وصايا الرسول | حـ 21 | أ.د علي جمعة
- •سُئل عبدالله بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب أنه أوصى بكتاب الله.
- •روى جابر بن عبدالله عن النبي قوله: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله".
- •كتاب الله هو محور حضارة المسلمين الذي ننطلق منه ونعود إليه في التحاكم ونعتبره معياراً للتقويم.
- •بنى المسلمون حضارتهم على محور كتاب الله في الفنون والآداب والعمارة والعلوم.
- •القرآن يؤكد أن الإسلام لم ينتشر بالإكراه: "لا إكراه في الدين"، "لكم دينكم ولي دين"، "ما على الرسول إلا البلاغ".
- •هناك روايات متعددة لوصية النبي: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي"، وفي رواية: "كتاب الله وعترتي أهل بيتي".
- •السنة النبوية هي التفسير المعصوم الوحيد لكتاب الله.
- •تركنا الرسول على المحجة البيضاء وأوصانا بكتاب الله.
مقدمة حلقة وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم والترحيب بالمشاهدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
نعيش فيها مع وصايا سيدنا صلى الله عليه وسلم فيما تركه لنا، عسى أن تتضح لنا معالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، وعسى أن نطيعه فيما تركه لنا من المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وعسى أن نحسن النية في فهم مرادات رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما كان يريد لنا إلا كل الخير في الدنيا والآخرة، هيَّا بنا مع وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
سؤال عبد الله بن أبي أوفى عن وصية رسول الله وإجابته بالوصية بكتاب الله
سُئِلَ عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه، سُئِلَ عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال:
«ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا يوصى فيه، وإنما أوصى بكتاب الله» أخرجه ابن حبان.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وصية رسول الله بكتاب الله دون تمييز أحد بالخلافة وتأكيده المتكرر على ذلك
إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاياه لم يوصِ لأحد بالخلافة، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يوصِ بتمييز أحد على أحد. رسول الله أوصى بكتاب الله، وأكد على كتاب الله مرارًا وتكرارًا.
يؤكد هذا ويرشحه ويقويه ما رواه جابر بن عبد الله راوي حجة الوداع، روى جابر بن عبد الله عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» أخرجه مسلم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كتاب الله هو محور حضارة المسلمين ومعنى كونه محوراً للحضارة
يتبين لنا أن محور حضارة المسلمين هو النص المقدس، هو كتاب الله. محور الحضارة الذي تركه وأوصانا به هو كتاب الله.
ما معنى هذا؟ معناه أن ننطلق [من كتاب الله]، وهذا هو معنى كلمة محور، أن ننطلق منه. معناه أن نعود إليه في التحاكم فيما بيننا. معناه أن نقوم بخدمة هذا الكتاب حتى يصبح محورًا للحضارة، ومعناه أن نعتبره معيارًا لتقويم الخير من الشر، العدل من الظلم، الصحيح من القبيح.
هذا هو معنى كون الشيء محورًا. المحور هو الذي يكمن في الحضارة.
مقارنة بين محور حضارة المصريين القدماء ومحور حضارة المسلمين
قالوا إن محور المصريين القدماء في حضارتهم كان الموت؛ كانوا الموت هزَّ مشاعرهم، ولذلك بنوا الأهرام وكتبوا البرديات وسجَّلوا على الحجر والصخر. كانوا يحافظون بالتحنيط على الجثمان، وكانوا يضعون الكنوز في المقابر. الموت كان يشغل بالهم، وهو محور حضارتهم.
أما محور حضارة المسلمين فهو كتاب الله:
- •منه المنطلق.
- •وبه المعيار.
- •وله الخدمة.
- •وإليه العودة للتقويم.
هذا هو معنى كتاب الله فعلًا.
فتنة الخوارج وقتلهم لسيدنا علي بن أبي طالب وأثرها على الأمة الإسلامية
المسلمون بعدما قضوا على الخوارج، ظهر الخوارج سنة سبعة وثلاثين الهجرة وقُضي عليهم تمامًا سنة اثنين وثمانين من الهجرة - خمسة وأربعين سنة وهم يفُتون في عضد الدولة الإسلامية.
حتى قتلوا سيدنا علي [بن أبي طالب] الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن:
«أنا مدينة العلم وعلي بابها، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»
عليُّ بن أبي طالب أساسُ أهل البيت الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»
هذا الرجل الذي هو أصل أهل البيت قتله الخوارج، وظل المسلمون يقضون على الخوارج وفتنة الخوارج خمسة وأربعين سنة.
بناء المسلمين حضارتهم على محور كتاب الله بعد القضاء على فتنة الخوارج
ثم بعد ذلك [بعد القضاء على فتنة الخوارج] أفاق المسلمون لأنفسهم، فبنوا حضارتهم على محور كتاب الله: في الفنون، في الآداب، في العمارة، في العلوم وفي تقسيمها، وانطلقوا والحمد لله رب العالمين.
فملأت حضارتهم العالم، وعلموا الناس كيف يكون العدل، وأنها دولة القضاء، وأنهم لا يظلمون أحدًا. ظل المسلمون يعملون كشرطى للعالم؛ يقيموا العدل وينصروا المظلومين ويذهبوا هنا وهناك، فظن الناس أن الإسلام قد انتشر بالسيف.
القرآن الكريم ينفي الإكراه في الدين ويؤكد أن مهمة الرسول البلاغ فقط
القرآن الذي هو محور حضارتنا يقول:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
القرآن الذي هو محور حضارتنا، يعتبر أن من أُكره إنما هو من طائفة المنافقين، فلسنا مأمورين أن ننتج منافقين بالإكراه، فقال:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
القرآن يقول:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
القرآن يقول:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
القرآن يقول:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
القرآن يقول:
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
القرآن يقول:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
القرآن واضح في قوله.
الإسلام لم ينتشر بالسيف بل كان المسلمون يدافعون عن أنفسهم ويقيمون العدل
يقول [القرآن] عكس ما يحمله النابتة [المتطرفون] من قهر الناس أو محاولة ذلك بالسلاح على الإسلام. الإسلام لم يعرف هذا الشأن، بل كان أمرًا زمانيًا يدافع فيه المسلمون عن أنفسهم ويقيمون العدل؛ لأنهم اتخذوا كتاب الله وسنة نبيه وعترة أهل بيته الكرام نبراسًا لهم في حياتهم.
فيما أخرجه أحمد، أوصى رسول الله فقال:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي» أخرجه أحمد.
وفيما أخرجه الترمذي قال:
«كتاب الله وعترتي أهل بيتي» أخرجه الترمذي.
وفيما أخرجه مسلم:
«كتاب الله» أخرجه مسلم.
وبذلك تكون السنة هي التفسير المعصوم الوحيد لكتاب الله.
فهم عمر بن الخطاب لمراد رسول الله في الوصية بكتاب الله عند كتابة الوصية
تركنا رسول الله بالجملة على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، وأوصانا بكتاب الله. ولذلك لما جاء وهو حريص على أمته أن يكتب - كما أخرجه البخاري - كتابًا يوصي فيه بكتاب الله، فقال عمر [بن الخطاب] وكأنه قد فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سمعه في حجة الوداع يدعو إلى كتاب الله، سمعه في غير موطن يقول بكتاب الله.
فأدرك عمر أن الكتاب [الذي يريد أن يكتبه] إنما هو المقصود أن يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجعل كتاب الله محورًا لحضارة المسلمين، وموئلًا للرجوع إليه، ومعيارًا لتقويم الخير من الشر.
ففهم عمر، فقالوا: يا رسول الله، نعرف أنك حسبك كتاب الله، يعني نحن معنا كتاب الله.
الرد على من يزعم أن عمر حرم رسول الله من كتابة الوصية وبيان فهمه الصحيح
من قرأها [هذه الرواية] قراءة معوجة فإنه يريد أن يجعل أن عمر [بن الخطاب] حرم رسول الله من كتابة شيء. يفوق هذا [الفهم الخاطئ]! عمر فهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفذ مراده، وبين للناس من حوله أنه [رسول الله ﷺ] يريد أن نتمسك جميعًا بكتاب الله.
الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والختام بالتوديع
مولاى صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، مولاى صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.
كالشمس تظهر للعينين من بعد صغيرة وتكل الطرف من أمم، مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
