وصايا الرسول | حـ 20 | أ.د علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | حـ 20 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • روى جابر بن عبدالله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل وفاته بثلاثة أيام: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل".
  • إحسان الظن بالله يمثل مفتاح العلاقة بين العبد وربه، وهو موجه للعاصي قبل الطائع.
  • ينبغي للعاصي ألا ييأس من رحمة الله، فالله عفو رحيم، ولا يمنعه خجله من ذنبه عن التوبة.
  • يفرح الله بتوبة عبده فرحاً شديداً، كما في حديث الرجل الذي وجد راحلته بعد ضياعها.
  • قال الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي"، فإن ظن العبد بربه حسناً وجده كذلك.
  • حسن الظن بالله هو حقيقة الإيمان وأول خطوة في الطريق إلى الله، وهو مفتاح كل خير واستجابة للدعاء.
  • أكثر أسباب البعد عن الدين هو سوء الظن بالله، مما يكرس الغفلة في نفس الإنسان ويحجبه عن ربه.
  • إذا أحسن الإنسان علاقته مع الله، أحسن كل شيء في حياته.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أيها الإخوة المشاهدون أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

اليوم نعيش مع هذه الوصية الجامعة التي تضبط العلاقة بيني وبين ربي، بين الإنسان وبين خالق الأكوان.

حديث جابر بن عبد الله في حسن الظن بالله قبل الموت

فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن الظنَّ بالله عزَّ وجلَّ» أخرجه مسلم

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتهيأ للانتقال إلى الرفيق الأعلى كان حريصًا على أمته وعلى صحابته وعلى أبنائه، وكان يقول: «أنا منكم مثل الوالد للولد»، فهو يريد أن يعطينا مفتاحًا للعلاقة بيني وبين ربي.

توجيه العاصي إلى عدم اليأس من رحمة الله والمبادرة بالتوبة

ما هو إحسان الظن بالله؟ وهذا الكلام يُوجَّه إلى العاصي قبل الطائع. أيها العاصي، لا تيأس من روح الله! أيها العاصي، أحسن الظن بالله، وإن الله سبحانه وتعالى عفوٌّ، وإن الله سبحانه وتعالى رحيم.

إياك أن يُعطِّلك عن التوبة خجلُك من ذنبك! إياك أن يُعطِّلك عن التوبة اعتقادُك أن الله لن يغفر لك! إياك أن تَرى أنَّ الله مُنتقمٌ جبّارٌ ولا تَرى أنَّ الله رحمنٌ رحيمٌ، ولا تَرى أنَّ الله عفوٌّ توّابٌ، ولا تَرى أنَّ الله يفرحُ بتوبةِ عبدِهِ المؤمنِ.

حديث فرح الله بتوبة عبده كفرح من وجد راحلته في الصحراء

أشدَّ من فرحِ أحدِنا كان في الصحراءِ ثمَّ افتقدَ راحلتَهُ، فسلَّمَ نفسَهُ للموتِ؛ لأنَّ راحلتَهُ عليها الزّادُ والطعامُ والشرابُ وقد فُقِدَت، وهو في الصحراءِ لا يدري ماذا يفعلُ، فنامَ.

فلما استيقظ وجد راحلته أمامه، فكان فرحًا جدًا، وقال من شدة الفرح وكأنه اختلط عليه الكلام من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! حدثت له هذه المفارقة المضحكة، يقول للرب: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، وهو يقصد: اللهم أنت ربي وأنا عبدك. أخطأ من شدة الفرح، فشدة الفرح تجعل الإنسان يخطئ.

متى أخطأ هذا الإنسان؟ أخطأ لأنه اشتدَّ فرحه.

فرح الله بتوبة عبده فرحاً شديداً منزهاً عن مشاعر البشر

فرسول الله [صلى الله عليه وسلم] يُقرِّب إلينا وإلى مَن في البادية وإلى عموم الناس أن الله يفرح بتوبة عبده فرحًا شديدًا، كهذا الذي فرح بعودة حياته وعودة دابته وعودة ما ينقذه. يفرح الإنسان فرحًا شديدًا، فالله يفرح كذلك فرحًا شديدًا.

منزَّهٌ عن مشاعرنا سبحانه وتعالى، هو لا يفرح كفرحنا، وإنما هذه أمثلة يضربها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نتخيل ونستحضر عفوه ورضاه سبحانه وتعالى.

حسن الظن بالله حقيقة الإيمان والخطوة الأولى في الطريق إلى الله

أنا عند ظن عبدي بي، يعني لو كان ظنًا حسنًا ستجده حسنًا، والعياذ بالله لو ظننت في ربك ظنًا سيئًا فلا تلومنَّ إلا نفسك؛ لأن حسن الظن بالله هو حقيقة الإيمان؛ لأن هذا هو الخطوة الأولى بيننا وبين الله في الطريق إلى الله.

يسميها بعض أهل الله: اليقظة. اليقظة هي أن تتنبه إلى الحقيقة، وما الحقيقة؟ أن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، أن الحياة الدنيا قليلة قليلة متاعها، إنها فانية.

ومن عرف نفسه بالافتقار والحدوث والأولية وأن له بداية وله نهاية، عرف ربه بأنه قيوم السماوات والأرض.

إحسان الظن بالله مفتاح الخير واستجابة الدعاء والتوبة

إحسان الظن بالله مفتاح كل خير، وإحسان الظن بالله مفتاح كل استجابة للدعاء، وإحسان الظن بالله دافع للتوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

نعلم أن كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون. أسرع وبادر وفِرَّ إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال [رسول الله ﷺ] لك في وصيته الجامعة الأخرى:

قال رسول الله ﷺ: «اتقِ الله حيثما كنتَ، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِق الناسَ بخُلُقٍ حسن»

نظام بينك وبين نفسك، وبينك وبين ربك، وبينك وبين الناس، يبدأ بعلاقتك مع الله؛ إذا أحسنتها أحسنت كل شيء، وإذا لم تحسنها ضاع عليك خير كثير.

مقولة السيدة نفيسة عن الإمام الشافعي ودلالة حسن البدايات

كانت السيدة نفيسة تقول عن سيدنا الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه عندما توفي، قالت فيه مقولة تؤكد ما نذكره، وهو كان رحمه الله يُحسن الوضوء.

ظنَّ بعض الناس أن السيدة نفيسة -حاشاها- كأنها تتعالى على الإمام الشافعي باجتهاده وعلمه، لا، هي لا تقصد هذا، هي تقصد أنه أحسن البدايات فحسُنت له النهايات.

مَن أحسنَ الوضوءَ صحَّتْ صلاتُه، ومَن أحسنَ الوضوءَ وصحَّتْ صلاتُه حَسُنَ عملُه، ومَن أحسنَ الوضوءَ وحَسُنَ عملُه استُجيبَ دعاؤُه. إذن فهو رجلٌ مباركٌ، رجلٌ عرفَ كيفَ يسيرُ في الطريقِ الصحيحِ.

حسن الظن بالله مفتاح الطريق الصحيح وسوء الظن سبب البعد عن الدين

والطريقُ الصحيحُ مع ربِّنا سبحانه وتعالى يتمثَّلُ في حُسنِ الظنِّ بالله كما أوصى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قبل وفاته بثلاثة أيام. كأنه كان حريصًا على لفت أنظار أمته إلى أن هذا هو المفتاح.

مفتاح نراه بسيطًا ولكنه عميق، مفتاح نراه بسيطًا ولكن الموفَّق من وفَّقه الله سبحانه وتعالى.

أكثر بلايا البشر وأكثر أسباب البعد عن الدين هو سوء الظن بالله. سوء الظن بالله يُكرِّس في نفس الإنسان الغفلة، ويُكرِّس في نفس الإنسان الحُجُب المتكاثرة التي تحجبه، ويكون محجوبًا عن الله سبحانه وتعالى.

الحجب لا تحجب الله بل تحجب قلب الإنسان فيصبح من الغافلين

الحُجُب لا تحجب الله، فالله سبحانه وتعالى أظهر شيء في هذا الكون، ولكن الحُجُب تحجب الإنسان نفسه وتحجب قلب الإنسان فيصبح من الغافلين.

نعم، حسن الظن بالله هو الأساس وهو الخطوة الأولى التي تسير بها مع الله سبحانه وتعالى.

أبيات في مدح النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه

مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

جاءت لدعوته الأشجار ساجدةً تمشي إليه على ساقٍ بلا قدمِ، كالشمس تظهر للعينين من بُعدٍ صغيرةً وتُكِلُّ الطرفَ من أُمَمِ.

فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ وأنه خيرُ خلقِ الله كلهم، فانسب إلى ذاته ما شئت من شرفٍ وانسب إلى قدره ما شئت من عِظَمِ.

هَولٌ من الأهوال مُقتحَمٌ، مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

الدعاء بحسن الظن بالله والختام بالسلام على المشاهدين

نسأل الله سبحانه وتعالى حسن الظن بالله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يكتب علينا حسن الظن به.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.