#والله_أعلم | الحلقة الكاملة 18 إبريل 2015 | حقيقة دخول الاسلام مصر
- •مصر تنعم بالأمن والسلام الاجتماعي بين مسلميها ومسيحييها كنسيج واحد رغم محاولات البعض الاصطياد في الماء العكر.
- •الغزو في اللغة يعني الحرب، لكن دخول الإسلام مصر كان فتحاً وليس غزواً، حيث استنجد الأقباط بالمسلمين من ظلم الرومان.
- •المسيحية دخلت مصر وواجهت الديانة الفرعونية، ثم انقسم المسيحيون إلى مؤلهين للمسيح وغير مؤلهين (الآريوسيون).
- •عمرو بن العاص أكرم البابا بنيامين وسمح له ببناء الكنائس المهدمة من الرومان.
- •أوصى النبي محمد بأهل مصر بقوله: "إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيراً فإن لهم ذمةً ورحماً".
- •الرحم تعود إلى هاجر المصرية أم إسماعيل، والصهر يعود إلى مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي.
- •لم يكره المسلمون المصريين على ترك دينهم، فاستغرق انتشار الإسلام في مصر قروناً طويلة.
- •سمح المسلمون للمسيحيين بالاحتفاظ بلغتهم القبطية وعقيدتهم، مما يؤكد تسامح الفتح الإسلامي.
مقدمة المذيع حول النسيج الوطني المصري ومحاولات الفتنة الطائفية
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، الحمد لله رب العالمين. مصر تنعم دائمًا بالأمن والأمان والسلام الاجتماعي، لا نقول ما بين عنصري الأمة، ولكن داخل نسيج الأمة المصرية الواحد. ليس هناك فرق ما بين مسلم ومسيحي.
هذه الفكرة التي دائمًا حينما تطل بوجهها القبيح سرعان ما تُنبذ من الجميع، سواء من المسلمين أو من المسيحيين. الكل يؤكد أن هذا البلد هو نسيج واحد، ولكن هناك من يحاول للأسف أن يأتي من وقت لآخر وأن يستغل بعض الأمور البسيطة التي قد تحدث داخل أفراد الأسرة الواحدة، وليس حتى الدين الواحد، داخل أفراد الأسرة الواحدة، ويحاول أن يصطاد في الماء العكر.
تقديم موضوع الحلقة حول الفتح العربي الإسلامي لمصر والترحيب بالشيخ
منذ حلقات أو في إحدى الحلقات السابقة تحدث معنا فضيلة الإمام حول التركيب السكاني لمصر، وكيف تغير المجتمع تدريجيًا بعد دخول الفتح العربي الإسلامي على وجه التحديد، واستغرق ذلك مئات السنين وقرونًا طويلة حتى أصبح المسلمون في هذا البلد هم الأكثر عددًا.
الآن نتحدث مع فضيلته بعد أن وعدنا أن نفتح في هذه المسألة ونبحر ويبحر بنا فضيلته فيها. نتحدث معه حول الفتح العربي الإسلامي لمصر وكيف دخل الإسلام مصر، ونرد على عدد من الشبهات التي أثيرت حول هذا الأمر.
في البداية أرحب بفضيلة الإمام، أرحب بالعالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة. أهلًا بكم فضيلة الشيخ.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بك، أهلًا بفضيلتكم مرحبًا.
سؤال المذيع عن الفرق بين الغزو والفتح في المصطلح الإسلامي
[المذيع]: فضيلة الإمام، يعني أولًا حضرتك قد وعدتنا بالحديث حول هذا الأمر. أولًا أريد أن أفهم من حضرتك ونفهم كلنا الفرق ما بين الغزو والفتح؟ نحن نقول بأن الفتح العربي لمصر، في حين أن مصطلح الغزوات جاء في بعض المواقع والفتوحات، ولكن لا نقول في مصر هنا بأنه كان غزوًا إسلاميًا، ولكن فتحًا إسلاميًا، فما هو الفرق؟
[الشيخ]: بداية، فرَّق الإمام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندنا شيء يسمى الدلالة اللغوية، ومن ناحية الدلالة اللغوية فالغزو معناه الحرب، وهي كلمة في اللغة وليس في الاصطلاح.
تطور دلالة كلمة الغزو بين المعنى المدحي والمعنى القبيح
ثم تأخذ [كلمة الغزو] دلالة أخرى في الاصطلاح؛ قد تكون في بعض العصور كلمة الغزو كلمة شريفة، وقد تكون في بعض العصور كلمة منحرفة.
لأنها في المعنى الأول تعني دفع العدو والدفاع عن الأوطان وصد الهجوم ورفع الطغيان. وفي المعنى الثاني القبيح تعني الاحتلال ونهب ثروات الشعوب والقتال بغير وجه حق والتسلط والعدوان.
ولكنها هي كلمة لغوية في أصل اللغة معناها جيد وليس سيئًا. ولذلك عندما نجد أن الناس قد استعملوها في المعنى السيء وشاع ذلك عُرفًا، فنقول: لا، لم يكن دخول الإسلام في مصر عن طريق الغزو، حتى لو استُعمل هذا المصطلح في الكتب القديمة؛ لأنه استُعمل في الكتب القديمة بالمعنى المَدْحي وليس بالمعنى القبيح.
معنى الفتح والانفتاح وأهمية استعمال اللغة في التعبير عن المفاهيم
فإذا أردت أن تعبر بلغة العصر فتقول الفتوحات. والفتح في نوع من أنواع الحرية، في نوع من أنواع الانفتاح. ولذلك فإن كلمات الفتح والانفتاح والعقل المنفتح كلمات تتوق لها النفس، أي كأننا كنا في جرة وخرجنا إلى خارجها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فإذن استعمال اللغة مهم للغاية، وهذا ما ننبه عليه دائمًا. اللغة والفكر والعمل وجهان لعملة واحدة، تمامًا مثل القرش، كما في الصورة والكتابة.
ما حدث مع المسلمين أنهم لم يكن جهادهم ولا حركة جيوشهم عدوانًا، ولم تكن استعمارًا أبدًا. هناك فرق.
دخول المسلمين مصر باستنجاد الأقباط من ظلم الرومان
فعندما دخل المسلمون مصر، دخلوها باستنجاد من أقباطها الذين ضاقوا ذرعًا بالرومان. لقد تعبنا مما فعله الرومان فينا.
وعليه يتوجب علينا أن ندرس شيئًا ما من تاريخ دخول المسيحية في مصر. كانت مصر تتبع العبادة الفرعونية، والعبادة الفرعونية تُعد من الأديان حتى ولو في الظاهر؛ لأن هناك دراسات تدّعي أن المصريين كانوا على التوحيد، وأن إخناتون وما إخناتون، وأن قدس الأقداس كانت تُذكر فيه الحقيقة أنه لا إله إلا الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وقال إن سيدنا إدريس كان مصريًا، حتى ذهب الشيخ أبو الفضل المنوفي في كتابه [الدين والحضارة] وهكذا إلى أن أبا الهول هو صورة إدريس. أتفهم ذلك؟ فلا حرج عليه، لكن إدريس كان مصريًا.
معرفة مصر للتوحيد والانطباع العام بالوثنية عند المسيحيين الأوائل
مصر عرفت التوحيد، نوافق على هذا؟ يعني لا نجادل فيه، وهو رأي من الآراء أن مصر عرفت التوحيد. ولكن على كل حال، الذي كان شائعًا كانطباع عام عند المسيحيين الأوائل الذين رفعوا راية التوحيد كان أن هذه العبادات وثنية، التصقت بتقديس أصنام وبتقديس العجل أبيس وبتقديس كذا وكذا.
فهذا مبحث آخر، لكن على كل حال الانطباع العام أن هناك وثنية ونحن نقر أنه هناك وثنية. لم يحدث شيء [يتغير] عندما دخلت المسيحية؛ كان الرومان بوثنيتهم أيضًا وتصورهم للكون والإنسان والحياة، وهم أهل وثنية.
استفادة الرومان من الوثنية المصرية واليونانية وتعدد الآلهة عندهم
واستفادوا [الرومان] كثيرًا من الوثنية المصرية، طوروا بعضها ووقفوا عند بعضها. استفادوا من الأساطير اليونانية القديمة، طوروها وغيروا أسماء الآلهة.
والآلهة عندهم مثل الملائكة عندنا هكذا؛ عندما نقول في جبريل وإسرافيل وعزرائيل أو ملك الموت وغيرهم إلى آخره، هم عندهم كل واحد إله.
[المذيع]: هل هذا خلل في الترجمة أم أنه كان خللًا في العقيدة؟
[الشيخ]: أظن أنه كان خللًا في العقيدة، لكن بعضهم يقول خلل في الترجمة، لا بأس. أيضًا كل هذا لن نتوقف عنده.
دخول المسيحية مصر تحت سلطان الرومان في القرون الثلاثة الأولى
لكنّ الذي سنقف عنده أن المسيحية دخلت مصر فماذا وجدت؟ تحت سلطان هؤلاء الناس، في القرون الثلاثة الأولى: القرن الأول، والقرن الثاني، والقرن الثالث.
لم يكن سيدنا النبي قد وُلد بعد، إذ سيولد في سنة خمسمائة وسبعين، أي في أواخر القرن السادس الميلادي. أواخر القرن السادس سيولد صلى الله عليه وسلم، وسيُبعث في حدود ستمائة وعشرة أو ستمائة وتسعة، عندما كان عمره أربعين سنة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: شيء مثل ذلك. فحتى ذلك الوقت لم يكن النبي قد وُلد بعد.
الاضطهادات المتتالية للمسيحيين وبقاء الوثنية في مصر حتى ظهور قسطنطين
ماذا حدث إذن حتى وُلد النبي عام خمسمائة وسبعين؟ ما هذا؟ حدث ما حدث، اضطهادات متتالية وتتبعات. لم يكن الشعب المصري كله قد دخل المسيحية؛ أغلب الشعب المصري وثني وما زال يعبد في بعض المعابد في الصعيد وفي الأقصر حتى سنة أربعمائة وخمسين.
حتى ظهر أحد الأباطرة، وفي ثلاثمائة تقريبًا ظهر قسطنطين وقال: يا جماعة. وقسطنطين لم يكن مسيحيًا تمامًا، بل كان مسيحيًا وفيه بقايا وثنية أيضًا. أصبحت الوثنية ممنوعة والديانة الرسمية لهذه البلاد هي المسيحية.
استمرار الوثنية بعد قسطنطين وهدم المعابد على يد الإمبراطور الروماني
لكن إعلان الديانة المسيحية في مصر بهذه الصفة عند كثير من المؤرخين والباحثين والمحققين، وهذا لا يعنينا أيضًا، أنهم لم يدخلوا جميعًا المسيحية. وظل من عهد قسطنطين هذا حتى أربعمائة وخمسين أو أربعمائة وثمانين، ظلت لديهم معابد.
إلى أن جاء الرجل الثاني هذا الذي هو الإمبراطور الروماني وذهب وهدم المعابد، وقال: هذه وثنية صريحة، فأنا أريدكم أيضًا كل واحد منكم أن يضبط نفسه وندخل في المسيحية.
لكنهم لم يستطيعوا، وظلوا بأعداد كبيرة ولم تكن هناك وسائل اتصال ولا وسائل رقابة ولا غير ذلك، إلى آخره.
استمرار تقديم القرابين الوثنية بعد دخول الإسلام بخمسين سنة
مائة وسبعين سنة كما يذكر يعقوب نخلة في كتابه، مائة وسبعين سنة ظلوا يقدمون القرابين لـحابي [إله النيل عند الفراعنة]. إذا هي وثنية منذ مائة وسبعين سنة، أي بعد دخول الإسلام بخمسين سنة عندما تقوم بحسابها.
فعندما حدث ذلك، حدث أن الإسلام حينما دخل كان بهدف إزالة سلطة الرومان التي آذت المسيحيين في تلك الفترة. وقد أضر المسيحيين كثيرًا انقسامهم، ونحن لم يأتِ النبي بعد، فهذه عملية تاريخية.
انقسام المسيحيين بين مؤلهين وآريوسيين وموقف المصريين الوطنيين
فانقسموا [المسيحيون] مؤلهين وغير مؤلهين. غير المؤلهين هؤلاء كانوا يُسمون الآريوسيين. آريوس كان أحد كهنة المسيحية يقول: لا، المسيح ليس إلهًا. والمؤلهون يقولون: لا، هو إله.
هذا الانقسام كان أغلبه بين الوطنيين، أي الناس الذين يعيشون كوطنيين. لماذا أستخدم كلمة وطنيين؟ لأن كثيرًا من المسيحيين كانوا يهودًا في الأصل ثم تحولوا، وكانوا رومانًا في الأصل ثم تحولوا، وكانوا يونانيين وتحولوا، وبعض المصريين. وهكذا أغلب المصريين كانوا من الآريوسيين.
رفض الآريوسية في مجمع خلقيدونية وقرب عقيدتهم من عقيدة المسلمين
هؤلاء الآريوسيون مذهب رُفض في مجمع خلقيدونية ورُفض عند المسيحيين، وقالوا: لا، نحن من المتألهين الذين نقول إن المسيح عليه السلام إنما هو إله.
الآريوسيون هؤلاء، يعني عقيدتهم عامة قريبة من عقيدة المسلمين التي جاءت بعد ذلك. لكن في ذلك الوقت لم يكن هناك إسلام ولا مسلمون، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قد وُلِد بعد.
واستمرت هذه القضية، لكن مع انقسام بين المتألهين وغير المتألهين.
انقسام المتألهين إلى أصحاب الطبيعة الواحدة والطبيعتين الأرثوذكس والكاثوليك
المتألهون بعد ذلك بحوالي مائة سنة أو نحو ذلك انقسموا مرة أخرى إلى أصحاب الطبيعة الواحدة الذين يقولون إن سيدنا المسيح هو الله في ذاته، والآخر يقول: لا، هو له ناسوت ولاهوت، أي له طبيعتين.
كانوا يُسمون الأرثوذكس أصحاب الطبيعة الواحدة، وأصحاب الطبيعتين يُسمونهم بعد ذلك الكاثوليك. هؤلاء كان اسمهم الأرثوذكس التي هي العاقبة، وبعد ذلك أصبح اسمهم أرثوذكس، يعني الخط المستقيم أو الناس المتمسكين بالصراط المستقيم.
والكاثوليك هؤلاء هم الملكانيون أتباع الملك هناك الذي في روما، الذين يقولون بالطبيعتين.
معاناة الأرثوذكس من اضطهاد الكاثوليك وتحرير المسلمين لهم
حسنًا، أصحاب الطبيعتين هؤلاء يتهمونهم [الأرثوذكس] بالوثنية، والآخرون يتهمونهم بالكفر. فحدثت خلخلة وتسلط بعضهم على بعض.
فذاق الأرثوذكس الذين هم أصحابنا هنا الذين في مصر المرارة من هؤلاء الناس. فلما دخل المسلمون حرروهم من هذا.
وجاء عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وبحث عن البابا الرسمي الذي اختاره الناس. وعندهم في اختيار البابا تتدخل عناصر إلهية، حيث يجرون قرعة، فالقرعة عندما تخرج فكأن الله هو الذي اختاره أو أرشدهم لاختياره. أين هذا الرجل الذي عينه الرب؟ فوجد بنيامين، البابا بنيامين، فأحضره ووضعه بجانبه.
هدم الرومان للكنائس واضطهاد الأرثوذكس والتركيبة الدينية عند دخول الإسلام
في هذه الفترة هُدمت كنائس النصارى من الرومان. في هذه الفترة اضطهدوا المذهب الأرثوذكسي الذي يعتنقه أغلب الوطنيين الموجودين.
في هذه الفترة وعندما دخل الإسلام وجد التركيب هكذا؛ وجد هناك يهودًا ما زالوا على يهوديتهم، ووجد هناك وثنيين ما زالوا على وثنيتهم وهم يقدمون القرابين للإله حابي ويقيمون احتفال وفاء النيل ويلقون فتاة مسكينة في مياهه.
وجدوا أرثوذكس ووجدوا كاثوليك ووجدوا كل هذه التركيبة. أين الجمهور؟ وجدوا آريسيين. الجمهور في الأرثوذكس حينئذ عند الدخول.
بناء البابا بنيامين للكنائس بعد الفتح الإسلامي وشهادة الليث بن سعد
فأحضر [عمرو بن العاص] الرجل الكبير الذي لهم، بنيامين، وأكرمه. بدأ بنيامين، يا أستاذ، يبني الكنائس، أصبح يجوبها هكذا وهو من الإسكندرية إلى أسوان. يبني أي كنائس؟ الكنائس التي هُدمت وأُزيل مكانها وكذا ودُمرت على أيدي الرومان.
ولذلك يقول الليث بن سعد رضي الله تعالى عنه: وكنائس مصر حادثة. انتبه، يعني لم يعتبر أنها كانت قديمة فهُدمت.
وكذلك ابن الرفعة يقول شيئًا آخر لا شأن لنا به، لكن سيدنا الليث بن سعد إمام الأئمة وبدر التتمة، ماذا يقول؟
فتوى الليث بن سعد بجواز بناء الكنائس وحق الأقباط في البناء
لأننا نعتمد على هذه [المقولة] للفتوى لصالح الأقباط أنهم يبنون ما يريدونه. أنا أريد أن أبني كنيسة، أبني في أي مكان. ألا ترون أن كل كنائسكم بعد الفتح الإسلامي؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنت لم تنتبه! تصور ابن الرفعة أن هذه الكنائس كانت قبل الفتح الإسلامي، فلا يجوز لهم بعد الفتح الإسلامي أن يبنوا كنيسة. ها، وجهة نظر سيدنا ابن الرفعة موجودة.
ولكن إمام الأئمة [الليث بن سعد]، الذي يُعتبر كأنه أستاذ الشافعي، والشافعي جاء إلى مصر لكي يأخذ العلم من تلاميذه الليث بن سعد، يقول ماذا؟ يقول إن كنائس مصر حادثة بالمطلق هكذا. يعني ماذا يرى؟ يرى أنها بُنيت بعد دخول الإسلام، وهذا ما معناه أنهم يبنون ما يريدونه.
حق المسيحيين في بناء الكنائس وعدم الحاجة لإذن من أحد
أي أن المسلمين الأوائل الفاتحين [سمحوا للبابا]... لم يسمحوا ولا شيء! هذا حقهم، خلاص. لا يوجد لا سمحوا ولا خلافه، هذا مذهب قوم.
نأتي الآن لنعمل فورتينة ما بين...
[المذيع]: فورتينا، ماذا يعني؟ مقلب يعني؟ أم ماذا؟
[الشيخ]: تفرقها، يعني لا أعرف من أين أتى المصريون بهذه الكلمة فورتينة. وأخذ، انتبه، كي لا نخلق صدامًا ونزاعًا، فنستخرج كلام ابن الرفعة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كلام ابن الرفعة موجود، ولكن لنا حرية الاختيار الفقهي، ولنا أيضًا عقولنا، ولنا عصرنا الذي نعيش فيه.
فتوى الشيخ بحق المسيحيين في بناء الكنائس والتحذير من إثارة الفتنة
لقد أصدرت مرةً فتوى قلت فيها: فليبنوا ما يريدون بناءه. إذا كنت تريد أيها المسيحي، أيها المصري، أن تبني كنيسة، فابنِ كنيسة. الدولة لا تسمح بل تسمح ونقول لها اسمحي وأن نفعل هكذا ونقف مع إخواننا المسيحيين. يريد أن يعبد ربنا الله؟
ثم يأتي الآخر لأنهم يكفرونهم ولأنه يُخرج المذكرة الخاصة بابن الرفعة لكي يصنع هذه الفتنة. هناك أمر غير عاقل يتحرك في هذا الكلام.
أنا أتحدث بطريقة علمية تاريخية دينية شرعية ويدركها ويحسها الليث بن سعد فيقول: وكنائس مصر حادثة، يعني ما جاء بعد الإسلام. ولذلك يجوز إحداثها، يجوز لبنيامين أن يسير من الإسكندرية إلى أسوان ويبني ما يريد.
استئذان المذيع للحديث عن وصية النبي بأهل مصر بعد الفاصل
[المذيع]: بارك الله فيك، بارك الله فيك يا فضيلة الإمام. أستأذن حضرتك بعد الفاصل نتحدث في المنطلق الذي على أساسه تحرك المسلمون الأوائل على أرض مصر، ألا وهي الوصية من الرسول الكريم سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام.
كيف كانت هذه الوصية من سيدنا النبي وهذه البشرى بأن الله سبحانه وتعالى سيفتح عليهم أرض مصر؟ كيف كانت هذه البشرى هي المرجعية في التعامل مع مصر وأهل مصر ولماذا؟ كانت هذه البشرى تحديدًا فيما يخص مصر من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ابقوا معنا.
وصية النبي بالاستيصاء بأهل مصر خيراً ومنهج المسلمين الأوائل
أهلًا بكم. فضيلة الإمام، بالتأكيد كانت الوصية التي أوصاها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام حينما يفتحون مصر بأن يستوصوا بأهلها خيرًا. هل باقي الحديث، هل يا فضيلة الإمام؟ هذا هو كان الشغل الشاغل والمنهج الذي على أساسه تحرك المسلمون الأوائل على أرض مصر.
[الشيخ]: المسلمون الذين تركهم النبي عليه الصلاة [والسلام] يقول لهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
ونحن نقرأها سبع عشرة مرة في اليوم، فلا يوجد أبدع من ذلك. إن المسلم المتأمل المتدبر، خاصة في الجيل الأول الذي انتقل من الوثنية إلى الإسلام وعرف نور التوحيد.
أحاديث النبي في الرفق بالمعاهدين وتحريم إيذاء المسيحيين
قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نُزع من شيءٍ إلا شانه»
وقال ﷺ: «ومن آذى معاهدًا فقد آذاني»
ما هذا يعني؟ وأنا قادمٌ لأؤذي شخصًا مسيحيًا، يصبح كأنه سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم! تخيل هذا - والعياذ بالله تعالى، حاشا للجناب الأجل - أنني أتخاصم معه؟ لا، ما هذا؟! ما هذا؟!
إنني غير قادر على [تحمّل ذلك]، أي أنني إذا ضربت مثلًا مسيحيًا أو أي شخص، فسيأتي يوم القيامة ويقول لي: لقد ضربتني. كيف يكون هذا؟ كيف يكون لدينا حياة بدونك؟
التربية النبوية على التسامح ودخول الآريوسيين في الإسلام طواعية
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنت ضربت هذا المسيحي، ما هذا؟ هذا كلام كان مستقرًا في النفوس وكان منهجًا يعيشون به، وكانت التربية النبوية دائمًا هكذا.
عندما دخل الإسلام، كثير جدًا من الآريوسيين [دخلوا الإسلام]. المسيحيون غضبانين منهم، هو مسيحي صحيح لكنه غضبانين منهم لأنهم مخالفون للاختيارات أو الإجماعات التي حصلت في عدم تأليه المسيح.
حسنًا، المسلمون لا يؤلهون المسيح، والمسيح أيضًا مثل الآريوسيين، والآريوسيون مثل المسلمين، فدخلوا في الإسلام.
دخول الآريوسيين واليهود والوثنيين في الإسلام طواعية دون إكراه
المسيحيون الآريوسيون الذين يقولون أن سيدنا عيسى عليه السلام هو رسول وليس إلهًا وليس إلهًا، قالوا: الله، حسنًا، نحن كنا نقول هكذا منذ زمن. ودخلوا إلى الإسلام. طبيعي، يعني شيء طبيعي عندما تجد أنه لا يوجد فرق بين هذا وبين ذاك.
كثير من اليهود دخلوا الإسلام، وكثير من الوثنيين دخلوا الإسلام. ودخولهم في الإسلام كان على مراحل، فلم يحدث إكراه ولم يحدث صدام ولم يحدث شيء من هذا.
ويقر كل من كتب هذه الفقرة أن الجنود المسلمين لم يخالطوا ولم يقاربوا أهل البلاد لا بالإكراه.
التعليمات العسكرية المشددة للجنود المسلمين بعدم إيذاء أهل البلاد
وكانت هناك تعليمات مشددة: إياك أن تؤذيه، إياك أن تضربه، إياك أن تأخذ منه شيئًا، إياك أن تأخذ منه هدية. كن حريصًا هكذا، أنت هنا للحماية فقط.
ما هذا العمل؟ إنه الالتزام العسكري. فكان الجنود المسلمون أصلًا، يعني لا يمكن أن يتعرضوا لهذا.
مَن الذي يقول هذا الكلام؟ الذي يقول هذا الكلام هو يوحنا النقيوسي. يوحنا النقيوسي كتب عن هذه الفترة، فترة الدخول [الإسلامي لمصر]. يوحنا النقيوسي ألّف تاريخًا وجدنا نسخة منه باللغة الحبشية، وبعد ذلك تُرجمت إلى الإنجليزية ثم تُرجمت من الإنجليزية إلى العربية تحت عنوان تاريخ يوحنا النقيوسي.
شهادة يوحنا النقيوسي بعدل المسلمين مع إشارات خفية غير محايدة
أغلب كلام يوحنا في الحقيقة به عدل؛ لأنه وصف أن هؤلاء الناس لم يُكرَهوا ولم يُضربوا ولم يحدث لهم كذا إلى آخره.
ويأتي في مواضع معينة وكأنه يضع إشارات خفية لا تعجبنا نحن كمسلمين، وانتبه.
وطبعًا ما بين يوحنا النقيوسي إلى جاك تاجر. من هو جاك تاجر هذا؟ جاك تاجر هذا كان أمين مكتبة الملك فؤاد. أخبرك، دعني أقول لك علمًا، أنت لا تنتبه إليه، لا عليك، أنا كبير في السن قليلًا.
جاك تاجر هذا كان ماذا؟ كان الملك فؤاد يُحب الكتب ولديه مكتبة جميلة، مكتبة الملك. من أمين، مكتبة من أمين المكتبة؟ جاء تاجر مسيحي.
كتاب جاك تاجر أقباط ومسلمون وما فيه من مدح وإشاعات
وألّف كتابًا أسماه مسلمون وأقباط أو يمكن أن يكون اسمه أقباط ومسلمون، من المحتمل أقباط ومسلمون.
عندما تجلس لتقرأه بدقة، تقرأ في الصفحة ثلاثة وسبعين أنه يمدح العرب، تقرأ وهكذا. وبعد ذلك يا أخي سبحان الله، أقحم أيضًا مثل يوحنا النقيوسي.
ألم يكفِ أن يسير على طريق واحد هكذا ويعترف بالحقائق الموثقة؟ لا، يعني لا يأتي وينشر شائعات مثل أن العرب قد أحرقوا مكتبة الإسكندرية، وهذا لم يحدث في التاريخ. إن الذي أحرق مكتبة الإسكندرية قديمًا كان في أيام الرومان، فقد أُحرقت منذ أيام الرومان وهذا مثبت أن جميع المؤرخين يقولون: لا، هذا الكلام خاطئ.
تفنيد إشاعات الجزية والإكراه وشهادة جاك تاجر بإحياء الملة الأرثوذكسية
مثل قولهم أنهم كانوا يأتون ليأخذوا الجزية فيضعون على رأس المسيحي قطعة خشب أو شيئًا مماثلًا، فتترك علامة زرقاء على جسده. لا يوجد شيء كهذا، هذا الكلام لم يحدث إطلاقًا. إنها مجرد إشاعات تم جمعها وتلفيقها في الكتاب.
مع أنه يعترف أن ليس هناك إكراه، وكان هناك إحياء للملة الأرثوذكسية، وأنه لولاها لخُشي عليها من الهلاك والضياع. وأنه حسنًا، هذا الكلام صحيح.
ولكن ما فائدة هذه الإشاعات الخمس أو الست بهذا الشكل؟ يعني كان يمكنه أن يلوم المسلمين الأوائل على الغلظة أو الشدة قليلًا، ولكن نفى عنهم إكراه المسيحيين على ترك الدين.
رد الشيخ الغزالي على اتهامات جاك تاجر في كتاب التعصب والتسامح
سأقول لك، ولكنه بالمجمل لكي نضع له عنوانًا، اتهم المسلمين بالتعصب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: بالتعصب. فذهب من ليرد عليه؟ عندما طُبع الكتاب - جاك تاجر طبعًا عندما توفي الملك فؤاد، أخذ أغراضه وسافر وطبع الكتاب، وهذا الكتاب قد انتشر جدًا وشاع - فذهب من الذي رد عليه لكي يرد على بعض هذه الإشاعات والترهات؟
الشيخ الغزالي رحمه الله، محمد الغزالي، سمى كتابه [الإسلام والمسيحية بين التعصب والتسامح]، أي أنه يريد أن يرى هل الإسلام يتعصب أم لا في علاقته مع المسيحية، وهل يتسامح أم لا.
وصف كتاب الغزالي وتفنيده لادعاءات جاك تاجر بالحقائق التاريخية
والكتاب كبير من أكبر أو من أضخم كتب الشيخ الغزالي رحمه الله. فقد كان الشيخ الغزالي يحب أن يكون كتابه مثل الشطيرة هكذا، بمعنى أن تقرأه في جلسة واحدة أو نحو ذلك، مثل كتاب [هذا ديننا] تجده خفيفًا هو صغير صحيح، لكن هذا كبير من بين كتبه الكبيرة.
لأنه فنّد كلام جاك تاجر وأثبت لها [الحقائق]، ولم يرد أحد على هذا [الكتاب: التعصب والتسامح] أبدًا؛ لأن الشيخ أتى بحقائق ترد على جاك تاجر.
لكن عندما تقرأ كتابات جاك تاجر، تستطيع أن تستخدم من كتابه نفسه ما يمدح العرب الأوائل المسلمين في دخولهم لمصر، وفي معاملتهم الطيبة جدًا للمسيحيين، في تعظيمهم للشأن الوطني ودور أهل الكتاب فيها والمسيحيين فيها إلى آخره.
نظام الجزية كبديل عن الجهاد وتطور مفهوم المواطنة حتى الخط الهمايوني
النظم السياسية تتغير، وكان النظام السياسي حينئذ أن تجاهد. تعال اشترك معنا في الجيش، وإن لم تجاهد تدفع البدلية التي يسمونها الجزية.
هذه أزعجت إخواننا المسيحيين جدًا؛ لأن معناها أنك جعلتني مثل المواطن من الدرجة الثانية. واستمرت هذه الأحوال تأخذ وتعطي، هي أقرب ما تكون الإجراءات السياسية إذا حاولنا أن نفهمها بشكل صحيح من غير تشنجات وتوترات.
إلى عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين حيث صدر الخط الهمايوني الذي يعتبر المسيحيين مواطنين من الدرجة الأولى. ولذلك ليس ملزمًا للمسيحي أن يدفع الجزية، وسيدخل الجيش، وسيتولى الولايات.
نضوج مفهوم الدولة الحديثة وتبني المسلمين للمواطنة الكاملة
طبعًا هو طوال عمره يتولى الولايات، طوال عمره يساهم في بناء الحضارة، وطوال عمره كذلك إلى آخره. لكن مفهوم الدولة الحديثة لم يكن ناضجًا في العالم كله.
فلما نضج ووافق عليه المسلمون قالوا: هذا الفكر جيد، هذا جيد. فلما نضج ووافق عليه المسلمون تبنوه ابتداءً من متى؟ ألف وثمانمائة واثنين وخمسين.
فنأتي لنجد واحدًا يؤلف على ما قبل ذلك، حسنًا، لقد تجاوزك الزمان! أنت تريد أن تسحب الماضي إلى الحاضر، لكن خلاص، لقد اتفقنا أننا في مواطنة ورجعنا إلى أصلنا في صحيفة المدينة، وأصبح المسيحي له ما لنا وعليه ما علينا.
المواطنة الكاملة للمسيحيين والتحذير من محاولات جر الماضي إلى الحاضر
وسيدخل [المسيحي] الجيش، وسيصبح وزيرًا، وسيصبح محافظًا، وسيصبح قائد جيوش، وسيموت معي وهو يدافع عن الوطن ويختلط دمنا نحن الاثنين. سيفعل، سيفعل!
ما الأمر؟ هل أنت منتبه؟ كيف؟ انظر إلى ما نحن فيه! إن هؤلاء يريدون أن يحولوا التاريخ إلى أحكام شرعية يُجرونها علينا الآن بعدما تجاوزناها بالإسلام.
نحن تجاوزنا هذا بالاجتهاد المناسب للرؤية التي نحن عليها. عندما نذهب إلى الدستور الذي حدث هو أن تجد الناس المسيحيين: هذا مندوب الكنيسة الأرثوذكسية، وهذا من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وهذا مندوب الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية.
التوافق الدستوري بين المسلمين والمسيحيين والرد على كتاب ابن الرفعة
يريدون لأنهم من أهل وطننا، ويريدون أن يعرفوا أين حقوقهم وأين واجباتهم، ماذا يقولون وماذا لا يقولون. موافقون يا جماعة؟ موافقون.
إذن إذا تجاوزنا هذه المراحل ومن أراد أن يجرنا إلى الماضي تحت أي عنوان، والذي عنده الحق هذا ابن الرفعة مؤلف [النفائس في وجوب هدم الكنائس]، مؤلف.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هكذا، النفائس في وجوب هدم الكنائس. هذا كتاب مثل مذكرة محامٍ يقدمها للقاضي ويقول وجهة نظره، وليس تصرفًا. التصرف هو أن بنيامين بنى الكنائس مرة أخرى التي هُدمت في الإسلام [أي في عهد الرومان قبل الإسلام].
فخر التاريخ الإسلامي بعدم الإكراه والتحول التدريجي عبر القرون
ولذلك نحن - والحمد لله رب العالمين - تاريخنا مشرف. سألتني عن الغزو والفتح، نحن دخلنا ولم نُكرِه أحدًا على الإسلام.
فظل مائة سنة بعد مائة سنة من دخول المسلمين، عدد المسلمين أصبح خمسة في المائة. بعد مائتين وخمسين سنة أصبح خمسة وعشرين في المائة. أربعمائة وخمسين سنة أصبح خمسة وسبعين في المائة. وبعد سبعمائة وخمسين سنة في القرن الثامن الهجري أصبح أربعة وتسعين في المائة.
يعني المسلمون لم يأتوا لكي يتحول أهل هذه البلاد إلى الدين الإسلامي وأن يُكرهوا على التحول. هذا رقم واحد.
الإبقاء على العقيدة المسيحية واللغة القبطية دليل على تسامح الإسلام
رقم اثنين: أخذ وقتًا طويلًا مع الإبقاء على المسيحية، على العقيدة المسيحية. ليس هكذا فحسب، والإبقاء على اللغة أيضًا، اللغة القبطية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يقول صاحب الخطط المقريزي أنه وجد قرية في الصعيد ما زالت تتكلم القبطية، أهلها يتحدثون باللغة القبطية في وقت المقريزي. وهذا المقريزي هو الذي استضاف ابن خلدون الذي توفي سنة ثمانمائة.
وجد أناسًا يتحدثون [بالقبطية]، حسنًا، دعنا نترك هذا. نحن اليوم لدينا ست لغات في النوبة ما زالت مستخدمة حتى الآن ولا يفهم بعضهم بعضًا، ست لغات.
رقي الإسلام في التعامل مع الشعوب مقارنة بالاستعمار الغربي
نحن دليل على رقي الإسلام. المسيحيون موجودون هناك، موجودون هناك. لم يُبِد الإسلام شعوبًا كما فعلوا مع الهنود الحمر أو مع ذلك الذي هو الاستعمار الغربي.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ولم نصل إلى مرحلة الاستعمار بأن حملنا خيرات هذه البلاد إلى الحجاز.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: الدولة الأم أو البلد الأم لم يحدث ذلك. نحن استقللنا ونمونا وما إلى ذلك. كنا صحيح ندفع في وقت العثمانيين، هناك تسعمائة وخمسة وعشرين بعيدة.
الفتح الإسلامي لمصر كان رائعاً وانتشار الإسلام عبر الأسرة والمصاهرة
لكن الفتح الإسلامي لمصر كان فتحًا رائعًا لا يُخضِع الشعوب ولا يُكره ولا يستنزف ولا أي شيء. ثم بعد ذلك تحول كل ذلك في الأغلبية عبر القرون عن طريق الأسرة.
فعندنا في الصعيد يقول لك: خالي بطرس حتى اليوم. عندما تقول له بطرس وجرجس، أي أنه مسيحي، تقول له: لماذا تقول له خالي؟ وما المشكلة في ذلك يعني؟
ما معنى هذه القصة القديمة جدًا؟ أن المسلم تزوج مسيحية وأحبها وأنجب منها أحد عشر ولدًا، وبعد أن أنجب منها توفيت. فالأبناء تزوجوا أبناء خالهم المسيحي. هي عاشت مسيحية وماتت مسيحية، ونُسبوا إلى الأب، ويفعل لا أعرف ماذا إلى أن انتشر الإسلام في العائلة.
استئذان المذيع للحديث عن الوصية النبوية بعد الفاصل
[المذيع]: نعم، بارك الله فيك، بارك الله فيك. طيب، سنقف عند الوصية النبوية الكريمة للصحابة الطيبين الكرام بعد الفاصل إن شاء الله، وما فيها من أمور ومن أشياء يجب أن نتوقف عليها بكل تأكيد. ابقوا معنا.
حديث النبي في الاستيصاء بالقبط خيراً ومعنى الذمة والرحم
أهلًا بحضراتكم. فضيلة الإمام، في رواية، أو في رواية مسلم عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمةً ورحمًا»
صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث يا فضيلة الإمام وفي روايات أخرى، ما هي الأسباب التي دفعت سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصي المسلمين الأوائل بأهل مصر خيرًا؟ وما معنى الذمة والرحم؟
[الشيخ]: ذمتي تعني نفسي، يعني عندما أقول لك أنت من أهل ذمتي تعني أنني سأنزلك منزلة نفسي، سأدافع عنك بروحي، وأُقتل دونك وأنا أدافع عنك.
معنى الذمة والرحم في الحديث النبوي وقصة هاجر أم إسماعيل
ذمتي هذه معناها هكذا، ولكن طبعًا لوثتها كثير من المخالفات ولوثها كثير من الزمن. إلا أنه فإن لنا معهم ذمة ورحمًا، وفي رواية وصهرًا.
فالرحم هي هاجر أم إسماعيل عليه السلام. جاء إبراهيم هنا في مصر عليه السلام عليه الصلاة والسلام وتزوج من هاجر وأنجب منها إسماعيل، وهو أبو العرب العاربة المستعربة.
العرب العاربة كانت قبل إسماعيل، والعرب المستعربة بعد إسماعيل أو من نسل إسماعيل. وذهبت هاجر هناك فهي أمهم جميعًا، فهي لها الرحم.
أبحاث حول هاجر وأنها كانت أميرة مصرية من قنا
هاجر فيها أبحاث كثيرة، ومن أجود الأبحاث أنها أميرة وأنها من قنا من عندنا في الصعيد هنا من قنا، وأنها كانت أميرة ابنة ملك.
ولكن الملك أُسِر في إحدى الحروب فأُسِرت معه السيدة هاجر وأُعطيت مثل الرقيق، لكنها كانت أميرة. وأُعطيت لسيدنا إبراهيم لأن الملك كان يحبه جدًا، الذي أهداه هذه الأميرة.
تزوجها سيدنا إبراهيم وأنجب منها إسماعيل. هي الرحم، هاجر أم العرب المستعربة الذين هم الأجداد الذين جاؤوا بعد إسماعيل.
السيدة مارية القبطية وقصة الصهر مع النبي صلى الله عليه وسلم
أما الصهر فهو في السيدة مارية التي اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت أن السيدة مارية عرض عليها الإسلام فأسلمت.
والنبي صلى الله عليه وسلم أنجب منها سيدنا إبراهيم بن محمد عليه الصلاة والسلام. وسيدنا إبراهيم [توفي] صغيرًا عمره سنتان أو نحو ذلك.
وكان مسكن السيدة ماريا، وكانت تُسمى بماريا القبطية، في العوالي. عندما نذهب إلى المدينة نسير هكذا نحو مسجد قباء، فالمنطقة التي قبل قباء اسمها العوالي، وفي العوالي كانت تسكن السيدة ماريا. فهذا هو الصهر.
اعتقاد المسلمين الأوائل بأن أهل مصر أهلهم وقصة إرسال المقوقس للهدايا
فالناس عندما دخلت [مصر] كان لديهم اعتقاد أن هؤلاء أهلنا، أهلنا من ناحية الأصل هاجر، وأهلنا من ناحية الصهر ماريا.
أما ماريا فقد جاءت هي وأختها، أرسلهما المقوقس، والمقوقس كان حاكم الإسكندرية. فأرسلهما إلى النبي مع الهدية عندما أبلغوه الرسالة التي تقول له: أسلم تسلم وإلى آخره.
فأرسل ماذا إذن؟ أرسل بغلة اسمها دلدل، وأرسل شيئًا جيدًا، وعاء من عسل بنها الذي هو الآن. ولذلك يقول بنهاوي بالكسر هكذا البنهاوي لأنها بنها. وأرسل ذق عسل من عسل بنها.
قصة سيرين وماريا وإسلام ماريا واختيار سيرين البقاء على المسيحية
وأرسل سيرين وأرسل ماريا. فسيرين عرض عليها الإسلام فقالت له: لا، أنا دعني على المسيحية، يعني أنني نشأت عليها ولا أريد. حسنًا، فقال لها: ابقي على المسيحية.
عرض على السيدة ماريا الإسلام فهي وافقت، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنجب منها سيدنا إبراهيم الذي قال عنه:
قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يُغضب الرب»
ودُفن سيدنا إبراهيم في البقيع واسمه بقيع الغرقد. هذا شجر طيب الرائحة وهكذا، ومنها الغردقة التي لدينا مع القلب المكاني.
موقع بيت ماريا القبطية وبحث التشابه بين اللغة المصرية القديمة والعربية
قلنا الكلام: بقيع الغرقد التي هي بجانب المسجد النبوي، مدفون فيها سيدنا إبراهيم. لكن أين بيت ماريا؟ بيت ماريا عليها السلام في العوالي الذي هو قريب من قباء.
هؤلاء الناس الطيبون هم الذين كانوا عندنا هنا في مصر. وعلى فكرة، هناك شخص كان قد أعد بحثًا أظنه كان الدكتور أحمد هريدي - أسعده الله بالخير - قد أجرى بحثًا في ما هو موجود في اللغة المصرية القديمة من اللغة العربية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنه حدث تشابه بينهما، وألّف معجمًا لطيفًا في هذا الموضوع.
اعتبار العرب مصر جزءاً منهم وعلاقة إرم ذات العماد بالأهرامات
فأنا أريد أن أقول إن العرب كانوا يعدّون مصر جزءًا منهم، هل انتبهت؟ حتى قيل إنها هي إرم ذات العماد، وإن إرم وهرم من مخرج واحد.
أي أن الهمزة في إرم هي نفسها الهاء في هرم، فالهمزة من الحلق والهاء من الحلق.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فهرم هي إرم ذات العماد، هي مصر هذه.
[المذيع]: سبحان الله!
[الشيخ]: هل انتبهت؟ وعدّوها من الذين يعدّون، يقولون لك إن مصر ذُكرت سبعين مرة أو ثمانين مرة، يعدوا منها الأشياء التي فيها نِعَم.
سؤال المذيع عن تعامل المسلمين الفاتحين مع أهل مصر وشهادات المؤرخين
[المذيع]: بارك الله فيكم يا مولانا. أخيرًا، بعد ذلك، كيف تعامل المسلمون الفاتحون مع أهل هذا البلد؟ هل هناك قصص أو عِبَر يمكن أن نذكرها في هذا الموقف للتسامح والعدل والإنصاف؟
[الشيخ]: في الحقيقة، لقد امتلأت الكتب بهذه الأخبار. وسنجد هذا كثيرًا في كتب تاريخ مصر مثل تاريخ مصر لابن الحكم والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي. نجد أخبارًا كثيرة جدًا، بالإضافة إلى كتب التواريخ الأخرى.
منها القصة المشهورة التي تخص سيدنا عمرو بن العاص مع القبطي الذي تشاجر مع ابنه، على سبيل المثال.
[المذيع]: نعم، هذا صحيح، وكيف انتصر للقبطي في تلك القصة.
شهادة المؤرخين غير المسلمين بعدالة الفتح الإسلامي وعدم وجود إكراه
لا، انتبه أن كل ما أقول لك أن كل من كتب من غير المسلمين عن هذه [الفترة]، مثل الآنسة بيتشار التي كتبت تاريخ الكنيسة القبطية في ثلاثة مجلدات، تتحدث عن هذه الفترة وتقول: أبدًا إن هذا كان شيئًا مثل الخيال لم يحدث.
هذا ليس احتلالًا، ليس فيه إبادة، ليس فيه إكراه، هناك استعمار [تقصد: ليس فيه استعمار]، ليس فيه عبودية. يا أخي تاريخنا عجيب غريب!
هل رأيت أمة قط في القديم أو الحديث تجعل العبيد الذين لديها حكامًا؟
عصر المماليك دليل على رقي الإسلام والختام بالحمد لله على نعمة مصر والإسلام
في عصر المماليك بقينا سبعمائة سنة نعامل العبيد على أنهم هم النخبة وأنهم هم القادة وأنهم هم كذا وكذا، ونعلمهم أفضل تعليم ونمنحهم أفضل المناصب.
في الحقيقة، الحمد لله رب العالمين الذي جعلنا مصريين والذي جعلنا مسلمين.
[المذيع]: جزاكم الله خيرًا فضيلة الإمام.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: شكرًا جزيلًا حضرتك. أنا أعتذر جدًا لحضراتكم على عدم استقبال الاتصالات الهاتفية في هذا اليوم، لكن إن شاء الله غدًا سنفتح مجالًا أوسع قليلًا للاتصال الهاتفي بإذن الله. إلى اللقاء.
