وصايا الرسول | حـ 23 | أ.د علي جمعة
- •روى عثمان بن أبي العاص أن آخر وصايا النبي ﷺ له حين أمّره على الطائف: "تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والضعيف وذا الحاجة".
- •كان النبي ﷺ يخفف في صلاته مراعاة لأحوال المصلين، ويراعي أضعف الموجودين.
- •عاتب النبي ﷺ معاذ بن جبل حين أطال في الصلاة بقومه وقرأ سورة البقرة، فاشتكاه رجل من قومه قائلاً: "إننا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا".
- •قال له النبي ﷺ: "أفتّان أنت يا معاذ؟" وأمره بقراءة سور قصيرة مثل "والشمس وضحاها" و"سبح اسم ربك الأعلى".
- •كان النبي ﷺ يخفف صلاته عند سماع بكاء الصبي رحمة بأمه.
- •استنبط الفقهاء من قصة معاذ جواز صلاة النافلة خلف الفرض والفرض خلف النافلة.
- •قال النبي ﷺ: "الضعيف أمير الركب" مراعاة للضعفاء من كبار السن والنساء والمرضى والأطفال.
مقدمة الحلقة والتعريف بوصية النبي لعثمان بن أبي العاص
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
في هذه الحلقة نعيش مع عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، وهو من الصحابة الأجلاء الكبار، قال: كان آخر ما عهد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرني على الطائف، قال لي:
قال رسول الله ﷺ: «يا عثمان، تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم؛ فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والضعيف وذا الحاجة» أخرجه ابن ماجة
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صلاة النبي كانت أعدل صلاة وقصة إنكاره على معاذ بن جبل
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته أعدل صلاة، لا يطيل بالناس. مرة كان معاذ [بن جبل رضي الله عنه] يعود إلى قومه فيصلي بهم فيطيل ويقرأ، فاشتكى هؤلاء [المصلون] لرسول الله صلى الله عليه وسلم من إطالة معاذ في الصلاة.
فضرب [النبي ﷺ] على صدره [صدر معاذ] وقال:
قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، أفتّان أنت؟»
يعني أنت تحت عنوان العبادة تريد أن تفتن الناس؟ أفتّان أنت يا معاذ؟
وصية النبي بالتخفيف في الصلاة مراعاة لأصحاب الأعذار
إذن، فمن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجوّز في الصلاة، يعني صلِّ [صلاة خفيفة]؛ فإن خلفك المريض والكبير وذا الحاجة. ومن ذوي الحاجات المرأة التي لها أطفال، قلبها معلق بأطفالها، فماذا تفعل؟ إنها لن تكون في خشوعها وتركيزها في الصلاة كشأنها الأول [حين لا يبكي طفلها].
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يصلي بالناس ويسمع بكاء صبي، يتجاوز في صلاته رحمة بأمه؛ لأن الأم قلبها معلق برعاية هذا الطفل والعناية به وحمايته، فيحدث لها شيء من الاضطراب، ولذلك كان رسول الله يرحمها بأن يتجاوز في الصلاة.
مقدار الطمأنينة في الصلاة والفرق بين صلاة الجماعة والانفراد
الطمأنينة [في الركوع والسجود] تتم بتسبيحة تامة: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى. هكذا هي التسبيحة الواحدة، والثلاث هي ثلاث تسبيحات تامة، كل تسبيحة في نفس [هذا القدر]، هذا هو المعتاد.
ويجوز أن تطيل في الركوع وأن تطيل في السجود عندما تكون وحدك، ولكن عندما تكون في جماعة، خاصة إذا كنت أنت الأمير الذي يستحى منه الناس والذين يريدون ألا يخالفوه، فعليك كما نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا عثمان [بن أبي العاص] وقال له:
قال رسول الله ﷺ: «تجاوز في الصلاة»
قاعدة الضعيف أمير الركب ومراعاة أضعف الناس في كل شأن
ثانيًا، واقدر الناس بأضعفهم. كان يقول صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «الضعيف أمير الركب»
إذا كنا نسير مجموعة من البشر فالضعيف هو أمير الركب؛ بناءً على رعاية هذا الضعيف وعلى قدرته وعلى سرعته وعلى تحمله نسير ونقف. كل المجموعة تستطيع بقوة أجسادها أن تسبق وأن توفر الوقت، [لكن] المسألة ليست مسألة كمية، المسألة مسألة إنسانية.
الضعيف أمير الركب؛ قد يكون الضعيف طفلًا، قد يكون الضعيف امرأة. كان سيدنا الرسول يقول عن النساء:
قال رسول الله ﷺ: «رفقًا يا أنجشة بالقوارير»
أي إن المرأة ضعيفة البنية تحتاج إلى راحة وإلى تصرف رقيق حتى لا تُكسَر.
أنواع الضعف ووجوب مراعاة الأضعف في كل الأحوال
الضعيف [يشمل] المريض، الضعيف كبير السن - الضعف أنواع كثيرة. قدِّر جماعتك وأنت تمشي، وأنت تحكم، وأنت جالس، وأنت كذا إلى آخره، بأضعف الموجودين.
لماذا؟ لأن الضعيف أمير الركب.
ويقول [النبي ﷺ] له [لعثمان بن أبي العاص]: فإن فيهم - في الصلاة وفي الناس - فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والبعيد وذا الحاجة. صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله. أخرجه ابن ماجة.
حديث جابر في قصة معاذ بن جبل وإطالته في صلاة العشاء بقومه
وشراحه [شراح الحديث] يقولون: تجاوز في الصلاة أي خفف في الصلاة.
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: إن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة.
قال: فانصرف رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق. فبلغ ذلك الرجلَ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إننا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فانصرفت، فزعم أني منافق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، أفتّان أنت؟» ثلاثًا، «اقرأ والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما» أخرجه البخاري
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سبب صلاة معاذ بقومه بعد صلاته مع النبي واستنباط الفقهاء منها
هذا الحديث [حديث معاذ بن جبل]، كان سيدنا معاذ يصلي مع سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده العشاء مثلًا، ثم لما يعود إلى حيّه حيث الناس ينتظرونه - كان حافظًا، كان صوته حسنًا، إلى آخره - فينتظرونه بعد العشاء حتى يعود من عند النبي فيصلي بهم.
وعلى ذلك أخذ الفقهاء أن معاذًا قد صلى الفريضة خلف رسول الله، فعندما رجع وصار إمامًا صارت [صلاته] نافلة؛ لأنه صلى الفريضة، فتصبح هذه الصلاة التي سيصليها بقومه في حيه نافلة.
جواز صلاة الفرض خلف النافلة والنافلة خلف الفرض بالأدلة
ومن هنا أجازوا [الفقهاء] أن من يصلي الفرض يصليه خلف من يصلي النافلة، وأن من يصلي النافلة يصليها خلف من يصلي الفرض.
رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة انتهى من الصلاة فوجد اثنين يجلسان فقال:
قال رسول الله ﷺ: «ما بالكما لم تصليا معنا؟»
قالا: صلينا في رحالنا. قال:
قال رسول الله ﷺ: «إذا كنتم قد صليتم في رحالكم فأدركتم الجماعة فصلوا مرة ثانية واجعلوا صلاتكم سبحة»
يعني اجعلوا صلاتكم نافلة.
قاعدة عدم اشتراط اتحاد نية الإمام والمأموم في الصلاة
فمن مجموع هذه الأحاديث أخذ الفقهاء أنه يجوز صلاة النافلة خلف الفرض، ويجوز صلاة الفرض خلف النافلة، وخرجوا بقاعدة أن اتحاد نية الإمام والمأموم ليست واجبة ولا فرضًا.
فيجوز أن تصلي صلاة العصر خلف شخص يصلي صلاة الظهر قضاءً، ويجوز أن تصلي صلاة العشاء خلف من يصلي صلاة حاضرة وأنت تقضي العشاء خلف هذا الذي يصلي.
وهكذا فيجوز الفرض خلف النفل والنفل خلف الفرض، ويجوز الحاضر خلف القضاء والقضاء خلف الحاضر، ويجوز الظهر خلف العصر والعصر خلف الظهر، يجوز كل ذلك من حديث معاذ.
تفاصيل قصة الرجل الذي انصرف من صلاة معاذ واتهامه بالنفاق
فكان معاذ يرجع إلى قومه فيصلي بهم صلاة خفيفة [في رواية أخرى لم تكن خفيفة بل أطال]. تُجوز، فصلى رجل صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق؛ لأنه لم يُطل في الصلاة.
فبلغ ذلك الرجلَ ما قاله معاذ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو له ويقول: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة، قرأتُ سورة البقرة فتزوجتُ [أي انصرفت]، فزعم أني منافق.
فقال [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، أفتّان أنت؟ اقرأ سورة الشمس والضحى وسبح اسم ربك الأعلى»
الختام بالصلاة على النبي والتوديع
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة، تمشي إليه على ساق بلا قدم. مولانا صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كله.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
