وصايا الرسول | حـ7 | خصال الخير الستة التى أوصاها الرسول ﷺ لأبى ذر |أ.د. علي جمعة
- •حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بخصال من الخير شملت وصايا في معاملة النفس والآخرين والعلاقة مع الله.
- •الوصية الأولى أن ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، فذلك أجدر ألا يحقر نعمة الله عليه.
- •أوصاه بحب المساكين والدنو منهم، فهم منكسرو القلوب والله عندهم، وبهذا يشعرون بالأخوة الإنسانية والمساواة.
- •أوصاه بصلة الرحم وإن أدبرت، فالواصل الحقيقي من يصل من قطعه، وليس من يكافئ من وصله.
- •أوصاه ألا يخاف في الله لومة لائم، وأن يقول الحق وإن كان مراً.
- •أوصاه بالإكثار من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله" لأنها كنز من كنوز الجنة، فهي تنفي الحول والقوة من العبد وتثبتها لله.
- •هذه الوصايا تجمع بين حسن العلاقة مع الله والنفس والناس.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول، نعيش فيها مع وصايا سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم وما تركه لنا من المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها والتي لا يزيغ عنها إلا هالك.
نسترشد بها الطريق إلى الله، ونسترشد بها الطريق في الحياة الدنيا مع خلق الله، ونسترشد بها الطريق في معاملة أنفسنا لأنفسنا حتى يرضى عنا ربنا سبحانه وتعالى، وحتى ينقلنا من دائرة الغضب إلى دائرة الرضا.
حديث أبي ذر في وصايا النبي بخصال الخير الست
عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال:
«أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ من الخير؛ أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول بالحق وإن كان مُرًّا، وأوصاني أن أُكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة» أخرجه ابن حبان.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تكرار الصحابة لعبارة أوصاني خليلي دلالة على محبتهم للنبي
أوصاني خليلي صلى الله عليه وآله وسلم بخصال من الخير. تُذكِرنا أن أبا ذر قال: أوصاني خليلي، وقال أبو هريرة: أوصاني خليلي، وقال أبو الدرداء: أوصاني خليلي. وها هو أبو ذر مرة أخرى وثالثة ورابعة يقول: أوصاني خليلي.
أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، هذه هي الوصية الأولى. أوصاني بحب المساكين والدنو منهم. أوصاني أن أصل الرحم وإن أدبرت. أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم. أوصاني أن أقول بالحق وإن كان مرًّا. أوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة، رواه ابن حبان في صحيحه وهو حديث صحيح.
طبيعة وصايا الرسول تشمل العلاقة مع الله والنفس والناس
وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الكتب، طبيعة وصايا رسول الله هكذا: أن أهتم بعلاقتي مع الله، وبعلاقتي مع النفس، وبعلاقتي مع الناس، وأن أُحسن هذه العلاقة، وأن أسير لوجه الله في طريق الله مخلصًا لديني وبديني إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
هيا بنا نرى الوصية بخصال الخير في هذا الحديث.
الوصية الأولى النظر إلى من هو أدنى منك حتى لا تحقر نعمة الله
أوصاني أن أنظر إلى مَن هو دوني ولا أنظر إلى مَن هو فوقي. في هذا [المعنى] يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«انظر إلى مَن هو دونك ولا تنظر إلى مَن هو فوقك، فإن ذلك أجدر ألا تحقر نعمة الله عليك»
لو نظرت دائمًا إلى من هو فوقك ستستقل النعمة التي جعلنا الله في بحبوحة منها وفي رغد.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
سبحانه وتعالى. فجعلني [النبي ﷺ] هكذا؛ لا بد أن أنظر إلى من هو دوني، فذلك أجدر أن لا أحقر نعمة الله التي أنا فيها، وأقول الحمد لله إنني أفضل من غيري بكثير.
خطورة النظر إلى من هو أعلى وأثره على الرضا بقضاء الله
أما إذا نظرت إلى من هو أعلى مني فقد تطلعت إلى ما ليس لي بحق، وهذا يسبب التبرم وعدم الرضا وعدم التسليم بمرادات الله سبحانه وتعالى.
وهذا يؤدي -عدم الرضا- إلى أن الله ينظر إليّ فيجدني غير راضٍ فلا يرضى عني.
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]
فإذا رضيت عن الله سبحانه وتعالى دل ذلك على أنه يرضى عني، ولذلك وفقني للرضا عنه سبحانه وتعالى. القناعة كنز لا يفنى.
الوصية الثانية حب المساكين والقرب منهم والتواضع لهم
الوصية الثانية: أوصاني بحب المساكين والقرب منهم.
قال النبي ﷺ: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين»
أنا [الله سبحانه وتعالى] عند المنكسرة قلوبهم؛ ستجد الله سبحانه وتعالى عند المنكسرة قلوبهم. المسكين إذا آويته أو اقتربت منه يشعر بالأخوة الإنسانية، يشعر بالمساواة التي أمرنا بها رسول الله وهو يقول:
«لينوا في أيدي إخوانكم»
يشعر بهذا الذي أمرنا به، أن المسكين يأتي بجوار الغني، وأن المسكين يلبي مع الفقير للحج، وأن مساواة يشعر بها المسكين ويعتز بها.
الوصية الثالثة صلة الرحم وإن أدبرت وحقيقة الواصل
هذه [الوصية الثانية] علاقتي مع نفسي أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وهذه علاقتي مع الآخرين، أن أتقرب إلى المساكين.
وقد أوصاني أن أصل الرحم وإن أدبرت؛ هؤلاء الناس لا يحبون أن يأتوني، فأذهب أنا إليهم. يقطعون الرحم فأصلها أنا لأنني المكلف، وحينئذٍ يصدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«ليس الواصل بالمكافئ»
أنت تزورني فأزورك، وإذا ما زرتني فهذا ليس وصلًا. إنما الواصل هو من إذا قطعك وصلته، هذا هو الواصل الحقيقي.
الوصية الرابعة عدم الخوف في الله لومة لائم لأن الأمر كله بيد الله
وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم. لماذا؟ لأن الأمر كله بيد الله، فكيف نخاف؟ نخاف ممن؟ الخوف إنما يكون من الله لأنه هو الذي بيده تدبير الأمر والمنع والعطاء والإغناء والإفقار والإحياء والإماتة.
هو قوي، هو سبحانه وتعالى قاهر فوق عباده، وعلى ذلك فلا نخاف في الله لومة لائم. أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهذا في مواجهة العموم لمصلحة المجتمع أن نقول بالحق.
أبو ذر نموذج الصدع بالحق ومواجهة الولاة دون خوف
ولذلك واجه أبو ذر [رضي الله عنه]، واجه معاوية وقال له: هذا خطأ وهذا صواب. وكان واجه أيضًا عندما اختير [الخلفاء]؛ وهو كان ميالًا لسيدنا علي [بن أبي طالب]، فعندما اختير سيدنا أبو بكر رأى أن هذا تفويتًا لفرصة عظيمة في خلافة علي.
فعندما اختير عمر اعترض وقال: أنا أرى أن عليًا كان أولى بهذا. وعندما اختير عثمان فعل هذا أيضًا واعترض، وذهب إلى الشام فلم يرضَ.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر:
«ستعيش وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا»
ولذلك أتى له ما يناسب هذه النفسية التي لا تخاف في الله لومة لائم وتصدع بالحق ولو كان مرًا.
الوصية السادسة الإكثار من لا حول ولا قوة إلا بالله وحقيقتها الإيمانية
وأوصاني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة.
لا حول ولا قوة إلا بالله هي حقيقة الإيمان؛ لا حول ولا قوة إلا بالله تنفي الحول والقوة من العبد وتثبتها لله.
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
وحده لا شريك له. ومعنى هذا أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، ومعنى هذا أن كل ما حولنا إنما هو بمراد الله وبخلق الله وبأمر الله وفي تصرف الله.
نعم، أعطانا عقلًا وأعطانا اختيارًا، ولكن الأمر من قبل ومن بعد إنما هو بيد الله.
خاتمة الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لا نستطيع أن نفرح بها [بهذه الوصايا إلا بالعمل بها].
