رب. التي نقولها هذه ووزناها: الحَبّ والرَّبّ.

سيدنا عمر قالها للناس هؤلاء. قال: كذبتم، إنما المتوكل من ألقى الحَبَّ ودعا الله أن ينزل المطر. هو هذا المتوكل على الحقيقة.

التوكل الحقيقي يجمع بين الرضا والتسليم والأسباب فيولد الأرزاق

فإذا التوكل كما يُقال هو الذي يرزق، فهؤلاء لو كانوا فعلوا ذلك لأصبحوا أغنياء؛ لأنه كان سينمو الحَبُّ فيبيعونه ويأكلونه ويفعلون كذا إلى آخره، وتختلف الحالة.

فهذا ما أردت أن أقوله لك: أن التوكل ليس فقط التسليم والرضا وذكر الله، بل أيضًا لأنه مختلط مع الأسباب. يعني هذان الأمران سيولدان الأرزاق، فبالفعل ستكون هناك أرزاق مع التوكل.

إجابات المشاهدين على سؤال كيف نحقق التوكل على الله بلا تواكل

[المذيع]: طيب، أستأذن فضيلتكم لننتقل إلى بعض إجابات حضرات السادة المشاهدين على سؤالنا على صفحة البرنامج على الفيسبوك. سؤال كان يقول: برأيك كيف نحقق التوكل على الله بلا تواكل؟

بعض من إجابات حضراتكم كانت كالآتي:

  • الدكتور عبد الوهاب البدر يقول: هو العمل بمضمون قول النبي ﷺ: «اعقلها وتوكل».
  • وليد فراج يقول: التوكل على الله بلا تواكل هو معرفة الطريق والسعي إليه وطلب العون من الله.
  • دينا إسماعيل تقول: بأننا نسعى مثل سيدتنا هاجر ونعمل أو نؤدي ما علينا، والرزق والتوفيق من الله.
  • حسن أحمد حسن يقول: بأني أتوكل على الله حق تُكاله.

قصة سيدنا عمر مع الأعرابي والجمل الأجرب وهلا جعلت مع الدعاء قطرانًا

[المذيع]: طيب، واضح هنا التوكل على الله حق التوكل، يعني هذا الشخص مستحضرٌ لهذا المعنى يا مولانا دائمًا.

[الشيخ]: يعني إن شاء الله. كان سيدنا عمر مرة رأى أعرابيًّا ومعه جمل أجرب. فطبعًا نحن نريد ثقافة يا إخواننا، ونريد أيضًا أن نجعل لهذا حلقة والله، وهو الرفق بالحيوان، حاضر.

يعني رأى معه جملًا أجرب هكذا، والجرب هذا مؤذٍ جدًّا ومتعب لجميع الحيوانات. فقال له: يا أخا العرب، ما هذا؟ قال: هذا جمل. قال له: أعني هل هناك أمر كهذا؟ ماذا فعلت له؟ قال: ادعُ الله له أن يشفيه. الأعرابي لا يريد أن يدفع فيه شيئًا.

قال: يا أخا العرب، هلّا جعلت مع الدعاء قطرانًا؟ الجرب نعالجه بالقطران، ندهن مواضع الإصابة بالقطران فيجف الموضع ويُحدث قشرة ويجعل الجرب هكذا [يزول]. والحيوان قديمًا كان يُعالج هكذا.

هلا جعلت مع الدعاء قطرانًا عبارة تلخص حقيقة التوكل مع الأخذ بالأسباب

هلّا جعلت هذا [القطران مع الدعاء]؟ أنا قلت لك لا تدعُ فقط، بل خذ الأسباب. صحيح.

هلّا جعلت، هذه هي العبارة التي نريد أن نكتبها في الشوارع: هلّا جعلت مع الدعاء قطرانًا؟ أتفهم كيف؟ "قطرانًا" هذه تعني السبب، أي اجعل مع الدعاء سببًا.

أسئلة من المشاهدين حول صحيح الدكتور علي جمعة وبيع أرض الوالد المريض وأبواب السماء

[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. ننتقل إلى أسئلة حضراتكم.

[السائل - الأستاذ مجدي]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

[السائل]: فضيلة الشيخ، أبا، يعني سأسأل سؤالًا فنيًّا قليلًا هكذا. في هذه الأيام التي نعيش فيها، نحن أصبحنا ثمانمائة سنة وألف سنة متمسكين بصحيح البخاري وصحيح مسلم. ألن يأتي يوم علينا نكون عندنا صحيح اسمه صحيح الأستاذ الدكتور علي جمعة مثلًا؟ نستطيع أن نقتدي به في أمور كثيرة، مثل هؤلاء الناس منذ ثمانمائة سنة وضعوا هذا الكلام، وفقهاؤنا وعلماؤنا كلهم كذلك. هذا هو سؤالي فقط.

[المذيع]: حاضر، أشكر حضرتك شكرًا جزيلًا الأستاذ مجدي.

[السائلة - الأستاذة منال]: السلام عليكم.

[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله. أربعة إخوان، ولدان وبنتان، وأنا متزوجة منذ ثلاثين سنة. الوالد منذ سنة مصاب بالشلل، تعرض لجلطة أفقدته التركيز. وأخي الكبير يريد أن يتصرف بقطعة أرض، فهل هذا يجوز؟

[المذيع]: يعني نحن نستطيع، ليس عليك يا أستاذة. أنادي فقط لأن الهاتف عندك يُصدر أصواتًا غير واضحة. نعم، حضرتك تقول لي أن هناك أخوين وأختين، صحيح هكذا؟

[السائلة]: نعم، والوالد مريض منذ فترة سنة، وأحد الإخوة يريد ماذا بالضبط؟ يريد أن يتصرف في قطعة أرض.

[المذيع]: نعم، يعني الأخ يريد بيع قطعة أرض. نعم، لماذا يريد التصرف فيها؟ لأجل علاج الوالد؟

[السائلة]: لا، هم في ضائقة مالية، يعني هو وأخي، الأسرة كلها مُضيَّقة ماديًّا، أي الأخوين لأنهما يقومان برعايته ورعاية والدتي، فهما مُضيَّقان ماديًّا في عملهما واحتياجاتهما، فيقترحون أنهم يبيعون قطعة أرض.

[المذيع]: حسنًا، حاضر، يعني شكرًا جزيلًا لك. طيب، بعد إذنك، لكن لو جاز، يعني هل تُوزَّع الأنصبة بالشرع أم بالتساوي أم بالضبط كيف؟

[السائلة]: حاضر يا سيدتي.

[السائلة - سيدة جيهان]: السلام عليكم.

[المذيع]: وعليكم السلام، أهلًا وسهلًا بحضرتك.

[السائلة]: بعد إذن حضرتك، هناك باحث سوري كان يتحدث عن أبواب السماء ويستشهد من القرآن الكريم بالإسراء والمعراج، ويقول إن المعراج حدث من القدس لأن فيها بابًا للسماء الثانية يمكن اختراقه، لكن مكة ليس فيها. لذلك فإن الرسول ﷺ حدث المعراج في القدس. ثانيًا، يستشهد بأن روسيا عندما تطلق صاروخًا تطلقه من كازاخستان بوجود باب أيضًا يؤدي إلى السماء الثانية أو الثالثة. فهل هذا لا يتعارض مع معلوماتنا عن أن البيت المعمور ونزول القرآن الكريم في مكة على الرسول ﷺ؟ طبعًا نحن نريد أن نستزيد من علم حضرتك ونعرف أين الحقيقة.

[المذيع]: حاضر يا سيدي، فأنت تحت أمر حضرتك. يقصد جيهان، شكرًا لمشاركتك.

الرد على سؤال صحيح الدكتور علي جمعة والفرق بين عصر الرواية وعصر الاجتهاد

[المذيع]: طيب مولانا، بالنسبة للأستاذ مجدي يسأل: ألن نرى صحيح الدكتور علي جمعة؟

[الشيخ]: لا، أنت لن ترى صحيح الدكتور علي جمعة؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين البخاري الذي كان في عصر الرواية - عصر الرواية الذي ألهم الله المسلمين أن يحتفظوا بالأسانيد - وظل عصر الرواية إلى سنة أربعمائة وخمسين من الهجرة، وانتهى بالإمام البيهقي.

فالبيهقي كان عنده حديث يرويه عن شيخه عن شيخه عن شيخه في السند إلى رسول الله ﷺ، ومن الممكن ألا يوجد في الكتاب. بعد عصر الإمام البيهقي كل شيء مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام موجود في الكتب. فهذه نسميها عصر الرواية.

كم واحد روى؟ وكم رواية حصلت؟ مليون رواية موجودة. حسنًا، هذه المليون رواية جاءت بكم شخص؟ جاءت بعشرين ألف شخص، ولدينا ملفات عشرين ألف شخص: اسمه وسنه ورحلته إلى أين يذهب ومن أين أتى وماذا يتعلم وما قدرته العلمية وما الشهادات التي يحملها وهكذا، صادق أم غير صادق أم بين [بين].

انتهاء عصر الرواية وأهمية التوثيق في الإسلام وسبب التمسك بالبخاري ومسلم

فهذا النظام انتهى في أربعمائة وخمسين هجرية، أي منذ ألف سنة. وهذا سبب تمسكنا بهذا النظام؛ لأننا لو تركناه جاء علي جمعة بعد ألف سنة من البيهقي، لأننا في سنة ألف وأربعمائة وستة وثلاثين، يعني بقي أربعة عشر سنة ونصبح في ألف سنة بيني وبين البيهقي.

ليس معي هذا السند، وليست هناك رواية من عندي أنا حتى سيدنا رسول الله ﷺ لكي أتأكد أو لا أتأكد.

التوثيق جزء لا يتجزأ من عقلية المسلمين. لا بد أن نقيم الدليل، ويجب أن نوثق عملنا. فقد وثقنا القرآن توثيقًا تامًّا على مستوى الحرف، ووثقنا السنة توثيقًا تامًّا على مستوى الحرف، ووثقنا الفقه توثيقًا تامًّا، والكتب توثيقًا تامًّا.

ما يبقى من العلماء هو الاجتهادات الفقهية لا الأصول المحفوظة بحفظ الله

ففكرة التوثيق ليست فكرة الآراء. هيا نقول هكذا: الذي سيبقى مدة أخرى ويُقال علي جمعة قال، هذه الاجتهادات الفقهية التي موجودة عند الإمام الشافعي والتي موجودة عند الإمام مالك والتي موجودة عند الإمام أبي حنيفة، ألحقنا الله بهم على الخير، اللهم آمين.

نحن، أنا أسير على مذهب الشافعي. لماذا؟ لأنني اجتهدت فوجدت النظام الشافعي هذا أقرب ما يكون لي. خالفت الشافعي في عشر مسائل، في عشرين، في ثلاثين مسألة. وخالفت الشافعي في أنه لم يذكر مسائل جديدة مستحدثة في الطب وفي الاقتصاد ونحو ذلك، فأخذت من قواعده لها.

أو هذا هو ما سيبقى، ونقول أن فلانًا وعلّانًا وغيرهما من علماء المسلمين قالوا هذا الكلام، كما نقول الآن فضيلة الإمام شلتوت قال، وفضيلة الإمام محمد عبده قال، وفضيلة محمد المهدي العباسي قال، وفضيلة الشيخ الباجوري قال.

الأصول من القرآن والسنة محفوظة بحفظ الله ولا يمكن استبدالها

كما نقول هذا الكلام الآن مستدلين بما عاش العلماء وهم ورثة الأنبياء فيه من أجل تطبيق الشريعة في الواقع.

أما الأصول، كأن يقول لي مثلًا: هلّا تأتي لنا بقرآن هكذا، أو هلّا تصنع لنا مختصر القرآن الكريم؟ فهذا لن ينفع، والله لن يصلح ذلك؛ لأن هذه أمور حفظها الله سبحانه وتعالى، سواء كان الكتاب أو السنة، فكلاهما موجودان ومحفوظان بحفظ الله وتوفيقه للمسلمين أن يقوموا بكل هذه الرحلة المباركة.

حكم بيع أرض الوالد المريض بالشلل وتصرف الابن الأكبر كوصي

أما بالنسبة للأستاذة منال نقول لها: نعم، يجوز أن يتم الحجر على الوالد بالاتفاق مع العائلة وبإتمام كل الإجراءات؛ لأنه أصيب وغير عارفٍ كيف يتصرف وليس لديه تفكير في هذا.

فالابن الأكبر يمكن أن يكون وصيًّا أو كالوصي، وليس من الضروري اللجوء إلى القضاء أو غيره، بل يصبح وصيًّا عن أبيه. فله أن يبيع بعلم جميع الأبناء وبموافقتهم.

وهذه الأشياء ما زالت في ملك أبيهم وليست في ملكهم، حتى نقول إنها التوزيع بالتساوي أم بالعُسر. توزع ماذا؟ تأخذ أنصبة من؟ هذا أو هذه، لو باع الأرض توضع لعلاج الوالد ولحل أزمات الأسرة وهكذا. لا توزع ولا تُعمل؛ لأننا في أزمة، ونحن أنا لن أبيع تمتعًا به.

ثمن الأرض يصرف على أزمات الأسرة وإذا مات الوالد يوزع الباقي ميراثًا شرعيًّا

حسنًا، حللنا الأزمة وتبقت نقود ومات الوالد، فور أن يموت الوالد وما زال تبقى نقود ستكون من التركة توزع التوزيع الشرعي على هذا.

فجوهر المسألة أن هذا الرجل خرج من دور القادرين الواعين وما إلى ذلك، فيجب أن يكون عليه وصي. من يمكن أن يكون الوصي؟ ربما يكون ابنه. سيذهب ابنه ليبيع قطعة أرض معروفة، فتكون هناك شفافية ومعرفة وما إلى ذلك.

هذه قطع الأرض مبلغها يبقى يُصرف على أزمات الأسرة من ناحية وعلى الآخرين، من غير توزيع ومن غير حاجة؛ لأنها في ملك الوالد إلى الآن، وكان الوالد هو الذي يصرف على الأسرة.

إذا مات الوالد في هذه القضية ولا تزال بقيت أموال، فإنها توزع توزيع الميراث.

الرد على سؤال أبواب السماء والمنحنيات الفضائية وعلاقتها بالإسراء والمعراج

[المذيع]: نعم، الأخت جيهان تتحدث عن أبواب السماء في علم الفلك.

[الشيخ]: ليس هناك طريق مستقيم في الفضاء. والطبيعة الجوية وعلم الفلك وعلم الفضاء وما إلى ذلك، فقد اكتشفوا أن الفضاء كله منحنيات، وليس هناك شيء اسمه خط مستقيم.

وهذه المنحنيات عندما تُدرك يسمونها أبوابًا. هل انتبهت؟ أليست هي الأبواب التي تقع بين السماوات، وهي موجودة دائمًا في السماء الدنيا حتى هذه التي أمامنا، القبة السماوية هذه موجودة بها هذه المنحنيات، وبها نصل إلى القمر ونصل إلى المريخ؛ لأنني أدرك البوابة التي سميتها بوابة.

فهي ليست أبواب السماء التي هي مثلًا ماذا؟ فإذا صعد الدعاء فُتحت له أبواب السماء. لا، ليست هي أبواب السماء. ليست من الضروري أن نعرف أن هذه هي الطرق الموجودة فعلًا والمكتشفة بالفعل.

إطلاق الصواريخ من كازاخستان عبر المنحنيات لا علاقة له بأبواب السماء الغيبية

ومن هنا سآتي إلى كازاخستان وأطلق القمر [الصناعي] لكي يسير في المنحنى المعين الذي أدركته. حسنًا، أنا أدركت ما في كازاخستان، ولكن هناك تسعمائة ألف مليون طريق لم أدركها بعد.

وكل هذا يا مولانا موجود داخل السماء الدنيا أو السماء، حتى القمر الذي طلع في السماء الدنيا. فإسقاط هذا على هذا يعني ليس سديدًا، وإنما هي قضية الطرق التي في السماء والتي اكتشفها البشر الآن والتي أجروا فيها فعلًا مراكبهم.

فإن هذا معروف منذ القديم، ولذلك عبّر الله سبحانه وتعالى عن هذا أو أخبر في السنة بـالمعراج؛ لأنه ليس هناك خط مستقيم، بل هو يتعرج. سبحان الله!

الإسراء والمعراج تعرج في السماوات وختام الحلقة

نعم صحيح، الإسراء لا [يعني الخط المستقيم]، سرى بالليل ولذلك سُمي إسراءً. والمعراج من بيت المقدس إلى السماء العليا السابعة وإلى العرش وإلى سدرة المنتهى، كله معراج في تعرُّج في تعرُّج. سبحان الله!

[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، جزاكم الله خيرًا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا، والشكر موصول لحضرتكم. نراكم في حلقة جديدة إن شاء الله، إلى اللقاء.