2011 10 21 العلاقات الإنسانية
- •العلاقات الإنسانية في الإسلام تقوم على بساطة العقيدة وإعلاء شأن الجماعة والمحافظة على كرامة الإنسان بغض النظر عن لونه أو عرقه.
- •تبدأ العلاقات الإنسانية من الأسرة، فقد عظّم الإسلام المرأة وأكرمها بعد أن كانت تُوأد في الجاهلية.
- •قال النبي ﷺ: "خيركم خيركم لأهله"، ثم تمتد العلاقات للجماعة في المسجد والمدرسة والشارع والجيران.
- •حث الإسلام على إكرام الجار حتى ولو كان غير مسلم، وجعل من حقوقه تهنئته بالخير وتعزيته في المصيبة وعيادته في المرض.
- •أزال الإسلام الفوارق الطبقية، فالناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
- •التعاون على البر والتقوى ركيزة أساسية في العلاقات الإنسانية، فكل إنسان يخدم الآخر.
- •امتدت العلاقات الإنسانية في الإسلام إلى المعاملات والبيوع مثل الشفعة والإقالة.
- •تواجه العلاقات الإنسانية تحديات كبيرة في العصر الحالي بسبب تأثر المجتمعات بالمدنية الغربية.
مقدمة برنامج كلمة حق والترحيب بالعلماء الضيوف
ما يجذب الإنسان إلى العقيدة الإسلامية هو بساطة هذه العقيدة، وإعلاء شأن الجماعة، والمحافظة على كرامة الإنسان وإنسانيته، وأنه لا فرق بين أي شخص مؤمن على أساس من اللون أو العرق أو الجنس.
[المذيع]: في كلمة حق نتحدث عن العلاقات الإنسانية من رحاب الأزهر الشريف، نتحدث عن العلاقات الإنسانية ومفهومها في الإسلام. وكالعادة كوكبة من علمائنا الأجلاء الذين يتقدمهم فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، الذي أرحب به. وبداية أرحب بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، أشكركم دائمًا على تلبية الدعوة.
[المذيع]: مرحبًا، معنا أيضًا لأول مرة في كلمة حق فضيلة الأستاذ الدكتور طه أبو كريشة نائب رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، هيئة كبار العلماء، أرحب بفضيلتكم أهلًا وسهلًا. ومرحبًا دكتور مصطفى السواحلي الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر، أهلًا بكم دكتور، أهلًا وسهلًا.
مفهوم العلاقات الإنسانية في الإسلام وأهميتها في علم الإدارة
[المذيع]: إذن لو بدأنا مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، نتحدث عن مفهوم العلاقات الإنسانية. أخبرونا عن مفهوم العلاقات الإنسانية دكتور علي، بما لديكم من علم موسوعي وأيضًا من وجهة نظر الإسلام؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه الكلمة [العلاقات الإنسانية] أصبحت الآن لها مكانة في علم الإدارة، وأصبحت مادة تُدرَّس في الجامعات.
العلاقات الإنسانية، والعلاقات الإنسانية لأن لها هذا الزخم وهذه القوة، سلطوا الضوء عليها تسليطًا كبيرًا جدًّا، وألَّفوا فيها المؤلفات الكثيرة.
النبي ﷺ وجوامع الكلم في تعليم مفاتيح العلاقات الإنسانية
[الشيخ]: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من جماله، ومما أجرى الله على يديه من معجزات، أنه كان يختصر الكلام اختصارًا عظيمًا، وأنه كان يعلمنا المفاتيح التي نفتح بها خزائن وكنوز المعاني، وهو النبي الإنسان.
في العلاقات الإنسانية لا بد لنا أن ندرك أن هناك إنسانًا، وأنه يعيش في جماعة، وأن هناك علاقات بينه وبين أفراد هذه الجماعة. وهذا إذا ذهبنا به إلى الإسلام لوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا المعنى ويعلمنا كيف ننشئ العلاقات الإنسانية في الإسلام.
تعظيم الإسلام للمرأة بعد عصر الجاهلية ووأد البنات
[الشيخ]: أولًا، الاجتماع البشري مبني على العلاقة بين الرجل والمرأة. نعم، أول شيء. فنرى الإسلام وقد عظَّم المرأة جدًّا بعد عصر من الجاهلية أقصوا فيه المرأة، إلى أن وصل الإقصاء إلى التصفية الجسدية فيما يُعرف بالوأد.
فكانوا يئدون البنات،
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]
من سوء ما بُشِّر به. يا ساتر! شيء مرعب جدًّا، تشعر معه أن الإنسانية قد ماتت في قلوب هؤلاء. صحيح.
ويأتي:
﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9]
هذا المعنى الذي هزَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفوس الناس، ابتداءً من الحفاظ على حياة الأنثى.
حنان النبي ﷺ ببناته وتشبيه الفتاة بالزهرة الجميلة
[الشيخ]: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن الله -أو يعني حكم الله أو قدَّر الله- أن يموت صبيانه كلهم جميعًا. صحيح.
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]
واللواتي بقين من أولاده البنات: زينب وفاطمة وأم كلثوم ورقية. السيدة فاطمة من البنات الباقيات، فكان عندما يرى المشركون السيدة فاطمة وهو يدللها ويحتضنها ويُشعرها بالحنان والأمان، يلومونه في هذا؛ لأن قسوة كهذه في القلوب.
فكان يقول:
«زهرة أشمُّها، ما لكم وما لي»
يعني هذا شبَّه الفتاة بالوردة، وبأن الوردة شأنها أنها رقيقة، أنها جميلة، أنها لها رائحة، أنها لها فائدة، أنها تسرُّ الناظرين.
تعليم النبي ﷺ حسن العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينطلق من الأسرة يقول:
«خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»
النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نحسن العلاقة الإنسانية مع المرأة، وكيف تحسن المرأة العلاقة الإنسانية مع الرجل، سواء كانت هذه المرأة ابنة أو أختًا أو زوجة، وسواء كان هذا الرجل أبًا أو أخًا أو ابنًا، وهكذا في أي علاقة من العلاقات.
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن، وهي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه علَّمنا كيف نبني هذه العلاقات، وبضوابط ومفاتيح، وبكلام قليل يغني عن كثير من التفاصيل التي فصَّلها البشر في العلاقات الإنسانية، وبعد هذا كله قد حُرموا منها.
العلاقات الإنسانية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع والأمة
[الشيخ]: أي تشعر هكذا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان محبوبًا من نسائه ومن بناته ومن عماته، ومن... وهكذا كان محبوبًا.
العلاقات الإنسانية ستبدأ من الأسرة. العلاقات الإنسانية بعد ذلك ستمتد إلى الجماعة: في المسجد، في المدرسة، في الشارع، في الجيران، وكل هذا فيه أحاديث وفيه كلام كثير.
العلاقات الإنسانية بعد ذلك ستمتد إلى المجتمع، ثم ستمتد إلى الأمة. فالعلاقات الإنسانية شبكة، وهذه الشبكة رسمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحسن ما يقول ما يكون من الرسم. نعم.
العلاقات الإنسانية في المجتمع وميدان التربية العملية في الإسلام
[المذيع]: وإذا كان فضيلة المفتي قد أوضح العلاقات الإنسانية في مفهومها الأسري أو في هذا النطاق الضيق، فضيلة الدكتور طه، فماذا عن العلاقات الإنسانية التي يتحدث عنها الإسلام أو يؤسس لها الإسلام في المجتمع الذي نعيش؟
[الشيخ طه أبو كريشة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه. وبعد، فإن العلاقة الإنسانية في المجتمع تمثل الميدان الثاني الذي تتكون منه العلاقات الإنسانية في الإسلام.
والعلاقات الإنسانية إما أن تكون داخل البيت وإما أن تكون خارج البيت، ولا ثالث لهما. في هذين الميدانين يتربى المسلم على العلاقات الإنسانية تربية عملية تطبيقية: في داخل البيت بين الزوج والزوجة، والزوجة والزوج، بين الآباء والأبناء، بين الأبناء والآباء.
حق الجار في الإسلام وأهمية الإحسان إليه في القرآن الكريم
[الشيخ طه أبو كريشة]: ثم يخرج الإنسان إلى المجتمع، فنرى تتعدد ميادين هذا الميدان الثاني، أو تتعدد الجوانب الموجودة في هذا الميدان الثاني حيثما كان يعمل الإنسان. ولنا أن نتصور جزئيات هذا المجتمع: عندما أخرج من بيتي لأنتقل إلى المكان الذي أريد أن أذهب إليه، فإنني أنتقل عن طريق يوصلني -أي من خلال طريق يوصلني- إلى هذا المكان.
ولكن قبل هذا الطريق، فإن علينا أن نتذكر أن الجانب الأول الذي يلي بيت الإنسان هو جاره، الجار المجاور له. الإسلام في أيضًا حضَّ وحثَّ على إحسان العلاقة مع هذا الجار، وهو الجار الملازم الدائم، ويُضاف إليه الجار المؤقت فيما بعد.
هذا الجار الملازم في القرآن الكريم جاء من خلال القائمة التي جاء فيها الأمر الإلهي بالإحسان إلى أفراد هذه القائمة:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]
هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي جاء فيه التنبيه على ضرورة الإحسان إلى الجار، وهو إحسان دائم ملاصق، من خلال ما عرفناه من التعبير بحرف الباء: "وبالوالدين إحسانًا"، نعم، "بذي القربى"، أي بنفس الباء للملاصقة في اللغة العربية.
تفصيل حقوق الجار في الأحاديث النبوية من تهنئة وتعزية ومساعدة
[الشيخ طه أبو كريشة]: إذا انتقلنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة، فإننا نرى فيها تفصيلًا لمنهج العلاقة الإنسانية مع هذا الجار. نجد ذلك في حديث بيَّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم حق الجار على الجار.
من هذه الحقوق: أنك إذا أصابه خير هنَّأته، وإن أصابته مصيبة عزَّيته، وإن افتقر عُدتَ عليه، وإن مرض عُدتَه.
فرقٌ بين "عُدتَ عليه" وبين "عُدتَه": عُدتَه أي زرته وواسيته في المرض، عُدتَ عليه أي أنك تساعده وتعاونه في تجاوز هذه الأزمة العارضة التي عرفناها من كلمة "افتقر".
ثم بعد ذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
«ولا تستطِل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه»
يا سبحان الله!
النهي عن إيذاء الجار برائحة الطعام والأمر بمشاركته
[الشيخ طه أبو كريشة]: أكثر من هذا، تتطور العلاقة الإنسانية: أنك لا تؤذيه برائحة قِدرك إلا أن تغرف له منها. تصوَّر أن مجرد الإيذاء برائحة الطعام التي تثير شهيته [يُنهى عنه]؛ لأنه إذا ثارت شهيته وكان لا يملك أن يشتري مثل هذا الطعام، فيشعر بالحرمان.
وهذا الحرمان يولِّد شيئًا من الأحقاد في القلوب. فالإسلام يمنع الأمر من بدايته:
«لا تؤذِه برائحة قَتار قِدرك إلا أن تغرف له منه»
طبعًا "تغرف له منها" سوف تصبح عادة. نعم؛ لأنه يعني لن يطبخ مرة واحدة، ليس مرة واحدة فحسب، وإنما مرات ومرات. فإذا شمَّ الرائحة في المرة الثانية، فإنه دائمًا يكون على توقع وانتظار أن يأتيه نصيب من هذا الطعام.
مشاركة الفاكهة مع الجار وربط كمال الإيمان بالإحسان إلى الجار
[الشيخ طه أبو كريشة]: ثم يقول عليه الصلاة والسلام:
«وإذا اشتريت فاكهة فاعلم أنه» -يعني أن تحسب حسابك أن يكون فيها جزء من هذه الفاكهة لجارك-
حسنًا، وهل أستطيع أو يستطيع الإنسان أن يملك من الأموال ما يستطيع أن يشتري فاكهة لنفسه ولجاره؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
«فإن لم تفعل وإن لم تستطع فأدخلها سرًّا»
نرى النبي صلى الله عليه وسلم يربط بين كمال الإيمان وبين الإحسان إلى الجار، حتى لو لم يكن هذا الجار مسلمًا. إن الجيران ثلاثة في الإسلام، الجيران ثلاثة، وحق الجوار هو الحق المشترك بين الجيران الثلاثة، الذين منهم الجار غير المسلم، فتنطبق على هذا الجار غير المسلم هذه الحقوق التي أشرنا إليها في هذا الحديث.
ربط الإيمان بإكرام الجار والضيف ونفي الإيمان عمن يؤذي جاره
[الشيخ طه أبو كريشة]: يقول عليه الصلاة والسلام:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
إذن من علامات كمال الإيمان ووجود الإيمان أننا نرى في هذا الإنسان أنه يحسن العلاقة مع جاره.
في المقابل، رأينا من الأحاديث النبوية ما يدل على نفي كمال الإيمان إذا كان هناك إساءة للجار. نعم، رأينا ذلك في حديث يُقسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات:
«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»
فالصحابة قالوا: من هذا؟ من هو هذا يا رسول الله؟ لقد خاب وخسر! فقال عليه الصلاة والسلام:
«من لا يأمن جاره بوائقه»
هذا هو التوقع، يعني إذا كان يتوقع من جاره الشر والبوائق، فهذا يعني أقسم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يؤمن، لا يؤمن، لا يؤمن، لا يبلغ درجات كمال الإيمان.
المرأة التي تؤذي جيرانها بلسانها وعقوبتها رغم كثرة عبادتها
[الشيخ طه أبو كريشة]: وأيضًا الحديث الآخر الذي رأيناه إشارة إلى أن امرأة عُرفت بكثرة صيامها وقيامها وزكاتها إلى آخره، ولكنهم قالوا: ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها. يا للعجب!
ماذا كانت العقوبة؟ قال عليه الصلاة والسلام:
«هي في النار»
إذن كل العبادات وهذه الطاعات لم تشفع في مقابل مجرد الإيذاء باللسان للجار.
بالطبع هذه تعني الخطوة الأولى في إحسان العلاقة نحو المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ومنه ينطلق إلى ما يليه. سنعود إلى هذه النقطة مرة أخرى دكتور طه، يعني لا فُضَّ فوك.
تشوهات العلاقات الإنسانية في العصر الحاضر وأثر المدنية الغربية
[المذيع]: وإذا كان ما طرحه فضيلة الدكتور طه ومن قبله يعني فضيلة العلامة الدكتور علي، دكتور مصطفى، صورة بسيطة لتعاليم وضوابط الإسلام في العلاقات الإنسانية. نحن الآن هل نعيش في حالة اضطراب من هذه العلاقات الإنسانية؟ ورؤيتك للعلاقات بين الحقوق والواجبات إن صح القول؟
[الشيخ مصطفى السواحلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على من بعثه ربه معلِّمًا، فعلَّم الجاهل وقوَّم المائل وميَّز الحق من الباطل. ثم أما بعد:
فلا شك إن من أكبر التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر قضية التشوهات التي أصابت العلاقات الإنسانية في زمن الناس هذا، حيث بِيعت الكرامة الإنسانية، وبِيعت القرابات، وبِيعت العلاقات الإنسانية بثمن بخس دراهم معدودة.
المقارنة بين العلاقات الإنسانية في الإسلام والحضارة الغربية المادية
[الشيخ مصطفى السواحلي]: هذا كله نتيجة لمدِّ الحضارة الغربية -أو قل المدنية الغربية- التي أصابت العلاقات الإنسانية بكثير من التشوهات التي يربأ الإسلام بأبنائه من أن يقعوا في شيء من ذلك.
لو أجرينا موازنة أو مقارنة بين العلاقات الإنسانية في الإسلام وبين العلاقات الإنسانية في الحضارة الغربية، لوجدنا أن هناك تمايزًا حضاريًّا عظيمًا بين دين يُعلي من قيمة الإنسان من حيث هو إنسان، دين يُعلي من قيمة الأسرة، دين يُعلي من قيمة المجتمع المحلي الذي يعيش الإنسان فيه، وبين مادية غربية تجعل الإنسان ما هو إلا آلة، ما هو إلا تُرس في آلة يتحرك بصورة مادية ولا روح له بأي حال من الأحوال.
قصة الطبيب المسلم والابن الذي ترك أباه في الثلاجة ثلاثة أيام
[الشيخ مصطفى السواحلي]: سنضرب مثالًا بين الإسلام وبين غير الإسلام في الحضارة الغربية. هذا الموقف حكاه أحد الأطباء في إحدى المستشفيات الإنجليزية، هو طبيب مسلم، وفي المناوبة الليلية توفي أحد المسنين في المستشفى.
فما كان من الطبيب إلا أن اتصل بابنه وكلَّمه بخجل وحياء وعزَّاه وما إلى ذلك. فما كان من الابن إلا أن غضب وثار في وجهه قائلًا: كيف تتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟! تتصل بي فقط من أجل أن يخبرني بوفاة أبيه!
فقال: ماذا أفعل؟ قال: إنني مسافر في الصباح. هذا الجمود إلى هذا الحد! إنني مسافر في الصباح لمدة ثلاثة أيام، فضعوه في الثلاجة حتى إذا عدت من السفر اتصلت بكم لكي أستلم الجثة.
هذا موقف حقيقي يحكيه طبيب مسلم يعيش أو يعمل في إحدى المستشفيات البريطانية. موقف معاش يعني. نعم.
أمنية المسنين في دور الرعاية الغربية هي الموت مقابل رعاية الإسلام للوالدين
[الشيخ مصطفى السواحلي]: قارن هذا الموقف -وله أشباه كثيرة جدًّا ودراسات واستطلاعات للرأي- في دور المسنين التي يقيم فيها كبار السن، عندما يُسألون: ما الأمنية التي يتمناها كل واحد منكم؟ والإجابة الجماعية هي: الموت، هي الموت.
في الإسلام الموقف مختلف تمامًا؛ لأن الإسلام لا يعرف إلقاء الوالدين -وتلك قمة من قمم العلاقات الإنسانية- في دور المسنين، إنما يعرف رعاية الوالدين داخل البيت.
هذا مستفاد من قوله تعالى:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ﴾ [الإسراء: 23]
عندك، فعند هذا الظرف أي في داخل البيت. لا ينبغي أن يُلقى الوالد ولا الوالدة في دار من دور المسنين، ويقول: أنا أدفع لهما كذا وكذا طيلة الشهر. لا! عندك، إما يبلغنَّ عندك [الكبر]؛ لأن وجود الوالد أو الوالدة في داخل البيت بركة بكل تأكيد، زيادة في الرزق.
«من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه»
وهذا بصفة عامة، فما بالك بالوالدين!
قصة الرجل الذي حمل أمه على كتفه وطاف بها ورد ابن عمر عليه
[الشيخ مصطفى السواحلي]: الموقف المقابل لهذا الموقف الجامد المليء بالجفاء من ذلك الولد [في القصة السابقة]، عندما نرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وهو يطوف بالبيت [الحرام]، فيجد رجلًا يحمل أمه على كتفه ويطوف بها ويقول مرتجزًا:
أنا لها بعيرها المذلَّل إن أُذعِرت ركابها لم أُذعَر والله ربي ذو الجلال الأكبر
ثم يقول لعبد الله بن عمر: هل ترى أنني جازيتها؟ فقال له:
«ولا بزفرة واحدة من زفراتها»
فالفرق كبير بل شاسع بين دين يُعلي من شأن العلاقة الإنسانية ويجعلها دينًا يتعبد الناس به لربهم، وبين حضارة -أو لنقل مدنية- تحوِّل الإنسان إلى آلة جامدة لا روح فيها ولا حياة.
سؤال المذيع عن تقييم العلاقات الإنسانية في العصر الحاضر ومستوى الأمة
[المذيع]: والدروس والعبر كثيرة في هذه الحلقة مشاهدينا الكرام، اسمحوا أن نتوقف في فاصل قصير ونعود لضيوفنا الكرام. نتحدث عن مفهوم العلاقات الإنسانية هنا في رحاب الجامع الأزهر الشريف.
تتواصل ونتحدث عن مفهوم العلاقات الإنسانية في الإسلام. والسؤال التالي لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية: يعني فضيلتكم أعطيتمونا إطلالة على مفهوم العلاقات الإنسانية على المستوى الأسري، ودكتور طه ربما على مستوى المجتمع. يعني على مستوى الأمة فضيلة الدكتور علي، وتقييم أيضًا فضيلتك للعلاقات في هذا العصر الذي نعيشه، خاصة أن الكلام كثير، الناس أصبحت غاضبة من بعضها البعض، في حالة ضيق، سريعة الغضب؟
مفهوم أمة الدعوة وأمة الإجابة في الإسلام وعلاقة المسلم بالبشرية جمعاء
[الشيخ]: نعم، العلاقات بعد أن تحدثنا عن الأسرة، وتحدث أستاذنا الدكتور طه أبو كريشة عن المجتمع، فإن هناك مستوى آخر أيضًا وهو مستوى الأمة، وهناك مستوى رابع وهو مستوى الإنسانية، جميع البشر.
أما مستوى الإنسانية فأنا أحب أن أنبه إلى ما أدركه المسلمون من مفهوم أمة الدعوة وأمة الإجابة. المسلمون تحدثوا منذ الإمام الرازي فخر الدين الرازي عن أن هناك أمتين:
أمة استجابت وآمنت برسالة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي، وأن القرآن حق، وأن الإسلام دين الله، وهذه تسمى أمة الإجابة التي هي الأمة الإسلامية التي هي أمة المليار ونصف.
وأمة أخرى هي كل البشرية؛ لأن هذا الدين إنما أرسله الله لكل الناس الذين هم الستة مليارات.
المسلم يعامل البشرية جمعاء على أنها من أمته بنسق مفتوح
[الشيخ]: فالمسلم عندما ينظر إلى هذه الأمة [البشرية] ينظر إليها على أنها أمته. يعني أنا عندما ألتقي بواحد من الستة مليارات فهو من أمتي: فإن كان مسلمًا فمن أمة الإجابة، وإن كان غير مسلم فمن أمة الدعوة.
إذن المسلم يعامل البشرية جمعاء على أنها من أمته. حضرتك تقول لي عن العلاقة بين المسلم والأمة، أليس كذلك؟ الأمة إما الدائرة الصغيرة أي المسلمين الذين هم المليار ونصف هؤلاء، وإما الدائرة الأكبر منها وهي بقية البشر. حتى هؤلاء هم من أمة النبي صلى الله عليه وسلم في عقيدتي عندي، فهي أمة الدعوة.
وحينئذ فهؤلاء الزبائن الخاصون بي -إن صح التعبير- هؤلاء إخوته في الدين في الإسلام، وهؤلاء إخوته في الإنسانية والبشرية، وكلهم زبائني.
الإسلام نسق مفتوح والعلاقة بالناس قائمة على الدعوة بالحكمة
[الشيخ]: دعوة، ما هي أمة؟ ونحن أمتنا أمة دعوة.
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
إذن فالعلاقة بيني وبين الناس بهذا الانفتاح، بالقلب المفتوح، بنسق مفتوح وليس بنسق مغلق. هناك بعض العقائد والمذاهب الأخلاقية لها نسق مغلق، الإسلام نسق مفتوح وليس نسقًا مغلقًا.
نقد الإعلانات الغربية التي تروج لقيم غير إنسانية في مقابل تعاليم النبي ﷺ
[الشيخ]: أخذنا من كلام أستاذنا الدكتور طه عندما يرد الحديث أنه لا تجعل ابنك يخرج بالتفاحة لكي يغيظ ابن الجيران الذي لا يملك شيئًا. يا للعجب!
عندما رأيت الإعلانات التي هي من الثقافة الغربية كما قال أخونا الشيخ مصطفى، الإعلانات تقول ماذا؟ الإعلانات شيء غريب جدًّا وراءها نموذج معرفي مختلف: يخطفون الطعام من بعضهم البعض! تجد في الإعلانات كلها أنه يُخفي الطعام أو أنه يخطف الطعام من بعضهم البعض.
هذه قيمة غير إنسانية تظهر في الإعلان على أن هذا الشيء لذيذ جدًّا وأنه مرغوب جدًّا وأنه سباق وما إلى ذلك، لكن منظرها غير إنساني حقًّا.
الإنساني الذي علَّمه لنا سيدنا صلى الله عليه وسلم:
﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]
«أطعموا الطعام وأفشوا السلام وقوموا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام»
أطعموا الطعام وأفشوا السلام، هذه العلاقات الإنسانية الصحيحة.
آداب الضيافة في الإسلام وربط كرم الضيافة بالعقيدة مباشرة
[الشيخ]: عندما كان ينزل الضيف، فالمسلم لا يسأله عن حاجته "لماذا أتيت" إلا بعد ثلاثة أيام. يقعد، نعم، يأكل ويشرب ويأخذ حقه ويأخذ الواجب الخاص به.
الواجب الخاص به، انظر إلى الواجب، يعني لو تركه لكان آثمًا، لكان آثمًا. إذن فكرم الضيافة:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»
يعني هذا شيء، ما علاقة كرم الضيافة بأن يصدِّرها صلى الله عليه وسلم بالعقيدة مباشرة؟ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر"، يعني هذا يعني هذا شيء مهيب، هذا صدَّرها في العقيدة: فليكرم ضيفه.
الانحراف الحاد عن الإنسانية في العصر الحاضر وفقدان المشاعر الإنسانية
[الشيخ]: إذن هذا الذي نعيش فيه الآن هو نوع من أنواع الانحراف الحاد عن الإنسانية. انحراف حاد، كثير جدًّا من الناس أنا متأكد الآن وهم يروننا يقول لك: ما هذا؟! إذن الجار عندما يشم الطعام علينا أن نعطيه منه؟ آه!
لا، هذا ما عنده إنسانية، هذا ما يتلذذ بالإنسانية، هذا لا يعرف إنسانية ماذا تعني. هذا لو عرف الإنسانية لكان تلذَّذ بالكلام هذا، كان عاشه، كان تلذَّذ بهذا الفعل الذي أرشدنا إليه سيدنا صلى الله عليه وسلم.
لكن الحاصل أنه لم يجرب، وأخذ يبتعد، وتتحول المسائل عنده إلى كمٍّ من غير مشاعر، من غير تبادلات، حتى رأينا مثال الشيخ مصطفى أن الرجل ترك أباه في الثلاجة ثلاثة أيام.
الدعوة للعودة إلى الإنسانية والإيمان بالإنسان طريقًا للإيمان بالله
[الشيخ]: والطبيب يبلغه على اعتبار أنه يعني سيحدث عنده حزن، سيحدث عنده اضطراب، سيحدث عنده يعني شيئًا من هذا، لكنه ابتعد جدًّا عن مفهوم الإنسان.
ولذلك أستاذنا الدكتور محمد غلاب رحمه الله له كتاب عجيب اسمه "أؤمن بالإنسان". انظر إلى الكلام: أؤمن بالإنسان!
الحقيقة نضع الأمور في نصابها. الذي يقول بحقوق الإنسان وكذا إلى آخره ويستعظم مسائل في دين الله، ينسى كل هذه التربية التي ربَّانا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبَّقناها وتلذَّذنا بها وعشنا فيها ونحن سعداء بها، ومن أراد السعادة فليرجع إليها.
إذ نحن في عصر بدا أنه وضع أذنه عند الآخر، ووضع أذنه عند حضارات الكمِّ، قد انحلَّت هذه المعاني العليا للإنسانية. نريد أن نعود مرة أخرى إلى الإنسان، إلى إني أؤمن بالإنسان.
وإذا آمنت بالإنسان وتأملته، فإنني سأؤمن بالله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان، فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فرق بين المخلوق والخالق.
مسؤولية الإعلام والتعليم والأسرة في إعادة صياغة العلاقات الإنسانية
[المذيع]: مسؤولية من فضيلتكم في وجهة نظركم؟ نتحدث عن مسؤولية الإعلام.
[الشيخ]: أول شيء الإعلام الذي يزيِّن في آذان الناس أربعًا وعشرين ساعة فيما يزيد على ألف وخمسمائة قناة تتصفحها معك هكذا في القمر الصناعي.
مسؤولية مناهج التعليم، مسؤولية الخطباء في المساجد بل وفي الكنائس، مسؤولية الأسرة.
فواجب علينا أن نعيش هذه المعاني؛ لأننا في ورطة حقيقية عندما نهدم العلاقات الإنسانية مع أننا نتحدث بها. وقلت لك إن آلاف الكتب أُلِّفت في العلاقات الإنسانية، ثم إذ بها فرغت من معناها وأصبحت كمًّا، والكمُّ سيُهمل بعد حين. صحيح.
إزالة الإسلام للفوارق الطبقية والخطاب الإلهي للناس جميعًا
[المذيع]: إذن يعني إعادة صياغة أو إعادة صياغة العلاقات الإنسانية هي مسؤولية مشتركة بين كل الجهات والمؤسسات التي أوضحها فضيلة مفتي الديار المصرية. وانتقل للأستاذ الدكتور طه أبو كريشة: يعني الإسلام دكتور طه أزال الفوارق الطبقية بين شرائح المجتمع المختلفة، يعني إطلالة فضيلتك وتذكرة أيضًا للناس كيف أن الناس سواسية أمام الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ طه أبو كريشة]: ونتذكر في هذا المجال الخطاب الإلهي للناس جميعًا، وليس للمؤمنين وليس للمسلمين:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]
هذا التأكيد له دلالته: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، تأكيد فيه تنبيه إلى عدم تحكيم أي تمايز بشري خارج نطاق التقوى. وإذا وُجدت التقوى فإنها سوف تزيل كل المعاني التي تقطع العلاقات الإنسانية.
حديث الناس سواسية كأسنان المشط وأساس المساواة في التقوى
[الشيخ طه أبو كريشة]: نرى في الحديث والسنة النبوية المطهرة ما يؤكد أيضًا -أو ما يفسر ويفصل ويرسخ- هذا المعنى في النفوس، في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود» -بجميع الألوان- «إلا بالتقوى»
التقوى هي أساس العلاقة. نعم.
«ألا هل بلغت»
وهذا سؤال، السؤال هنا معناه التقرير، نعرف أن هذا السؤال للتقرير، يعني أقرُّوا أنني قد بلغت.
«ألا هل بلغت، اللهم فاشهد»
عندما يستمع الناس لا يسمعون هذا على أنه موجه إلى المسلمين فقط أو إلى المؤمنين فقط، وإنما الناس سواسية. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب المؤمنين، فهو خطاب لنا إلى يوم القيامة، يعلمنا من خلاله أن الناس الذين ننتمي إليهم من خلال الإنسانية متساوون كأسنان المشط.
المساواة الإنسانية الشاملة في الحقوق والواجبات دون تمييز طبقي
[الشيخ طه أبو كريشة]: عندما نفسر بالقوانين الحالية: متساوون في الحقوق والواجبات، متساوون في الكفاءات، متساوون في كل ما يندرج تحت مسألة المساواة الإنسانية التي لا تميز بين هذا وذاك؛ لأن هذا من مجتمع غربي وذاك من مجتمع شرقي، أو هذا من دول نامية وذاك من دول متقدمة، أو هذا مسلم وهذا غير مسلم إلى آخره.
تنمحي هذه الطبقية في المجتمع الإنساني الذي يؤسسه الإسلام من خلال هذه التوجيهات القرآنية والتوجيهات النبوية الشريفة.
التطبيق العملي للمساواة في بدايات الإسلام من بلال إلى أسماء وعلي
[الشيخ طه أبو كريشة]: التطبيق العملي رأيناه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في بدايات الإسلام. إلى من كان ينتمي سيدنا بلال بن رباح؟ ومع ذلك كيف كانت مكانته، وكيف كان هو مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقس على هذا غيره وغيره ممن دخلوا في الإسلام.
ولذلك فإننا نفهم أن الإسلام للعالمين فهمًا غير ما قد يتبادر إلى الأذهان:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
العالمين هنا تشمل جميع الطبقات. وقد رأينا التطبيق العملي لذلك في من دخلوا الإسلام في بدايته في مكة: ترى منهم الغني جدًّا وترى منهم الفقير جدًّا، وترى منهم الحر وترى منهم العبد، وترى منهم الذكر وترى منهم الأنثى.
هذه المجموعة التي كانت في بدايات الإسلام هي التي قدمت لنا التطبيق العملي والمفهوم العملي لقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
رحم العبد ورحم الفقير ورحم الأنثى، وكان هؤلاء يمثلون الطبقات المظلومة في المجتمع الجاهلي، فارتفع بهم الإسلام وأعطى لكل واحد دوره دون تجاهل.
دور أسماء وعلي في الهجرة واستعانة النبي ﷺ بعبد الله بن أريقط المشرك
[الشيخ طه أبو كريشة]: ما كان من السيدة أسماء وهي قبل أن تتزوج، أخذت دورها في الهجرة عندما كانت تقوم بمسألة التموين وإعداد الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبو بكر في الغار.
ماذا كان دور الطفل أو المراهق سيدنا علي في أن يبيت مكان النبي صلى الله عليه وسلم ويتحمل هذه المسؤولية الكبيرة، ويتحمل رد الأمانات، وكان يتوقع أنه يعرض نفسه للهلاك وهو في هذا المكان الذي تحلَّقت حوله كتيبة الاغتيال التي كانت تريد أن تغتال النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضًا، فبمن استعان النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته لكي يدله على الطريق وهو ليس من المسلمين؟ عبد الله بن أُريقط، وكان مشركًا، ولكن لأمانته الإنسانية ولمعرفته بالطريق لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم حرجًا في أن يستعين به، وفي أن يكون لديه. يعني سيدنا أبو بكر أعطاه البعيرين.
كل هذا يؤكد لنا الصورة الحقيقية للإسلام التي تؤكد رقي وسمو العلاقات الإنسانية في المجتمع، دون تفرقة بين أن هذا ينتمي إلي أو لا ينتمي إلي، هذا أفضل أغنى مني أو هذا أفقر.
مبدأ المساواة في الإسلام ومعنى الدرجات كتنوع الكفاءات لا التمايز الطبقي
[الشيخ طه أبو كريشة]: وإنما كل هذه الصفات الموجودة والتي تصنف البشر تتلاشى وتزول تمامًا أمام مبدأ المساواة في الإسلام، هذا الأساس.
[المذيع]: ما رؤية فضيلتك لبعض الناس يذكرون قول إن ربنا خلق الناس درجات ويصرُّون على تصنيف طبقات المجتمع المختلفة؟
[الشيخ طه أبو كريشة]: هذا فهم خاطئ. نعم، هذا فهم خاطئ للدرجات. فهموه بأنه درجات المنزلة، يعني هذا رقم واحد وهذا رقم اثنين، وكما نصنف الطلاب في التخرج أي درجات.
إنما درجات الكفاءات:
«كل ميسر لما خُلق له»
الناس جميعًا لم يخلقهم الله تعالى ليكونوا تجارًا، الناس جميعًا لم يُخلقوا ليكونوا زُرَّاعًا، الناس جميعًا لم يُخلقوا ليكونوا صُنَّاعًا. وهكذا، كل ميسر لما خُلق له.
ولا بد من هذا التنويع في الكفاءات حتى تقوم الحياة؛ فالحياة لن تقوم على تخصص واحد، وإنما تقوم على التخصصات المتعددة، حينما يقوم كل من يتخصص في هذا بواجبه خير قيام فتتكامل.
معنى التسخير المتبادل بين الناس في قوله تعالى ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا
[الشيخ طه أبو كريشة]: ولذلك:
﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]
وليست هي من التسخير بمعنى الإذلال، وإنما لكي أحتاج إلى النجار وأنا لست نجارًا حقيقيًّا، وهو يحتاج إلى من يعلمه. فأنا إذن مسخَّر له بمعنى مهيَّأ لي، وأنا أيضًا مسخَّر له.
أي أن التسخير هنا تسخير متبادل، يأتي من القمة إلى القاع. كل منهما: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، ليس التسخير هنا في جانب والجانب الآخر غير مسخَّر، وإنما هو مشترك بين الجميع.
كما قلت: النجار الذي يصنع لي الباب هو مسخَّر لي بكفاءته وصنعته، وأنا مسخَّر له بما عندي مثلًا من علم أرشد به الناس إلى غير ذلك. وهكذا قس على هذا كله إلى أن تصل إلى من يقوم بأقل الوظائف في المجتمع.
الدرجات تعني تنوع الكفاءات والاختصاصات لا التحقير الطبقي
[الشيخ طه أبو كريشة]: نقول عنها إنها أقل، ولكن ماذا لو نُزعت هذه الوظيفة من المجتمع؟ أي نتخيل لو نزعنا وظيفة من ينظفون الشوارع، حقًّا كيف تكون حال المجتمع في ذلك الوقت؟
فأنا مسخَّر له وهو مسخَّر لي، فالتسخير هنا تسخير مشترك. ولذلك الدرجات لا تعني التمايز الطبقي أو التحقير، وإنما بمعنى تنوع الكفاءات والاختصاصات والخبرات الموجودة بين الناس. صحيح.
التعاون على البر والتقوى من أسس العلاقات الإنسانية في الإسلام
[المذيع]: ربما مفهوم آخر من هذه المفاهيم أسأل عنها الدكتور مصطفى السواحلي. التعاون على البر والتقوى من المفاهيم أيضًا المهمة في العلاقات الإنسانية وأسَّس لها بوضوح، يعني كيف نوضح ذلك لمشاهدينا الكرام دكتور مصطفى من وجهة نظر الإسلام؟
[الشيخ مصطفى السواحلي]: الإسلام جاء من أجل أن يحمل الخير للجميع؛ لأنه دين الإنسانية بأسرها، كما قال فضيلة مولانا الدكتور علي جمعة أن هناك أمة عامة هي أمة الدعوة.
نعم، أمة الدعوة هذه، النبي صلى الله عليه وسلم كان قلبه يتقطع حسرات لأنهم لم يؤمنوا. وقد ورد هذا في مطلع سورتين من القرآن الكريم:
في سورة الكهف:
﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]
وفي سورة الشعراء:
﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]
باخع نفسك يعني مُهلك نفسك. فالنبي صلى الله عليه وسلم يتقطع قلبه حسرات لأن هناك طائفة لم تؤمن؛ لأن هناك أمة الدعوة التي لم تقبل هذه الدعوة.
دعاء النبي ﷺ لدوس بالهداية وموقفه من أهل الطائف رحمة بالبشرية
[الشيخ مصطفى السواحلي]: ولما جاءه واحد من قبيلة دوس عرض عليها الإسلام ولم تقبل هذا الدين، فقال: يا رسول الله، هلكت دوس فادعُ عليهم. قال:
«اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم، اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم»
ولما جاءه الملك جبريل عليه السلام بعدما آذاه أهل الطائف، وطلب منه -أو قال له- إن ملك الجبال أي تحت أمرك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين [الجبلين]، فقال:
«بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا»
إذن الإسلام دين أمرنا بأن يعاون بعضنا بعضًا على البر وعلى التقوى؛ لأن جميعنا -كما قال أستاذنا الدكتور طه- كل واحد منا يخدم الآخر.
العلاقات الإنسانية تدخل في المعاملات والبيع والشراء وباب الشفعة والإقالة
[الشيخ مصطفى السواحلي]: الناس للناس من بدوٍ وحاضرة، بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ. فكل واحد منا يخدم أخاه ويعين أخاه في سبيل أن تتكامل العلاقات الإنسانية بيننا.
لأن هناك جانبًا خفيًّا من جوانب هذه العلاقات الإنسانية، يتصور بعض الناس أنها مقصورة على مجال الآداب وعلى مجال الأخلاق وما إلى ذلك. ولكن من عظمة الإسلام أن العلاقات الإنسانية دخلت في معاملات الناس وفي بيعهم وفي شرائهم.
الإسلام يؤسس هذا: عندنا بابًا من أبواب الفقه يسمى باب الشفعة. باب الشفعة هذا يعني يحدد ملكية الإنسان في ملكه، يمنعني من أن أبيع ملكي إلا بعد أن أستأذن جاري.
هناك باب من أبواب الفقه يسمى باب الإقالة: لو أنني بعت شيئًا لرجل من الناس ثم ندم على أنه اشترى مني هذا الشيء، فجاء وقال: أريد أن أرجع في كلامي. النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«من أقال نادمًا في بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة»
النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها حماية لمال الأخ المسلم
[الشيخ مصطفى السواحلي]: لدينا نهي في الإسلام عن أن يبيع الإنسان الثمرة قبل نضجها. فالصحابة تعجبوا من هذا وكانوا يعتادون على ذلك، والناس في زماننا يفعلون هذا.
فقال لهم [النبي ﷺ]:
«أرأيتم إن منع الله الثمر، بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟ بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟»
الثمر مُنعت، ولكن كيف تأخذ مال أخيك بغير وجه حق؟
الفضل في العلاقات الإنسانية حتى عند الطلاق ولا تنسوا الفضل بينكم
[الشيخ مصطفى السواحلي]: هل نتصور أنه في حالة الطلاق -وكما نعلم أن الطلاق يعني فيه خصومة بين الطرفين ومشاجرة ومحاكم بين الطرفين- يقول الله عز وجل:
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوٓا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]
الفضل قمة العلاقات الإنسانية؛ لأنه العدل وزيادة على العدل. أن يأخذ النصف، لكن لا تنسوا الفضل بينكم.
الفضل كما يقول بعض الناس في زماننا هذا: عيش وملح، يعني أن هذا الرجل دخل بيت فلان وأكل معه خبزًا وملحًا، ومع ذلك وقعت الخصومة ووقع الطلاق. لا ينبغي أن ننسى هذا، ولا تنسوا الفضل بينكم.
وبهذا يرتقي المجتمع إلى أعلى عليين، ونتعاون جميعًا يدًا واحدة على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، والمتعاونون على الإثم والعدوان آثمون.
حرمة التعاون على الإثم والعدوان والفرق بين الخطأ والخطيئة المتعمدة
[المذيع]: يا فضيلة مفتي الديار المصرية، بدون شك لأن التعاون على الإثم والعدوان منهي عنه.
[الشيخ]: والنهي هنا هو للتحريم. وعندما يرتكب الإنسان خطأ عن غير قصد لا يترتب على هذا إثم. نعم، إنما عندما يرتكب الخطيئة عن قصد فيترتب على هذا إثم. نعم.
إذن فالإثم هو النتيجة المترتبة على الخطيئة. فعندما يتعاون الإنسان لتحصيل الإثم فهو يتعاون على خطيئة، والخطيئة حرام.
يعني كلمة "إثم" هي التي جعلت التعاون عليه من باب الحرام وليس من باب المكروه أو من باب الإرشاد أن نبتعد عنه أحسن أولى. لا، ليس هكذا، إنما الابتعاد عن التعاون على الإثم والعدوان واجب، والتعاون على الإثم والعدوان حرام. في مقابل هذا الواجب فيجب علينا أن نبتعد عنه تمامًا.
خطورة التعاون على الإثم والعدوان وقمة الإنسانية في التخلي عن الذنوب
[الشيخ]: كثير من الناس الآن في عصرنا الحاضر يتعاونون على الإثم والعدوان. الإثم ذنب سيرتكبه الإنسان، قد يكون المخرج منه أن يستغفر، أن يُقلع عن الذنب، أن يندم على ألا يعود لمثلها أبدًا، وهكذا.
إنما العدوان هذه مصيبة أكبر؛ ولذلك يجب علينا أن نتخلى عن كل هذا. وهذا قمة الإنسانية، قمة الإنسانية، قمة الإنسانية.
أما أننا ننسى أحوالنا في بيوتنا ونتحول إلى وحوش ضارية، ننسى أحوالنا مع جيراننا، ننسى أحوالنا مع مجتمعنا:
«ليس منا من لم يوقِّر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا»
ننسى وضعنا في مجتمعاتنا، ننسى وضعنا في أمتنا، ننسى وضعنا في عالمنا، ثم بعد ذلك ندَّعي الإنسانية!
حقيقة الإنسانية ليست مظاهر شكلية بل تقوى القلوب والأخلاق الحقيقية
[الشيخ]: أو قال إن الإنسانية هي عبارة عن مجموعة من الآداب المزيفة: أن نأكل، نجعل الشوكة في يدنا اليسرى والسكين في يدنا اليمنى، وهكذا إلى آخره.
هذه مظاهر، حتى هذه جعلها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرشدنا إليها، ولكنه لم يجعلها إلا في نطاق الآداب. وجعل:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وإلى أجسامكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم»
أي إلى التقوى التي في قلوبكم. ولذلك نحن لا نريد أن نكون ظاهرة صوتية أو ظاهرة شكلية، نحن نريد معرفة حقيقة الإنسان.
دعوة ختامية للتحلي بالعلاقات الإنسانية القويمة ومعاملة الناس بخلق حسن
[المذيع]: وهذه دعوة من فضيلتكم ومن ضيوفي الكرام للمشاهدين الكرام ولأمة الإجابة، أن يعني أن نتحلى بالعلاقات الإنسانية القويمة؛ لأن المجتمع لا يستقيم أبدًا بدون هذه العلاقات الإنسانية، وأن يعامل الناس دائمًا بخلق حسن، فالإنسان منا يعامل دائمًا كل المحيطين به بخلق حسن.
اسمحوا لي مشاهدينا الكرام في ختام هذا اللقاء أن نلقاكم دائمًا على خير في حلقات قادمة من رحاب الجامع الأزهر الشريف في كلمة حق. دمتم في أمان الله ورعايته، وسلام الله عليكم ورحمته.
