وصايا الرسول | حـ8 | اتق الله ، ولا تحقرن من المعروف شيئاً | أ.د. علي جمعة
- •روى سليم بن جابر الهجيمي أنه طلب وصية من النبي صلى الله عليه وسلم، فأوصاه بست وصايا جامعة.
- •أولها: الأمر بتقوى الله في كل الأحوال.
- •ثانيها: عدم احتقار أي معروف مهما كان صغيراً، ولو كان مجرد سقي ماء لمستسقٍ.
- •ثالثها: التبسم في وجه الآخرين ومقابلتهم بوجه منبسط طلق.
- •رابعها: تجنب إسبال الإزار لأنه من الكبر والخيلاء التي لا يحبها الله.
- •خامسها: إذا عيرك شخص بعيب فيك، فلا تقابله بالمثل ولا تعيره بما تعلمه من عيوبه.
- •سادسها: عدم سب أي شيء، سواء كان إنساناً أو حيواناً.
- •التزم سليم بن جابر بهذه الوصايا، فلم يسب بعدها دابة ولا إنساناً.
- •هذه الوصايا تجمع إحسان العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين مجتمعه وغيره، وبينه وبين نفسه.
- •فيها عبادة لله وعمارة للدنيا وتزكية للنفس، لتحقيق التوازن في حياة المسلم.
مقدمة الحلقة وتقديم حديث سليم بن جابر الهجيمي في وصايا الرسول
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول ﷺ.
عن سليم بن جابر الهجيمي رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو محتبٍ في بُردةٍ له، فقلت: يا رسول الله، أوصني. قال:
«عليك باتقاء الله، ولا تحتقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستقي، وتكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ولا يحبها الله، وإن امرؤٌ عيّرك بشيءٍ يعلمه فيك فلا تعيّره بشيءٍ تعلمه منه، دعه يكون وباله عليه وأجره لك، ولا تسبنَّ شيئًا»
قال [سليم]: فما سببتُ بعده دابةً ولا إنسانًا. أخرجه ابن حبان، وصدق رسول الله ﷺ.
شرح هيئة النبي ﷺ وهو محتبٍ في بُردته وطلب سليم الوصية
انتهيت إلى النبي ﷺ يعني وصلتُ إليه، وهو محتبٍ في بُردة، أي أنه يتدثر بهذه البُردة، وساقاه الشريفتان قائمتان، ويجعل البُردة حولهما حتى يعتمد بظهره عليها وهو محتبٍ في بُردة، وأطراف البُردة تغطي قدمي النبي ﷺ.
فقلت: يا رسول الله، أوصني. هو نفسه سليم [بن جابر الهجيمي] يطلب الوصية من رسول الله ﷺ.
قال: عليك باتقاء الله.
«اتقِ الله حيثما كنت، اتبع السيئة الحسنة تمحها، خالِق الناس بخلقٍ حسن»
هذه وصايا رسول الله ﷺ: عليك باتقاء الله سبحانه وتعالى.
الوصية الثانية: لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً ولو كان قليلاً
ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا هذه هي الوصية الثانية، يعني لا تقل إن هذا [العمل] أو إن هاتين الركعتين يعني ماذا [ستنفعان]؟ يعني هاتين الركعتين ماذا ستفعلان أبدًا؟ إن هاتين الركعتين اللتين استهنتَ بهما قد يكون لهما في الميزان الثقل الأتم.
قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»
فلا تحقر من المعروف شيئًا، ولو أن تملأ كوب أخيك، أو تتنازل وتؤثر أخاك على نفسك في فنجان قهوة. حتى ولو كان معروفًا قليلًا، هذا المعروف القليل يعبّر عما في الوجدان، وهو عند الله سبحانه وتعالى أصله واسع وعظيم.
الحديث القدسي في عيادة المريض وعظمة المعروف القليل عند الله
قال [الله تعالى في الحديث القدسي]:
«يا ابن آدم، مرضتُ فلم تعُدني، قال: كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان ولو زرته وعُدته لوجدتني عنده»
تخيّل أنك تذهب إلى عيادة المريض فتجد الله عنده في المعيّة! [فالمقصود] أن لا يحقر أحدنا من المعروف ولو كان قليلًا، لا يحقر منه شيئًا، وليفعل الخير دائمًا.
وصية تكليم الأخ بوجه منبسط والتبسم في وجه الأخ صدقة
وأن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط في الحديث، ولو أن تلقى أخاك بوجه متبسم، فـالتبسم في وجه أخيك صدقة، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق منبسط وليس عابسًا.
التبسم في وجه أخيك صدقة، فهذا هو معنى لا تحقر من المعروف شيئًا، وهذا معناه أن تلقى أخاك بوجه منبسط، أو بوجه طلق، ولو كان مجرد تبسم.
التحذير من إسبال الإزار ودلالته على الكبر والفخر في الجاهلية
واحذر إسبال الإزار، فإسبال الإزار كان علامة على الكبر والفخر وإيلام الفقير. كانت هناك عادات جاهلية تقتضي أن الغني ينبغي عليه أن يُذلّ الفقير، فكان الفقير إذا سلّم على الغني لا يردّ عليه.
وما زالت مثل هذه الأحوال الرديئة موجودة بعضها بقلة في أماكن من العالم الإسلامي، أن الغني يتكبر على الفقير. النبي ﷺ يربي الأمة، والأمة في عمومها فعلًا تمسكت بهذه الوصية، وهي أنه لا يتعالى على الآخرين.
وإياك وإسبال الإزار الذي يدل على الفخر، فإنها من المخيلة ولا يحبها الله.
قصة أبي بكر مع الإزار والعبرة بثوب الشهرة لا بظاهر النص
لكن لما كان أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] عنده إزار وكان طويلًا بطبعه وليس بصنع أبي بكر ولا مراده، قال [النبي ﷺ]: مثلك لا يتكبر يا أبا بكر.
فالعبرة هنا هي بـثوب الشهرة؛ نرى أناسًا يجعلون الثياب إلى المنتصف، هذه صارت ثوب شهرة. ونصّ العلماء على أنه لو أصبح اللون الأبيض الذي كان يُحبه النبي ﷺ شعار الفاسقين، يحرم عليك أن ترتديه.
لماذا؟ لأنك تواجه به الناس، والناس لا يعرفونك، بل يعرفون أنك فاسق ما دام هذا شعار الفاسقين في بلد ما. فالعبرة ليست بالنصوص وإنما بمعانيها، بمراداتها، بمنهجها، بمقصدها. العبرة هنا بالمعنى الذي تؤول إليه هذه المرادات الربانية والنبوية.
فهو [النبي ﷺ] لا يريد منا الإسبال من أجل الكِبر، فإذا لم يكن هناك كِبر وكان هذا عادة الناس، نرجع مرة أخرى إلى أن هذا لا يكون ممنوعًا.
وصية عدم التعيير بالعيوب والصبر على الإساءة من أعلى الأخلاق
وإن امرؤ عيّرك بشيءٍ يعلمه فيك، فلا تُعيِّره بشيء تعلمه فيه. هذا من أعلى أحاسن الأخلاق؛ هو عَرَف عني شيئًا يُعيِّرني به أمام الناس، وأنا أعرف عنه بلاءً مستطيرًا، لكن لا أردّ عليه ولا أنزل إلى مستواه.
أصبر وأحتسب وأجد [ثمرة] هذا في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن هذا الذي تكلّم به يحوّله ربي سبحانه وتعالى - وهو فعلًا كان فيَّ - يحوّله إلى أكذوبة، ويغيّر من شأني ويجعله كاذبًا.
والعكس كذلك، وهو أنه عندما امتنع [عن الرد] فقد ربّى نفسه، ربّى نفسه من أجل الله، فأخذ ثواب هذا الامتناع عن المقابلة بالإساءة.
معنى دعه يكون وباله عليه وأجره لك في ترك المعايرة
دعه يكون وباله عليه وأجره لك. المصيبة [أي] المعايرة التي فعلها ستكون وبالًا عليه، ولما سكتَ عن عيبه الذي تعرفه ولم تُعيِّره، أصبح أجر هذا البلاء الذي فعله لك أنت.
وصية عدم السب وأن النبي ﷺ لم يكن سبّاباً ولا لعّاناً
ولا تسبنَّ شيئًا. كان رسول الله ﷺ ليس بسبّاب ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء.
نرى كثيرًا من الدعاة يُفتَن فيهم بعض الشباب، دائمًا السبّ واللعن، والمصيبة أنه يبرر ذلك بأنه قال: رسول الله ﷺ مرة كذا ومرة كذا، كأنه ينتقي ويريد أن يصوّر للناس أن النبي ﷺ كان يسبّ أو أن النبي كان يتفحّش بالقول.
النبي ﷺ لم يصدر منه فاحشة قط، ولم يتكلم بالسوء قط، ولم يكن بذيئًا قط. كان إنسانًا كاملًا، انظر إلى وصاياه التي كان يوصي بها.
قصة سليم بن جابر في ترك السب وقصة ابن الإمام العراقي مع الكلب
قال سليم [بن جابر الهجيمي]: والله ما سببتُ بعد ذلك دابة أو إنسانًا، لا شتمتُ حيوانًا ولا شتمتُ إنسانًا.
مرة ابن الإمام العراقي جالس أمام الباب هو وأبوه، فجاء كلب كأنه يريد دخول البيت، فقال له: اذهب يا ابن الكلب! فقال العراقي: سببته! يعني انظر إلى مراعاة حقوق الحيوان، فما بالك بالإنسان؟
قال [ابنه]: أو ليس ابن كلب؟ قال [العراقي]: أردتَ انتقاصه، وأنت عندما تقول له: اذهب يا ابن الكلب، لم تُرد وصفه أن أباه كلب أبدًا، أنت لم تُرد هذا، إنما أردتَ انتقاصه. وحينئذ فقد انتقصتَ مخلوقًا من مخلوقات الله، فتدخل في النهي في هذا الحديث.
هكذا فهم الأئمة كلام سيدنا [رسول الله] ﷺ.
خلاصة الوصايا الست الجامعة من النبي ﷺ في العبادة والمجتمع والنفس
وهذا نوع من وصايا سيدنا ﷺ، هذه الوصية الجامعة:
«عليك باتقاء الله، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفرغ دلوك في إناء المستقي، وتكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن امرؤ عيّرك بشيء يعلمه فيك فلا تُعيِّره بشيء تعلمه منه، ولا تسبنَّ شيئًا»
ست وصايا هي هذه وصايا رسول الله ﷺ: الاهتمام بإحسان العلاقة بين الإنسان وربه، والعلاقة بين الإنسان ومجتمعه وغيره، والعلاقة بين الإنسان ونفسه.
عبادة لله، وعمارة للدنيا، وتزكية للنفس. إلى لقاء آخر.
