يسألونك ماذا جاء به النبي من جديد | خطبة جمعة بتاريخ 2006 -11 - 17 | أ.د علي جمعة - خطب الجمعة, سيدنا محمد

يسألونك ماذا جاء به النبي من جديد | خطبة جمعة بتاريخ 2006 -11 - 17 | أ.د علي جمعة

26 دقيقة
  • الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
  • يتساءل الناس عما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم من جديد، والإجابة أنه لم يأت ببدعة من الرسل كما قال تعالى: "ما كنت بدعا من الرسل".
  • جاء النبي محمد متبعاً لملة إبراهيم الحنيفية، مؤكداً وصايا موسى، متمماً لمكارم الأخلاق.
  • أمرنا الإسلام باتباع جميع الأنبياء والإيمان بهم، فلا نستطيع أن نسب نبياً من الأنبياء.
  • أمرنا بالصبر والعدل والتسامح حتى نكون معمرين لا مدمرين.
  • أمرنا بالسلام ونشره، وسميت الجنة دار السلام، وجعل الله تحيتنا السلام.
  • من فضل الله علينا أن جعلنا خير أمة أخرجت للناس، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
  • تميزت هذه الأمة بكونها شهيدة على الناس، والرسول شهيد عليها، حاملة للقيم الأخلاقية السامية.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي المصطفى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.

الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد وخير الهدي

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها؛ فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

تساؤل الأمم عما جاء به النبي محمد من جديد بعد موسى وعيسى

عباد الله، تكالبت علينا الأمم، وسأل الناس فيما سألوا: ماذا جاء به نبيكم جديد؟ وما الذي أضافه إلى البشرية؟ وعلى أي صفة أُرسل ذلك النبي بعد أن أرسل الله موسى وأنزل عليه الوصايا العشر، وبعد أن أنزل الله وأرسل عيسى وظنّ كثير منهم أنها نهاية العالم؟

فما الذي جاء به نبيكم من جديد؟ سؤال يسأله العالم، منهم والجاهل، والقاصد والضال. وربنا سبحانه وتعالى يجيب عنّا هؤلاء الأقوام ليبيّن حقيقة دين الإسلام الذي هو دين كل نبي منذ أرسل الله آدم إلى أن ختمهم بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.

أمر الله لرسوله بالتبليغ والإجابة عن سؤال الجديد في الرسالة

ويأمر [الله] رسوله بالتبليغ عنه سبحانه وتعالى ليجيب عن هذا السؤال: ما الذي أتيت به من جديد؟ وكأن الأمر يحتاج إلى جديد، وكأن الله يتغير كل يوم عند هؤلاء فيحتاج الأمر إلى جديد!

فقال له [سبحانه]:

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]

يعني: لم آتِ بجديد، إنما أتيت بما أتى به الرسل على مرّ الدهور وكرّ العصور:

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 59]

فلما ضلّ القوم ولم يعبدوا الله وحده وأشركوا به صنوف الشرك، أرسل الله الرسل واحدًا تلو الآخر إلى أن ختمهم بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

حفظ القرآن الكريم وبقاؤه نبيًا مقيمًا في الأمة إلى يوم الدين

وأبقى [الله] القرآن محفوظًا من عنده، يتكلم بلسانه صلى الله عليه وسلم وبالوحي الذي حفظه الله من عنده وأجراه على قلبه إلى يوم الدين. وكأنه نبيٌّ مقيم فينا، يتلوه جميع المسلمين في المحاريب وفي صلاتهم وفي خلواتهم وفي جلواتهم، يأمرون الناس بالبرّ وبالتقوى وبالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

تواضع النبي وخوفه من ربه واتباعه للوحي دون ادعاء علم الغيب

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]

يعني أنه بشرٌ لا يدري ما يفعل الله به صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا كان سيد المرسلين يخاف ربّ العالمين، فمن الذي يتجرأ من الخلق ولا يخافه وهو سيد السماوات والأرض والعرش والجبال والملائكة والجن والناس؟

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9]

فبلّغ صلى الله عليه وآله وسلم فهدانا وهدى الناس أجمعين إلى يوم الدين.

القرآن يخرج الناس من الظلمات إلى النور ويبقى إلى يوم القيامة

ولا يزال [القرآن] يُخرج بهذا القرآن الناسَ من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن شقائها إلى سعادة الدارين. وسيبقى ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ما الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جديد؟ لم يأتِ بجديد ولم يكن بدعًا من الرسل، بل إنه اتّبع ربه وآمن به وسلّم له ونفّذ ما اتّبعه وما أمر به في وحيه:

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9]

إبراهيم عليه السلام الإمام القدوة وأمر الله باتباع ملته الحنيفية

ما الذي أُمر به صلى الله عليه وآله وسلم؟

﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]

هذا هو إبراهيم الإمام القدوة الذي قال الله فيه:

﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 95]

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ * فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 96-97]

نعم، هدى للعالمين وقبلة للمسلمين وللعالمين، هنا أي للناس جميعًا؛ لأنه الذي رفع قواعده إبراهيم.

تسمية الأمة بالمسلمين والأمر بالجهاد واتباع ملة إبراهيم

ذلك الإمام الذي أُمرنا أن نتبعه، والذي قال الله في شأنه:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]

يقول ربنا:

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]

اجتباء الله لإبراهيم وأمر النبي باتباع ملته الحنيفية

نعم، [كان إبراهيم] شاكرًا لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم:

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [النحل: 122]

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]

هذا هو الذي أُمر به النبي المصطفى: أن يتبع هو وأتباعه النهج الإبراهيمي الأعلى، أن يتبع خليل الرحمن أبا الأنبياء.

الإسلام دين اتباع لا ابتداع والحجة على من يدّعي التبعية لإبراهيم

فما الذي جئنا به بدعًا من الرسل؟ وما الذي جئنا به لنُخرج الناس من إيمان إلى كفر أو من طاعة إلى بدعة؟ ما كنا مبتدعين إنما كنا متّبعين.

وإذا كنتم تدّعون التبعية لإبراهيم فإن إبراهيم إمامنا، وإذا كنتم تتّبعون النسبة إليه فإنه أبونا، وإن كنتم تتّبعونه وتحبّونه فلِمَ تكرهوننا؟ ولله الحجة البالغة.

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

أمر الله باتباع ملة إبراهيم وجعل الأمة خير أمة تشريفًا وتكليفًا

أمرنا ربنا سبحانه وتعالى باتباع ملة إبراهيم، أمرنا ربنا أن نكون شهداء على الناس وجعلنا خير أمة أُخرجت للناس تشريفًا وتكليفًا؛ شرّفنا فكلّفنا.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

ولكن تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.

﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]

النبي جاء ليؤكد وصايا الأنبياء والإيمان بجميع الرسل جزء من الإسلام

جاء النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم ليؤكد وصايا موسى العشر: ألّا نسرق ولا نزني ولا نقتل، قال: ألّا يعتدي بعضنا على بعض، أن نؤمن بالله.

جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نؤمن بكل رسول أرسله ربنا، فآمنّا بجميعهم، وكان الإيمان بجميعهم جزءًا لا يتجزأ من إسلامنا وإيماننا.

قال بعضهم: ما لكم هكذا؟ إذا سبّوا نبيكم فسبّوا نبيهم! [فأجبنا]: لا نستطيع؛ نبيّهم هو نبيّنا، فإننا نؤمن به وهو جزء من إسلامنا، نفرح لفرحه ونحزن لحزنه.

صيام النبي يوم عاشوراء تأكيدًا على أحقيته بموسى عليه السلام

فلما دخل النبي المدينة صلى الله عليه وسلم من غزاة فوجد اليهود يحتفلون بيوم، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى. قال:

«نحن أحقّ بموسى منهم»

وصامه وأمر أتباعه بصيامه سنّة، وهو يوم عاشوراء.

إذن لا نستطيع أن نسبّ نبيًّا من الأنبياء، ولأن ننتقم لرسولنا [بسبّ أنبيائهم لا يجوز]، وإنما نقول:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

وإنما نقول:

﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

أمر الله رسوله بالصدع بالحق والإعراض عن المشركين والصبر على الأذى

وإنما نتجاوز هذا ونأتمر بما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم:

﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ * ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 94-96]

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ * وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 97-99]

نعم، نحن أمة مؤدّبة نعرف للناس حقوقهم ونعرف للأنبياء مراتبهم.

الأمر بالصبر والعدل وتزكية النفس بمكارم الأخلاق النبوية

أُمرنا بالصبر، والصبر مرٌّ يضيق به الصدر، ولكننا أُمرنا به حتى نكون عادلين:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

أُمرنا به حتى نكون معمّرين لا مدمّرين، أُمرنا به لأننا قد أُمرنا بتزكية النفس التي خلقها الله فينا بأحسن الأخلاق.

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»

التخلق بصفات الله والأمر بأن نكون ربانيين نحفظ الكتاب ونعلمه

أُمرنا بها [بمكارم الأخلاق] لأننا نتخلّق بصفات الله، والله واسع صبور. أُمرنا بها لأننا أُمرنا أن نكون ربّانيين بما كنا نحفظ الكتاب ونعلّمه ونتعلّمه وندرسه.

ولم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفسق والفجور والسباب والقذف، بل برّأ ألسنتنا من ذلك وأفعالنا منها.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

إجابة السائل عما أتى به محمد من خير وجمال وتكريم للإنسان

أفي ذلك إجابة أيها السائل على ما أتى به محمد من جديد؟ إنه أتى بالخير كله وأتى بالجمال كله، وأتى لتكون إنسانًا وأن تخرج من دور الترابية والحيوانية والمادية، فتكون من بني آدم الذين كرّمهم الله سبحانه وتعالى وأسجد لهم الملائكة في صورة آدم.

هذا هو الذي أتى به من خير سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم].

الرد على دعوى أن النبي جاء بالسيف وبيان أن كل الأنبياء حملوا السيف

قال [بعضهم]: إنما أتى [محمد] بالسيف. قلنا: وكل نبي جاء من عند الله جاء بالسيف! فهذا موسى مع أتباعه يُشهر السيف لله رب العالمين، وكل ما في الخروج من العهد القديم يثبت ذلك قتلًا وقتالًا.

وجاء عيسى وقال: أتظنون أنني قد جئتكم بالرحمة؟ إنما جئتكم بالسيف. وهذا في إنجيل متّى.

وجاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأمره ربه بالعدل وبأن يكون فارسًا نبيلًا كما خلقه واصطفاه على ذلك واجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، كما كان الشأن في إبراهيم.

القتال في الإسلام مشروط بعدم الاعتداء والميل إلى السلم عند جنوح العدو

فقال [الله تعالى]:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

وقال:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]

وأمرنا بأن تكون تحيتنا السلام، ورغّبنا في السلام حتى سمّى الجنة دار السلام، وجعل التحية فيها:

﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ﴾ [يونس: 10]

ورغّبنا في السلام حتى سمّى نفسه سبحانه بالسلام، ورغّبنا في السلام حتى جعل آخر ما ننطق به في صلاتنا نواجه بعدها العالمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تربية الله للأمة لتكون خاتمة شاهدة على الناس والأمر بالصبر الجميل

ربّانا ربنا سبحانه وتعالى لنكون الأمة الخاتمة ونكون شهداء على الناس ويتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم علينا شهيدًا. فكونوا عباد الله كما أمركم الله.

﴿فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 5-7]

﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 1]

ادعوا ربكم.

الخطبة الثانية والشهادتان والصلاة على النبي والدعاء بالمغفرة والرحمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، نصر عبده، أعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه كما يليق بجلاله عندك أن يكون.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا. اللهم استجب دعاءنا واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.

الدعاء بصرف السوء وتوحيد القلوب والرزق الواسع والعلم النافع

اللهم كن لنا ولا تكن علينا. اللهم اصرف عنا السوء بما شئت وإن شئت يا أرحم الراحمين، ووحّد قلوبنا واغفر ذنوبنا.

اللهم استجب دعاءنا وارزقنا رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا وعينًا من خشيتك دامعة ونفسًا قانعة وشفاءً من كل داء.

وقنا شر أنفسنا وشر الناس، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت.

الدعاء بنصرة الدين ورفع أيدي الأمم وردّ القدس وأمن البلاد

اللهم انصر دينك يا أرحم الراحمين وارفع أيدي الأمم عنّا. اللهم ارفع أيدي الأمم عنّا. اللهم ارفع أيدي الأمم عنّا.

اللهم ردّ علينا القدس ردًّا جميلًا، وأيّد يا رب العالمين المجاهدين في سبيلك. واجعل هذا البلد بلد سخاء ورخاء، دار أمن وإيمان وعدل وإسلام، وسائر بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين.

اللهم بلّغنا دينك وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، واعفُ عنّا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء بالرحمة وقضاء الحوائج ونصرة المظلومين وإنبات الأبناء نباتًا حسنًا

اللهم إننا في حاجة إلى رحمتك ولسنا في حاجة إلى عذابك، فارحم ضعفنا واغفر ذنبنا واستر عيبنا يا رب العالمين.

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

اقضِ حوائجنا وحوائج المسلمين. اللهم سدّد الدين عن المديونين. اللهم فُكّ أسر المأسورين. اللهم انصر المظلومين. اللهم استجب لمن دعاك في الخير يا أرحم الراحمين.

اللهم يا رب العالمين أنبت أبناءنا وأحفادنا نباتًا حسنًا يرضيك، واستعملهم في طاعتك يا رب العالمين.

الدعاء بالحشر تحت لواء النبي ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم

اللهم قِهم الشر والسوء في الدنيا وفي الآخرة، واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا جميل.

اللهم يا رب العالمين كن لنا ولا تكن علينا، فارحم ضعفنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا.

الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب ونور الأبصار وشفاء الهموم

واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وشفاءنا، وأزل به همّنا وحزننا، ووحّد به قلوبنا، وعلّمنا منه مرادك يا رب العالمين، وأقمنا فيه برحمتك وقدرتك وأمرك يا أرحم الراحمين.

ارحمنا يا غياث المستغيثين أغثنا.

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

الدعاء الختامي بالرحمة والمغفرة والإعانة على العبادة وإقامة الصلاة

اللهم يا رب العالمين، هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلم كل شيء بيديك. فاللهم إنا نسألك رحمتك وموجبات رحمتك.

اللهم يا رب العالمين اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. اللهم يا رب العالمين أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأعنّا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولك عاقبة الأمور.

اللهم احفظ علينا أسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث منّا. نسألك من كل خير سأله منك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك من كل شر استعاذ منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الاستعاذة من الهم والحزن والدعاء بتنوير القلوب وإقامة الصلاة

اللهم نعوذ بك من الهمّ والحزن، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال، ومن الكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق.

اللهم يا ربنا نوّر قلوبنا بذكرك واستجب دعاءنا واجعلنا ربّانيين.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أقم الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]