وصايا الرسول | حـ16 | أ.د. علي جمعة
- •وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي حرملة العنبري تتضمن تقوى الله والتعامل الحكيم مع المجالس.
- •المجالس أمانة يجب احترامها وعدم إفشاء أسرارها، فإفشاء الأسرار ليس من الشفافية بل قد يسبب الفتنة.
- •إذا سمعت في مجلس ما يعجبك فاثبت، وإذا سمعت ما تكره فاتركه ولا تذهب إليه مرة أخرى.
- •كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "ألزموا مجالسكم وأفيضوا بينكم مجالسكم" تطبيقاً للوصية النبوية.
- •حذر النبي من نظام الشلالية وتحزيب الناس ضد بعضهم.
- •التقوى تعني الحذر من المعاصي والذنوب كما يحذر المرء عند المشي في أرض الشوك.
- •شرح أُبَيّ بن كعب للتقوى بمثال المشي في واد به شوك، فيشمر الإنسان ثيابه ويحذر من الشوك.
- •لا ينبغي استصغار الذنوب الصغيرة لأن الجبال تتكون من الحصى الصغيرة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين مع وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسمِ الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ الله وآلهِ وصحبهِ ومن والاه.
أيها الإخوةُ المشاهدون، أيتها الأخواتُ المشاهداتُ في كلِ مكانٍ، السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه، وأهلًا ومرحبًا بكم مع وصايا رسولِ الله صلى اللهُ عليه وآلهِ وسلم.
نعيشُ اليومَ مع صحابيٍ جليل هو حرملةُ العنبري، لعل ابن عمر رضي الله عنه كلها لم يكن هذا الحديث بالنسبة إليه كلامًا مرصوصًا أو كلامًا فقد معناه، بل عاشه في حياته، في أسرته، في مجتمعه، في عمله، عاش هذا [الحديث النبوي الشريف].
وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله وحفظ المجالس
[قال حرملة العنبري: قلت يا رسول الله] أوصني، قال:
قال رسول الله ﷺ: «اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت منه فسمعتهم يقولون ما يعجبك فائته، وإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه»
أخرجه أحمد في مسنده.
هذا [الحديث] يذكرنا بقول المجالس بالأمانات؛ يجب علينا أن نتعامل باحترام، وأن ما يحدث في المجالس الخاصة ليس محله أن يُذاع ولا أن تُفشى أسراره تحت أي مبرر أو أي سبب.
خطورة إفشاء الأسرار بين الشفافية المزعومة والإثارة الباطلة
كثير جدًا من الناس في عصرنا الحاضر يعتبر أن إفشاء الأسرار من المهمات، وكثير منهم يعتقد أن إفشاء الأسرار شفافية يدعو الناس إليها، وكثير منهم يعتبر أن إفشاء الأسرار يعني إثارة.
وهذه الإثارة يعيش فيها حتى لو لم تؤدِ إلى الإنارة؛ الغرض هو أن يكون كلامي منيرًا للناس، هاديًا للناس، مطمئنًا للناس.
أما أن أُثير الناس ليشاكس بعضهم بعضًا، وأسعى بالغيبة والنميمة والبهتان بينهم، وأفرض رأيي على خُلق الله فرضًا، فهذا ما ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حفظ المجالس والأمانات من طرق تقوى الله عز وجل
وينبغي حفظ المجالس وحفظ الأمانات فيها وحفظ الكلام فيها، ويُعدّ ذلك من طرق تقوى الله.
فإذا أتيت مجلسًا وجلست فيه وسمعت كلامًا أعجبك، فتردد مرةً والثانية على هذا المجلس الذي يتوافق معك، ولا تذهب لتفضح أهله وتبين اختلافك معهم فيشيع بينكم البغضاء.
وإذا أتيت المجلس وقمت فوجدت واسترجعت الكلام فكرهته، فاتركه ولا تأتِه مرة أخرى.
تطبيق عمر بن الخطاب لوصية النبي في حفظ المجالس ونبذ الشلالية
عندما جاء عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] كان بعض الناس قد بدأ يخالف هذه النصيحة النبوية والوصية المحمدية، وبدأ يشيع الفتن بين الجماعات ويحزب جماعة ضد جماعة ضد جماعة.
فقال [عمر بن الخطاب رضي الله عنه] كلمته الشهيرة: أفيضوا بينكم مجالسكم. إياك من نظام الشلالية بلغة عصرنا هذا، إياك وأن تأخذ بعض الناس على جانب من مجموع الناس.
فلتجلسوا في مجالسكم، وأفيضوا فيما بينكم في مجالسكم، كلكم تقعدون مع بعضكم، لا تمتنع ولا تقل هذا المجلس يخص من حتى أذهب أو لا أذهب وأمتنع.
التطبيق العملي لعمر بن الخطاب لحديث حرملة في حفظ المجالس
لا، أذهب [إلى المجلس]، فإذا رأيت ما تحب فأته وتحدث بما تحب؛ لأنه مما تحب فتدافع عنه، هذا رأيك. وإذا رأيت ما تكره فاتركه ولا تتحدث عنه ولا تتكلم به؛ حتى لا تحدث الضغينة بين الناس.
أفيضوا بينكم مجالسكم، وهو التطبيق العملي لعمر بن الخطاب لهذا الحديث النبوي الشريف عن حرملة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
أخرجه الطبري [أبو جعفر الطبري] في التاريخ، وهو يحكي كيف كانوا يعيشون بدقائق الأمور.
وصية تقوى الله المتكررة وأدب الرد عليها في كل زمان
وهنا نرى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا تتردد: اتقِ الله، اتقِ الله.
عندما تُقال لك فابتداءً ترد وتقول: اللهم اجعلنا من المتقين، حتى لو أن مَن أمامك كان يقصد شيئًا آخر.
يمكن أن تُقال هذه [الكلمة] الآن في عصرنا من خارجي [عن منهج أهل السنة] يريدك أن تنحرف عن منهاج النبوة فيقول لك: اتق الله يا أخي. ولكن الأدب مع هذه الكلمة العالية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو: اللهم اجعلنا من المتقين.
ثم نرى حقيقة الأمر الذي يأمر به هذا المتكلم. اتق الله، فتقول مباشرة: اللهم اجعلني من المتقين.
معنى التقوى عند أُبَيّ بن كعب وسؤال عمر بن الخطاب عنها
تقوى الله هي الحذر والخوف؛ لأنها من الوقاية. وهذا الذي ذكره عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما سأل أُبَيّ بن كعب، وكان عمر يحب أُبَيًّا وهو الذي عيّنه قارئًا للمسجد النبوي الشريف ليقوم بالناس في التراويح في رمضان.
فقال: يا أُبَيّ، ما التقوى؟ يعني يريد برنامجًا عمليًا للتقوى.
سيدنا عمر وهو من أكابر الصديقين قال: أسرتُ في يومٍ في وادٍ فيه شوك؟ قال: نعم. قال: ماذا فعلت؟ قال: شمَّرتُ ثيابي حتى لا يعلق الشوك بها، وحذرتُ ما أرى من شوك حتى لا أُشتاك. قال: هذه هي التقوى.
أبيات شعرية من العصر العباسي في تفسير معنى التقوى
كان هناك شاعر في العصر العباسي بلغته هذه القصة [قصة عمر بن الخطاب مع أُبَيّ بن كعب في تعريف التقوى]، فأنشأ شعرًا يقول فيه وهو يفسر التقوى:
هي اجتناب الذنوب كبيرها وصغيرها، ذلك هو التقوى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر مما يرى، لا تحقرن صغيرًا؛ فإن الجبال من الحصى.
الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والختام
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، محمد يا رسول الله، محمد يا رسول الله، محمد يا رسول الله.
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم، كالشمس تظهر للعينين من بُعد صغيرة وتكل الطرف من أمل، فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم.
فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف، وانسب إلى قدره ما شئت من عِظَم، هو الحبيب الذي تُرجى شفاعته لكل هول من الأهوال مُقتحِم.
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.
رسول الله، إلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
