وصايا الرسول | حـ 11 | أ.د. علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | حـ 11 | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الحديث عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين أخذ بيده وقال: "يا معاذ، إني لأحبك" فرد معاذ: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك".
  • أوصى النبي معاذاً ألا يترك قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" في دبر كل صلاة.
  • اختلف العلماء في معنى "دبر الصلاة" هل هو قبل السلام أم بعده، والأمر سهل لأن هذا دعاء وذكر وليس من الكلام الدنيوي المفسد للصلاة.
  • هذا الدعاء من مفاتيح الخير التي أوصى بها النبي أمته ليستمر الإنسان في طاعة الله ويرتقي بهمته.
  • بهذا الدعاء البسيط نلتجئ إلى الله ليعيننا على ذكره وشكره وعبادته، فتنزل السكينة على قلوبنا إذا استجاب الله لنا.
  • المداومة على هذا الدعاء تجعلنا متصلين بالله وشاكرين لنعمه، وتدفعنا للإتقان والضراعة والمناجاة.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بوصية النبي لمعاذ بن جبل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات وصايا الرسول.

نعيش فيها هذه اللحظات مع معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يومًا ثم قال:

قال النبي ﷺ: «يا معاذ، إني لأحبك»

فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك. قال:

«أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» أخرجه ابن حبان وأحمد والنسائي

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وصية النبي لمعاذ كنز من الأدعية في دبر كل صلاة

وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ تتمثل في هذه الكلمات، هذه الأدعية في دبر كل صلاة وكأنها كنز يرشده به صلى الله عليه وآله وسلم.

يا معاذ إني أحبك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فيرد عليه وقال: أوصيك ألا تدعَنَّ هذه الكلمات في دبر كل صلاة، يقول فيها رسول الله:

«اللهم أعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»

معنى دبر الصلاة واختلاف الأئمة بين قبل السلام وبعده

وكلمة دبر الصلاة معناها في نهاية الصلاة؛ نهاية الصلاة قبل السلام أو نهاية الصلاة بعد السلام. فهِمَ الأئمة الأعلام كلًا من هذين الفهمين؛ بعض الأئمة فهم أن "في دبر كل صلاة" يعني قبل السلام، أي في نهاية كل صلاة، وفهم بعضهم بعد كل صلاة.

والكلمة تحتمل أن تكون بعد السلام وتحتمل أن تكون قبل السلام، والخطب هيِّن. لماذا؟ لأن هذا دعاء وذكر وضراعة والتجاء لله سبحانه وتعالى، وهو ليس من الكلام الدنيوي الذي يفسد الصلاة، بل إنه من الكلام الذي كانت الصلاة له.

حديث النبي في أن الصلاة للذكر والتسبيح والدعاء لا لكلام الناس

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن هذه الصلاة لا ينفع فيها من كلام الناس شيء، إنما هي ذكر وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن»

فإذا سبحت ربك أو دعوته وأنت ساجد: اللهم اغفر لي، اللهم ارزقني، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك؛ كانت هذه الكلمات الطيبات مكانها الصلاة التي هي للعبادة وللذكر وللضراعة ولقراءة القرآن كالفاتحة وكالسورة التي بعدها إلى آخره.

طبيعة وصايا النبي وإعطاء الأمة مفاتيح بسيطة للاستمرار في العبادة

لكن نقف عند هذه الوصية لنفهم طبيعة وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي صحابته والأمة من بعده، يوصيهم بمفاتيح، بشيء يستطيع به الإنسان أن يستمر، ويستطيع به الإنسان أن يفعل غيره من الأعمال، ويستطيع به الإنسان أن ينشئ همة عالية عنده.

هذا الدعاء أولًا هو دعاء لله رب العالمين، نلتجئ إليه فيه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. فإن استجاب الله لنا اطمأن فؤادنا:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

شعرنا بالأمن وبالسكينة.

تلخيص علاقة المسلم بالله من خلال الذكر والشكر والعبادة

ونفعل هذا [الدعاء] في نهاية الصلاة أو بعد السلام وكأننا نلخص علاقتنا بالله سبحانه وتعالى. صلتنا بالله سبحانه وتعالى مبناها:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

صلتنا بالله مبناها العبادة:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وبهذه العبادة سيتم الهدوء؛ هدوء البال والحال. إذا استجاب الله لنا نزلت السكينة على قلوبنا.

حب النبي لإعطاء الأمة مفاتيح بسيطة كالوضوء تغير حياتهم

كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطينا مفاتيح بسيطة، فإذ بها تُغيِّر من حياتنا. علَّمنا الوضوء، والوضوء مسألة نراها كمسلمين بعد دربة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة إنها مسألة سهلة: نغسل وجوهنا وأيدينا ونمسح رؤوسنا ونغسل أرجلنا، مسألة سهلة وليست معقدة.

يفعلها الفلاح في حقله ويفعلها العامل في مصنعه، سهلة. ولكن هذا الوضوء يُحدِث نظامًا غريبًا عجيبًا في حياة الإنسان؛ يجعله محبًا للنظافة، النظافة من الإيمان:

قال النبي ﷺ: «إن الله نظيف يحب النظافة» أخرجه الترمذي

غريب هذا الحديث أن الله نظيف يحب النظافة، بمعنى أن تتخلقوا بأخلاق الله؛ يحب هذا، يحب النظافة، يحب الطهارة.

أثر تكرار الوضوء في إنشاء ثقافة الطهارة والاستعداد للصلاة

الوضوء شيء سهل، ولكن تكراره أنشأ للمسلم جوًا معينًا وربطه به؛ قضية: أنا متوضئ أم غير متوضئ، جعلت هناك وكأنها ثقافة معينة تعين الإنسان على حياته.

فيخرج الإنسان من بيته متوضئًا وينشئ في نفسه معنى أن الوضوء هو سلاح المؤمن، فيصلي حيثما تدركه الصلاة في أي مكان.

نظام الصلاة، هذه الصلاة غريبة عجيبة صعبة ولكنها يُسِّرت:

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

أثر المداومة على دعاء الذكر والشكر في تغيير حياة الإنسان

إن هذا الدعاء [اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك] دعاء بسيط، المداومة عليه تجعلنا متصلين بالله، والمداومة عليه تُشعرنا بحمد الله سبحانه وتعالى وتذكُّر نِعَمه وفضله.

دعاء بسيط ولكنه يدعونا إلى الإتقان وحسن عبادتك. دعاء بسيط لكنه يذكرنا دائمًا بالضراعة والمناجاة.

إذا داوم الإنسان على هذا الدعاء ولهج به، أصبح إنسانًا آخر. قد نستهين كمسلمين بهذا المعنى، ولكنه معنى عميق في النفس البشرية.

الصلاة والسلام على النبي وختام الحلقة

مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.