وصايا الرسول | الوصية الأولى | أ.د. علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | الوصية الأولى | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يستهل المتحدث كلامه بالترحيب بالمشاهدين في شهر رمضان الذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
  • يشير إلى أهمية ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظمها.
  • يبين أهمية تتبع وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر لبدء حياة جديدة وفق المنهج النبوي.
  • وصايا الرسول تمثل منظومة متكاملة تدعو لإحسان الظن بالله والنفس والناس، وتصنع في النفس رهبة وحباً وطمأنينة.
  • يروي قصة أبي عبيدة بن الجراح الذي بكى لما تذكر وصية النبي له بالاكتفاء بثلاثة خدم وثلاث دواب.
  • يشرح أن النبي لا يمنع الخدم والدواب لكنه ينهى عن الإسراف والبذخ.
  • ينقل حديث النبي: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة من لقيني على مثل الحال الذي فارقني عليه".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح البرنامج والترحيب بالمشاهدين في شهر رمضان المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الذي نحاول فيه إحياء وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أول كل شيءٍ أقولُ لكم: كلُّ عامٍ وأنتم بخير، دخلَ رمضانُ الذي أوّلُهُ رحمةٌ وأوسطُهُ مغفرةٌ وآخرُهُ عتقٌ منَ النارِ، دخلَ رمضانُ شهرُ القرآنِ الذي يُعَدُّ بمثابةِ بدءٍ جديدٍ للمؤمنِ معَ اللهِ على سبيلِ جدد حياتِكَ.

فضل ليلة القدر وأمر النبي بالبحث عنها في رمضان

بدأَ رمضانُ وفيهِ ليلةُ القدرِ التي كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -كما هوَ شأنُ القرآن- يُعلي شأنها ويأمرنا أن نبحث عنها ويوصينا بها:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5]

وكان مشايخنا يقفون عند «سلام» فيقولون: سلام، كأنها هي السلام المطلق.

﴿هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]

أي أنها تستمر حتى مطلع الفجر.

منهج البرنامج في تناول وصايا رسول الله وتحويلها إلى برنامج عملي

في هذا الشهر نتذكر وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نسير على المحجة البيضاء، بعد ذلك مبتدئين ومفتتحين عامًا يبدأ من شوال، ويبدأ بفرحة، ويبدأ بعيد، ويبدأ بيوم الجائزة.

نعيش مع وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نأخذ كل يوم وصية من وصاياه ونتفهمها ونبين كيف نحولها إلى برنامج عملي في حياتنا، وكيف نبدأ بهذه الوصايا حياة جديدة في ظل محجة قديمة قد تركها لنا في الميراث الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وصايا النبي تدعو إلى منظومة متكاملة من الأخلاق والعلاقات الاجتماعية

نقلت الصحابة الكرام هذه الوصايا، تدعونا إلى منظومة متكاملة من الأخلاق، تدعو إلى منظومة متكاملة من العلاقات الاجتماعية السوية.

تدعو إلى إحسان الظن بالله وإحسان العلاقة بالله، وإلى إحسان الظن بالنفس واحترام النفس وكيفية التعامل معها، وإلى إحسان الظن بالناس وكيفية التعامل الصحيح مع الناس.

وكيف ننشأ في محيط نحبه ويحبنا، في محيط نحبه ويحبنا فيحبنا الله سبحانه وتعالى.

أثر وصايا رسول الله في النفس بين الرهبة والطمأنينة وسعادة الدارين

وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تصنع شيئًا في النفس؛ تصنع شيئًا من الرهبة أن نتبع تلك الوصايا أو أن لا نفرّط فيها، وتصنع شيئًا آخر من الحب ومن الطمأنينة أن معنا كنزًا عظيمًا إذا ما تأمله الإنسان وعاش فيه ومن خلاله نال سعادة الدارين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

فاللهم يا ربنا فرح قلوبنا وقلوب المسلمين وقلوب المصريين وقلوب العرب أجمعين، بل وقلوب العالم، يا ربنا دلنا على الخير الذي تحبنا من أجله والذي أمرتنا به.

حديث الراحمون يرحمهم الرحمن ودعوة النبي إلى الرحمة بأهل الأرض

فقد قال رسولك [رسول الله ﷺ] الكريم:

قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

وفي رواية: «يرحمْكم من في السماء» بضم الميم على الدعاء، أي أنه: ارحموا من في الأرض، اللهم يا ربنا ارحم أمتي.

هذه الوصايا نتلو منها وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نُشنِّف به أسماع العالمين، ونرى كيف وهو [النبي ﷺ] يدعو إلى حسن استعمال تلك البيئة التي حولنا.

النهي عن الإسراف والاعتداء وأمر الله بالعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس

إلى أنه [قال الله تعالى]:

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

إلى أنه [قال الله تعالى]:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله أمرنا بعبادته وبعمارة الأرض وبتزكية النفس ونهانا عن الظلم؛ فإن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا. المسألة هنا ليست كفرًا وإيمانًا بقدر ما هي عبادة وعمارة وتزكية.

رواية بكاء أبي عبيدة بن الجراح لوصية النبي له بشأن فتح الشام

هيا بنا نعيش تلك اللحظات ونعيش معًا في هذا الوقت من كل يوم مع وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

اليوم نروي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ دخل عليه أحد التابعين فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيك يا أبا عبيدة؟ فقال: نبكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يومًا ما يفتح الله على المسلمين ويُفيء عليهم، حتى ذكر الشام.

فقال [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «إن يُنسأ في أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليهم، وحسبك من الدواب ثلاث: دابة لرحلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك»

ثم قال [أبو عبيدة]: ها أنا ذا، انظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقًا، وانظر إلى مربطي قد امتلأ دوابًا وخيلًا، فكيف ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا؟

مكانة أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة ورضا الخلفاء عنه

أبو عبيدة [بن الجراح] كان أمين الأمة، كان صحابيًا له قيمته، عُيّن أو رُشح للخلافة الإسلامية من مكانته ومن وضعه، ومن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنه راضٍ.

أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه مات أبو بكر [الصديق] وهو عنه راضٍ، ومات عمر [بن الخطاب] وهو عنه راضٍ؛ فكان من أكابر الصحابة الكرامِ حتى سمَّاه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأمينِ الأمة.

تفاصيل بكاء أبي عبيدة وذكره لوصية النبي عن فتح الشام والخدم والدواب

دخلَ عليه أحدُ التابعين يومًا فوجدَه يبكي، فقال: ما يُبكيك يا أبا عبيدة؟ قال: أبكي لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر يومًا فتحَ الشام وأنه سوف يُفتح علينا ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم مثل ما يفيء عليهم من الشام.

يا أبا عبيدة، إن ينسأ في أجلك -أي أن يؤخر في أجلك- حتى تفتح الشام، فحسبك من الخدم ثلاثة، لا تزد عن ثلاثة من الخدم، يكفيك ثلاثة من الخدم يقومون على متطلبات الحياة، يكفيك ثلاثة من الخدم يخدمون الإنسان فيريحونه.

وصية النبي بالاعتدال في الخدم والدواب والنهي عن الإسراف والرفاهية المفرطة

يكفيك ثلاثة إذن؛ فرسول الله ﷺ لا يمنع من اتخاذ الخدم، ولكن في نفس الوقت لا يريد الرفاهية التي تصل إلى السفه أو إلى الإسراف أو إلى الزيادة عن الحد، أو إلى الدخول في دائرة عدم الاستطاعة والتراخي والكسل.

وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرحلك، أي دابة تركبها أنت، ودابة لأثقالك أي تحمل عليها الحقيبة وتحمل عليها أغراضك، ودابة لخادمك الذي سيسافر معك أي خادم السفر.

إذن، عندما أسافر تكفيني ثلاثة دواب.

بكاء أبي عبيدة على مخالفته وصية النبي وحديث لقاء النبي يوم القيامة

فبكى أبو عبيدة وقال: ها أنا ذا، بيتي مليء بالخدم ومربط دوابي مليء بالدواب.

قال رسول الله ﷺ:

قال رسول الله ﷺ: «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني يوم القيامة من لقيني على مثل الحال الذي فارقني عليه» [أخرجه أحمد]

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.