وصايا الرسول | حـ6 | أ.د. علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | حـ6 | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • تحدث النص عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء رضي الله عنه التي قال فيها: "لا تشرك بالله شيئاً وإن قُطعت وحُرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر".
  • أظهر النص مكانة الرسول في قلوب الصحابة حيث كان كلٌ من أبي ذر وأبي هريرة وأبي الدرداء يصفونه بـ"خليلي".
  • وضّح أن النهي عن الشرك بالله مطلق في كل الظروف، وأن ترك الصلاة المكتوبة عمداً يُسقط الذمة.
  • شدد على حرمة الخمر باعتبارها مفتاح كل شر وأم الكبائر وأم الخبائث.
  • حذر من الفتاوى المعاصرة التي تحاول التشكيك في ثوابت الدين كحرمة الخمر والحجاب وغيرها.
  • أوضح أن المسلمين ليسوا بحاجة للتشكيك في الثوابت بحجة بناء العقلية الناقدة، لأن لا تناقض بين كتاب الله المسطور (الوحي) وكتاب الله المنظور (الكون).
  • دعا للصبر على البلاء والتمسك بوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

حديث أبي الدرداء في وصية النبي بعدم الشرك وترك الصلاة وشرب الخمر

اليوم نعيش مع وصايا جديدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش مع سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:

«أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم قال: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعت وحُرِقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا؛ فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كلِّ شرٍّ» أخرجه ابن ماجة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تكرار الصحابة لعبارة أوصاني خليلي دليل على عمق محبتهم للنبي

«أوصاني خليلي»، هل تتذكرون ما قاله أبو ذر: «أوصاني خليلي»؟ هل تتذكرون ما قاله أبو هريرة: «أوصاني خليلي»؟ وهذا ثالثهم يقول وهو أبو الدرداء: «أوصاني خليلي».

إذ إن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ملأ قلوبهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ شاهدوا الجمال والجلال والهيبة والحب والرحمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رسول الله طاقة حب كبيرة أحبته الكائنات والجمادات وحنين الجذع إليه

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان طاقة حب كبيرة ملأت الأكوان، حتى أحبته الدواب وأحبه الجماد. فحنَّ إليه الجذع بعدما تركه وترك الخطابة عليه، فسمع مَن في المسجد أنين الجذع يبكي.

حتى إذا ما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه وتكلم معه، مع الجذع، سكن. فقالوا له: يا رسول الله، ماذا قلت له؟ قال: «قلت له: ألا تحب أن تكون رفيقي في الجنة؟» فسكن.

كل الكائنات في عهد رسول الله كانت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قصة الشجرة المباركة عند راهب البحيرة وطاقة حب النبي للكون

عندما قاسوا الشجرة المباركة التي كانت أمام البحيرة، عندما استظل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته وهو طفل صغير مع عمه [أبي طالب] عند راهب البحيرة، قاسوا الترددات التي حولها فقالوا: هذه شجرة مليئة بطاقة غريبة عجيبة، هي طاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حبه لهذا الكون ولتلك الحياة.

وحب الحياة يختلف اختلافًا كبيرًا عن حب الدنيا؛ حب الحياة لأننا نحب الله، والله هو الذي خلق الحياة، فنحن نحب الحياة. ولكن حب الحياة الدنيا أو حب الدنيا يعني حب الشهوات والرغبات التي تُزيِّن للناس.

وصية النبي لأبي الدرداء بعدم الشرك بالله وبيان المعنى العربي للتعبير

أبو الدرداء مستمرًا في إعلان المحبة وفي إعلان الخُلَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: «ألا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعت وحُرِقت».

وهذا تعبير عربي يفهمه النابتة فهمًا آخر يتوافق مع مشربهم العنيف، ولكن [المعنى الصحيح هو]: إياك إياك أن تشرك بالله، يعني مهما كان، أي في أسوأ الظروف. [فهو] تعبير وتركيب عربي يفهمه العرب.

أمثلة على التعبيرات العربية المجازية وخطورة فهمها على ظاهرها

من التعبيرات العربية [المجازية]: «ثكلتك أمك»، ومن التعبيرات العربية: «تربت يداك»، ومن التعبيرات العربية: «مات حتف أنفه» أي توفي في فراشه وليس في معركة. من التعبيرات العربية وهكذا، هناك تعبيرات للغة.

لكنهم يأخذونها واحدة واحدة؛ يقول مثلًا أن «مات حتف أنفه» معناها مات من نزيف من الأنف مثلًا! هذا خلل في الفهم وسوء قصد، ولن يصل [صاحبه] إلى معاني القرآن ولا إلى معاني السنة.

﴿عليمٌ بذات الصدور﴾ [فاطر: 38]، يعني ما معنى «بذات الصدور»؟ هل هي نفس الصدور أم داخل الصدور أم ناتج الصدور؟ هذا إذا لم يفهم أن هذه العبارات من تعبيرات اللغة العربية، فلا بد أن يعرف قانونها.

النهي عن ترك الصلاة المكتوبة عمداً وبيان حالات العذر الشرعي

«ولا تُترك الصلاة مكتوبةٌ متعمدًا»، إياك أن تترك الصلاة المكتوبة عن عمدٍ. أما عن نسيانٍ أو عن نومٍ أو عن سهوٍ أو عن إكراهٍ فهذا شيءٌ آخر:

قال النبي ﷺ: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ»

إذن، لكن العمد هو أن تكون حاضرًا قادرًا، وأن تكون حاضرًا قادرًا، ثم تدع الصلاة وأنت متذكر. بعض الناس يختل ويعتقد أنه صلى، هذا لا شيء عليه. لكن الشيء كل الشيء فيمن ترك الصلاة عامدًا؛ فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة.

أهمية الصلاة كعماد الدين وركنه الذي لا يتم الإسلام إلا به

أيضًا نهيٌ شديد [عن ترك الصلاة]؛ لأن الصلاة عماد الدين، الصلاة هي التي نشرت الإسلام، الصلاة هي التي حببت الناس بصلتها مع الله في الإسلام. الصلاة ركن الدين، الصلاة لا يتم الدين إلا بها.

الخمر مفتاح كل شر والرد على فتنة تحليل المسكرات في المجتمع

«ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر»، ولذلك هذه الفتنة العارمة التي تحدث في المجتمع الآن من أن يتصدر بعضهم ويذهب فيقول إن الخمر هذه من العنب فقط، إذن فالويسكي حلال، والشامبانيا حلال، وهذا حلال وهذا حلال!

وجعل كثيرًا من الناس يقع في الخطيئة بعد أن امتنع عنها سنين طويلة. ويحكي لي الناس وهم يبكون أنهم قد ضعفت إرادتهم ووقعوا في الخطيئة وشربوا الخمر - والعياذ بالله تعالى - من هذه الفتاوى السائرة التي لا يراعي فيها أصحابها وجه الله، والتي يريد بها أصحابها فتنة عمياء صماء لا معنى لها ولا طعم لها ولا لون لها.

إجماع الأمة على حرمة الخمر والرد على محاولات التشكيك في الثوابت

أجمعت الأمة من شرقها إلى غربها، من سلفها وخلفها، بقرآنها وسنتها على حرمة الخمر. ثم نأتي من أجل أن نشكك الناس في الثوابت!

مرة ذكرت لأحدهم: لماذا تشككون الناس في الثوابت؟ وما الذي سوف يناله مشروعكم من هذا؟ قالوا: نحن نريد أن نشكك الناس في الثوابت وإن كنا متأكدين من أنها ثابتة، حتى نربيهم على العقلية الناقدة؛ لأن هذه العقلية الناقدة هي التي تركت أوروبا وتقدمت بها أوروبا وجعلتها على هذا الحال.

الفرق بين الظرف التاريخي لأوروبا والمسلمين في العلاقة بين العلم والوحي

قلت لهم أن الظرف التاريخي لأوروبا يختلف عن الظرف التاريخي للعرب وللمسلمين؛ فعند المسلمين ليس هناك تناقض بين كتاب الله المسطور [القرآن الكريم] وكتاب الله المنظور [الكون]. في أوروبا كان هناك تناقض [بين الكنيسة والعلم]، ولذلك أرادوا العقلية الناقدة حتى تتخلص من سلطان الخرافة وتصل إلى مقتضيات العلم.

ولكننا لا ننكر العلم ولا نتأخر في الأخذ به؛ لأن عقيدتنا أن كتاب الله المنظور - الكون الذي يجري فيه العلم التجريبي - وكتاب الله المسطور - الوحي - كلاهما متوافقان من عند الله.

التوافق بين الخلق والأمر في القرآن ودلالة سورة العلق على وحدة المصدر

وعلى ذلك فلا تناقض أصلًا في أصل العقيدة:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

الخلق [هو] الكون، والأمر [هو] الوحي، تبارك الله رب العالمين. فكلاهما من عند الله.

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]

يتكلم عن الخلق ويتكلم عن الوحي، ولا تناقض بينهما؛ بين القراءتين، بين الكتابين، بين المعنيين. ولذلك لسنا في حاجة إلى أن نشكك الناس في الثوابت.

التحذير من مخطط التشكيك المتتابع في ثوابت الإسلام والدعوة للتمسك بالوصايا النبوية

سيأتيك من هذا [التشكيك] سيل عرم؛ لأن الخطة تسير على هذا: مرة سيشككونك في رمضان، ومرة سيشككونك في الجمعة، ومرة سيشككونك في الحجاب للمرأة المسلمة، ومرة يشككونك في الخمر، ومرة يشككونك في يوم الجمعة لعله أن يكون يوم السبت! وهكذا من خبل وعته.

ليس لأنهم في حالة شك، بل لأنهم يريدون الشك في الثوابت. ربنا سبحانه وتعالى ينجينا من هذه الفتن بالتمسك بوصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الخمر أم الكبائر والخبائث وخطورة فقدان العقل على تكليف الإنسان

التي يقول فيها [النبي ﷺ] لأبي الدرداء:

«ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر»

وورد أنها تسمى أم الكبائر وأم الخبائث. لماذا؟ لأن الإنسان إذا فقد عقله فقد فقد تكليفه، وإذا فقد عقله فقد فقد سيطرته على نفسه، وإذا فقد عقله فهو ألعوبة للشيطان من كل جهة. نسأل الله السلامة.

هذا الحديث أخرجه ابن ماجة وهو حديث حسن في باب الصبر على البلاء. انظر كلام العلماء؛ فإننا يجب أن نصبر على البلاء الذي ابتلانا الله به من هذا الشيوع أو محاولة إشاعة الفاحشة في الناس ابتغاء الدنيا لا ابتغاء الآخرة.

ختام الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.