وصايا الرسول | حـ9 | منهاج المسلم فى التعامل مع الفتن | أ.د. علي جمعة
- •روى أبو الأشعث الصنعاني وصية النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع الفتن بكسر حد السيف على جبل أحد ولزوم البيت.
- •إذا دخل صاحب الفتنة البيت، ينتقل المسلم إلى الدار، ثم إلى المخدع أو المصلى عند الاقتحام.
- •وإذا وصل المعتدي إلى المخدع، يجثو المسلم على ركبتيه ويقول: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وتكون من أصحاب النار.
- •هذا المشهد يشبه قصة ابني آدم في سورة المائدة حيث قال أحدهما: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك".
- •الوصية تكررت مع ابن مسعود وغيره: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل".
- •الحديث يرد على من استحل الدماء بتأويل النصوص طلباً للحكم.
- •يجب الاحتياط في الدماء كما يحتاط العلماء في الدماء والفروج.
- •الالتزام بهذه الوصية ينجي من كثير من بلاء هذا العصر.
مقدمة الحلقة والتعريف بحديث الفتن من وصايا الرسول
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من وصايا الرسول ﷺ.
قال أبو الأشعث الصنعاني: بعثنا يزيد بن معاوية إلى [عبد الله] ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - سمى زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا، فما ترى؟
فقال:
«أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ: إن أدركت شيئًا من هذه الفتن فاعمد إلى أُحُدٍ فاكسر به حد سيفك، ثم اقعد في بيتك، فإن دخل عليك أحد إلى البيت فقم إلى المخدع، فإن دخل عليك المخدع فاجثُ على ركبتيك وقل: بُؤْ بإثمي وإثمك، فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين» أخرجه أحمد في مسنده.
سبب اختيار الحديث وشرح معنى الفتن والهرج والقتل بين المسلمين
هذا الحديث له روايات عدة وعن صحابة كُثُر، اخترته لقوله: «أوصاني خليلي». هذا [عبد الله] ابن الزبير [يقول]: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ:
«إن أدركت شيئًا من الفتن»
والفتن معناها الهرج، والهرج معناه القتل، والقتل معناه سقوط الدم بين المسلمين.
ماذا نفعل [إذا أدركنا الفتن]؟ قال ﷺ: إذن فأتِ أُحُدًا - أُحُد جبل [بالمدينة المنورة] - واكسر عليه حد سيفك حتى لا يكون صالحًا للقتل ولا للقتال، حتى للدفاع عن النفس [لا يصلح].
تفصيل مراحل الاعتزال من البيت إلى المخدع عند وقوع الفتنة
والزم بيتك، فإن دخل عليك صاحب الفتنة بيتك فالزم دارك، فإن دخل دارك فالزم مخدعك، أو في رواية أخرى مصلاك (مسجدك). وكأن البيت هو المكان الفسيح، وداخله دار وهي كأنها عمارة، والدار كالشقة.
دخل [عليك] الشقة [أي] دخل العمارة، فادخل شقتك وأغلق عليك. دخل الشقة، ادخل المكان الذي تصلي فيه.
حسنًا، دخل عليك في المخدع الذي هو غرفة النوم، أو في المصلى الذي هو المكان الذي عيّنته في بيتك للصلاة، فماذا تفعل؟ اجثُ على ركبتيك، أي اجعل ركبتيك على الأرض، وقل له: اقتلني وبُؤْ بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النار، لكنني لن أمد يدي عليك.
التأصيل القرآني للوصية النبوية من قصة ابني آدم في سورة المائدة
فإذن هذا كابني آدم الذين ذُكرت قصتهم في سورة المائدة: لأقتلنك، قال:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]
وأنا مالي؟ اقتلني، أنت حر.
﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 28]
فإذن هذا المشهد الذي رأيناه في سورة المائدة يرشد به رسول الله ﷺ من أوصاه، ويقول له [ذلك].
تكرار الوصية النبوية مع عدة صحابة بكسر السيف واعتزال الفتنة
هذا [الأمر بكسر السيف واعتزال الفتنة] لأن هذه الوصية تكررت مع [عبد الله] ابن مسعود وتكررت مع [صحابة آخرين]: اكسر سيفك ولا تترك معك سلاحًا ولا تدافع عن نفسك، وكن أنت عبد الله المقتول ولا تكن أنت عبد الله القاتل.
إلى هذا الحد: اذهب إلى البيت [أي] العمارة، ادخل دارك التي هي الشقة، ادخل مخدعك أو مصلاك التي هي الأوضة [أي] الغرفة.
وفي النهاية في حديث ابن مسعود: وضع يدك هكذا [على وجهك]، فإن أخذك بريق سيفه - يعني لم تستطع [التحمل] - ما معنى هذا؟ يعني هذا بأن السيف له بريق هكذا، ووضعي نفسي قد لا أتحمله، فاخفِ عينيك ببردتك، يعني العباءة التي أنت مرتديها غطِّ بها وجهك هكذا، وكن أنت عبد الله المقتول ولا تكن أنت عبد الله القاتل.
الرد على الخوارج الذين استحلوا الدماء وخالفوا فهم العلماء للفتنة
إذن في هذه الوصية [النبوية] ترد على الخوارج الذين قالوا إن الفتنة التي تدوم خير من الظلم الغشوم، وخطّأوا [الإمام] مالكًا رضي الله تعالى عنه في الفهم الصحيح الذي فهمه من مجمل الدين ومن خاصية السنة.
لكن رسول الله ﷺ يأمرنا كما سبق بالسمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا، ولو كان عبدًا مُجدَّع الأطراف. يأمرنا هنا بأن ندرك أنه لا حول ولا قوة بنا وإنما الحول والقوة بالله، وأن انزع يدك من الفتنة ولا تقتل أحدًا ولا تشارك في هذا البلاء؛ لأنه تحت راية عمياء.
الخوارج عبر التاريخ يسعون للحكم ويؤولون النصوص لاستحلال الدماء
لأنه بعد ذلك الخوارج عبر التاريخ وإلى عصرنا هذا يبكون قتلاهم ويشعرون بالمظلومية، وهم الذين بدأوا وهم الذين قتلوا، وهذا لا اعتبار عندهم. الاعتبار [عندهم] في سعيهم للحكم، والله يقول:
﴿يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَاءُ وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 26]
فليس الأمر بيدنا بل بيد الله، وإن هذا الأمر لا نوليه من طلبه. هذا هو الدين وهذا هو الحق.
ببساطة جدًا: مُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر، انصح في الدين فإن الدين النصيحة لله ولأئمة المسلمين وعوامهم. ولكن الخلل الحاصل عندهم أنهم يريدون الحكم، وفي سبيل الحكم يتم تأويل كل النصوص من أجل الوصول إلى تفسير أعوج مشوه يستحلون به الدماء، ويملؤون الأرض ضجيجًا عندما يفقدون الحكم بعدما وصلوا إليه بعد تسعين سنة.
مصر محروسة بأوليائها وعلمائها وذكرها في القرآن الكريم
ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي:
﴿يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَاءُ وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 26]
ومصر لها خاصية أنها محروسة؛ محروسة بأوليائها وعلمائها، محروسة بأهل البيت فيها، محروسة لأنها ذُكرت في القرآن كل هذا الذكر تصريحًا وتلميحًا وإشارةً وضميرًا وصلةً للموصول.
مصر ذُكرت في القرآن كما لم تُذكر بقعة قط. مصر محروسة، ولذلك الله يسترها معها.
التحذير من المشاركة في الدماء ووجوب الاحتياط في الدماء والفروج
دع عنك هذا وارجع إلى هذه الوصية الجميلة القوية: إياك أن تشارك في الدماء؛ فإن المشاركة في الدماء تخرجك من حد الاحتياط الواجب.
كان العلماء يحتاطون في أمرين: في الدماء والفروج. دائمًا كن محتاطًا في الزواج، وكن محتاطًا في قضية الدماء.
إذا نحن اتبعنا هذا الأسلوب وهذه الوصية [النبوية]، سوف ننجو من كثير جدًا من بلاء هذا العصر.
الختام بالصلاة على النبي والدعاء بحسن الخاتمة والسلام
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، كالشمس تظهر للعينين من بعد صغيرة وتكل الطرف من أمم.
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.
اللهم يا ربنا أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
