2011 10 28 حجة الوداع - السيرة, سيدنا محمد, كلمة حق

2011 10 28 حجة الوداع

51 دقيقة
  • الحج ركن الإسلام الخامس ويمثل المؤتمر الأعظم للمسلمين، وهو جامع لجميع العبادات وزائد عليها بالطواف والسعي والوقوف بعرفة.
  • بُني الحج على اليسر، وأركانه بسيطة تشمل الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة والحلق.
  • لا ينقض الحج إلا بترك ركن من أركانه، وهو مبني على التيسير ورحمة الناس بعضهم ببعض.
  • حجة الوداع كانت وثيقة شاملة لحقوق الإنسان، أكدت على حرمة الدماء والأموال والأعراض.
  • خطب الرسول ﷺ في الحج ثلاث خطب في أيام مختلفة تضمنت مبادئ أساسية كالمساواة والوصية بالنساء.
  • ختم النبوة يعني انتهاء فكرة الدولة الدينية، فالدولة الإسلامية مدنية ذات مرجعية إسلامية.
  • الحج مؤتمر عالمي للمسلمين يجدد مفاهيمهم ويجمعهم على الخير.
  • ينبغي للحاج أن يعود متغيراً للأفضل، متصالحاً مع الله والناس ونفسه.
  • على الحجاج ألا ينسوا الدعاء لمصر ولسائر بلاد المسلمين.
محتويات الفيديو(47 أقسام)

مقدمة برنامج كلمة حق والحديث عن الحج وأركانه وواجباته

[المذيع]: الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو مؤتمر المسلمين الأعظم، وجهاد المرأة. وهناك واجبات على المسلم أن يقوم بها قبل رحلة الحج حتى يتحصن بها ويعود مكتسبًا كل الثواب، وأيضًا أركانه وسننه وواجباته ونوافله، عن كل ذلك نتحدث في كلمة حق.

تجديد التحية والترحيب بالعلماء الأجلاء في رحاب الأزهر الشريف

[المذيع]: نجدد التحية إليكم من رحاب الأزهر الشريف، والحديث يتواصل عن الحج ومفاهيمه وحكمة مشروعيته والتيسير وترتيب الأولويات والدروس المستفادة أيضًا من هذا الركن العظيم من أركان الإسلام.

كنا قد تحدثنا في حلقة سابقة عن العديد من هذه الأركان والسنن وما يجب على المسلم والأخلاق الواجبة خاصة قبل الحج وأثناء الحج.

اسمحوا لي في البداية أن أرحب بعلمائنا الأجلاء الذين نسعد بهم في هذا اليوم وهذه الليلة، ودائمًا ضيفنا الكريم فضيلة العلامة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، بنرحب بفضيلتك دكتور علي، أهلًا بك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، شكرًا دائمًا.

[المذيع]: ومعنا الأستاذ الدكتور محمد محمود هاشم عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع الزقازيق، وعالمنا الجليل أيضًا الأستاذ الدكتور محمد سعيد عراب أستاذ التفسير وعلوم القرآن والعميد السابق لكلية أصول الدين، أهلًا بك فضيلة الدكتور محمد.

[الشيخ محمد سعيد عراب]: أهلًا وسهلًا بكم.

حكمة مشروعية الحج وتسميته بالحج الأكبر لجمعه سائر العبادات

[المذيع]: نذكر مشاهدينا الكرام، لو سمحت لفضيلة المفتي، بحكمة مشروعية الحج؟ يعني هو الركن الوحيد الذي قال فيه:

﴿حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]

لماذا اشترط في هذا الأمر وما هي فضيلته؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحج سُمي بالحج الأكبر، وذلك لأنه قد جمع سائر العبادات؛ فليس هناك شيء جزئي ولا تفصيلي في كتاب العبادات عند المسلمين إلا وهو في الحج.

فالعبادات تبدأ بالطهارة، والصلاة، والصيام، والنفقة المالية في صورة الزكاة، في صورة الصدقة، وبالذكر، بالكفارات، بالنذر. كل هذه في باب العبادات أو كتاب العبادات.

الحج يشتمل على كل ذلك ويزيد؛ فيزيد بالطواف والسعي والوقوف بعرفة إلى آخره. كل ما نجده في العبادات من مناجاة، من ذكر، من دعاء بكافة أشكاله، هو موجود في الحج وعلى أبدع وأكمل ما يكون. إذن الحج جامع بين كل العبادات وزائد هذه الزيادة.

أحكام الحج تأمر الحاج بالخروج عن المألوف والالتزام بأفعال النبي ﷺ

[الشيخ]: هذه الزيادة [في الحج على سائر العبادات] تتمثل في أنه أمر الحاج، أحكام الحج أمرت الحاج بأن يخرج عن المألوف؛ فينزع ثيابه، ويمتنع عن حلق رأسه وعن حلق شعره وعن تقليم أظافره وعن الطيب وعن ما يسمى بمحرمات الإحرام.

وكذلك زاد عليه أن يفعل الأفعال التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزم بها، فقال:

قال النبي ﷺ: «خذوا عني مناسككم»

كما قال:

قال النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»

إذن فالحج فيه استمرار للالتزام [بسنة النبي ﷺ وأفعاله في كل تفاصيل المناسك].

الحج مؤتمر عالمي للمسلمين عبر التاريخ لتبادل العلم والأسانيد

[الشيخ]: الحج أيضًا يعني أن فيه مؤتمرًا عالميًا للمسلمين. وعبر التاريخ كان حملة الحديث يأخذون الأسانيد من العلماء الذين يلتقون بهم من أقطار الأرض في أم القرى [مكة المكرمة].

فكان المؤتمر العالمي الذي ينعقد كل سنة يذهب إليه العالم، فإذا به يجد أهل الشام وأهل العراق وأهل الهند وأهل المغرب وأهل الشمال وأهل الجنوب في مكان واحد، فيجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، فيحمل بعضهم عن بعض الأسانيد والعلم في كل الفنون والحرب.

فكان هذا الحج [مؤتمرًا علميًا وحضاريًا]، ونرجو أن يعود مؤتمرًا إسلاميًا بين القادة والنخبة والساسة يضعون فيه استراتيجيات المستقبل والتعاون.

الجو الروحي في الحج وأثره في انتشار الإسلام رغم الحروب المستمرة

[الشيخ]: لم يكن [الحج] كشأننا في اجتماعاتنا هنا وهناك؛ الأصل الخصومة، والأصل التخوين، والأصل الوصف بغير الحق. بل كان هذا الجو الروحي والعلاقة مع الله تجعل هناك إخلاصًا ومودة ورحمة بين المؤمنين.

ولذلك وجدنا الإسلام انتشر انتشارًا غريبًا وسريعًا، لم ينتشر دين قط بهذا الانتشار الجغرافي من الأندلس إلى الصين. ولم ينتشر انتشارًا قط مع كل الحرب التي تعرض لها؛ الفرس والروم حاربونا، والمشركون واليهود حاربونا، والصليبيون والتتار حاربونا، والاستعمار الحديث حاربنا واستعمر بلادنا واستغل مواردنا.

يعني أننا تحت حرب مستمرة لمدة طويلة منذ بداية الدعوة وإلى يومنا هذا، فكل هذا والإسلام آخذ في الانتشار، ولكن كان هذا لأنه كان في الأساس من الحج [ومؤتمره الروحي والعلمي].

إعادة رونق الحج وحكمته الأولى والحاجة إلى توحيد المسلمين بنسبة ذلك إلى الله

[الشيخ]: ولذلك عندما نشأت بعض المنظمات في مكة وما إلى ذلك تريد أن تعيد للحج رونقه وحكمته الأولى من قضية الجمع بين العبادات، والحالة الروحية والعلمية والسياسية والاقتصادية للمسلمين، لكنها لم تصل حتى الآن إلى الغاية المرجوة، ولن [تصل] إلى الآن إلى توحيد المسلمين فعلًا توحيدًا فعليًا.

لأننا نفتقد أن ننسب ذلك إلى الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يؤلف بين القلوب:

﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]

﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63]

إذن لا بد ونحن نجتمع أن تكون عندنا نية صالحة وللعبادة وللوحدة، وهذا هو يعني الأهم في اجتماع الحج.

أحكام الحج كثيرة ومبناه على اليسر لأنه رحلة شاقة

[الشيخ]: الأحكام كثيرة في الحج يسأل فيها الحاج المشرف عليه، صحيح، ويتبع. لكن لا بد له أن يعلم أن الحج مبناه على اليسر، نعم؛ لأنه رحلة شاقة فبُني على اليسر.

فما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم [أو] أُخِّر إلا قال:

قال النبي ﷺ: «افعل ولا حرج»

فيبقى في يسر. ثانيًا: الحج لا ينقض إلا بترك ركن من الأركان، وأركان الحج بسيطة: الطواف، فإذا ترك الطواف بالبيت العتيق فلا تُقبل حجته، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.

وإذا أضفنا إليه مسألة الإحرام الذي يمكن أن نتنازل عنه عند العذر من مرض أو كبر سن أو ما إلى ذلك، ومسألة الحلق التي يمكن أن نحلق عند الأذى والحجامة وما إلى ذلك، لو تركنا هؤلاء أنهم ليسوا أركانًا ولا هم أركان بسيطة، خمسة أو ثلاثة.

واجبات الطواف وأحكامه من جعل البيت عن الشمال وعدم دخول حجر إسماعيل

[الشيخ]: حسنًا، ولكن مع هذا تبقى واجبات في الواقع قد لا نستطيع أن نخالفها أو نتركها، وأنا طائف ما بين واجبات لهذه الحجة وواجبات للحجة [نفسها].

أن أجعل البيت عن شمالي، صحيح، لو عكسته جعلته عن يميني لا ينفع. هذا أنا أطوف هكذا حول البيت والبيت عن شمالي. أن لا أدخل حجر إسماعيل أثناء الطواف، لا ألف من حجر إسماعيل، لا، هذا أنا يجب من وراء حجر إسماعيل.

وبالمناسبة عندما آتي لأدخل حجر إسماعيل أجد المكان مزدحمًا ولا أستطيع الدخول، فإن عكست هكذا قد أُدهس من شدة الزحام فلا أعرف، لذا أمشي مباشرة مع الناس ومن وراء حجر إسماعيل.

حكم ركوب الشاذروان أسفل الكعبة وبطلان الطواف بسببه

[الشيخ]: يُقال لك مثلًا من الأحكام: إياك أن تركب أسفل الكعبة الذي اسمه الشاذروان. هذا يمكن أن أضع قدمي عليه هكذا وأمشي عليه وأتسحب هكذا، ممنوع! يصبح حجك باطلًا؛ لأن هذا الجزء من البيت، يعني أنك تطوف ببعض البيت وليس بكل البيت.

طيب، من الذي سيصعد ليفعل هذا؟ لا أحد سيعرف ولا أحد يستطيع. إذن القضية هنا هي أن الدين في سعة والحج مبني على التيسير.

ترتيب الأولويات في الحج والالتزام بالجماعة ورحمة الضعفاء

[الشيخ]: القضية الثانية التي لا ينتبه إليها الناس كثيرًا هي أن ترتيب الأولويات التي تتحدث عنها حضرتك [المذيع]. أنا مع جماعة ذاهبون بحافلة واحدة وقادمون بحافلة واحدة، فكيف أريد أن أسير في الأمور حسب هواي أنا؟

لأن هيئة من الهيئات فعلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه [وسلم] فعلها، يبقى هي معتبرة. لكن هو صلى الله عليه وسلم يحب منك أن تكون مع الجماعة لتكون في أيدي إخوانك. هو صلى الله عليه وسلم يحب منك أن لا تخرج عن الجماعة.

هو صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «الدين جماعة، إياك أن تخرج عنه»

هو صلى الله عليه وسلم يريد أن ترحم من معك. هذا أكبر ثوابًا؛ ربنا يعطيك مليون ثواب عليها وسيعطيك على هذه الهيئة عشرة، لكن حقًا أتأخذ المليون أم تأخذ العشرة؟ إنه شيء غريب عجيب!

فضل خدمة المريض والرحمة بالخلق أعظم ثوابًا من بعض هيئات الحج

[الشيخ]: فالناس لا تفهم أن هذا ترتيب للأولويات؛ ففعل شيئًا وترك ما هو أولى منه. عن سيدنا رسول الله الذي قال:

قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

الذي قال:

قال النبي ﷺ: «الضعيف أمير الركب»

يعني أنني عندما أخدم المريض الذي معي وأترك في سبيل هذه الخدمة كثيرًا من الأمور التي فعلها سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم، فإن ثوابي عند الله أعظم. فعلت ذلك لأن سيدنا [رسول الله ﷺ] أراد ذلك.

أي أن نتنبه إلى أن هذا الذي فعلناه من اللين في أيدي إخواننا، من الالتزام بالجماعة، من الرحمة بالخلق، من عدم القلق؛ لأنني لو سرت وحدي سيقلقون عليّ ولا يعرفون أتُهت أم لا، وفعلًا سأتوه بالمناسبة.

لا يستطيع أحد تطبيق كل هيئات الحج النبوي إلا من خرج ماشيًا من مكة

[الشيخ]: لا يستطيع أن يفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج إلا شخص خرج من مكة ماشيًا ورجع إليها ماشيًا. هذا الشخص يحج مع نفسه هكذا.

حسنًا، أنت تريد أن تحج مع نفسك فاحجج مع نفسك ما دمت تصر، لكن لا تُقرف خلق الله [ولا تُتعب] الجماعة. نعم، أنت الآن كنت مع الجماعة فابقَ في الجماعة حتى تأخذ الثواب الأكثر؛ أن تكون متبعًا حقيقيًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حكم جمع الحصى من عرفة بدلًا من المزدلفة وأنه ليس سنة مقصودة

[الشيخ]: أشياء غريبة جدًا، أمور مباحة في الحج. مثلًا تجمع الحصى من أين؟ سيدنا [رسول الله ﷺ] تجمعه من المزدلفة، نعم. طيب، هل تجمعه من عرفة؟ فأجاز العلماء؛ لأن جمعه من مزدلفة ليس سنة ولا شيء.

يا سبحان الله! لو جمعته من عرفة، من طريق يثير عليك كأنك كفرت! حاشا لله، سبحان الله، ما هذا؟ قلة علم، الدين يسر. يبقى في اضطراب في الأولويات وفي قلة في العلم.

هو يريد أن يجمع من المزدلفة، نعم، إذا استطعت كان بها، وما لم تستطع فليست قضية؛ لأن هذا جاء اتفاقًا ولم يأتِ طاعة. هو [النبي ﷺ] لم يقل اجمعه من المزدلفة، ما قال ذلك أبدًا، بل هو كان في المزدلفة فذهب إلى الله [أي رمى الجمرات]. حسنًا، أنا وجدت حصى في عرفة وأخذته فما في ذلك بأس، فهو أي حصى وسيؤدي الغرض، أي نعم.

ترتيب الأولويات في الحج وأخطاء ابن حزم الظاهري لعدم تصوره أعمال الحج

[الشيخ]: فإذن ترتيب الأولويات أمر مهم، والحج يعني أن الحج هذا له غرض سامٍ، صحيح. وانتقدوه كثيرًا، ابن حزم الظاهري أخطأ في الحج وبرروا له ذلك.

من القائل يقول إنه لم يحج لأنه كان في الأندلس والرحلة بعيدة لا يقدر عليها، فلم يحج فلم يتصور الحج. فالشخص إن لم يحج من قبل لا يتصور أعمال الحج مهما قلنا له.

وإننا نريد أن نعمل قلبه؛ قلبك هو الأساس. فليكن لديك رأفة وليكن لديك رحمة، هذا هو ملخص الحكاية، صحيح.

سؤال عن أهم المبادئ التي رسختها حجة الوداع كدستور للمسلمين والعالم

[المذيع]: يعني هذا فيما يتعلق بالتيسير وترتيب الأولويات التي طرحها فضيلة مفتي الديار المصرية والحكمة من المشروعية. ولكن فضيلته الحقيقة دكتور محمد تحدث أيضًا عن أمر آخر نراه في غاية الأهمية وهو المؤتمر أو اجتماع المسلمين.

لعل حجة الوداع لرسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أرست العديد من المبادئ وقدمت نموذجًا عمليًا لهذا المعنى، دستورًا للمسلمين وللعالم كله من بعده. ما أهم المبادئ التي رسختها هذه الحجة من وجهة نظر فضيلتكم؟

[الشيخ محمد محمود هاشم]: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن العبادات فُرضت في الإسلام لتهذيب النفوس، صحيح.

فالله سبحانه وتعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية سبحانه، ولكنه شرع لنا هذه العبادات لنأخذ منها الحكمة في كيفية التعامل مع إخواننا، أو التهذيب للنفس، وفي كيفية التعامل مع إخواننا من المسلمين ومن غير المسلمين.

تفاصيل حجة الوداع وإرسال أبي بكر ونزول سورة براءة وإرسال علي بن أبي طالب

[الشيخ محمد محمود هاشم]: الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حج في العام العاشر وهي حجة الوداع، وهي الحجة الوحيدة والتي ودع فيها المسلمين، أرسل سيدنا أبا بكر في العام التاسع ليحج بالمسلمين وليُعد له صلى الله عليه وسلم وللمسلمين الحج في العام العاشر.

وعندما أرسل سيدنا أبو بكر قبلها وخرج سيدنا أبو بكر أميرًا على المسلمين، فبعد خروج سيدنا أبي بكر نزلت سورة براءة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل بها سيدنا علي بن أبي طالب ليلحق بسيدنا أبي بكر ليبلغ هذه السورة.

فوصل إلى سيدنا أبي بكر في ذي الحليفة - آبار علي حاليًا يعني - وأبلغه بهذه السورة. فكان سيدنا أبو بكر في الحج، فعندما ينزل أي مكان يأمر سيدنا أبا هريرة والصحابة أن يبلغوا الناس وأن يتلو على المسلمين هذه السورة.

مضمون سورة براءة في نقض عهود المشركين وتنظيم معاملات المسلمين

[الشيخ محمد محمود هاشم]: والتي [سورة براءة] تبين فيها نقض عهود المشركين والمحافظة على العهود إلى وقتها، وتبين فيها معاملات المسلمين بعضهم مع بعض ومع غيرهم من المشركين والكفار.

ثم أتى العام العاشر وأذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس أن الرسول سيحج هذا العام، فاجتمع أكثر من مائة ألف مسلم واجتمعوا بالمدينة.

وخرج بهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وكان خروجه يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر أربع ركعات في مسجده، ثم ذهب إلى ذي الحليفة فصلى العصر ركعتين في ذي الحليفة، ثم بات وخرج يوم الأحد من ذي الحليفة إلى أن وصل مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة.

خطب النبي ﷺ في حجة الوداع وتأكيده على حرمة الدماء والأموال والأعراض

[الشيخ محمد محمود هاشم]: وعندما بدأت أعمال الحج كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب في عرفة في يوم عرفة، وكان له خطبة يوم النحر، وكان له ثلاث خطب في أيام التشريق، ثلاث خطب في ثلاثة أيام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه الخطب الثلاث إذا نظرنا إليها لوجدنا أنها تشتمل على الخير العميم للأمة، ولكنها في الوقت نفسه قصيرة وليست بالطويلة، صحيح. أي أن الخطبة لا تزيد عن عشر دقائق أو عن ربع ساعة.

فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم عندما وقف وخطب كانت الخطبة تقوم على عدة محاور أو أشياء مهمة ركز عليها رسول الله، صحيح. أول أمر:

قال النبي ﷺ: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، اللهم بلغت، اللهم فاشهد»

إبطال عادات الجاهلية إلا السدانة والسقاية وتأكيد المساواة بين الناس

[الشيخ محمد محمود هاشم]: أيضًا نفى كل شيء أو أبطل كل شيء من عادات الجاهلية ومن مآثر الجاهلية إلا السدانة والسقاية، أي خدمة البيت وسقاية الحجيج، يا للعجب! لكن كل ما عدا ذلك من أفعال الجاهلية فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه وأمر بانتهاء الأعمال بهذه المآثر والمفاخر أو الأعمال التي كانت تُفعل في الجاهلية قبل الإسلام من الطواف بالبيت عراة وغيرها من الأمور.

أيضًا في هذه الخطبة جاء قوله صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «أيها الناس، إن إلهكم واحد وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل للعرب على غيرهم إلا بالتقوى»

والمساواة هنا تبين أن الناس سواسية في الإسلام وأن الجميع متساوون، وأن التفاضل ليس بالمال ولا بالمنصب ولا بالجاه ولا بالصحة ولا بالقوة ولا بالعزة، ولكن التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.

الوصية بالنساء وبيان حقوقهن وأحكام الميراث والوصية في خطبة عرفة

[الشيخ محمد محمود هاشم]: كما جاء في خطبته ﷺ الوصية بالنساء وبيان حقوقهن؛ الرجال على النساء وحقوق النساء على الرجال. يؤكد حق المرأة في الإسلام وكيف أن الإسلام كرمها، يوصي بالنساء خيرًا.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوصي بالنساء كثيرًا وفي أحاديث كثيرة أوصى بالنساء، ولكنه أكد في هذا الموقف على الوصية بالنساء.

أيضًا تحدث في خطبة عرفة عن الميراث وعن [ما] تجب في الشرع وعن الوصية، وبيّن للناس ما يجب عليهم وما يجب أن ينتهوا عنه.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة وكان سيدنا جرير بن عبد الله يجعل يستنصت الناس، والذي يبلغ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ربيعة بن أمية بن خلف.

عظمة الإسلام في أن الدخول فيه يمحو ما قبله وقصة ربيعة بن أمية بن خلف

[الشيخ محمد محمود هاشم]: سيدنا ربيعة بن أمية بن خلف، [وأبوه أمية بن خلف كان] رأس النفاق، الذي كان رأس النفاق والذي كان يعذب بلالًا. وعندما رآه سيدنا بلال في بدر قال: أمية لا نجاة! فأجهز عليه وقتله وكان من قتلى بدر.

الذي يبلغ عن سيدنا رسول الله هو ربيعة بن أمية بن خلف في هذه الخطبة. هذه عظمة الإسلام! أي لا إشارة إلى أن الإسلام عندما يدخل إلى القلوب يمحو ما قبله، ويجعل كل إنسان:

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]

ليس له علاقة بوالده، أي نعم.

سؤال عن حكمة تأخير حجة الوداع إلى السنة العاشرة والتنبيه بالقضايا الكبرى

[المذيع]: حسنًا، دكتور محمد سعيد عراب، لو سمحت لي، أي وإضافة لما طرح فضيلة الأستاذ الدكتور محمد هاشم، ما الحكمة من تأخير حجة الوداع وهذه الخطب التي تعد مواثيق ودساتير مهمة للأمة الإسلامية حتى السنة العاشرة من الهجرة؟ ولماذا نبّه رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بالقضايا الكبرى دون الجزئيات إن صح التعبير؟

[الشيخ محمد سعيد عراب]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة وسلامًا على الصادق الوعد الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فثلاث نقاط أريد أن أتكلم فيها.

ترتيب الأولويات في الحج والصعود إلى عرفات مباشرة رحمة بالضعفاء وكبار السن

[الشيخ محمد سعيد عراب]: عن النقطة الأولى وهي ترتيب الأولويات كما اقتضى فضل أستاذنا فضيلة المفتي، وأمثلة لها. فمثلًا كثير من الناس يرون أن الذهاب إلى منى في يوم التروية شيء لا بد من فعله وأنه لا يصح أن نتركه، وهو من جملة السنن أو الهيئات.

وطبعًا نحن في العادة حينما نذهب إلى الحج كثيرًا من البعثات تصعد الحجيج إلى عرفات مباشرة، حقيقة السنوات الأخيرة أستاذ، وذلك مراعاة فعلًا لما تفضل به فضيلة أستاذنا المفتي:

قال النبي ﷺ: «لينوا في أيدي إخوانكم»

قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

فالصعود إلى عرفات مباشرة فيه رحمة بكثير من الضعفاء وكثير من كبار السن إلى ما غير ذلك.

يوم عرفة يوم مغفرة ومباهاة الله بالحجاج وترتيب الأولويات في العودة من عرفات

[الشيخ محمد سعيد عراب]: أيضًا من الأولويات كذلك أو ترتيب الأولويات، عندما نعود من عرفات. طبعًا في عرفات كثير من الناس ينشغلوا بالأكل والشرب وما إلى ذلك، وينسون أن في يوم عرفة الأرض تعج بالملائكة ويباهي الله عز وجل بالحجاج الملائكة ويقول:

«انظروا يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي ائتوني شُعثًا غُبرًا ضاحين من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم يا ملائكة أني قد غفرت لهم»

نريد من الحجيج أن يفهموا ذلك؛ أنه يوم مغفرة وأنه يوم يباهي الله به ملائكته في الأرض وفي السماء.

العودة من عرفات أيضًا، الجميع يرى أنه إذا لم يبت في مزدلفة فحجه غير كامل. لا، بل يكفي أن يمر بها وينزل ويصلي فيها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا - طبعًا للعشاء وجمع تأخير للمغرب - وإن تيسر الأمر في جمع الجمرات منها فليجمع، وإذا لم يتيسر الأمر فمن أي مكان يلتقطها فهو جائز. ترتيب للأولويات فعلًا.

حجة الوداع وثيقة كاملة في حقوق الإنسان وحرمة الدماء والأعراض والأموال

[الشيخ محمد سعيد عراب]: أريد أيضًا النقطة الثانية. النقطة الثانية ما هي: مسألة أن الحج أو حجة الوداع في الحقيقة كانت وثيقة كاملة في حقوق الإنسان، في حقوق الإنسان، نعم، في حقوق الإنسان.

وثيقة من أعظم الوثائق بالنسبة لحقوق الإنسان: التأكيد على حرمة الدماء، على حرمة الأعراض، التأكيد على حرمة الأموال، التأكيد على حقوق النساء وحقوق الرجال تجاه النساء.

إبطال كثير من العادات التي لا تتفق مع الإسلام من عادات الجاهلية، نعم. كانت هناك عادات في الجاهلية اتفقت مع الحقوق مع عادات في الإسلام وأقرها الإسلام وأبقى عليها كثيرًا.

فالحج أو حجة الوداع كانت وثيقة كاملة في حقوق الإنسان.

حكمة تأخير النبي ﷺ الحج بسبب النسيء واستدارة الزمان كهيئته يوم خلق الله

[الشيخ محمد سعيد عراب]: وهي النقطة الثالثة: لماذا أخّر النبي صلى الله عليه وسلم الحج إلى آخر حياته؟ كانت تعتبر قريبة من اللحاق بالرفيق الأعلى، ثلاث سنوات تقريبًا. لا، بل كانت ثلاثة أشهر بعدها. قضى ثلاث عشرة سنة في المدينة وكان بعدها ثلاثة أشهر.

أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحقيقة أعتقد أنه قد أخّر ذلك لما كان قد حدث من النسيء بالنسبة لتقديم الأشهر بعضها على بعض إلى ما غير ذلك. وربنا سبحانه وتعالى ذكر ذلك النسيء في القرآن وقال:

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 37]

كانوا يؤخرون يعني يقدمون شهرًا حلالًا مكان شهر فيه [حرمة] ويضعون مكانه أو يختارون مكانه شهرًا حلالًا إلى ما غير ذلك، وهو زيادة في الكفر كما نوّه القرآن الكريم.

استدارة الزمان وتصريح النبي ﷺ بالأشهر الحرم ونزول ذلك في سورة التوبة

[الشيخ محمد سعيد عراب]: كما صرح بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما استدار الزمان كهيئته واعتدلت الشهور في أماكنها، أراد أن يحج حجة كاملة وقال:

قال النبي ﷺ: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله، إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حُرُم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان»

وقد نزل ذلك في سورة التوبة التي أرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في إثر سيدنا أبي بكر وكان أميرًا على الحجيج في السنة التاسعة.

نزلت أيضًا سورة براءة فيها:

﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 36]

فأعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الحج لما يعني قبيل لحاقه بالرفيق الأعلى.

تأخير الحج ليكون آخر عهد النبي ﷺ بالمسلمين ودستورًا جامعًا للأمة

[الشيخ محمد سعيد عراب]: وهل ربما لتكون الوثيقة التي سيضعها للناس هي آخر ما يلقيه على الناس وأنه لم يأتِ بعدها تشريع؟ قالوا إنه بعد هذا لم يأتِ أو لم ينزل تشريع بعد ذلك.

فأعني أرى أنه قد أخّر الحجة لذلك، حتى يكون آخر عهده بالمسلمين وآخر وصاياه للأمة هو ذلك؛ أن يضع لهم هذا الدستور الجامع في هذه الحجة، حجة الوداع.

[المذيع]: نشكر فضيلة الدكتور محمد سعيد. يستمر الحديث عن الحج ومشروعيته وكذلك الدروس المستفادة من حجة الوداع والدستور الذي وضعه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

هل كانت هناك نبوءة للنبي ﷺ وكيف ترى حال المسلمين بعد وصاياه في حجة الوداع

[المذيع]: في حجة الوداع وسؤاله لفضيلة مفتي الديار المصرية، ويستمر الحديث عن الحج. أي هل يمكن القول أنه كانت هناك نبوءة للمصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال ما معناه:

قال النبي ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم بعضًا»

فضيلة المفتي، كيف ترى الآن الحال بين المسلمين بعضهم البعض؟ وأيضًا فيما يتعلق بالدستور أو الوثائق التي صدرت عن هذه الحجة، هل كان الغرض منها الإعلام أم تأسيس وترسيخ مبادئ معينة لدولة ما بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذه معضلة في المتحدثين بشأن الدولة المدنية العلمانية والدولة الدينية، الأمور التي طرحتها مع فضيلتكم فيما سبق.

[الشيخ]: يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء أنهى فكرة الدولة الدينية. لما جاء، نعم، هو ببعثته هو يقول:

قال النبي ﷺ: «لا نبي بعدي»

نعم، عليه الصلاة والسلام.

ختم النبوة ينهي فكرة الدولة الدينية لأنها تحتاج إلى نبي مقيم

[الشيخ]: هو صلى الله عليه وسلم أخبر، ربنا سبحانه وتعالى [قال]:

﴿رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]

ويقول [النبي ﷺ]: فلا نبي بعدي ولا رسول. إذن لا توجد دولة دينية؛ لأن الدولة الدينية تحتاج إلى نبي مقيم.

وفكرة ختم النبوة هي إنهاء وإغلاق لفكرة الدولة الدينية. وكان أنبياء بني إسرائيل كثيرين وكلهم يوجدون في وقت واحد، وكان كثير منهم أبناء أنبياء: سليمان بن داود، ويحيى بن زكريا، وكلهم تجد فيه وراثة. يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أي أجيال وأجيال من الأنبياء.

فالدولة الدينية تقوم عندما يكون لدينا حجة نرجع إليها؛ لأن الدولة هي عبارة عن حياة، فنحتاج ما دامت دينية ومردودة إلى الوحي فلا بد لنا أن نرجع إلى النبي المقيم.

خطب حجة الوداع ملخص لحياة النبي ﷺ وتأسيس للاجتهاد والدولة المدنية

[الشيخ]: ثانيًا، أن الخطب خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جزئياتها، سواء كانت في وصية النساء أو كانت في الدماء أو الأعراض أو الأموال أو غير ذلك مما هو مبثوث في تلك الوثائق، أنا أعتبر أن هذه الوثائق هي ملخص لحياة النبي صلى الله عليه وسلم.

يعني أريد أن أقول أن ليس هناك أمر واحد من هذه الأوامر غريب نسخ ما قبله، بل هو من بداية التشريع وهو كذلك، ولكنه لخّصها ولكنه عرضها ولكنه جعلها هي الأساس للتفكير المستقيم وللانطلاق المقبل لدولة قوية.

يتكفل فيها أهل الذكر:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

يتكفل فيها المجتهدون بالقيام بالمسألة؛ فإذا أخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران. وفي الجارة قطنية إذا أخطأ فله أجران وإذا أصاب فله عشرة.

الاجتهاد مبني على العلم والخروج من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية

[الشيخ]: هذا الاجتهاد يجعلني إذا ما توليت الأمر فإنني أحاول فيما اجتهدت فيه، فإذا أنت توليت الأمر بعدي حاولت فيما تجتهد فيه، وطريقنا كله مبني على العلم:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

إذا خرجنا من فكرة الدولة الدينية إلى فكرة الدولة المدنية، إذا خرجنا إلى وثائق تلخص الدين وهي قريبة من انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، فلا يدعي أحد ولا يستطيع أنها منسوخة أو ذهبت أو تغيرت؛ لأن هذا آخر كلام.

لكن آخر كلام هذا هو الذي بُعث من أجله، هو ملخص ما كان عبر الثلاثة والعشرين سنة الخاصة بالوحي. وآخر كلام هذا ما فيه كلمة إلا وفيها عدة أحاديث في مواطن كثيرة تؤكد هذا المعنى.

خطبة حجة الوداع ترد على أوهام الدولة الدينية واستمرار النبوة كفر بإجماع المسلمين

[الشيخ]: إذن فخطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهي تلخص الدين وتؤسس للمستقبل، ترد على كل أوهام الدولة الدينية التي يدعيها بعضهم. الذين يريدون أن يقول بالدولة الدينية لا بد له أن يقول باستمرار النبوة والحكم.

واستمرار النبوة القول به كفر عند جميع المسلمين، وأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ولا رسول. فليس هناك هذا المعنى موجود لا في أذهان المسلمين ولا في تاريخ المسلمين ولا في أي شيء من هذا.

أما كون إن الحاكم هو - بعض العبارات الأدبية - أنه ظل الله في أرضه، هذه تأتي من قضية إطاعة النظام العام وليس من قضية حجية السلطان.

السلاطين عبر التاريخ بين الفسق والعدل ونموذج عمر بن عبد العزيز

[الشيخ]: السلاطين عبر التاريخ بعضهم كان فاسقًا ومعروف أنه فاسق، هو يعرف أنه فاسق والرعية تعرف أنه فاسق. وفي الوقت نفسه فإننا جميعًا تحت نظام نحاول فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح في الدين وإعمار الأرض وتزكية النفس وعبادة الله.

ونحاول فيه تغيير:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

بطرق مختلفة إلى آخر ما هنالك مما حدث فعلًا في المجتمع المسلم، لكنه في النهاية هيأ الأجواء للعلم وللعمل وللتكافل.

ولكن هل يمكن لأحد أن يصف يزيد بن معاوية بأنه تقي مثلًا؟ أي أن أباه كان صحابيًا، لكنه في سنة هدم الكعبة وفي سنة استباح المدينة وفي سنة قتل الحسين. أي أنه في ثلاث سنوات جلس فيها أفسد في الأرض.

عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس ونفي وجود دولة دينية في الإسلام

[الشيخ]: من يقول إن السلاطين كانوا أو لم يكونوا أو إننا كنا، يزيد ومن بعده من بني أمية وغيرهم إلى آخره. لكن لما جاء الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز قلنا إنه الخليفة الراشد الخامس.

فنحن نعطي كل ذي حق حقه. لا يستوي يزيد الذي كان يربي هذه القرود وكان مستشاره سرجون، مع عمر بن عبد العزيز الذي جلس أيضًا ثلاث سنوات لكنهم جميعًا جلسوا للزكاة فلم يجدوا أحدًا من مستحقي الزكاة في البلاد الإسلامية، من نزاهته، من عدله، من فقهه، من اجتهاده، من جماله. وهكذا.

إذن فليس هناك شيء اسمه دولة دينية، وحجة الوداع تؤكد هذا، بل إن أحكام الإسلام تؤكد هذا.

إنهاء النبي ﷺ لعادات الجاهلية كالثأر والربا وموقف الإسلام ممن يتعامل بها

[المذيع]: لا فُضّ فوك فضيلة المفتي، أعتقد أن هذا قول فصل وقطع لبعض الجدل الثائر. لكن يعني ما طرحته فضيلتكم أيضًا دكتور محمد ونحن نتحدث عن الدستور الذي وضعه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فضيلتكم تفضلتم بأنه أنهى بعض عادات الجاهلية، نعم.

ومنها مثلًا الثأر والربا، تعليق فضيلتكم على من يتعامل بهذا الشكل الذي ما زالت العادة موجودة لديه؟ الأخذ بالثأر، هناك كثيرون من الناس يتعاملون بالربا، فكيف هو حالهم مع الله بعد كل ذلك؟

[الشيخ محمد محمود هاشم]: في الحقيقة إشارة إلى ما تفضل به فضيلة المفتي في موضوع الدولة الدينية، أحب أن أبين لمن ينادون بدولة دينية وآخرين ينادون بدولة علمانية، أقول لهم إن مصر دولة إسلامية ومرجعيتها الشريعة الإسلامية، جاءت تحث على العلم والمعرفة.

فالرسول صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت معلمًا»

فلا خلاف أو تعارض بين الإسلام والعلم. فمصر دولة إسلامية تقوم على العلم والمعرفة كأساس من أسس الإسلام التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

وجوب الاقتداء بالنبي ﷺ والصحابة وترك العادات المخالفة للإسلام

[الشيخ محمد محمود هاشم]: ولكن في الأمر أو السؤال الذي تفضلتم به من أن هناك بعض العادات المتأصلة في المجتمع والتي نجد أن الناس يحافظون عليها ويؤكدون عليها من عادات الجاهلية، من عادات وهي من عادات الجاهلية.

أقول لهؤلاء إن هؤلاء لم يفهموا الإسلام، ولو فهموا الإسلام لعملوا بما جاء به الإسلام وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

يجب عليهم أن يقتدوا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»

يجب علينا أن نقتدي بسيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وبالخلفاء الراشدين، أن نقتدي بالصحابة والتابعين، أن نقتدي بالأولياء والصالحين، أن نقتدي بفقهاء هذه الأمة.

من كانت له عادة مخالفة ومن كان له فعل يخالف هذه الأفعال وجب عليه أن يخرج من هذه العادة.

دراسة سيرة النبي ﷺ والصحابة لتكون عاداتهم قدوة لنا في الأخلاق والمعاملات

[الشيخ محمد محمود هاشم]: ندرس سيرة سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والتابعين، وأن تكون عاداتهم هي عاداتنا وهي القدوة لنا، وهي التأكيد على ما يجب أن يتحلى به المسلم من أخلاق ومعاملات في مجتمعنا المسلم.

[المذيع]: لا فُضّ فوك فضيلة الدكتور محمد. يعني كلمة حق في حجة الوداع وفيما تريد أن تضيف لنا فضيلة الدكتور محمد سعيد عراب.

الإسلام وسع المسلم وغير المسلم وعاش الناس في كنفه بحقوق متساوية ومحفوظة

[الشيخ محمد سعيد عراب]: أريد أن أقول بأن الإسلام الذي هو دين هذه الدولة وسع كل الناس، وسع المسلم وغير المسلم، صحيح. وعاش الناس جميعًا في كنف الإسلام، عاشوا جميعًا بحقوق متساوية وحقوق مرعية.

أعراض محفوظة، أموال أيضًا محفوظة، دماء محفوظة. ففي كنف الإسلام عاش الناس في أمن وأمان. هذا أريد أن أؤكد عليه.

الحج مؤتمر عام للمسلمين يجب أن تستفيد منه الأمة سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا

[الشيخ محمد سعيد عراب]: وأريد أن أقول بأن الحج الذي يكون الحجاج والعُمّار فيه وفدًا لله سبحانه وتعالى، نعم، إذا دعوه أجابهم وإذا سألوه أعطاهم.

أقول أيضًا بأنه كما تفضل فضيلة أستاذنا المفتي بأن المؤتمر العام للمسلمين الذي يحضرونه في كل عام يجب أن تستفيد الأمة منه في كل عام، سواء كانت إفادة سياسية أو اقتصادية أو إفادة علمية أو إفادة دينية.

فعلى الأمة أن تستفيد من هذا المؤتمر العام، فهو ليس رحلة عبادية فحسب، وإنما هو مؤتمر حقًا يجدد للمسلمين مفاهيمهم ويجعلهم يعيشون أيضًا الواقع الذي يجب أن يعيشوا فيه.

فمؤتمر عام فيه من الخير ما فيه، سواء حضره الكبار أم الصغار، فهو مؤتمر عام يجب أن تعي الأمة إلى هذه الفضيلة بالذات وهذا المعنى العظيم للحج.

وجوب عودة الحاج متغيرًا إلى الأفضل في حياته ومعاملاته مع الله والناس

[الشيخ محمد سعيد عراب]: الحج أيضًا حينما يعود الإنسان منه لا بد يعود وقد تغير حاله، تغير حاله إلى ما هو الأفضل في حياته، في معيشته، في تعامله مع الناس، في تعامله مع الله سبحانه وتعالى.

لا بد أن يعود بهذه المعاني السامية وهذه المكاسب والمعطيات العظيمة لرحلة الحج. نعم، أما أن يعود من الحج كما ذهب، كما ذهب، فيكون لم يستفد، يعني لا صلى ولا صام، يعني لم يستفد شيئًا.

فأريد من حجاج بيت الله أو من الذين أكرمهم الله بهذه الرحلة المباركة أن يعودوا ليسوا كما ذهبوا، وإنما يعودوا على أحسن ما يكون الإنسان في العودة إن شاء الله: صلحًا مع النفس، صلحًا مع الناس، صلحًا مع الله عز وجل.

الحج رحلة إيمانية جهادية روحية وليس رحلة سياحية ترفيهية

[الشيخ محمد سعيد عراب]: نبذل كل معاني الفرقة، نبذل كل معاني السوء، يعايش الناس بما يحب أن يعايشوه الناس به. هذا الذي أريد أن أؤكد عليه بالنسبة للعودة من هذه الرحلة المباركة.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على الجميع بها وأن يجعل الجميع يحسون بروحانية الحج. فليس هو كما تفضل أستاذنا رحلة سياحية أو رحلة ترفيهية يتناول أو يتعاطى الإنسان فيها الكثير مما لذّ وطاب.

لا، بل إنما هي رحلة إيمانية، رحلة جهادية، رحلة روحية، فيها أو بها تسمو أرواح الناس إلى رب الناس سبحانه وتعالى.

حكم تكرار الحج كل عام بين المشتاق والأولى بإنفاق المال في أوجه الخير

[المذيع]: يعني بمناسبة ذكر الرحلة السياحية، وجهت الخطاب لفضيلة مفتي الديار المصرية ونسأله عما نسمع كثيرًا من مصطلح من بعض الإخوة أنه يذهب للحج كل عام ليقوم بتطهير نفسه لتجديد إيمانه، ودائمًا تكون الرحلات سياحية ومن هذا النوع الفاخر الذي يتناول فيه السلمون. فما رأي فضيلتكم في موضوع تكرار الحج؟

[الشيخ]: نعم، هو الناس مختلفون؛ فمنهم من يشتاق فعلًا وتضطرب حياته إذا لم يذهب. وعندما نقول لهم هذا أولى به الفقير، يقول: أنا أخرج ما شئتم للفقير ولكن اتركوني أذهب.

وهناك من الناس من يسأل: هل أذهب؟ نعم، هذا ليس مشتاقًا يعني. الذي يسأل نقول له مباشرة: إذا سأل، الأولى لك أن تنفق هذه النفقة في التعليم، في الصحة، في التكافل الاجتماعي.

إنما هناك أناس لا يسمعون لأن قلبه تعلق بالحرم، هذا لا نستطيع أن نحول دون ذلك وليست لنا فيه حيلة، وهو سوف يذهب، سوف يذهب، أفتاه المفتون أم لم يفتوه.

من تعلق قلبه بالبيت الحرام أمره إلى الله والأولى إنفاق المال في أنواع الخيرات

[الشيخ]: فإذا كان الإنسان قد وصل من الشوق إلى هذا الحد وأن هذه الرحلة فعلًا تصحح مسار حياته وأنه لا يستطيع أن يعيش إلا بالبيت الحرام، فهذا أمره إلى الله.

أما الأولى له أن ينفق ماله في أنواع الخيرات:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

وعلى كل حال فنحن ندعو حجاج بيت الله الحرام في هذا العام ألا ينسوا الدعاء لمصر. يعني ألا ينشغل كل واحد منهم بالدعاء لنفسه ولأهله وهكذا إلى آخره.

نطلب منهم الدعاء لمصر أن يحفظها الله سبحانه وتعالى شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يولي من يصلح، وأن يوفق أهلها لما يحب ويرضى، وأن يؤلف بين قلوبهم.

الدعاء لمصر واجب على كل الحجاج لأن قوة مصر قوة للعالم الإسلامي والعربي

[الشيخ]: والله إذا اجتمعنا للدعاء إلى الله والتجأنا وجئنا بالدعاء له سبحانه وتعالى فهو يستجيب، فهو كريم وهو رحيم.

فنحن ندعو كل المصريين بل وكل المسلمين أن يدعوا لهذا البلد الأمين؛ لأن قوة العالم الإسلامي والعربي تكمن في قوة مصر. وإذا تشتت هذا البلد أو وقع في الفتنة فسيتشتت كل العالم الإسلامي وكل العالم العربي، باتفاق الجميع يعلم هذا، وأن مصر هي الشقيقة الكبرى وما إلى ذلك.

ندعو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب وأن يؤلف بين قلوبنا، ييسر غيوبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يهدينا فيمن هدى وأن يرحمنا فيمن رحم وأن يجعلنا حيث ما يرضى سبحانه وتعالى.

الدعاء لمصر هو واجب على كل الحجاج الواقفين بعرفات؛ لأن الدعاء لمصر في الحقيقة هو دعاء لكل المسلمين.

ختام الحلقة والشكر للعلماء ودعوة الحجاج لتذكر مصر بالدعاء

[المذيع]: هذا أفضل ختام لهذا اللقاء. شكرًا لك دكتور علي، يعني فضيلة العلامة الجليل مفتي الديار المصرية، وندعو الله فعلًا أن يحفظ هذا البلد الأمين.

وهذه أمانة نتوجه بها إلى كل من أسعده المولى سبحانه وتعالى بأن يذهب إلى البيت الحرام لحج هذا العام أن يتذكر مصر وهذا الوطن بالدعاء.

اسمحوا لي أن أشكر ضيوفي الكرام أعزائي المشاهدين: فضيلة العالم الجليل مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: وضيوفنا الذين شرفونا لأول مرة في حلقات برنامج كلمة حق: الأستاذ الدكتور محمد محمود هاشم عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع الزقازيق، شكرًا جزيلًا دكتور محمد. وضيفي الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سعيد عراب عميد أصول الدين السابق وأستاذ التفسير وعلوم القرآن، شكرًا جزيلًا دكتور.

ونشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وندعو الله أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يتقبل من حجاج بيت الله الحرام هذا الحج الكريم، وألا ينسوا مصر وهذا الوطن بالدعاء. دمتم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.