وصايا الرسول | حـ 3 | أ.د علي جمعة
- •وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف".
- •سماه أبو ذر "خليلي" لأن محبته تخللت قلبه وجسده.
- •تتميز الوصية بالبساطة والعمق، فهي سهلة التطبيق وتعزز التكافل الاجتماعي.
- •ربط النبي صلى الله عليه وسلم حق الجار بالإيمان: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
- •روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي قال لأهله: "أهديتم لجارنا اليهودي؟" مؤكداً شمول حق الجار للمسلم وغير المسلم.
- •سيتعلق الجار بجاره يوم القيامة إذا منع معروفه عنه.
- •قال النبي: "والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم".
- •ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأخلاق بالعقيدة في منظومة متكاملة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
نعيش فيها هذه اللحظات مع وصية من وصايا رسول الله لأصحابه ثم للأمة من بعدهم، نعيش نتفهم هذه الوصايا حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراده، كما تركنا من إرشاد ومن هداية ومن خير، ونبدأ في هذا الشهر الكريم بذلك منطلقين في سائر سنتنا بل وفي سائر أعمارنا.
حديث أبي ذر في وصية النبي بإكثار المرق وإهداء الجيران
عن أبي ذر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف» أخرجه مسلم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن خليلي صلى الله عليه وآله وسلم، ودائمًا كان أبو ذر يستعمل هذه الصفة في حق سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم: خليلي، أي أن محبته قد تخللت القلب وأصبحت متخللة في كل خلايا الجسد؛ هذا معنى كلمة خليلي، من تخلل المحبة في أبي ذر.
شرح وصية النبي في إكثار ماء المرق وإهداء الجيران منه
أوصاني، وهذه هي الوصية التي نسمعها ونلقي إليها الأذن صاغية: إذا طبخت مرقًا. انظر إلى البساطة وإلى العمق؛ هي بسيطة، كل واحد يستطيع أن يفعل هذا.
إذا طبخت مرقًا، المرق هو لحم عليه ماء يُصنع منه المرق، أحيانًا يضعون عليها الملح فيصبح الملح يصنع لها مذاقًا طيبًا.
إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، يعني بدلًا من أن تصنعه على قدر حاجتك، أكثر من المرق قليلًا، أكثر من الماء قليلًا، ستظل مرقة أيضًا، ونكهة اللحم ستنزل فيها أيضًا، فأكثر ماءه.
إهداء المرق للجيران يصير معروفاً وبراً وصلة بين الجيران
ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف، أي هدية بعض المرق يصير معروفًا. نعم، يصير معروفًا ويصير برًا ويصير صلة بيني وبين الجار.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»
أكثر جبريل عليه السلام من الكلام عن حق الجار وما الذي نفعله مع الجار لرسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله ظن أنها بعد هذه الحقوق كلها سيقول له: واجعله من الورثة، بحيث أنه يكون كالابن وكالأب وكالزوجة وكالزوج وكالعم، الذين هم الورثة من الرجال ومن النساء، حتى ظننت أنه سيورثه.
عبد الله بن عمرو بن العاص راوي الحديث ومكان قبره في مصر
من الذي يروي هذا [الحديث]؟ الحديث يرويه سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
سيدنا عبد الله بن عمرو هو مصري ومدفون في مسجد أبيه [مسجد عمرو بن العاص]، ومسجد عمرو هناك قبر على يسار القبلة؛ هذا قبر عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. قبر عمرو [بن العاص] لا نعرف أين هو، ولم يُذكر في التاريخ.
أن قبر عبد الله كان ظاهرًا وكان خارجًا عن المسجد قبل التوسع، فلما تم التوسع في المسجد دخل فيه.
عبد الله بن عمرو وحواره مع النبي في مسألة صيام الدهر
كان عبد الله بن عمرو بن العاص عابدًا، وهو الذي تحدث مع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في مسألة الصيام وقال له: يا رسول الله، أجد في نفسي قوة، فأريد أن أصوم الدهر كله.
قال [النبي ﷺ]: لا، يكفي يومٌ، يكفي يومان، يكفي ثلاثة في الشهر. أبدًا. حسنًا، صوم الاثنين والخميس. حسنًا، صوم كذا، حتى وصل معه في جداله إلى أن قال له:
«صُمْ يومًا وأفطر يومًا، ولا صام من صام الدهر، خير الصيام صيام نبي الله داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا»
فهم الصحابي لعموم حق الجار مسلماً كان أو غير مسلم
انظر إلى هذا الفهم العميق لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقارنه بما نحن فيه الآن من بلاء التفسير المنحرف. هناك فارق بين النص وتفسير النص وتطبيق النص.
فهذا الصحابي الجليل [عبد الله بن عمرو بن العاص] عرف من هذا الحديث أنه يقصد عموم الجار، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا أو لم يكن كذلك. عموم الجار هو الذي جعله يفعل هذا ويؤمن بهذا.
حديث عبد الله بن عمرو في إهداء الجار اليهودي من الشاة المذبوحة
إذن فهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الأدب المفرد للبخاري حديث يجعل الإنسان يتعجب من الجار ومن حقوق الجار.
يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنها [زوجته] ذبحت له شاةً في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟
تحذير النبي من التقصير في حق الجار والمحاسبة يوم القيامة
يا أمة، يعني كم واحد من الجيران سيتعلق بجاره يوم القيامة، فيكون إذا كان له عنده حق يسأل الله أن يستوفيه منه يوم القيامة؛ لأنه قصّر في الدنيا.
فيقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه عني. يعني كأنها إثم ومصيبة يحذر منها رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
ويختار هذا الحديث الإمام البخاري في الأدب المفرد من أجل الدلالة على أن الجار له حق كبير، وأن الجار من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الجار إذا لم نؤدِّ حقه سنحاسب يوم القيامة.
ربط الأخلاق بالإيمان في الإسلام وحق الجار الجائع على جاره الشبعان
وأن والله لا يؤمن مَن باتَ شبعانَ وجارُه جوعانُ وهو يعلم.
ما علاقة إحساني بالجار أو حُسن الخُلُق مع الجار أو أنني أُراعي شؤون الجار بالإيمان؟ هكذا المنظومة الأخلاقية في الإسلام: ربط الأخلاق بالعقيدة.
ليس منا من غشَّنا، فليس منا، أو يقول [النبي ﷺ]: فقد برئتْ منه ذمة محمد، أو برئتْ منه الذمة، أو يقول مثل هذا: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، ويكررها ويعيدها ويربط دائمًا الأخلاق بالعقيدة وبالإيمان.
خاتمة الحديث عن حق الجار وشكوى الجار يوم القيامة لربه
هذا هو الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني ومنع عني معروفه.
صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
