وصايا الرسول | حـ10 | أ.د. علي جمعة
- •أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بعشر كلمات، وكان معاذ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام.
- •الوصية الأولى: عدم الشرك بالله مهما كانت الظروف، مع جواز النطق بكلمة الكفر تحت الإكراه والقلب مطمئن بالإيمان.
- •الوصية الثانية: بر الوالدين وعدم عقوقهما حتى لو أمرا بالخروج من الأهل والمال، شريطة أن يكون أمرهما لمصلحة معتبرة.
- •الوصية الثالثة: عدم ترك الصلاة المفروضة متعمداً لأنها عماد الدين.
- •الوصية الرابعة: عدم شرب الخمر لأنه رأس كل فاحشة.
- •الوصية الخامسة: تجنب المعصية لأنها تجلب سخط الله.
- •الوصية السادسة: عدم الفرار من الزحف في الجهاد ولو هلك الناس.
- •الوصية السابعة: الثبات عند انتشار الوباء والطاعون وعدم الفرار.
- •الوصية الثامنة: الإنفاق على العيال من المال دون بخل.
- •الوصية التاسعة: تأديب الأبناء.
- •الوصية العاشرة: تخويف الأبناء في الله.
مقدمة الحلقة والتعريف بمكانة معاذ بن جبل عند رسول الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول.
في هذه الحلقة نعيش مع سيدنا معاذ بن جبل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أعلم أصحابي بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ولمّا أراد أن يبعث صحابيًا إلى اليمن ليعلمهم أمر الدين وليدعوهم إلى الإسلام، وكانوا من أهل الكتاب، أرسل إليهم معاذ بن جبل.
إنجازات معاذ بن جبل في اليمن وحسن خلقه وعبادته
ولمّا وصل معاذ بن جبل إلى اليمن، كوّن مجموعة من قارئي القرآن، وكوّن مجموعة ممن يعبدون الله سبحانه وتعالى.
وكان معاذ بن جبل حسن الخلق، كان معاذ ليّنًا وكان هيّنًا، وكان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينتظره أهله في حيّه حتى إذا ما عاد إليهم بعد [صلاته مع] رسول الله صلى [الله عليه وسلم] بهم.
وصية رسول الله لمعاذ بعشر كلمات جامعة في أمور الدين
عن معاذ رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، قال:
«لا تشرك بالله شيئًا وإن قُتلت وحُرقت، ولا تعقَّنّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركنّ صلاة مكتوبة متعمدًا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربنّ خمرًا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية حلّ سخط الله عز وجل، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طَولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبًا، وأخِفهم في الله» أخرجه أحمد.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح الوصية الأولى: النهي عن الشرك بالله وحكم الإكراه
أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، نعدّها معًا. قال: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُتلت أو حُرقت. ليس هذا تعبيرًا [على ظاهره]، معناه: لا تشرك بالله شيئًا مهما يكن؛ لأن الإنسان لو طُلب منه الشرك بلفظه وبلسانه تحت الإكراه فإنه يجوز له، لقوله تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]
وكان عمار [بن ياسر رضي الله عنه] تحت العذاب يفرضون عليه أن يقول "مذمّم" بدلًا من "محمد"، فكان يقول ذلك، فكان رسول الله يقول لعمار: يا عمار، إن عادوا فَعُد.
فالكلمة "لو قُتلت أو حُرقت" ليست على حقيقتها، وإنما إذا أُكره الإنسان وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن الله يعفو عما يجري على اللسان. لا تشرك بالله شيئًا وإن قُتلت أو حُرقت، بمعنى: على كل حال إياك إياك أن تشرك بالله.
شرح الوصية الثانية: بر الوالدين وشرط صلاحهما في الأمر بالخروج من المال
ولا تعقَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، يعني بر الوالدين واجب حتى لو أمرك [أحدهما] أن تخرج من أهلك ومن مالك.
أيضًا هذا مشروط بصلاح الوالدين، "حتى ولو" يعني هذه كناية؛ لأن الإمام أحمد بن حنبل عندما سُئل عن رجل طلب من ابنه أن يطلق زوجته، فقال: لا يطلقها. قيل له: أمر عمر [بن الخطاب] ابنه عبد الله أن يطلقها فأمره النبي [صلى الله عليه وسلم] أن يطيع أباه، فقال [الإمام أحمد]: عندما يكون أبوك عمر [فافعل].
إذن فالمقصود أن يكون الأبوان في هذه الحالة من الحكمة ومن الخلق الكريم، بحيث أن يكون الأمر بالخروج من المال والولد لمصلحة المجتمع؛ لأن هناك فسادًا رآه الأب أو الأم ولا يريد لابنهما أن يستمر في ذلك.
شرح الوصية الثالثة والرابعة: الحفاظ على الصلاة والنهي عن شرب الخمر
ولا تتركنّ صلاة مكتوبة متعمدًا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله. الحفاظ على الصلاة لأنها عماد الدين.
ولا تشربنّ خمرًا فإنه رأس كل فاحشة. الخمر هو الذي يجرّ إلى الزنا، هو الذي يجرّ إلى القتل، هو الذي يجرّ إلى القمار، هو الذي يجرّ إلى كل معصية.
ولذلك من الفتنة الشديدة القبيحة أن نرى بعض الناس يستهين بالخمر ويهوّن أمرها عند الناس، بدعوى أنه يعرض الآراء، وليس هناك آراء أصلًا، ولم يقل أحد من المذاهب بحلّ الخمر أصلًا. وهذا التصنيف المخترع بين معناها اللغوي ومعناها الشرعي لا علاقة له بما أجمعت عليه الأمة من حرمة كل مسكر إطلاقًا.
الفرق بين المعنى اللغوي والشرعي للألفاظ كالصلاة والخمر
نعم، في اللغة هكذا، ولكن الشرع جاء فغيّر هذه اللغة وجعل الصلاة معناها هذه الخمس [الصلوات] التي كُلِّفنا بها، ولم يعد معناها الانثناء والانعطاف؛ لأن الصلاة في اللغة هي أن تأتي ثانيًا.
ولذلك سمّوا الخيل الذي أتى ثانيًا المصلّي، فالمصلّي هنا غير المصلّي الذي أمر به الله ورسوله، وجعل إقامة الصلاة من أصل الدين ومن عُمُد الدين.
ولا تشربنّ خمرًا فإنه رأس كل فاحشة. يبقى إذا نهانا [رسول الله ﷺ] عن الشرك، ونهانا عن عقوق الوالدين، ونهانا عن ترك الصلاة، ونهانا عن شرب الخمر.
شرح الوصية الخامسة: التحذير من المعصية وأنواعها وطاعة ولي الأمر
وإياك والمعصية، هذه هي الخامسة؛ لأنه [صلى الله عليه وسلم] أمره وأوصاه بعشرة. فإن بالمعصية يحلّ سخط الله عز وجل.
والمعصية قد تكون لله وقد تكون للهيئة الاجتماعية، والله أمرنا أن نطيع الله وأن نخرج من المعصية، وأن نطيع الهيئة الاجتماعية ما دامت تأمر بالخير، وعليك بالسمع والطاعة ولو كان [الأمير] عبدًا مقطوع الأطراف.
شرح الوصية السادسة: النهي عن الفرار من الزحف وفضل الشهادة
وإياك والفرار من الزحف. عندما نجاهد في سبيل الله تحت راية معلومة، راية جيشك الذي يدافع عن وطنك وأهلك وعرضك ومالك وقضيتك ودينك، إياك والفرار من الزحف حتى لو مُتّ؛ مُتّ شهيدًا مقبولًا تشفع في سبعين من أهلك.
وإن هلك الناس، إياك أن تفرّ حتى لو رأيت من حولك قد ماتوا واستشهدوا في سبيل الله، فالشهادة أمر هو وسام على صدر الشهيد وعلى صدر أهله الذين يعيشون أيضًا.
شرح الوصية السابعة والثامنة: الثبات عند الوباء والإنفاق على العيال
وإذا أصاب الناس موتٌ وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من مالك. إذا حصل لا قدّر الله مثل الطاعون أو الوباء ومات الناس، فلا تجزع ولا تخف ولا تحاول الفرار من هذه المدينة؛ فإن رسول الله قد نهانا عند حلول الوباء والبلاء بالحجر الصحي: أن نجلس في مكاننا [و]ألّا نتحرك من هذا المكان حتى لا ننقل العدوى.
فاثبت وأنفق على أبنائك من مالك. هذه نصيحة جديدة: أن الإنسان لا يبخل على أبنائه. "مالك" يعني ثروتك، الله موسّع عليك فأنت يجب أن تنفق على أبنائك، لا تكن بخيلًا عليهم؛ فإن ذلك يولّد الإحن والمحن والكراهية فيما بينهم وتجاهك أيضًا.
فضل الإنفاق على الأهل والوصية بالتأديب والتربية على خشية الله
والإنفاق من الكرم، والإنفاق له ثواب حتى اللقمة التي تضعها في فم زوجتك لك بها صدقة. وإذا [كان الأمر كذلك فـ]هذا أمر مهم للغاية.
ولا ترفع عنهم عصاك أدبًا، وخوّفهم في الله. [أي: لا تترك تأديب أبنائك وتربيتهم، واجعل خشية الله حاضرة في تنشئتهم].
