2011 10 14 الأزهر سيرة ومسيرة
- •يمثل الأزهر منارة للعلم والإسلام الوسطي والمعتدل، ويُعد قبلة العلم الإسلامي على مدار أكثر من ألف عام.
- •يتميز منهج الأزهر بالجمع بين السلفية بمعناها الصحيح والتجديد، حيث يستلهم من الماضي للإجابة على تساؤلات الواقع.
- •شكل الأزهر عبر تاريخه تجسيداً لوحدة الأمة الإسلامية، واستقبل طلاباً من مختلف البلدان الإسلامية.
- •لعب الأزهر دوراً مهماً في حماية الوطن، حيث انطلقت منه ثورات مصر المختلفة عبر التاريخ.
- •يواجه الأزهر تحديات تتمثل في تراجع دوره نتيجة تدخل الدولة في شؤونه والتوسع الأفقي للتعليم الأزهري.
- •تتضمن مقترحات تطوير الأزهر: استعادة استقلاله الإداري والمالي، وتجديد المناهج، والاهتمام بالكيف أكثر من الكم.
- •يضم الأزهر حالياً أكثر من 25 ألف طالب وافد من 133 دولة، ويلعب دوراً مهماً في نشر الإسلام الوسطي عالمياً.
- •يتميز الأزهر بقبول التعددية الفكرية والتسامح وعدم التعصب والبحث عن المشترك بين المسلمين.
مقدمة الحلقة والترحيب بعلماء الأزهر الشريف وضيوف البرنامج
[المذيع]: في الحقيقة يقف الأزهر الشريف كالطود الراسخ بعلمائه وطلابه، يمثل منارة للعلم وللإسلام وسطيةً واعتدالًا، وأيضًا تسامحًا. والحقيقة أن البعض يتحدث عن تراجع لدور الأزهر، والبعض الآخر يتحدث عن دور أكبر له في المرحلة المقبلة من مستقبل مصر.
ونحن في هذه الحلقة سنناقش علماء الأزهر، ونسعد بوجودهم معنا في هذه الحلقة للحديث حول هذا الموضوع. نبدأ بفضيلة مفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا فضيلة الدكتور. أهلًا بكم، مرحبًا، نشكركم على تلبية الدعوة، شكرًا لك.
كما نرحب بالأستاذ الدكتور محمد عمارة، عضو مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء، نرحب بفضيلتك. أهلًا بكم، مرحبًا. ومعنا أيضًا -من الدعاة الشباب إن صح التعبير- فضيلة الدكتور أسامة السيد، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، أهلًا وسهلًا بكم.
سؤال عن رسالة الأزهر التاريخية وكونه قبلة العلم الإسلامي
[المذيع]: دكتور عمارة، بناءً على حكم فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، قرر أن نوجه السؤال الأول لفضيلتكم. ونحن -بطبيعة الحال- نبدأ بسؤال: ما هي رسالة الأزهر؟ هل لنا أن نذكر السادة المشاهدين بأن هذا المكان، منذ أكثر من ألف وأربعين عامًا، يقف كالطود الشامخ، ونحن اليوم في رحابه، من حسن الطالع اليوم له رسالة كبرى؛ إذ يمثل رمز الإسلام الوسطي والمعتدل. نود أن نلقي نظرة على تاريخ الأزهر حتى يومنا هذا، ودوره في هذه الأيام التي يراها البعض محنة وعصيبة.
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. انظر -في كلمة موجزة- إن الأزهر هو قبلة العلم الإسلامي. نعم، إذا كانت للأمة الإسلامية قبلة للشعائر والعبادات وهي مكة المكرمة المسجد الحرام، فإن الأزهر هو قبلة العلم الإسلامي على امتداد تاريخ الأزهر لأكثر من ألف عام. مثّل الأزهر قبلة هذا العلم الإسلامي.
منهج الأزهر الوسطي في الجمع بين السلف والتجديد
[الشيخ محمد عمارة]: وعندما نقول العلم الإسلامي، نقصد العلم الوسطي. أضرب لك مثالًا: منهج الأزهر على امتداد تاريخه يجمع بين السلف والخلف؛ لأن بعض الناس تحت عنوان السلف يهاجرون من الحاضر إلى الماضي.
[المذيع]: بمعنى؟
[الشيخ محمد عمارة]: أي يهاجرون من الواقع ويعيشون في الماضي، وبالتالي ينفصلون عن واقعهم. وبعض الناس بدعوى الحداثة يعيشون في الواقع ويهملون التاريخ والتراث، فيقيمون قطيعة معرفية كبرى مع الموروث، فيصبحون بلا ماضٍ.
يبقى إذن الأزهر جمع بين السلفية -بالمعنى الصحيح- وهي العودة إلى المنابع الجوهرية النقية، وبين التجديد الذي يجيب على علامات استفهام الواقع. وهذه واحدة من منهج الأزهر.
مفهوم السلف الصحيح عند الأزهر والفرق بينه وبين المفهوم المغلوط
[الشيخ محمد عمارة]: لدينا رؤية مغلوطة لمفهوم السلف؛ فالسلف في اللغة هو الماضي، وهو في السنة والقرآن كما في قوله تعالى:
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
أي عما مضى. أيضًا مفهوم السلف في الأزهر مفهوم جيد ومتقدم. لماذا؟ مفهومه للسلف هو المنابع الجوهرية والنقية: القرآن والسنة وفكر الصحابة.
بعض الناس مفهوم السلف عندهم أنهم يعودون إلى عصر التراجع الحضاري. نحن جميعًا سلفيون بمعنى أن لنا ماضيًا، لكن السؤال: أي ماضٍ نقصد؟ هل ماضيك من المنابع الجوهرية والنقية الأولى، أم عصر التراجع الحضاري والتخلف؟
سمات المنهج الأزهري في التعامل مع الماضي وتجسيد وحدة الأمة
[الشيخ محمد عمارة]: ومن سمات المنهج الأزهري: كيف تتعامل مع السلف، مع الماضي؟ هل تهاجر إليه وتنقطع عن الواقع، أم تستلهم منه للإجابة على علامات استفهام الواقع الذي تعيش فيه؟
سمة أخرى من سمات الأزهر على مر تاريخه، وهذه هي التي جعلته قبلة الأمة الإسلامية: أنت عندما تطوف في الأزهر وفي أروقته، تجد أنك أمام تجسيد لوحدة الأمة الإسلامية، وكيف أن الإسلام أقام أممية سبقت كل النظريات والفلسفات التي عرفها العالم.
بل إن العالم عرف أمميات طبقية وأمميات عنصرية، لكن الإسلام أبدع أممية إنسانية جسّدها الأزهر.
الأزهر حامٍ للوطن والعلم ودوره في ثورات مصر عبر التاريخ
[الشيخ محمد عمارة]: وعندما قطعت السياسة أوصال العالم الإسلامي من الناحية القُطرية ومن الناحية القومية والغلو الوطني والغلو القومي، ظل الأزهر هو الجامعة والجامع لهذه الأمة الإسلامية.
[المذيع]: وهو الحصن الذي يتحصن به أبناء الأمة.
[الشيخ محمد عمارة]: أنه كان -كي لا أطيل- سمة أخرى من سمات الأزهر أن الأزهر لم يكن حاميًا فقط للعلم، بل حاميًا للوطن أيضًا. فإذا نظرت إلى ثورات مصر لوجدتها نبعت من هذا المكان قديمًا. لم تكن هناك إذاعة ولا تليفزيون، ولكن كانت مئذنة الأزهر هي التي يُعلن من عليها الثورة.
في مصر في الحملة الفرنسية، نابليون في سنتين أباد سُبع الشعب المصري، أعلى نسبة إبادة لأي غزوة في العالم. أباد ثلث مائة ألف من تعداد الشعب الذي كان أقل من ثلاثة ملايين. الأزهر كان هو حصن الثورة.
ثورة العميان وثورة تسعة عشر ودور سعد زغلول الأزهري
[الشيخ محمد عمارة]: انظر إلى المكفوفين في الأزهر، قاموا بثورة تسمى ثورة العميان، ثلاثة عشر عالمًا قتلهم نابليون ووضعهم في الأكياس وألقاهم في البحر. إذن ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر خرجت من الأزهر، عبد الناصر في ستة وخمسين لقد صعد إلى منبر الأزهر.
سعد زغلول وهو من أبناء الأزهر، ثورة تسعة عشر تلميذ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. بعد عودته من المفاوضات عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين جاء وخطب في الأزهر وقال: أنا جئت لأرد الجميل للمكان الذي علمني استقلال الفكر.
لماذا قال ذلك؟ لأن الأزهر كان منهجه في التدريس هو أحدث مناهج الجامعات في العالم؛ الطالب يختار الكتاب الذي يريده، يختار الشيخ الذي يريده، ينتقل من عمود إلى عمود. فسعد زغلول اعترف بأن هذا هو الذي حقق له الاستقلال الفكري.
أول كتاب لسعد زغلول في فقه الشافعي وسؤال عن حاضر الأزهر ورسالته
[الشيخ محمد عمارة]: وبالمناسبة قد لا يعرف الجمهور والناس أنه أول كتاب ألّفه سعد زغلول كان في فقه الإمام الشافعي، وعليه كتب: كتبه الفقير إلى الله سبحانه وتعالى سعد زغلول.
[المذيع]: فضيلة مفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة، يعني هذا عن الأزهر في الماضي، فماذا عن الحاضر في رؤيتك، وعن رسالته في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها العالم الإسلامي، ومصر التي خرجت من ثورة نصنفها جميعًا بأنها ثورة عظيمة لا شك؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم. الأزهر في حالة تواصل كما سمعنا من الدكتور محمد عمارة، وهو يتحدث عن استقبال الأزهر لهذه الطائفة الكبيرة من داخل مصر وخارجها في خمسة وعشرين رواقًا.
استمرار أممية الأزهر وتميزه بالعلم والفرق بين علم الدين والتدين
[الشيخ]: في الأزهر الآن هناك أكثر من خمسة وعشرين ألف طالب وافد من مائة وثلاث دولة. إن الأممية ما زالت مستمرة، ومصر ما زالت هي قلب العالم الإسلامي.
الأزهر تميز طوال تاريخه وما زال بالعلم. هناك فرق كبير جدًا بين علم الدين وبين التدين. التدين مطلوب من كل مسلم؛ كل مؤمن مطلوب منه أن يكون متدينًا، أن يصلي ويصوم ويؤدي الشعائر ولا يرتكب المحرمات.
ولكن علم الدين هذا أمر آخر، لا بد فيه من التخصص، لا بد فيه من التفرغ. هذا المنهج القويم الذي ألهمه الله للمسلمين فجعلهم من أمة العلم.
فضل طلب العلم في القرآن والسنة وأركان العلم الستة عند الشافعي
[الشيخ]: ابتداءً من كلام سيدنا رسول الله:
قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة»
وبقوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
وقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
يقول الإمام الشافعي: أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبيك عن تأويلها ببيان: ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة -(تفرغ)- البُلغة هي أن يكون معي مال أتفرغ به لطلب العلم، أعطِ للعلم كلّك يعطك بعضه. ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة وإرشاد أستاذ وطول زمان.
أركان العلم في الأزهر ومنهج التدريس العريق وأستاذ الكرسي
[الشيخ]: حافظ هذا المعهد العريق على أركان العلم: على الطالب، على الأستاذ، على المنهج، على الكتاب، على الجو العلمي، الامتحانات والحضور والانصراف والكتب المختارة.
وهكذا كان لدينا هنا في الأزهر قديمًا وحديثًا، وما زال إلى الآن يجلس الشيخ على الكرسي -ومنه سُمي أستاذ الكرسي- ويدرّس متنًا من المتون في لغة العرب؛ كما قلنا: ألفية ابن مالك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فتجد الطلاب كل واحد منهم معه كتاب مختلف عن الكتاب الآخر؛ أي أن كل واحد يدرس ألفية ابن مالك في كتاب مستقل، إذ أن ألفية ابن مالك عليها أكثر من خمسين شرحًا. فيأتي الأستاذ ويقرر الدرس ويشرحه.
منهج التعجيز في الأزهر ودراسة العلوم الاثني عشر المتكاملة
[الشيخ]: وبعد ذلك يقول تعجيز. كلمة تعجيز معناها أن الطلاب يسألونه ويحاولون إعجازه في المسائل فيما درسوه من قبل.
لكي أدرس النحو، يجب أن أدرس الحديث والقرآن والتفسير وغير ذلك، ولكي أدرس التفسير ينبغي أن أدرس المنظومة كاملة. كان الأزهر يدرّس اثني عشر علمًا، وكان يمتحن في اثني عشر علمًا.
لكنه ما زال بعد ذلك، قُسّم الأزهر ابتداءً من سنة ستة وثلاثين إلى: كلية أصول الدين؛ وكلية اللغة العربية؛ وكلية الشريعة؛ ثم بعد ذلك كلية الدراسات الإسلامية؛ وكلية الدعوة؛ وكلية القرآن الكريم. فأصبحت هناك تخصصات، ولكن في كل مرة تدخل إلى المنهج تجد أنه منهج متكامل؛ لأنه يتحدث عن علم الدين.
التفكير المستقيم وعدم التعصب من أبرز سمات المنهج الأزهري
[الشيخ]: هذا يربي ما نحتاج إليه جميعًا في هذا العصر، سواء في مصر أو خارجها، وهو التفكير المستقيم.
[المذيع]: التفكير المستقيم.
[الشيخ]: نعم، وهذه أول سمة نواجه بها العالم؛ أن هذا المعهد صاحب تفكير مستقيم. القضية الثانية أنه لا يعرف التعصب.
كنا نسير خارجين من الكلية، فأنا شافعي ومعي زميل حنفي، وذاهبان لنتناول فطورنا -فول مدمّسًا- بجانب الأزهر. فقلت له: هل عندكم مسح الرأس كله أم مسح بعضه؟ فيقول: عندنا بعض، شعرة واحدة تكفي (عند الشافعية). فأقول له: لا، هذا نحن عندنا لازم نعمله كله، هكذا هو المالكية عندنا وعندكم.
وأنا يدي في يد أخي، لا تشاحن ولا حقد في قلوبنا، ولا قول: أنا على الحق وأنت على الباطل.
منهج الأزهر في إثبات الدليل وفهمه وتطبيقه دون مصادمة العالم
[الشيخ]: بل كل منا يعرف كيف يثبت الدليل -هذا أولًا- وكيف يفهم الدليل -هذا ثانيًا- وكيف يطبق هذا الحكم -هذا ثالثًا- ويقع على الواقع المختلف.
ولذلك عندما تجلس مع علماء الأزهر يحدث لك انشراح وارتياح؛ لأنهم لا يريدون مصادمة العالم. فالدين لم يأتِ لمصادمة العالم، صحيح، وإنما جاء للعمارة ولعبادة الله وتزكية النفس.
وقد فهم الأزهريون ذلك؛ لأنهم حملوا منهج أهل السنة والجماعة، وحملوا كتاب الله وسنة رسوله وتمسكوا بهما. ولذلك يقول الجنيد البغدادي:
«طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»
فالذي نقدمه للعالم هو الفكر المستقيم والتعددية الفكرية في ظل هذا الفكر المستقيم، وعدم التعصب عن طريق البحث دائمًا عن المشترك.
البحث عن المشترك الإنساني مع غير المسلمين من سمات الأزهر
[الشيخ]: إن هذا المعهد صاحب تفكير مستقيم. أما القضية الثانية أنه لا يعرف التعصب. فعندما أجلس مع غير المسلم، أبحث معه عن المشترك الذي بيني وبينه.
[المذيع]: ليس بالضرورة نقاط الخلاف.
[الشيخ]: يوجد مشترك إنساني كبير، ومشترك في قيم الأخلاق كبير، ومشترك أهداف عمارة الأرض كبيرة، في المشترك في نتاج وإفرازات الحضارة كبيرة.
ولذلك يرتاح إليّ؛ لأنني أبحث عن المشترك لا عن الصدام. إن الأزهر -الحقيقة- تحتاج إليه البشرية.
شرح الباجوري على الجوهرة واتباع السلف الصالح والخريدة في أقسام حكم العقل
[الشيخ]: ومن ضمن ما نتعلمه في الأزهر، يقول لك الشيخ الباجوري -عندنا شيء هكذا اسمه الشيخ الباجوري- في شرح الشيخ الباجوري على الجوهرة، تأييدًا لكلام الدكتور عمارة: فيها الخير كل الخير في اتباع من سلف (هو يقول هذا ونحن نحفظه هكذا)، والشر كل الشر في ابتداع من خلف. أي الزم المنابع الصافية وخذ منها، وهكذا إلى آخره. هذا يرسم ذهنك ويوجهك إلى الطريق.
هذا التقسيم كما في الخريدة يقول: أقسام حكم العقل لا محالة، هي الوجوب ثم الاستحالة، ثم الجواز ثالث الأقسام، فافهم مُنحت لذة الأفهام. أي أن للفهم لذة يا...
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: الكلام الحلو الجميل الذي كان الأطفال ينشدونه والجميع يحفظونه، لقد أنشأ جوًا خاصًا عاش فيه الأزهر ولا يزال، ويحتاج إليه العالم.
مواجهة العالم بنسق مفتوح وتفسير آية بسم الله الرحمن الرحيم
[الشيخ]: وكيف أنت كإنسان تواجه العالم؟ أتواجهه بنسق مغلق أم بنسق مفتوح؟ بل أنت تواجهه بنسق مفتوح وبقلب مفتوح.
وهذا وهم يشرحون بسم الله الرحمن الرحيم، أول آية، فيجلس أحدهم -مثل الشيخ يوسف الدجوي- يجلس ثلاثة أو أربعة أيام وهو يفسر آية واحدة.
[المذيع]: يا للروعة!
[الشيخ]: لأن قوله الرحمن الرحيم فيها منهج كامل: كيف تكون رحيمًا بالخلق.
قال رسول الله ﷺ: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
أريد أن أقول إن المنهج الأزهري متصل، وما كانه هو نعيشه الآن. والعالم كله يحتاج إلينا الآن بالفكر المستقيم، وبالعلم -لا بالتدين وحده- وإنما بالعلم الذي يرسم شبكة من المعلومات والعلوم المتداخلة والمتراكبة، وأدوات تبني الذهنية العلمية بعيدًا عن ذهنية الخرافة، وأننا بقلب مفتوح نستطيع أن نتعامل مع العالم.
سؤال الدكتور أسامة عن سبب انفضاض الناس عن الأزهر وثقافة التأمل والهدوء
[المذيع]: لا فُضّ فوك فضيلة المفتي. وهذا يدفعني إلى أن أطرح سؤالي على الدكتور أسامة، بصفته -إن صح التعبير- جيلًا جديدًا من الأزهريين. إذا كان هذا هو الأزهر ونحن ندرك ذلك، فكيف ترى الأمر في هذا التوقيت؟ ولماذا هذا الانفضاض -وقد أكون مخطئًا- حيث يذهب بعض الناس إلى غير أهل العلم، كما تحدث عنه فضيلة الدكتور علي جمعة، ممن لم يتعلموا في الأزهر يومًا؟ فضيلة الدكتور أسامة، في ظل كل هذه الأسباب، كيف نستعيد -لا أريد أن أقول دور الأزهر لأن الأزهر موجود وباقٍ- ولكن كيف نعمّق هذا الدور في هذه الأيام؟
[الشيخ أسامة السيد]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. ثم أما بعد، مما تعلمته ووعيته من شيخنا سماحة المفتي أن هناك نوعًا من الثقافة يُعرف بـثقافة التأمل وثقافة الهدوء، وأن هناك نمطًا آخر من الفكر ومن الثقافة يُعرف بـثقافة الضجيج.
الفرق بين ثقافة الضجيج وثقافة الهدوء والتأمل في القرآن الكريم
[الشيخ أسامة السيد]: ثقافة الضجيج تملأ الدنيا صخبًا وتحتل المنافذ الإعلامية وتستولي على أسماع الناس، نعم، وتحدث ضجيجًا متصاعدًا وأحداثًا من وراء أحداث من وراء أحداث، بدون أدنى تأمل ولا علم ولا دراسة ولا ارتباط بأجيال العلماء السابقة.
ولا يوجد نقل أمين للعلم، ولا صناعة دقيقة لشخصية الإنسان أو لشخصية العالِم. ويقابل هذا تمامًا ثقافة الهدوء والتأمل.
ثقافة الهدوء والتأمل علّمنا ربنا تبارك وتعالى معالمها في قوله:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: 46]
قصة الإمام مالك مع الموطآت المزيفة وانتصار ثقافة الهدوء على الضجيج
[الشيخ أسامة السيد]: هذا النمط المقابل ما بين ثقافة الضجيج وثقافة الهدوء كان موجودًا قديمًا أيام الإمام مالك بن أنس إمام المذهب الذي ألّف كتاب الموطأ. فحدثت غيرة من بعض علماء عصره فأكثروا من تأليف الموطآت.
فجاء إليه تلاميذه وقالوا: كثرت الموطآت، يعني حدث ضجيج في المجتمع وظهرت نسخ مكررة تشبه الموطأ في الشكل، لكنها شغلت بال الناس. فقال لهم الإمام: لا تغتروا بثقافة الضجيج، وتحلّوا بشيء من الصبر. قال لهم: ما كان لله فقد بقي. كلمة واحدة: ما كان لله فقد بقيت.
قالوا: فما مات مالك حتى كأن تلك الكتب والمؤلفات قد أُلقيت في الآبار، لا نسمع عنها، لا نعرف عنها شيئًا، لا نعرف أسماء العلماء الذين ألّفوها. وبقي كتاب الإمام مالك وحيدًا فريدًا، وذهبت كل الظواهر التي تصنع ثقافة الضجيج والتي كانت تحاول التشويش على المنهج العريق.
المنهج الأزهري العريق في بناء العالم بتؤدة وهدوء على مدى سنوات طويلة
[الشيخ أسامة السيد]: المنهج الأزهري منهج عريق ومنبع صافٍ، ويبني العالِم بتؤدة وبهدوء. العالِم أو طالب العلم يدخل إلى الأزهر الشريف فيجلس للدراسة عشر سنوات، خمس عشرة سنة، لكنه يتخرج بعد ذلك وقد فهم العلم من خلال دوائر علمية مختلفة، ومن خلال مستويات ومنهج ونمط علمي يحفر به في التاريخ.
فهذا يشبه الموطأ، موطأ الإمام مالك الصافي الذي لم يوجد له شبيه أو مجاور. بينما توجد أنماط أخرى من الخطاب الديني التي تشبه الموطآت المزيفة التي ألّفها المعاصرون لمالك، فزالت بعد سنوات من تأليفها لأنها لم تحفر [في التاريخ].
هذه الأيام العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة، العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة.
أمجاد الأزهر الشريف وأعلامه الكبار عبر ألف سنة من التاريخ
[الشيخ أسامة السيد]: الجامع الأزهر الشريف معهد عريق يجرّ من ورائه أمجاد ألف سنة. هذا المكان الذي نجلس فيه سار فيه الإمام حسن العطار شيخ الإسلام، الإمام أبو البركات أحمد الدردير شيخ الإسلام، الإمام الكبير الشيخ رفاعة الطهطاوي مشى في هذا المكان.
شيخ الإسلام زكريا الأنصاري خطب على هذا المنبر. الحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري. وما زالت أجيال العلماء تتوالى حتى جلست بنفسي هنا في هذا المكان، وجلس طلاب العلم، وجلس سماحة المفتي للتدريس، وجلس العلماء، ولا يزال الخير متواصلًا إلى يوم القيامة.
نقد الخطاب الديني المعاصر القائم على الإثارة والضجيج وغياب المقاصد
[الشيخ أسامة السيد]: هذا الأسلوب في بناء أهل العلم، إعداد مفتقد في الأنماط الأخرى من الخطاب الديني الموجود الآن. خطاب يعتمد على الإثارة، الضجيج، شغل الناس بمسائل جزئية، تغيب عن الناس مقاصد الدين، كبريات المسائل، أمهات الأخلاق.
التواصل مع الحضارات والثقافات المختلفة الموجودة حولنا، البحث عن المشترك بيننا وبين الإنسان، البحث عن الرحم الإنساني.
فهذا الفكر، فكر المنهج الأزهري، فكر عميق. وما كان لله دام، وما كان لله بقي. عملًا جيدًا أصيلًا مبنيًا على أسس وأصول، أصحابه وبُناه أخلصوا في بنائه العلمي والأخلاقي.
فلا شك أنه منهج قد يحدث حوله شيء من الضوضاء أو الضجيج، لكن الحقيقة الباقية الخالدة إلى يوم القيامة أن ما كان لله بقي، وأن ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. نعم.
خطورة الحملة الشرسة على الأزهر وضرورة النظرة النقدية لسد الثغرات
[المذيع]: دكتور عمارة، يعني ما طرحه الدكتور أسامة وفضيلة مفتي الديار الدكتور علي جمعة يدفعني لسؤال فضيلتك عن خطورة عدم الالتفاف حول هذه المؤسسة وهي قبلة المسلمين كما وصفتها، يعني باستقامتها وعلمها وسماحتها. وهل ترى أن الأزهر فعلًا يتعرض لحملة من البعض سواء في الداخل أو في الخارج؟
[الشيخ محمد عمارة]: انظر، يعني أنا رأيي أن الأزهر يتعرض لحملة شرسة لإزاحته، نعم، ولإلغائه وللحلول محله.
ونحن لكي نكون منصفين، يعني أنت عندما تكون تعالج شخصية معينة فكرية، تنظر إلى الذين يريدون إلغاء الأزهر وإزاحة الأزهر وتهميش الأزهر: ما هي مداخلهم؟ ما هي وسائلهم؟ ما هي الثغرات التي ينفذون منها؟
وهنا تكون فكرة أن النظرة النقدية لواقع الأزهر كي تسد هذه الثغرات أمام الآخرين.
تراجع الأزهر في ظل الحكم الدكتاتوري وثلاث سلبيات تاريخية أصابته
[الشيخ محمد عمارة]: يعني نحن تحدثنا عن الإيجابيات، كلام طيب وهو حقيقي وموضوعي. لكن أنا أرى أن الأزهر حدث له تراجع، ليس وحده؛ كل المؤسسات في ظل الحكم الدكتاتوري تراجعت. صحيح، لا الثقافة هي الثقافة، ولا الصحافة هي الصحافة، ولا الجامعة هي الجامعة. حدث تراجع للمؤسسات، لكن الغيرة على الأزهر أشد؛ لأن رسالته رسالة متميزة.
أنا أريد أن أشير إلى ثلاث سلبيات تعرض لها الأزهر منذ أوائل القرن التاسع عشر، منذ بناء مصر الحديثة على يد محمد علي.
الأزهر ومجلس الشرع والعلماء هم الذين ثاروا ضد الوالي العثماني وولّوا محمد علي. محمد علي لما كان يريد أن يفرض ضريبة، كان لا يُسمع له قول إلا إذا نزل مندوب عمر مكرم وقال للناس ينفذوا الذي يريده محمد علي. انظر هنا، كانت سلطة الأمة.
صراع الدولة الحديثة مع استقلال الأزهر وتدخلها في شؤونه
[الشيخ محمد عمارة]: انظر، في دولة وفي أمة: الدولة، محمد علي جاء بنمط الدولة القومية الحديثة التي هي الدولة الغول التي تريد أن تحتوي كل شيء في المجتمع. ومن هنا حدث صراع بين دولة محمد علي وبين مؤسسة الأزهر.
بدأت قضية الدولة وتدخل الدولة في شؤون الأزهر ومحاولة القضاء على استقلال الأزهر. هذا عامل من العوامل التي جعلت الأزهر يتراجع في هذا الأمر.
موضوع عدم تجديد الكتب والمناهج، يعني أننا لم نكن ندرّس مثلًا الجاحظ والعلماء الأوائل، ولم نكن ندرّس محمد عبده والمراغي وعبد المجيد سليم ومصطفى عبد الرازق وهؤلاء؛ إذ هذه قضية أخرى.
التوسع الأفقي في المعاهد الأزهرية وأثره السلبي على جودة التعليم
[الشيخ محمد عمارة]: في هذا الموضوع الثالث، حدث بعد تجديد القانون، تجديد الأزهر في سنة إحدى وستين، حدث توسع صحيح في المعاهد الدينية بشكل غير [مسبوق]. أي أنني دخلت الأزهر سنة خمسة وأربعين، وكانت مصر كلها فيها خمسة معاهد. أما الآن ففي القرية التي وُلدت فيها أُنشئت خمسة معاهد، ما شاء الله! فالآن لدينا أكثر من ثمانية آلاف معهد.
التوسع الأفقي أدخلوا في الأزهر راسبي الإعدادية، أي الذين لم يستطيعوا النجاح في منهج واحد في الإعدادية في التعليم العام، أدخلوه الأزهر لكي يحمل عبئين: يحمل منهج التربية والتعليم ويحمل منهج الأزهر. هذا جعل منحنى الانحدار يتواصل في الأزهر.
مقترحات إصلاح الأزهر من استقلال وتجديد مناهج والاهتمام بالكيف
[الشيخ محمد عمارة]: وذلك في رأيي أن إعادة استقلال الأزهر واستقلاله المالي هذا أولًا، وتجديد المناهج والكتب التي تُدرّس في الأزهر الأمر الثاني، والاهتمام بالكيف أكثر من الكم الأمر الثالث.
نحن كان لدينا الابتدائي أربع سنوات والثانوي خمس سنوات. أنا أرى أنه من أول إعدادي الآن -التي هي بدلًا من الابتدائي قديمًا- يُعمل شعبتان: شعبة شرعية للذي يريد أن يصبح عالمًا أزهريًا، فيكون لديه الإعدادي أربع سنوات والثانوي خمس سنوات، ونجعله يُحال إلى المعاش في الخامسة والستين كما كنا نحن، إذن نعوّضه عن السنوات الإضافية.
وهنا يجب أن نُعدّ علماء في علوم الشريعة واللغة وعلوم المقاصد والوسائل لتعيد للأزهر مكانته من جديد. أي لا بد أن ندرك العيوب والثغرات التي يريد الآخر أن يدخل منها لإزاحة دور الأزهر، لكي نسد هذه الثغرات وليعود الأزهر مرة أخرى بالشكل الذي نريده.
سؤال المفتي عن رؤيته لإصلاح الأزهر واستقلاليته وتاريخ هيئة كبار العلماء
[المذيع]: توقف بسيط مشاهدونا الكرام ونعود بعده لاستطلاع رأي فضيلة مفتي الديار المصرية حول دور الأزهر في هذه المرحلة والاستقلالية. دكتور علي جمعة، هل تتفق مع ما طرحه أولًا الدكتور عمارة، ورؤية فضيلتك أيضًا لعملية الإصلاح؟ كيف ترى مستقبل الأزهر ليبقى حصنًا حصينًا للدين والوسطية وللأمة الإسلامية؟
[الشيخ]: بدون شك أنه إذا أردنا أن نطوّر أحوالنا -وهذا واجب الوقت- أنه دائمًا ننظر إلى الحال ونطوّره إلى الأحسن. لكن ينبغي علينا أن ننظر إلى التاريخ أيضًا حتى نرى ما الذي حدث فيه.
في سنة ألف وتسعمائة وإحدى عشرة صدر قانون يسمى بالقانون رقم عشرة لتكوين هيئة كبار العلماء، وكان هؤلاء من ثلاثين من المذاهب الأربعة المختلفة، وكان شيخ الأزهر الإمام الأكبر، بالإضافة إلى مفتي الديار، بالإضافة إلى مشايخ المذاهب الأربعة موجودين وممثلين في هذه الهيئة.
تطور هيئة كبار العلماء إلى مجمع البحوث الإسلامية وتوسيع الأممية
[الشيخ]: وفي عصر الشيخ المراغي حوّل اسمها من كلمة هيئة كبار العلماء إلى جماعة كبار العلماء، وهي نفسها. واستمرت إلى سنة ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين وهي تجتمع، ثم بعد ذلك توقفت من أربعة وخمسين إلى واحد وستين.
ولما جاء قانون واحد وستين سمّاها مجمع البحوث الإسلامية وأضاف إليها عشرين آخرين من خارج مصر، حتى يطوّر الفكرة من أن تكون محصورة في المصريين. وهي لم تكن أيضًا محصورة في المصريين، لكن على كل حال كانت علاقتها مع مصر أكبر.
لأنه كان منهم محمد الخضر حسين التونسي، لكنه كان مصريًا لأنه حصل على الجنسية المصرية وأصبح شيخًا للأزهر. وكان فيهم الشيخ عيسى منّون وكان شاميًا لكنه كان مصريًا أيضًا. ولكن حتى يأتي مفهوم الأممية، فتحولت جماعة كبار العلماء إلى مجمع البحوث الإسلامية وأُضيف إليهم عشرون على الأكثر -أي يمكن أن يقلّوا- من الخارج.
ضرورة إدراك الواقع والتقدم خطوة للأمام في إصلاح الأزهر
[الشيخ]: إذا أردنا أن نطوّر هذه الفكرة، علينا أن ندرك هذا حتى -كما يقول الدكتور عمارة- نتقدم خطوة إلى الأمام، نتخلص من السلبيات وندخل في الإيجابيات.
قضية أو بخصوص قضية الاستقلال المالي للأزهر، نحتاج أيضًا أن ندرك الواقع وأن ندرك المراد من هذا الاستقلال المالي والإداري.
فالأزهر له أوقاف. هذه الأوقاف متمثلة في أن أوقافًا كثيرة بعد قانون ألف وتسعمائة وستة وأربعين ذهبت وضاعت بموجب اثنين وعشرين قانونًا متتاليًا أضاع الأوقاف. ليس الأوقاف الخاصة بالأزهر فحسب، بل الأوقاف الخاصة بالأزهر والأوقاف الخاصة بالكنيسة والأوقاف الخاصة بالأعمال الخيرية، وجميع الأوقاف قد ذهبت.
الهيئة المصرية العامة للأوقاف ومحاولات استرداد أوقاف الأزهر الضائعة
[الشيخ]: فلما أسسوا في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين الهيئة المصرية العامة للأوقاف، نعم، وحاولت هذه الهيئة أن تسترد وأن تلغي القانون الثاني والعشرين وأثرهم.
كان لدينا مثلًا على سبيل المثال مائتان وخمسون ألف فدان أوقاف، ضاع منها مائة ألف فدان. ضاعت كيف؟ يعني نذهب فنجد أنها أصبحت طريقًا أو أصبحت محلات عامة أو أشياء من هذا القبيل. ضاعت هذه المائة، ومائة استردوها، وخمسون يستردونها الآن.
هذه المائة والخمسون حتى بعد الاسترداد ليست كلها للأزهر. صحيح، فكلما استردت هيئة الأوقاف شيئًا ردّته إلى الأزهر، وردّت مال الكنيسة للكنيسة، وردّت، والذي ليس له ناظر قائم تقوم الأوقاف برعايته.
الأوقاف الخاصة بالأزهر والتي استردتها في السنوات الخمس الماضية لا تأتي لنا إلا بـخمسة عشر مليون جنيه كل سنة فقط.
ميزانية الأزهر في موازنة الدولة والتوسع الكبير في أعداد الطلاب والكليات
[الشيخ]: ميزانيتنا في الأزهر في موازنة الدولة -وهذا شيء محمود وينبغي أن يستمر، ولا نعني بهذا الاستقلال- أربعة مليارات وسبعة من عشرة في ميزانية الألفين وعشرة والألفين وإحدى عشرة المعلنة في السابع من سنة الألفين وعشرة، وهذا شيء جيد في إطار الموازنة العامة للدولة.
[المذيع]: فضيلتكم ترون يا دكتور أننا نطمح إلى المزيد، أي خذ وطالب.
[الشيخ]: نعم، أي أن القضية أن الأزهر هذا كالهرم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهناك بعض الركام حوله نريد إزالته وتجميل المكان وما إلى ذلك، لكن الهرم سيظل هرمًا. صحيح، فالأربعة والسبعة من عشرة، كيف نصنع أربعة وسبعة من عشرة مليارات وسنويًا؟
الاستقلال المالي للأزهر بين إحياء فكرة الأوقاف والحفاظ على ميزانية الدولة
[الشيخ]: فلا بد علينا ونحن نريد الاستقلال المالي أن نستقل بطريقة ترجع فكرة الأوقاف وما أقامته عبر التاريخ، ولكن ليس بطريقة تلغي لنا الأربعة والسبعة من عشرة، وإلا لا نجد أموالًا ننفق بها على الأزهر.
هذا أربعة وسبعة من عشرة ونحن نشكو ونقول: التكليفات التي نُكلّف بها. حضرتكم تعلمون أن المعاهد الأزهرية أصبح لدينا مليون ونصف طالب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: بعد أن كان في المعاهد الخمسة التي أشار إليها الدكتور عمارة الآن ما لا يزيد عن ألف. تصوروا أن ألفًا أصبحوا مليونًا ونصفًا، أي مضروبين في ألف وخمسمائة مرة! تصوروا أن الجامعة كان فيها ثلاث كليات وأصبح الآن فيها أربعة وستون كلية. تخيل أن الجامعة كانت كلها على بعضها ألف طالب وأصبحت الآن نصف مليون طالب.
ولذلك نحن يجب علينا أن ندرك الواقع، لكن طموحاتنا غير نهائية.
اقتراح إلغاء وزارة شؤون الأزهر ومنح الاستقلال الإداري للإمام الأكبر
[الشيخ]: نعم، نريد أن يكون الأزهر مستقلًا إداريًا وماليًا. أنا أقترح أن تُلغى وزارة شؤون الأزهر التي يتحكم بموجبها رئيس وزارة الأوقاف في شؤون الأزهر. تُلغى هذه الوزارة ويصبح التحكم المباشر لفضيلة الإمام الأكبر الذي يستطيع أن يدير شؤون الأزهر بما يرضي الله سبحانه وتعالى وبالخطط التي يضعها وما إلى ذلك.
الأزهر تابع للدولة المصرية وليس تابعًا للحكومة المصرية أبدًا ولن يكون كذلك. ولذلك فإن الاستقلال الإداري هنا يدعو إلى أن تُلغى هذه الوزارة.
هناك حدث يعني تعارض عندما كانت هذه الوزارة ويرأسها وزير، وكان -الله يرحمه- آخر وزير لها هو عبد العزيز عيسى، والإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود برتبة رئيس وزراء. فكيف يتحكم الوزير فيمن هو برتبة رئيس وزراء أو أعلى منه؟
نسبة وزارة شؤون الأزهر لرئيس الوزراء والاستقلال المالي والإداري المنشود
[الشيخ]: فجاءت الفكرة أن تُنسب هذه الوزارة وحقيبتها إلى رئيس الوزراء، وتوجد في خطاب تكليفه دائمًا. ولكن في اليوم التالي يُلغي هذا [التكليف]. يستطيع الأزهر بذلك الاستقلال الإداري.
الاستقلال المالي: نحن نريد الأربعة وسبعة من عشرة ونريدهم أن يكونوا ستة وسبعة من عشرة، لا يوجد مانع. بما نؤديه لمصر، نحن نؤدي لمصر. الأزهر هذا يؤدي لمصر أشياء لا تُقدّر بمليارات.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أبدًا. الشرق والغرب وشرق آسيا لا يعرفون عن مصر أي شيء وليس هناك أي علاقات إلا الأزهر الشريف. هذا الذي نتحدث عنه من مائة وثلاث وثلاثين دولة والرابطة وما إلى ذلك. نحن انتشرنا في الأرض.
دور الأزهر في القضايا الدولية ومعنى الاستقلال المالي الحقيقي
[الشيخ]: انظر إلى أزمة المياه وما إلى ذلك، يجب أن يكون للأزهر دور فيها، ويجب أن يكون للأزهر كلمة فيها. نستطيع أن نفعل هذا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: إذن هذه المليارات ليست قليلة على هذه المؤسسة. هذا تاريخ، هذا واقع، هذه كينونة، هذه هوية ضاربة في التاريخ. انظر ماذا فعل الإرهاب في العالم، وانظر دور الأزهر وكيف يتلقاه العالم في الشرق والغرب من واشنطن إلى طوكيو بقبول حسن؛ لأنه له تاريخ وله منهج وله علم وكذلك إلى آخره.
فأنا الاستقلال المالي والإداري نعم، ولكن ما معناه؟ ليس معناه أن نعتمد على الخمسة عشر مليون الخاصة بالأوقاف، وليس معناه أنني أعمل وأجمع من الناس في صندوق مثلًا وبعد ذلك سيخرج لي مائة أو مائتين ثلاثمائة مليون. لا، ليس معناه هكذا.
الاستقلال المالي يعني استقلال الإرادة والإدارة ومنح مزيد من السلطات للإمام الأكبر
[الشيخ]: وإنما الاستقلال المالي معناه استقلال الإرادة واستقلال الإدارة. وباستقلال الإرادة والإدارة يتم المقصود. وهذا يتم بمنح مزيد من السلطات للإمام الأكبر.
قضية الانتخاب والاختيار: الحقيقة هي الوعي قبل السعي. الاختيار الذي يسمونه بالإنجليزية اختيار، والانتخاب يسمى اختيار [أيضًا]، وهناك فرق كبير جدًا بين الانتخاب والاختيار.
القوانين المعمول بها هي في الحقيقة موضوع فيها اختيار شيخ الأزهر، وأنه من جماعة كبار العلماء أو هيئة كبار العلماء قبل ذلك أو مجمع البحوث الإسلامية. هذا نص في القوانين حتى قانون مائة وثلاثة.
لكن فكرة الاختيار مبنية على التخصص؛ أي لا أعرف كيف سننتخب عميد الكلية، لا أعرف كيف سننتخب رئيس الجامعة. هذا يُختار من بين أساتذة كلية الطب عميد الطب، كلية الهندسة يُختار منها.
الفرق بين الانتخاب القائم على النيابة والاختيار القائم على التخصص
[الشيخ]: لكن الانتخاب بخصوص فكرة النيابة: نحن أربعة سينوب منا واحد لكي يتحدث مع جهات معينة، فأنت ستتحدث وتقول ماذا عنا؟ أين برنامجك وأين الانتخاب الذي انتخبك فيه؟ فالانتخاب مبناه النيابة، والاختيار مبناه التخصص.
هذه القطعة الصغيرة بين الانتخاب والاختيار قد تكون غائبة قليلًا عمن يخلطون بين الدعوة. إنها موجودة: شيخ الأزهر يُختار من جماعة كبار العلماء وبتزكيتهم.
مثلًا إذا أردت أن تمنحه حرية أكثر، فليكن المجلس التشريعي وحده القادر بإجماع الآراء على العزل. هو يعني مثل قاضي إنجلترا أو قاضي المحكمة الدستورية العليا أو كذلك إلى آخره.
ضمان استقلال شيخ الأزهر بعدم العزل ومنح المؤسسة والدولة قوة
[الشيخ]: ولكن مع هذا التعيين لا يُعزل، فلا يخاف في الله لومة لائم، ولا يجد حرجًا أن يتكلم بما يرضي الله سبحانه وتعالى.
ونحن كنا قد جربنا ورأينا أن الحمد لله رب العالمين أن أحدًا لم يبع دينه وما إلى ذلك. ولكن هذا يمنحه قوة ويمنح المؤسسة قوة أيضًا لكي تساند، بل ويمنح الدولة قوة أيضًا في أن تستفيد من الأزهر وممتلكاته.
فأنا أقول: نحن يجب علينا أن نحدد الدعوات الكريمة هذه. لا بأس إطلاقًا من التطوير، لا بأس إطلاقًا من أن نخطو خطوات تتماشى وتتوافق مع واجب الوقت، ولكن بعد الوعي قبل السعي.
رؤية الشيخ علي جمعة للحوار بين التيارات الإسلامية وتجربة رسالة عمّان
[المذيع]: نعم، يعني سيكون سؤالي الأخير لفضيلتكم قبل أن نستضيف الضيوف. فضيلة الدكتور علي، الحوار كيف ترونه بين الجماعة المسلمة أو جماعة الإسلام؟ سأنطلق من خبر قرأناه مؤخرًا أن فضيلة الإمام يعني بدأ حوارًا أو استقبل بعضًا من التيارات الدينية المختلفة والجماعات المختلفة. يعني كيف ترى أهمية هذا الأمر والالتفاف حول الأزهر في هذه الأيام؟
[الشيخ]: لنا في ذلك تجربة واسعة بدأناها يمكن من سنة الألفين وأربعة، وكان ذلك بدعوة كريمة من الملك عبد الله الثاني ملك الأردن. وساهم فيها فضيلة الإمام الراحل -الله يرحمه- سيدنا الطنطاوي، وأنا ساهمت وذهبت إلى هناك وكذلك إلى آخره.
وكان الكلام حول هذه القضية وسُميت الرسالة التي وُجّهت رسالة عمّان. وفي رسالة عمّان كان الحوار بين المسلم والمسلم، أي بين المسلمين وبعضهم البعض.
نتائج رسالة عمّان في احترام المذاهب الثمانية وتحريم تكفير المسلم
[الشيخ]: ومؤدى هذا أدى إلى ما يسمى بـاحترام المذاهب. واجتمع مائة وخمسة وخمسون عالمًا من أنحاء الأرض، وعلى رأسهم شيخ الأزهر، وأفتى فتوى بأن المذاهب المعمول بها وهي: الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والزيدية والجعفرية والظاهرية والإباضية كلها مذاهب معتبرة، وأنها كذلك، وأنه لا يجوز تكفير المسلم، وأنه يجب أن نتحاور بعضنا مع بعض.
ووضعنا هذا الكلام وكنا مساهمين فيه مساهمة أساسية. وطُبع كتاب احترام المذاهب في سنة ألفين وستة، طبعه الأمير غازي بن محمد وهو حاصل على الدكتوراه من الأزهر في الحب في القرآن الكريم.
أي أقول لك: انظر إلى أثر الأزهر ووجود الأزهر، وهذا المعقل الخاص بالجميع والمرجعية التي يحبها الجميع.
توقيع رسالة عمّان بالإجماع وانفتاح الأزهر على الحوار مع جميع التيارات
[الشيخ]: ثم بعد ذلك في النهاية ذهب [الأمر] إلى القمة وحضرها كثير من الأمراء والملوك والرؤساء وغيرهم في ديسمبر في الألفين وخمسة، ووقّعوا بالإجماع عليه.
نحن سعينا كثيرًا وكان بقلب مفتوح، والأزهر مفتوح. لم يفرّق أبدًا بين أحمر وأسود وأبيض، رجل وامرأة، مفتوح للحوار قلبه. وهذه المبادئ الأساسية لا تخفى علينا ولا يُزاد علينا فيها.
نحن نريد أولًا أن نحن فاتحين الحوار. أهلًا وسهلًا بكل التيارات وأهلًا وسهلًا. نحن نعرف كيف نقبل التعددية ونقيم الأدلة ونناقش.
ونحن نعامل العالمين -ليس المسلمين فقط- العالمين. نحن نعاملهم أنهم أمة محمد وأنهم أمة الدعوة. فما بالك بأخي المسلم الذي يصلي كتفًا لكتف وكذلك إلى آخره.
نصيحة سيدنا عمر بالاجتماع وعدم التشرذم لتأليف القلوب وهيبة الأمة
[الشيخ]: هيا بنا، هيا بنا. نعم، مثل سيدنا عمر فيما أخرجه الطبري في تاريخه وهو يقول:
«رأيت أنكم قد تحوّمت مجالسكم» -يعني تشرذمتم هكذا- كل واحد حتى يُقال: من جلساء هذا؟ من أصدقاء هذا؟ «أفيضوا مجالسكم بينكم» -أي اجلسوا مع بعضكم البعض- «فإن ذلك مؤلّف لقلوبكم ومُهيب لكم عند الناس»
يا سبحان الله! أفيضوا مجالسكم. هيا نجلس مع بعضنا البعض، نجلس مع بعضنا البعض لمصلحة الوطن، ونجلس مع بعضنا البعض لمصلحة الدين، لمصلحة ابني وابنك، لغدٍ أكثر إشراقًا.
أي نريد أن نكون على وعي. وأفيضوا مجالسكم بينكم، هي نصيحة سيدنا عمر للأمة كلها الآن. هذا نحن محتاجون إليها الآن. أي انظر الرجل مستنير وقلبه مستنير وهو يتكلم: أفيضوا مجالسكم بينكم واجلسوا معًا، فإن ذلك أهيب لعدوكم وأألف لقلوبكم.
كلمة الدكتور عمارة الأخيرة عن الأزهر كمنبر الأمة ومؤسسة الجماعة
[المذيع]: صحيح، المشترك دائمًا أكثر من الخلاف. الوقت أدركنا. دكتور عمارة، في يعني في ما لا يزيد عن دقيقة، ونحن في كلمة حق، ماذا تقول فضيلتكم كلمة حق عن الأزهر ورسالته والمطلوب في هذه الأيام؟
[الشيخ محمد عمارة]: يعني أنا أقول إن الأزهر لا يزال حتى الآن -رغم ما حدث من تراجعات- هو المنبر الذي تسمع كلمته كل شعوب الأمة الإسلامية.
بل أنا أقول إن الفتوى التي تصدر من مصر، الكلام الذي يُنشر في مجلة الأزهر، هو الذي يُؤخذ به في مختلف بلاد العالم الإسلامي. لماذا؟ لأن الأزهر هو المؤسسة الجامعة، مؤسسة الأمة.
كثير من البلاد الإسلامية تنغلق على مذهب معين. انظروا إن مصر عندما جاءت تعمل الموسوعة الفقهية عملتها على المذاهب الثمانية، بينما في بلاد تنص في دستورها على مذهب واحد.
حديث الذئب والشاة القاصية وأهمية الالتفاف حول مؤسسة الأزهر
[الشيخ محمد عمارة]: وفكرة الأمة، فكرة الجماعة، وهو ما تحدث فضيلة الدكتور علي [جمعة]، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم معناه أن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأكل الشاة القاصية الناحية.
قال رسول الله ﷺ: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية المنفردة، عليكم بالجماعة»
المؤسسة التي تمثل الأمة، جماعة المسلمين، هي مؤسسة الأزهر. ولذلك الحرص عليها هو حرص على دين الأمة، على واقع الأمة، على تاريخ الأمة، على مستقبل الأمة.
كلمة الدكتور أسامة الختامية وتشبيه الأزهر بنهر العلم ومصر هبة الأزهر
[المذيع]: دكتور أسامة وسنختصر وقتك.
[الشيخ أسامة السيد]: الأزهر الشريف نهر يتدفق بالعلم والخير والهدى والعطاء. وكما إن مصر هبة النيل، فإن مصر كذلك هبة الأزهر الشريف.
[المذيع]: كانت هذه كلمة حق من ضيوفنا الكرام، كوكبة من كبار علماء الأمة: مفتي الديار المصرية فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة أشكره شكرًا جزيلًا، والأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، وأيضًا الدكتور أسامة السيد عضو هيئة تدريس جامعة الأزهر، شكرًا جزيلًا.
أيضًا مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وكنا نتحدث عن الأزهر السيرة والمسيرة ودوره ورسالته، يعني ليس فقط في الماضي ولكن في الحاضر والمستقبل؛ لأنه سيبقى منارة العلم وقبلة المسلمين من كل حدب وصوب. أشكركم مرة أخرى على حسن المتابعة، ونراكم على خير بإذن الله.
