وصايا الرسول | ح4 | أ.د. علي جمعة - سيدنا محمد, وصايا الرسول

وصايا الرسول | ح4 | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • وصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بالسمع والطاعة لولي الأمر وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف.
  • أوصاه أيضاً بأداء الصلاة في وقتها، فإن أدرك الجماعة قد صلت فقد أحرز صلاته، وإن وجدهم يصلون التحق بهم وكانت له نافلة.
  • طاعة ولي الأمر من أصول الدين حتى لو كان غير عادل، فالإسلام يقدم المصلحة العامة على الخاصة.
  • الخوارج يخالفون هذا المنهج، فينتقدون الحاكم والمجتمع، ويركزون على المعاصي لابتغاء الوصول إلى الحكم.
  • ظلم غشوم خير من فتنة تدوم، فالظلم قد يصيب الفرد، أما الفتنة فتصيب المجتمع كله.
  • لم يأمر النبي بالسعي لإقامة الخلافة بأي وسيلة، بل قال: "فإن لم يكن في الأرض خليفة فالهرب الهرب".
  • الفتنة مرتبطة بسفك الدماء، وعند وقوعها يجب الاعتزال وعدم المشاركة فيها.
  • التعامل مع الشرع باستخفاف وأدوات غير صحيحة يخالف منهج العلماء المجتهدين.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج وصايا الرسول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذه الحلقة من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى نجعلها لنا نبراسًا وننطلق منها إلى ما بعد رمضان وفي حياتنا كلها، من أجل أن نعيش بها ومن خلالها.

حديث أبي ذر في وصية النبي بالسمع والطاعة والصلاة لوقتها

عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال:

قال أبو ذر رضي الله عنه: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة» أخرجه مسلم.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، وأن أصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة.

تخريج الحديث ومعنى الخلة عند أبي ذر ومحبته للنبي

هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وكان أبو ذر كما سمعنا من قبل دائمًا يتكلم عن سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] بأنه خليله.

والخليل كما قلنا هو من تخللت محبته في جسم المحب؛ فأبو ذر يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًا جمًّا.

وصية النبي بالسمع والطاعة لولي الأمر مهما كان وضعه

أوصاني خليلي [رسول الله صلى الله عليه وسلم] بالسمع والطاعة ولو كان ذلك الحاكم عبدًا مجدع الأطراف، عبدًا حبشيًا — كان هناك في رواية أخرى هكذا.

يعني الأمر ليس باللغو وليس حتى بالوضع القانوني حينئذ من عبودية أو حرية؛ ما دام هذا هو ولي الأمر فلا بد من السمع والطاعة. هذا هو الإسلام، الإسلام يأمرنا بالطاعة وبالسمع.

منهج الخوارج في انتقاد الحاكم والمجتمع وانتقاء المعاصي للوصول إلى الحكم

الخوارج لها رأي آخر، وهي أنها أولًا تنتقد الحاكم، ثم تنتقد المجتمع، ثم تنتقي المعاصي السائدة التي كانت سائرة في كل العصور منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الناس هذا.

صحيح أن القرون تختلف في الخيرية؛ فخير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ولكن في النهاية فكرة الانتقاء والتركيز على المساوئ ابتغاء الحكم، ابتغاء أن تصل الخوارج إلى الحكم حتى صار الحكم عندهم جزءًا من الدين.

وصية النبي باعتزال الفرق عند غياب الإمام وعدم السعي للحكم بالفتنة

والنبي صلى الله عليه وسلم ينصح ويوصي فيقول في حديث البخاري:

«فإن لم يكن في الأرض إيمان فاعتزل تلك الفرق كلها»

وفي حديث أحمد بن حنبل:

«فإن لم يكن في الأرض خليفة فالهرب الهرب»

لم يقل لنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: فإن لم يكن في الأرض خليفة فعليك أن تسعى لإقامة الخلافة بطريقة قد تكون مضحكة، مثل ما عليه حزب التحرير وهذه الهيئات الغريبة التي تتكلم كلامًا تضحك منه الثكلى، ويسقط منه — تسقط منه الحبلى، ويشيب منه الأقرع.

نقد مزاعم حزب التحرير في تقليد مراحل الدعوة النبوية لإقامة الخلافة

لأنه [حزب التحرير] يقول: نريد أن نقلد النبي في بقائه في مكة أربعة عشر سنة وفي المدينة عشر سنين، والمجموع ثلاثة وعشرين؛ لأنه في سنة هنا ونصف سنة هناك، نريد أن نفعل هذا، وفجأة سوف تأتينا الأنصار وسوف نعود بالخلافة!

كلام لا يتكلم به إلا من فقد عقله، ولكننا سمعناه وعرفناه. كل هذا من الخروج عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعامل مع الشرع الشريف باستخفاف وباستهانة، وبأدوات ليست هي الأدوات التي تكلم عنها المجتهدون واتبعها العلماء العاملون.

أصل الدين في السمع والطاعة والصلاة على وقتها كما أوصى النبي أبا ذر

أصل الدين هو ما قاله أبو ذر [رضي الله عنه]: أمرني خليلي [رسول الله صلى الله عليه وسلم] وأوصاني بالسمع والطاعة وإن كان عبدًا مجدع الأطراف.

وأمرني أيضًا وأوصاني أيضًا بالصلاة على وقتها؛ فمتى حلّت عليّ الصلاة صليت. فإذا أدركت المسجد ووجدتهم قد صلوا فالحمد لله أني أدركت الصلاة وصليت لوقتها، فإن وجدتهم في صلاة التحقت بهم وجعلت صلاتي معهم سبحة — يعني نافلة — يعني زيادة في الخير.

قصة الرجلين اللذين لم يصليا مع الجماعة وتوجيه النبي لهما

بعدما أنهى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] مرة الصلاة التفت فوجد اثنين لا يصليان في آخر المسجد، فأتى بهما وسألهما:

لِمَ لا تصليان؟ قالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا — يعني في الحي الخاص بنا — فلما أتينا وجدناكم تصلون ونحن قد صلينا.

قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

«إذا صليتم في رحالكم ثم أتيتم فوجدتم الجماعة، فصلوا معهم واجعلوا صلاتكم سبحة نافلة»

سبحة يعني زيادة، واجعل صلاتك سبحة [أي نافلة].

خلاصة وصية النبي لأبي ذر في أمرين السمع والطاعة والصلاة على وقتها

فهنا أبو ذر رضي الله تعالى عنه ينقل لنا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين:

  1. الأمر الأول: السمع والطاعة [لولي الأمر].
  2. الأمر الثاني: الصلاة على وقتها.

انظروا حقيقة الدين! السمع والطاعة يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«فإن كان في الأرض إمام فالزم الإمام ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»

الإمام قد يكون عادلًا وقد يكون غير عادل، وعلى كل حالٍ فالزم الإمام. لو الإمام ضرب ظهري وأخذ مالي، هو ليس عادلًا، ولكنَّ الشرع يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

رد الخوارج على مقولة الإمام مالك في تقديم الظلم على الفتنة

أحد الأساتذة من الخوارج يقول ويعترض على الإمام مالك وهو يقول: ظلم غشوم خير من فتنة تدوم.

يقول هذا المسكين الخارجي: بل فتنة تدوم خير من ظلم غشوم! هؤلاء أناس قد اختلت عندهم الموازين، موازين لا يعرفون ماذا وصّى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو أنهم عرفوا ما وصّى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالظن فيهم أنهم سيكفرون ولا يتبعون رسول الله، بل يتبعون أهواءهم وما تمليه عليهم عقولهم ونفوسهم الصغيرة.

الفرق بين الظلم الغشوم والفتنة الدائمة وارتباط الفتنة بسفك الدماء

التي [أي نفوسهم الصغيرة] تفضل الفتنة والدم الذي يدوم على الظلم الغشوم. الظلم الغشوم يصيبك أنت، ولكن الفتنة التي تدوم تصيبك وتصيب المجتمع من حولك.

والفتنة دائمًا يربطها رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا يربطها بالدم؛ فلو سال الدم لكانت الفتنة، وإذا رأيت الفتنة فعليك الهرب والاعتزال وعدم المشاركة في دماء الناس.

وصلى الله وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

ختام الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء للمشاهدين

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.