وصايا الرسول | حـ14 | أ.د. علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | حـ14 | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر والعباس مرا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فسألاهم عن سبب بكائهم.
  • أجابوا بأنهم تذكروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، فدخل العباس على النبي وأخبره.
  • خرج النبي وقد عصب رأسه بحاشية برد للصداع، وصعد المنبر للمرة الأخيرة وحمد الله ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم".
  • معنى "كرشي وعيبتي" أي أمين سري، فهم من لا يبوح بأسراره إلا لهم.
  • أوصى النبي بحب الأنصار واعتبره من الإيمان، فمن أحبهم فقد أحبه، ومن أبغضهم فقد أبغضه.
  • قدم الأنصار الكثير للإسلام والمسلمين، فقد آووا المهاجرين وأكرموهم، وحموا النبي، وحاربوا واستقاموا.
  • دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبول محسنهم والتجاوز عن مسيئهم، وهذا درس في الوفاء.
  • كان النبي يحب أنساً ودعا له فعاش أكثر من مائة سنة ورأى من نسله أكثر من مائة وعشرين.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول، نعيش فيها مع وصية مما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فوجّهوا الأمةَ من بعده لهذا الخير العميم.

رواية أنس بن مالك عن بكاء الأنصار وخروج النبي ﷺ لهم

نعيشُ اليوم مع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال أنسُ بن مالك رضي الله عنه: مرَّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلسٍ من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يُبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منّا.

فدخلت [أي: دخل العباس] على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بُرد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

قال رسول الله ﷺ: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كَرِشي وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»

شهادة أنس بن مالك على حسن خلق النبي ﷺ في معاملته

كان أنس بن مالك يقول: والله ما قال لي [رسول الله ﷺ] عن شيءٍ فعلتُه: لماذا فعلتَه؟ ولا عن شيءٍ تركتُه: لماذا تركتَه؟

وغاية ما هنالك أنه مرةً أرسلني لآتيَ له بطلبٍ، فغبتُ عنه ولعبتُ مع الأطفال، فلما أتيتُه قال:

قال رسول الله ﷺ: «لقد أثقلتَ عليَّ يا غلام، والله لولا أني أخاف الله لأوجعتُك بهذا السواك»

والسواك يعني فرعًا من شجرة، حتى لو ضَرَبَ به على اليد لا ألم فيه، وليس كالخيزران مثلًا أو العصا. وكذلك هذا [التأديب اليسير] لم يفعله [رسول الله ﷺ].

دعاء النبي ﷺ لأنس بن مالك بطول العمر وكثرة النسل

أنس [بن مالك] الذي كان [رسول الله ﷺ] يحبه كثيرًا، حتى دعا له قائلًا: اللهم أنسئ في عمره، فعاش أكثر من مائة سنة وأكثر نسله. فكان أنس قد عاش حتى أصبح جدّ الجدّ، ورأى أكثر من مائة وعشرين من أولاده من أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده وهكذا.

أم سليم بنت ملحان أم أنس ودفاعها عن رسول الله ﷺ

أمه أم سليم بنت ملحان، وأم سليم بنت ملحان كانت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وهي التي أتت بأنس إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم ليخدمه].

إذن أنس مدنيٌّ من الأنصار، وحينئذ هو ابن عشرين سنة تقريبًا وهو يروي هذا الحديث.

تفاصيل مرور أبي بكر والعباس بمجلس الأنصار الباكين

قال [أنس]: مرّ أبو بكر والعباس - أبو بكر وسيدنا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم - كانا يسيران ذاهبين إلى المسجد، فمرّوا بمجلس من مجالس الأنصار. كان الأنصار جالسين في مجلسهم وهم يبكون.

تعجب أبو بكر والعباس قائلين: لماذا هؤلاء يبكون؟ فسألهم: ما الذي يبكيكم؟ فقالوا: تذكّرنا مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيننا.

اشتياق الأنصار لمجلس النبي ﷺ في مرضه وخروجه إليهم

وكان في مرض النبي عليه الصلاة والسلام، كان مريضًا فافتقده أصحابه يوم الاثنين، واشتاقوا لمجلس النبي. فلما اشتاقوا لمجلسه جلسوا يبكون كأنهم حُرموا من بركة وجمال وحلاوة كانوا ينعمون بها.

فدخل العباس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرته فأخبره، وكان النبي يحب الأنصار كثيرًا، فقام وجاء وقد عصبَ على رأسه حاشية بُرد؛ أي أنه يعاني من صداع، فلفَّ حول رأسه حاشية بُرد وهي قطعة قماش شدَّها بإحكام على رأسه.

معنى حاشية البرد وصعود النبي ﷺ المنبر آخر مرة

كانوا في بلدتنا قديمًا يسمونها القمطة. والقمطة هذه ما هي؟ إنها شيء نلفُّه على رؤوسنا لمنع الصداع أو للتخفيف من شدته، [وهي] حاشية بُرد.

ثم صعد المنبر وجلس على المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم. كانت آخر مرة صلى الله عليه وآله وسلم يجلس على المنبر، كان في هذا اليوم الذي بكى فيه الأنصار، وخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يُطيّب خاطرهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

قال رسول الله ﷺ: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كَرِشي وعَيبتي»

شرح معنى كرشي وعيبتي وأن الأنصار أمناء سر النبي ﷺ

كلمة كرشي وعيبتي: الكرش هو البطن، وهذا هو المعنى المعجمي لها. الكرش الذي نطلق عليه الكرش يعني البطن. كرشي وعيبتي تعني أمين سرّي؛ أي أنني لا أبوح بأسراري إلا للأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي.

فكأنه يقول لهم: يا جماعة، أوصيكم بالأنصار. الذي سيُوصى بالأنصار مَن [يحبهم]:

قال رسول الله ﷺ: «من أحب الأنصار فقد أحبني، ومن أبغض الأنصار فقد أبغضني»

يعني حب الأنصار من الإيمان، وحب الأنصار يكون من حب الله.

وفاء الأنصار بعهدهم وقضاؤهم ما عليهم دون طلب مقابل

لقد قضوا الذي عليهم؛ عندما ذهبوا إلى الحديبية وأبرموا المعاهدة مع رسول الله، فعلًا قضوا ما عليهم. وبقي الذي لهم، فهم أعطوا ولم يأخذوا شيئًا، والحب عطاء.

فهؤلاء هم جماعة الأنصار، هؤلاء يحبون لأنهم أدّوا ما عليهم ولم يطلبوا بالمقابل ما لهم. قالوا: سنحميك، فحموا. قالوا: سنحارب، فحاربوا. قالوا: سنستقيم، فاستقاموا.

فالأنصار حقيقةً هم من عند الله سبحانه وتعالى، هكذا هم آووا المهاجرين وكل من ذهب إليهم وأكرموهم كرمًا كبيرًا.

الوصية بقبول المحسن والتجاوز عن المسيء والدعوة إلى الوفاء

وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم؛ يعني عندما تلقون واحدًا تعاملوا مع أفضلهم، فاقبلوه وحيّوه وأكرموه واعترفوا بمكانته واشكروه. وتجاوزوا عن المسيء منهم؛ حتى لو أساء أحدهم، إننا لا ننسى الجميل.

فهو [رسول الله ﷺ] هنا يدعو الناس إلى الوفاء، ذلك الوفاء الذي أصبح نادرًا في عصرنا.

قصة الشيخ الذي أفتى بجواز الصلاة خلف المذياع والوفاء له بعد موته

عندما أدركنا - والحمد لله أدركنا - مشايخنا الذين ربّونا على الوفاء، كان لدينا شيخ يرى أن الصلاة خلف المذياع جائزة؛ يعني يوم الجمعة أصلي خلف التلفاز وتُحتسب لي صلاة جمعة.

وهذه الفتوى قيلت من أجل الثوار في الجزائر؛ حيث يضع الشخص المذياع ويصلي خلفه بدلًا من أن يُحرم من صلاة الجمعة لأنه مختبئ من الفرنسيين أو لسبب من هذا القبيل.

هذه الفتوى لم يتفق عليها جميع العلماء، ورأينا أنها فقدت كثيرًا من مصداقيتها من شروط الفتوى. فكنت أرى أنها الفتوى التي لا حاجة لها، وكان الشيخ يقول لي: ولكنه مات وأنا أُقرّه عليها. فيحب أن يصلي خلف المذياع، أنا أحتلّ معه حتى أنزل به إلى المسجد. رحم الله الجميع.

الدعوة إلى خلق الوفاء بعد الموت والختام بالسلام

حتى الوفاء بعد الموت، حتى يكون الوفاء بعد الموت. ربنا يجعلنا على هذا الخلق من الوفاء والشهامة.

وإلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.