2011 11 04 العدالة الاجتماعية
- •العدالة الاجتماعية هي التوازن والوسطية الجامعة التي تجمع عناصر الحق من الأطراف المختلفة في المجتمع.
- •هي حلم إنساني قديم يسعى الإنسان لتحقيقه، مع وجود فارق بين المثال والواقع دائمًا.
- •الإسلام لا يقوم على الصراع الطبقي أو المساواة التامة، بل على التدافع والتوازن مع قبول التفاوت المعقول.
- •نظرية الاستخلاف الإسلامية تجمع بين الملكية الخاصة وملكية الأمة، إذ يعتبر المال مال الله والناس مستخلفون فيه.
- •تطبيق العدالة الاجتماعية يحتاج إلى إرادة وإدارة، ويمكن تحقيقها في أي إقليم إسلامي.
- •الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ثمرات للعدالة الاجتماعية.
- •يجب تحقيق ثقافة سيادة القانون عبر التعليم والإعلام لتطبيق العدالة الاجتماعية.
- •التعليم هو مفتاح العدالة الاجتماعية، ويحتاج إلى إصلاح الأركان الأساسية فيه.
- •العدالة الاجتماعية تكليف وتشريف، وتحتاج إلى العمل والإنتاج، لا مجرد مطالب بلا واقع.
- •هناك فرق بين المساواة والتساوي، فالمساواة في الحقوق والواجبات ممكنة، أما التساوي الكامل فمستحيل ومخالف لسنن الله.
مقدمة البرنامج والترحيب بالعلماء وسؤال عن معنى العدل في اللغة والشرع
[المذيع]: شكرًا فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بك فضيلة العلامة، شكرًا دائمًا لك دائمًا على تلبية الدعوة. ومعنا العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بمجمع البحوث الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أو ما يُعرف بهيئة كبار العلماء، نرحب بفضيلتكم دكتور، أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
العدالة الاجتماعية، يعني قبل أن نتطرق إلى العدالة في مفهومها، نتوقف أمام لفظ العدل في اللغة والشرع، ما معناه في الإسلام فضيلة الدكتور عمارة؟
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاةً وسلامًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. أولًا، العدل اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى. صحيح.
مفهوم العدل كتوازن ووسطية جامعة بين المصالح المختلفة
[الشيخ محمد عمارة]: العدل هو التوازن والوسطية الجامعة. نحن في القضاء نرمز للعدل باعتدال كفتي الميزان؛ لا يتحقق العدل إلا بالجمع بين متطلبات هذا الجانب ومتطلبات ذلك الجانب. أي أن القاضي يحقق العدل عندما يجمع عناصر الحق والعدل من الخصمين المتنازعين.
وهذه هي الوسطية الإسلامية الجامعة التي تعني أنه عندما يكون لديك مجتمع فيه صاحب رأس مال وفيه عمال، فعندما تجمع عناصر الحق والعدل من المصلحتين فأنت تحقق هذه العدالة.
إذن العدالة أو العدل هو التوازن والوسطية الجامعة بين المصالح الشرعية المعتبرة للأطراف المختلفة. وعدل اجتماعي أو عدالة اجتماعية لأنها تتحقق في المجتمع، أي إنها ليست فكرة نظرية مجردة وإنما تكون مطبقة في الواقع الاجتماعي. إذن هذا معنى مصطلح العدالة الاجتماعية.
حلم العدالة الاجتماعية حلم إنساني قديم والمثال يظل قدوة محفزة
[الشيخ محمد عمارة]: وانطلاقًا من هذا التعريف نجد أن حلم العدالة الاجتماعية هذا حلم إنساني قديم جدًا، أي مع الحضارات والثقافات والمجتمعات والثورات وكل تاريخ الإنسانية وتاريخ السعي إلى تحقيق العدل الاجتماعي.
وأيضًا هذا مثال، والمثال يوجد فرق بينه وبين الواقع؛ لأنه عادةً المثال لو تحقق مائة بالمائة فقد انتهى جدول الأعمال ولا يوجد هناك غدٌ ولا هناك أمل في شيء جديد. ولذلك حكمة الله سبحانه وتعالى أن يظل المثال دائمًا وأبدًا قدوة محفزة.
وكلما حقق الإنسان قدرًا من هذا المثال كلما ابتعد المثال ليظل الأمل دائمًا وأبدًا، وهذا هو الفارق حتى بين الإسلام كمثال وبين واقع المسلمين وتطبيق الإسلام في الواقع.
الفرق بين التفاوت المقبول مع التوازن والتفاوت الفاحش الذي هو ظلم اجتماعي
[المذيع]: في الواقع، هل حدوث التفاوت في زمن أو مجتمع ما أمر مقبول إن لم يكن متعمدًا؟
[الشيخ محمد عمارة]: هذا شيء فارق بين التفاوت الذي هو مع التوازن، نعم، وبين التفاوت الفاحش الذي هو نوع من الظلم الاجتماعي. يعني مثلًا إذا كان هناك واحد صاحب مصنع وعمال يعملون فيه، بالتأكيد يوجد تفاوت، لكن إذا تحقق الحد الأدنى من الكفاية لجمهور الشعب وجمهور العمال، وإذا لم يتحقق وابتعدنا عن الاحتكار والكنز والرأسمالية المتوحشة، يمكن أن يكون هناك تفاوت.
بل إنني قرأت ونشرت جزءًا من عهد الإمام علي بن أبي طالب إلى واليه على مصر الأشتر النخعي، وهو يتحدث عن أن هناك قضاة وكتّابًا وأهل زراعة وأهل التجارة وأهل الصناعة وأهل الخراج وإلى آخره. إذن هناك طبقات، لكن عندما تكون العلاقة بين الطبقات علاقة متوازنة هذا يحقق نوعًا من العدل الاجتماعي.
مقولة برنارد شو عن سوء التوزيع والنموذج الإسلامي لا يقوم على الصراع
[الشيخ محمد عمارة]: لكن عندما يكون هناك نوع من الوضع الآن مثلًا في العالم الرأسمالي المتوحش والتفاوت الفاحش بين الطبقات، فهذا لا علاقة له بالعدل الاجتماعي.
برنارد شو الكاتب الشهير الأديب والفيلسوف الإيرلندي الإنجليزي، كانت الناس تعرف صورته، كان رأسه أصلع ليس فيه ولا شعرة واحدة، ولحيته طويلة حتى ركبته، فكان يقول: مثل العالم مثل رأسي ولحيتي، وفرة في الإنتاج وسوء في التوزيع. أي أن المشكلة في العدالة الاجتماعية ليست الندرة، وإنما المشكلة هي في عدالة التوزيع.
ولذلك النموذج الإسلامي في العدالة الاجتماعية لا يقوم على الصراع وعلى المساواة التامة بين البشر؛ لأن هذا حلم غير واقعي وغير مفيد أيضًا في هذا الموضوع.
الفرق بين فلسفة الصراع الطبقي الغربية ومنهج الإسلام في المؤاخاة والعدالة
[الشيخ محمد عمارة]: إنما هو يقوم - انظر مثلًا في أوروبا النظريات الاشتراكية والشيوعية التي كانت حلمًا لتحقيق العدالة الاجتماعية، كانت ثمرة للصراع الطبقي وللثورات، ثورات العمال والفلاحين ضد الملاك وضد الرأسماليين.
بينما الإسلام هو الذي بدأ بنظريته ومنهجه في العدالة الاجتماعية؛ أنه عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وأسس الدولة الإسلامية، في بداية الدولة الإسلامية بنى المسجد وحقق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
والمؤاخاة هي أولًا بين المهاجرين، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. والمؤاخاة كانت عقدًا اجتماعيًا: المساواة في الحق، تضامن الأمة، مساواة في المعيشة، التوارث. وعندما نزلت الآية التي نسخت موضوع التوارث كان هناك المعيشة، تضامن في المعيشة، وكان هناك التضامن في الجانب الأدبي والجانب المعنوي وجانب الحقوق.
تميز منهج الإسلام عن النظريات الغربية ورفض فلسفة الصراع لصالح التدافع
[الشيخ محمد عمارة]: إذن للإسلام منهج مختلف اختلافًا جذريًا عن كل النظريات الاجتماعية الغربية في موضوع العدالة الاجتماعية، فهو لا يؤيد الصراع الطبقي لتحقيق العدالة الاجتماعية؛ لأن فلسفة الصراع ذاتها مرفوضة إسلاميًا. لماذا؟ لأن التعدد والتنوع والاختلاف سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.
والصراع يعني أن الطرف الأقوى يهزم الطرف الأضعف وينفرد بالساحة، وبالتالي يلغي التعددية. نعم، وتلك الآية القرآنية التي جاء فيها الجذر "صرعى":
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7-8]
الصراع ينهي التعددية بينما هي سنة من سنن الله سبحانه وتعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل.
فلسفة التدافع في الإسلام بديلًا عن الصراع لتصحيح المظالم الاجتماعية
[الشيخ محمد عمارة]: إنما الإسلام يضع لتصحيح المظالم ولتصحيح الأوضاع الخاطئة فلسفة التدافع وليس فلسفة الصراع. التدافع حراك اجتماعي يعدّل المواقف مع الحفاظ على التنوع.
يعني عندما يكون هناك مجتمع فيه مظالم اجتماعية، الإسلام ليس مع الصراع لتصحيح الأوضاع الاجتماعية المختلة، وإنما مع التدافع الذي هو حراك اجتماعي لتصحيح هذه المواقف مع البقاء على التنوع وعلى التعدد.
الإسلام لا يحلم بأن يكون الناس سواسية كأسنان المشط في الثروات والأموال؛ لأن هذا أولًا مستحيل، هناك من يأكل رغيفين وآخر يأكل رغيفًا واحدًا، وقد تكون جلابية أحدهم بخمسة دنانير وجلابية الآخر بأربعة دنانير، وأن يكون لأحدهم أولاد وليس للآخر أولاد. هذا التفاوت شيء طبيعي ولكنه يدعو إلى التوازن بحيث لا يكون هناك أناس يموتون من التخمة وآخرون يموتون من الجوع.
مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام وعلاقة العدل بالأمن والاستقرار
[الشيخ محمد عمارة]: إذن هذه مجرد إشارات لمنهج الإسلام وتميز الإسلام في قضية تحقيق العدل الاجتماعي.
[المذيع]: حسنًا، أودّ أن أنقل الحديث إلى فضيلة مفتي الديار المصرية. ماذا يعني مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام؟ إذا كان ذلك هو مفهوم العدل والدكتور [عمارة] أيضًا أعطى بعض الملامح، وكيف نطبقها في هذا المجتمع خاصة أنه مطلب رئيسي الآن من مطالب المجتمع المصري، واحد من أهم المطالب التي قامت من أجلها الثورة المصرية، فضيلة المفتي؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. العدل أساس الملك، يا سبحان الله! وكلمة "أساس الملك" معناها أن رعاية الناس والعناية بهم ينبغي أن تؤسس على العدل.
والعدل كما هو اسم من أسماء الله تعالى فهو اسم أيضًا لعمل القاضي الذي هو في الجنة. قال: «قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار»، فالقاضي الذي هو في الجنة هو ديدنه العدل.
ثمرات العدالة الاجتماعية من الأمن بأنواعه وضرورة الحديث عن فوائدها
[الشيخ]: والعدل كما أشار الدكتور عمارة يلزم منه إعطاء كل ذي حق حقه. ولذلك ينتج من العدل الأمن. صحيح. وينتج من الظلم عدم الاستقرار.
ولذلك يجب علينا ونحن نتحدث عن العدالة الاجتماعية أن نتحدث عنها في صورة فوائدها، في صورة آثارها وثمراتها، في صورة ثمراتها، في صورة ما ينتج عنها، حتى نرى ما هيّأه الإسلام للوصول إلى هذه الصورة.
العدالة الاجتماعية ينتج منها الأمن، هذه واحدة: الأمن الاجتماعي، والأمن الاقتصادي، والأمن السياسي، والأمن المجتمعي، والأمن العسكري. وهذا الأمن هو الذي يرغب فيه الناس وهم الذين يطالبون به.
المستويات الثلاثة للمعيشة عند الفقهاء: الكفاف والكفاية والكفاءة
[الشيخ]: إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن هناك مستويات ثلاثة تحدث عنها الفقهاء المسلمون في قضية المستوى الاجتماعي مثلًا. فقالوا: هناك أناس في حد الكفاف، وهناك أناس في حد الكفاية، وهناك أناس في حد الكفاف. يعني ثلاثة كاف: كفاية وكفاءة وكفاف.
ومعناها أنهم يجدون قوت يومهم بالكاد وبصعوبة بالغة، أي بالكاد، هؤلاء الناس في كفاف. ومعنى هذا أنه قد حدد حد الكفاف هذا، وحدد من أجل إعطاء الزكاة في تحديد مفهوم الفقير والمسكين.
ونعطي الزكاة لمن هو أدنى من حد الكفاف حتى يصل إلى حد الكفاف، ونبدأ بإعطاء الصنارة قبل السمكة، نساعده على العمل أولًا. لا بد أن يعمل حتى تحدث التنمية.
العمل جزء من العدالة الاجتماعية وقصة النبي في إعطاء الصنارة قبل السمكة
[الشيخ]: إذن فالعمل جزء من العدالة الاجتماعية؛ لأنه أحد العناصر التي سوف نذهب بها في النهاية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]
وربّت النبي ﷺ على يد رجل فوجدها خشنة، فقال: «هذه يد يحبها الله ورسوله». ولما جاءه الرجل يشكو الفقر فقال له: «أما عندك شيء؟» قال: عندي وسادة محشوة وعندي إبريق وعندي كذا.
فقام فباعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطيه الصنارة وليس السمكة، وأعطاه درهمين: درهم اشترى به حبلًا ودرهم اشترى به فأسًا، وقال له: «اخرج إلى الغابة التي هناك وأحضر بعض الحطب». هذا تحطيب، أحضر بعض الحطب فجاء وباعها بثلاثة أو أربعة دراهم، واشتغل وأنتج وكفى نفسه.
الدعوة إلى العمل والرعاية الاجتماعية لغير القادرين كجزء من العدل الاجتماعي
[الشيخ]: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل من غير حاجة تظهر في وجهه نكتة سوداء يوم القيامة، فدعا إلى العمل ودعا إلى الصنارة قبل السمكة.
لكن لا بد لنا من إعطاء السمكة لغير القادر. قال سبحان الله: «أما في صاحبك من خير»، يعني هو لا يعرف أن يعمل شيئًا البتة. فيجب علينا الرعاية الاجتماعية التي هي جزء لا يتجزأ من العدل الاجتماعي.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءته الجنازة فيقول:
«أعلى صاحبكم دين؟» يقولون: نعم. يقول: «صلوا على صاحبكم».
هو لا يصلي، هو لا يصلي! يا سبحان الله، لكي يقول لهم ألا يبقى أحد عليه دين. نحتاج إلى عمل ونحتاج إلى زيادة في الدخل ونحتاج إلى سداد للديون ونحتاج ألا نسرف.
الضمان الاجتماعي أصله إسلامي ومستويات الكفاف والكفاية في الزكاة
[الشيخ]:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا﴾ [الأعراف: 31]
هذه عملية، هذه ليست بسيطة، عملية مركبة وفيها تكليف وفيها تشريف في الوقت نفسه. «صلوا على صاحبكم» حتى إذا كثرت الأموال عنده كان يدفع عن الميت حتى يصلي عليه. يا سلام!
إذن يوجد الآن ما أخذوه منا وأسموه بالإنجليزية الضمان الاجتماعي، الأمن الاجتماعي، الذي هو التضامن الاجتماعي، الذي هو الآن وكأنه أصبح ليس ملكًا لنا. نعم، الضمان الاجتماعي هذا خاصتنا نحن.
نرعى أهل ما دون الكفاف حتى نصل بهم إلى حد الكفاف. حد الكفاف معناه الحد الذي لا يسأل بعده. حد الكفاف معناه أنه يأكل ويعيش ويكون في الصحة والدواء وكل شيء في الكفاية.
تفصيل الفرق بين حد الكفاف وحد الكفاية وحد الكفاءة في توزيع الزكاة
[الشيخ]: الكفاف هنا معناه أنه يأخذ السعرات الحرارية المناسبة له في اليوم، إذا كان الرجل ثلاثة آلاف ومائتين والمرأة ألفين ومائتين والطفل لا أعرف كم يكون، فهو بذلك يكون لديه طعام يكفيه. هذه هي القضية، ومن السكن ما يناسبه ومن كذا ما يناسبه.
لكن الكفاية لا، أشد من هذا، فهو سيحصل على تعليم ورعاية صحية وهكذا إلى آخره. لكن الكفاءة لا، فهو لغات وحاسوب وسباحة وخيل وما إلى ذلك.
فأنا أريد الزكاة لمن هم دون الكفاف حتى يصلوا إلى الكفاية وليس إلى الكفاف فحسب. وهذا ما سأستمر في إعطائه أيضًا من حد الكفاف هذا حتى يصل إلى الكفاية. ولكن لا تُعطَ الكفاية بعد ذلك كي يصل إلى الكفاءة؛ لأن هذا سيصبح الطبقة الذي لا يأخذ الزكاة. الذي يأخذ الزكاة من دون الكفاف ومن على الكفاف حتى يصل إلى حد الكفاية. هذا جزء من العدالة الاجتماعية.
العدالة الاجتماعية تشمل الأمن السياسي والاقتصادي ورفض المحسوبية والغش
[الشيخ]: العدالة الاجتماعية تستوجب الأمن الاقتصادي، الأمن السياسي. العدالة الاجتماعية لا تأتي وتحرمني من الانتخابات، لا تأتي وتحرمني من الوظائف، لا تأتي وتعمل محسوبية في هذا.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور».
وقال ﷺ: «من غشنا فليس منا».
ليس من العدالة الاجتماعية أن يغش الطالب في الامتحانات، وليس من العدالة الاجتماعية أن صاحب الامتياز لا يدخل وابن الأستاذ أو ابن القاضي أو ابن الدكتور أو ابن لا أعرف من هو الذي يدخل. فهذا أمر يقهر النفس.
صحيح، هذا أمر يعني لا شفاعة فيه. واحد يأتي يقول لي فقط اشفع لي في أن أركب غيري وأكون متقدمًا على غيري، لا، أنا أشفع لك في أن يُعطى حقك، تفوتك الفرصة.
أبعاد العدالة الاجتماعية من عدالة سياسية وأمن مجتمعي وتوفير فرص العمل
[الشيخ]: فإذن العدالة الاجتماعية منها عدالة سياسية، ومنها عدالة في الأمن المجتمعي. هذا نريد توفير فرص العمل، نريد أن نكون نافعين.
فإذا فقدنا كل هذا ولم نستطع، شعرنا بالظلم الاجتماعي: لا في أمن سياسي، ولا في أمن مجتمعي، ولا اجتماعي، ولا اقتصادي، ولا عسكري. يبقى إذن أننا في خطر وفي ظلم اجتماعي لأننا لم نأخذ حقنا.
الحدود الفاصلة بين العدالة الاجتماعية والمساواة والتساوي في الإسلام
[المذيع]: قبل أن ننتقل، فقط للأستاذ الدكتور محمد عمارة، فضيلة المفتي، ما هي الحدود الفاصلة بين العدل أو العدالة الاجتماعية وبين المساواة؟ لأن الحقيقة أن قطاعات عديدة الآن في المجتمع والناس تطالب بالمساواة وليس بالعدالة الاجتماعية.
[الشيخ]: والأمر أن هناك ما يسمى بالمساواة وهناك ما يسمى بالتساوي. والناس وهي تقول نريد المساواة هم يريدون التساوي، وهذا خطأ؛ لأن التساوي كما قال الدكتور عمارة لا يمكن وهو ضد سنة الله في كونه.
المساواة معناها: المساواة في الحقوق، المساواة في الواجبات، المساواة في المراكز القانونية، المساواة في الوظائف والخصائص. يبقى إعطاء كل ذي حق حقه، كل ميسر لما خُلق له. نعم.
الفرق بين المساواة المشروعة والتساوي المستحيل وأهمية الكفاءة والموهبة
[الشيخ]: لكن عندما يأتيني التساوي يقول: لا، أنا أريد أخذ أعلى شيء لأن هناك شخصًا يأخذ أعلى شيء، وهذه هي المشكلة، وأنا إنسان وهو إنسان. لا، بل هو صاحب كفاءة وأنت لست صاحب كفاءة، هو صاحب تدريب وبذل الجهد، أو منّ الله عليه بموهبة ليست عندك.
هو يعرف كيف يرسم وأنت لا تعرف كيف ترسم، فكيف أساويك في اللوحات مثلًا؟ حسنًا، خذ ارسم اللوحة التي رسمها هذه، لا تعرف؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يعطك هذا الفن. حسنًا اكتب هذه القصيدة، لا يعرف. حسنًا شغّل هذا الشيء، هذه الآلة، لا يعرف. حسنًا تكلم، ترجم هكذا.
فهذا يذكرنا، كان قديمًا يعملون كوميديا هكذا لأجل هذه الأشياء، فيقول لك شخص ذهب إلى الإذاعة وقال لهم: أنتم كنتم تطلبون مترجمين. فقال له: نعم، أتعرف الإيطالية؟ قال له: لا. أتعرف الإنجليزية؟ قال له: لا. قال له: أتعرف الألمانية؟ قال له: لا. قالوا: إذن لماذا جئت؟ قال: فقط حتى لا تحسبوا حسابي في هذه الوظيفة!
المطلوب هو المواطنة وسيادة القانون وليس التساوي المطلق بين الناس
[الشيخ]: أنا أعني، لقد وصلنا إلى هذا الهزل! كيف يعني أن يطلب الناس التساوي؟ لا، أن يجب يطلبوا أن يكونوا مواطنين. إذا دخلت قسم الشرطة عاملت الأمير كالحارس، نعم، بما يليق. نعم.
الذي يرتكب مخالفة المرور لا يُنظر من الذي في السيارة، نعم، ولا يخافون من هذا ولا يحبون هذا ولا يكرهون هذا. لا، دولة القانون، سيادة القانون، هذا من العدالة الاجتماعية.
الناس تثور إذا لم يحدث ذلك. الناس في النهاية تنفجر إذا لم تحدث المساواة: الرجل كالمرأة، والغني كالفقير، والكبير كالصغير، وصاحب الوجاهة والسلطان مثل غيره، لا يستطيع أن يرتكب جريمة مخالفة ثم نتركه.
هذه مساواة في المراكز القانونية، مساواة في الوظائف والخصائص، مساواة في الحقوق والواجبات. أما التساوي فهذا مستحيل.
خطورة الخلط بين المساواة والتساوي وتشويش المفاهيم على المجتمع
[الشيخ]: فالخلط بين المساواة والتساوي هو الذي نراه الآن. ونأتي إذن بالألفاظ نلصق بعضها مع بعض هكذا، نقول العدالة الاجتماعية التساوي. لا، العدالة الاجتماعية لن تكون أبدًا تساويًا، لن تكون في البلاد كلها، لن تكون.
هل نحن سنخترع العجلة ما دامت كل البلاد الديمقراطية وغير الديمقراطية، المتقدمة وغير المتقدمة، ليس لديها هذا المعنى الصحيح؟ ولذلك فلا بد لنا أن ننتبه؛ لأن لعبة المصطلحات هذه تؤدي إلى تشويش المفاهيم، وتشويش المفاهيم يؤدي إلى الفكر غير المستقيم.
إمكانية تطبيق العدالة الاجتماعية في العالم الإسلامي والفريضة الغائبة
[المذيع]: الأمر بين فضيلة المفتي أوضح ما هي الفروق بين المساواة والتساوي، والدكتور محمد يعني ما يمكن أن تحققه العدالة الاجتماعية إذا ما طُبقت في المجتمع المسلم؟ وهل يمكن - أعني الآن العالم الإسلامي كبير ومتشعب ومجموعة كبيرة من الدول - هل يمكن تطبيق العدالة الاجتماعية كمنظومة داخل العالم الإسلامي؟
[الشيخ محمد عمارة]: انطلاقًا مما تفضل به فضيلة المفتي في موضوع المساواة والتساوي، نعم، بعض الناس أحيانًا يخطئون في فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
يعني هناك تفاضل، أي أن هذا هو الفرق بين أن يكون هناك تفاوت مع التوازن بين الطبقات، وبين أن يكون هناك تفاوت فاحش كما هو الحال في الواقع العالمي والمحلي الذي نعيش فيه.
العدالة الاجتماعية هي الفريضة الغائبة في العالم الإسلامي والمجتمع الدولي
[الشيخ محمد عمارة]: أي أنني أريد أن أشير إلى أنه العدالة الاجتماعية هي الفريضة الغائبة. الفريضة الغائبة في حياتنا في العالم الإسلامي وفي المجتمع الدولي.
أنني سأضرب بعض الأمثلة لأصل إلى موضوع التطبيق في العالم الإسلامي أو في الواقع المحلي. الغرب أو أهل الشمال يمثلون عشرين في المائة من البشرية، يملكون ويستهلكون ستة وثمانين في المائة من الثروات! ستة وثمانون في المائة. نعم.
هذا أدى إلى إفقار أهل الجنوب؛ لأن المرحلة الاستعمارية - انظر إن أفريقيا خمسمائة سنة، الاستعمار ماذا فعل فيها؟ أولًا أخذ أربعين مليون زنجي، قيّدهم بالحديد وشحنهم في سفن الحيوانات، وبنى على عظامهم ودمائهم رفاهية الغرب. عصر أفريقيا كما يعصر المرء برتقالة. صحيح، استنزف مواردها ثم ألقاها.
نهب ثروات العالم الإسلامي والفائض الاستعماري وأكبر ثلاث تجارات في العالم الغربي
[الشيخ محمد عمارة]: العالم الإسلامي نفس الأمر. مثلًا انظر نحن في مصر هنا، وكما كان سيد درويش يغني ويقول: يا مصر، خيرك في يد غيرك طلع خارجًا، نُهب. أي بُنيت رفاهية الغرب على الفائض الاستعماري كما يسميه علماء الاقتصاد، أنك أنت امتصصت هذا، وإلى الآن يمتصون العالم الثالث بشكل عام.
أكبر ثلاث تجارات في العالم الغربي، العالم الرأسمالي، الرأسمالية المتوحشة التي اعتبروها نهاية التاريخ:
- تجارة السلاح، أي دمار العالم.
- تجارة المخدرات.
- تجارة الدعارة.
ثلاث تجارات هذه أكبر تجارات في العالم الغربي.
التفاوت الفاحش في العالم الإسلامي وبيع العقيدة مقابل كسرة خبز
[الشيخ محمد عمارة]: العالم الإسلامي، التفاوت الفاحش الذي موجود فيه: في بلدان مستوى دخل الفرد فيها مائتا دولار، ثلاثمائة دولار، وفي بلدان يصل إلى أربعين ألف دولار! أي أن هناك من يموت من التخمة وهناك من يموت من الجوع.
يوجد لدينا في العالم الإسلامي أناس يبيعون عقيدتهم مقابل كسرة خبز أو جرعة دواء، ونحن نراهم ونشاهدهم في التلفزيون. وهذا يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أيما أهل عرصة» - مكان أو يعني حي - «بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله».
إذن العدالة الاجتماعية هي الفريضة الغائبة في العالم الذي نعيش فيه.
اختلاف فلسفة العدل الاجتماعي بين الشيوعية والرأسمالية ونظرية الاستخلاف الإسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: لكنني أريد أن أشير إلى أن فلسفة العدل الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية تختلف باختلاف النظريات الاجتماعية والحضارات العالمية. أي أن هناك مثلًا النظرية الشيوعية إنها تلغي الملكية إلغاءً تامًا ويعتبرون أن الملكية سرقة وأن المالك هذا لص.
وهناك من ألغى السقف على حرية التملك وقال: «دعه يعمل، دعه يمر»، فأصبح هناك نوع من الرأسمالية المتوحشة، بل وصلوا إلى أنهم عندما أفقروا ثمانين في المائة من البشرية فأصبح رأس المال لا يتوجه إلى الصناعات والزراعات والتجارات المنافع، وإنما إلى المضاربة والسمسرة والمقامرة.
ووصل إلى أنه أكثر من خمسة وتسعين في المائة من رأس المال العالمي موجّه في هذه الأمور، ومن هنا دخلت الرأسمالية الغربية في النفق المظلم الذي دخلته، الأزمة العالمية التي هي الاقتصاد الوهمي الذي دخلوا فيه.
نظرية الاستخلاف الإسلامية في الملكية والتوازن بين ملكية الفرد وملكية الأمة
[الشيخ محمد عمارة]: الإسلام ليس إلغاء الملكية ولا هو إطلاق العنان لغريزة التملك وشهوة التملك. إنما في نظرية الاستخلاف في الإسلام:
﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]
هنا الاستخلاف يجعل المالك الحقيقي مالك الرقبة في الثروات والأموال الله سبحانه وتعالى، والناس مستخلفون فيه. الناس وليسوا طبقة بعينها، ليسوا فردًا أو مجموعة أفراد، بل الناس، الأمة. يقول ربنا:
﴿وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: 10]
ملكية محكومة ببنود عقد وعهد العدالة الاجتماعية التي هي الشريعة الإسلامية.
الجمع بين الملكية الخاصة وملكية الأمة ودور الأوقاف في تحقيق ذلك
[الشيخ محمد عمارة]: انظر كيف يجمع الإسلام في نظرية الاستخلاف بين الملكية الخاصة وبين ملكية الأمة. الإمام محمد عبده يشير إشارة عبقرية يقول: إن القرآن أضاف مصطلح المال إلى ضمير الفرد في سبع آيات، وإلى ضمير الجمع في سبعة وأربعين آية، ليحقق هذا التوازن بين ملكية الفرد وبين ملكية الأمة وملكية الجماعة.
وذلك نظرية الاستخلاف الإسلامية، والتي حققتها الأوقاف في تاريخ الإسلام، هي التي حققت الملكية الجماعية، ملكية الأمة التي لم تتحقق في أي حضارة من الحضارات.
عرفوا الشيوعية، عرفوا رأسمالية الدولة، عرفوا رأسمالية الفرد، لكن فكرة ملكية الأمة، ملكية الجماعة، الاستخلاف عن الله سبحانه وتعالى، هذه حققتها نظرية الاستخلاف في الإسلام.
إمكانية تحقيق العدل الاجتماعي في إقليم بعينه وضرورة الكتلة الاقتصادية الإسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: أنت سألت: هل يمكن تحقيق هذا العدل الاجتماعي في إقليم بعينه في مصر مثلًا أو في دولة من الدول، أم في العالم الإسلامي ككل؟
بالطبع يمكن في إقليم من الأقاليم أن يتحقق قدر من العدل الاجتماعي. لكن تحقيق فلسفة الإسلام في الثروات والأموال والنظام الإسلامي في الثروة والمال مرهون بتحول العالم الإسلامي إلى كتلة اقتصادية واحدة.
ولذلك هذا هدف، يعني أريد أن أقول إن النظام اللاربوي كان مطبقًا في العالم الشيوعي؛ لأن لديك نظام يعظّم العمل ولا يعظّم رأس المال. نعم، فكان في داخل الكتلة الشيوعية لا يوجد ربا. بينما أنت كدولة واحدة أو قطر واحد لا تستطيع أن تخرج من النظام العالمي.
الاستقلال الحضاري شرط لتطبيق العدالة الاجتماعية الكاملة في العالم الإسلامي
[الشيخ محمد عمارة]: الخروج من النظام العالمي مرهون بتحول العالم الإسلامي إلى كتلة اقتصادية تطبق فلسفة الإسلام في الأموال والثروات، ثم تطلب من العالم أن يتعامل معها على هذا الأساس.
إذن الحلم الإسلامي في تطبيق كامل العدالة الاجتماعية مرهون بذلك: أن ثروات العالم الإسلامي تُستثمر داخل العالم الإسلامي. أنت تملك أموالًا فائضة من النقد في النفط وما إلى ذلك، كل دولار يُستخدم ويُستثمر داخل العالم الإسلامي مقابله أكثر من ستين دولارًا يُستثمر خارج العالم الإسلامي!
أي إذا أصبحنا تابعين اقتصاديًا كما نحن تابعون سياسيًا كما نحن تابعون فكريًا. ولذلك الاستقلال الحضاري شعار يتطلب تحقيق الاستقلال السياسي، والاستقلال الثقافي، والاستقلال الاقتصادي، ليس بمعنى العزلة عن العالم وإنما بمعنى أن تكون لك ذاتية متميزة تتعامل مع العالم معاملة الند للند.
تطبيق النموذج الإسلامي في العدل ممكن في أي إقليم ومشروط بالتضامن الإسلامي
[الشيخ محمد عمارة]: إذن تطبيق النموذج الإسلامي في العدل مطلوب وممكن في أي إقليم من أقاليم العالم الإسلامي، لكنه مشروط بأن يكون كاملًا وأكثر فاعلية إذا حدث هذا التضامن بين دار الإسلام.
مع بقاء الدول القطرية، نحن لا نريد إلغاء الدول القطرية، وإنما نريد على الأقل أن يبقى العالم الإسلامي مثل الاتحاد الأوروبي. صحيح، أن هذا هو الحلم.
[المذيع]: نبدأ حتى بالعالم العربي، فضيلة الدكتور محمد عمارة. لقد مضت عشرات السنوات ولم نستطع حتى الآن إقامة السوق العربية المشتركة أو لا نريد.
رؤية المفتي للعدالة الاجتماعية في مصر وضرورة سيادة القانون والثقافة السائدة
[المذيع]: ربما إذا سألت فضيلة مفتي الديار المصرية عن رؤيته للعدالة الاجتماعية في مصر الحاضر والمستقبل بعد الثورة، ما هو المطلوب لتحقيق العدالة الاجتماعية؟ فضيلة المفتي.
[الشيخ]: أنا أرى أننا في مصر مستعدون للعدالة الاجتماعية، ولكن لا بد من إحداث ثقافة سائدة لما نسميه بسيادة القانون.
سيادة القانون، سيادة القانون كلمة يعني ندعو إليها منذ زمن طويل، لكنها لم تتحقق في الواقع. ولذلك فليس هناك عدالة اجتماعية.
حسنًا، كيف نجعل سيادة القانون مطبقة في الواقع؟ بإنشاء ثقافة سائدة. كيف ننشئ هذه الثقافة السائدة؟ عن طريق التعليم وعن طريق الإعلام.
دور الإعلام والتعليم في بناء ثقافة احترام القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية
[الشيخ]: يجب علينا في الإعلام أن يكون هناك ميثاق شرف لاحترام القانون وتعظيم شأنه وعدم الاستهانة به. أي عندما يأتي مثلًا فنحتفل بالمجرمين، فما هذا الكلام! لأن الاحتفال بالمجرمين إثارة، فهذا ليس فيه احترام للقانون.
هذا فيه مدرسة فرانكفورت في الإعلام، لا بأس بها، لكن هذا ليس فيه احترام للقانون.
والتعليم، التعليم هذا يعني كأنني أشعر أنه قد دُمّر. فلا بد علينا أن نعود إلى التعليم. بدون التعليم فإننا لن نصنع شيئًا: لا يحدث إبداع، لا يحدث مساواة، لا تحدث عدالة اجتماعية ولا يحدث شيء.
فلا بد من عودة التعليم بأركانه: المدرس لا بد أن نغير حاله وهذا ممكن والتجارب موجودة، الطالب، الكتاب، المنهج، الجو العلمي.
التعليم مفتاح العدالة الاجتماعية وضرورة تخصيص الميزانيات الكافية له
[الشيخ]: لا بد وأن نخصص من الميزانية، كفانا بقى ثمانين في المائة من الميزانية يجب أن تذهب للتعليم؛ فإن التعليم هو مفتاح كل شيء وهو مفتاح العدالة الاجتماعية.
العدالة الاجتماعية ممكنة لكنها لن تأتي إلا بثقافة سائدة، إلا بوسيلة الثقافة السائدة، وهذا لا يتحقق إلا بالتعليم والإعلام.
إذن فلا بد علينا في التعليم أن نعود مرة أخرى إلى تأسيسه والبناء عليه، ولا بد في الإعلام أن نتفق على كلمة سواء. نعم.
فإذا ما سرنا على هذا أقول باطمئنان تام أن العدالة الاجتماعية سوف تكون على طرف الثمام كما يقولون، أو تكون في متناول اليد وسيرضى الناس.
الاستفادة من تجارب الأمم والنموذج الإسلامي الفريد في العدالة الاجتماعية
[الشيخ]: لا بد علينا أن نستفيد من تجارب الأمم المتكاثرة في الشرق والغرب، بعضها وصل إلى بعض العدالة الاجتماعية.
[الشيخ محمد عمارة]: وثانيًا النموذج الإسلامي للعدالة الاجتماعية يعني نموذجًا فريدًا. يعني مثلًا خذ حديث:
«اتركوا العباد يرزق الله بعضهم من بعض».
هذا غير "دعه يعمل ودعه يمر"، يعني ربط هذا الخلق، خلق الحرية المنضبطة وليس التفلت، بالله.
خذ حديث:
«إن في المال حقًا سوى الزكاة».
يعني قد لا يكون عليك زكاة لكن عليك واجب اجتماعي تؤديه حتى نعيش في المجتمع هذا الذي يحقق في النهاية العدالة الاجتماعية.
قصة عبد الرحمن بن عوف والربيع نموذج للوصول إلى العدل الاجتماعي بالعمل
[الشيخ محمد عمارة]: انظر إلى هذا الرجل الذي جاء في أثمال ما يكاد يستر عورته بثوبه بيده، وانظر إلى عبد الرحمن بن عوف عندما جاء من مكة إلى المدينة وأخوه الربيع، فقال له: خذ نصف مالي. وكذلك قال له: لا، دلني على السوق.
ودلّه على السوق، فإذا به من حسن إدارته وتجارته يصبح مليونيرًا من رجال الأعمال كبيرًا جدًا ومعه ملايين كثيرة. صحيح.
فهناك هذا وهناك ذاك، كان في قصة تؤكد لنا كيف نصل إلى العدل الاجتماعي، وأن هذا عن طريق التعليم وعن طريق الإعلام.
ضرورة الرجوع إلى النظام الأخلاقي والهوية الإسلامية لتحقيق العدل الاجتماعي
[الشيخ محمد عمارة]: بالنظام الأخلاقي لا بد لنا من الرجوع إلى هويتنا العربية والإسلامية. بالنظام الأخلاقي لا مفر للوصول إلى العدل الاجتماعي إلا بالنظام الأخلاقي، رضي من رضي وأبى من أبى.
هذا الرجل لما دخلوا على كسرى، وهذا يسمى في التاريخ بواقعة الحُقّ، يعني العلبة الصغيرة. ما هذه الواقعة؟ الحقّ أنه لما دخل على كسرى وما إلى ذلك، أخذ الجوهرة التي في التاج فوضعها في علبة وأعطاها لسعد بن أبي وقاص.
فقال سعد: من الذي أعطى هذه؟ فأُتي به وهو يستر عورته بثوبه، يعني لا يلبس إلا ثوبًا مهلهلًا. فقال له: وأنت على هذه الحالة تسلّم هذه الجوهرة! يا سلام!
الأمانة وبناء الشخصية أساس العدالة الاجتماعية وهي تكليف وتشريف معًا
[الشيخ محمد عمارة]: ما معنى هذا الكلام؟ الأمانة والأمانة وبناء الشخصية والعقلية، وأن الدنيا في يده وليست في قلبه، وأن يراعي الله سبحانه وتعالى في عمله.
فقال: الحمد لله الذي جعلني من أمة محمد حيث فيها مثلك. إنت من أتباع محمد، إذن أنا فخور بأن أكون من أتباع هذه الأمة.
[الشيخ]: إذن لا بد علينا يعني أن أقول إن العدالة الاجتماعية تكليف وتشريف وليس تكليفًا فقط ولا تشريفًا فقط. بعض الناس يعتقدون أنها حق، لا، هي حق وواجب.
لا بد علينا أن نعمل، لا بد علينا أن نتعلم، لا بد علينا أن نصحح مسارنا حتى نصل إلى العدالة الاجتماعية؛ لأن سبب فقدان العدالة الاجتماعية هو فقدان مثل هذه الأشياء الأساسية في بناء الإنسان.
مسؤولية تحقيق العدالة الاجتماعية تحتاج إلى إرادة وإدارة وترتيب الإمكانات
[المذيع]: الحقيقة هذا يعني يدفعني لسؤال فضيلتكم أستاذ الدكتور محمد عمارة عن مسؤولية تحقيق العدالة الاجتماعية. هل الأمر يحتاج إلى تشريعات؟ هل يحتاج إلى وازع من ضمير؟ إلى تطبيق نصوص قائمة؟ مبادرات فردية؟ كيف نطبق العدالة الاجتماعية أو ضمان تطبيقها بعد الصور التي ساقها لنا فضيلة المفتي؟
[الشيخ محمد عمارة]: تطبيق يحتاج إلى أمرين: إرادة وإدارة.
الإرادة هي العزم على أن نصنع هذا العدل الاجتماعي ونطبقه. والإدارة هي أن نرتب ما لدينا من إمكانات. نعم.
تفكيك القطاع العام وتحويل مصر من مجتمع إنتاجي إلى مجتمع سمسرة واستهلاك
[الشيخ محمد عمارة]: نحن مجتمع في السنوات التي سبقت ثورة الخامس والعشرين من يناير فككنا وبعنا الأهرامات [المصانع الكبرى] التي أقامها طلعت حرب وآخرون بتراب الأموال، بأقل من سعر الأرض التي أقيمت عليها، مع الأسف الشديد.
نحن حوّلنا مصر من مجتمع زراعي صناعي إلى مجتمع سمسرة يستورد ويقتل الصناعات. القطن المصري كان ملوك العالم يفتخرون بأنه يرتدي قميصًا صحيحًا من القطن المصري، أصبح القطن الآن تزرعه إسرائيل في أفريقيا ودمّرتنا. هذا الذهب الأبيض الذي هو سابق للذهب الأسود.
تاريخ مصر الزراعي وأثر نظام الريات في زيادة الإنتاج والتعداد السكاني
[الشيخ محمد عمارة]: نحن منذ أيام الخديوي إسماعيل نعيش على نفس مساحة الأرض التي كانت موجودة أيام الخديوي إسماعيل، بل بنينا على الأرض الخصبة واستبدلناها بأرض ضعيفة.
مصر طوال تاريخها كان النيل فيها يزيد سبع سنين وينقص سبع سنين، وهذه قصة سيدنا يوسف. وعندما ترى في وفاء النيل - وأنا حققت كتاب التواريخ الهجرية لمحمد مختار باشا المصري - في وفاء النيل يرتفع سبعة أعوام وينخفض سبعة.
ولذلك تعداد مصر منذ الفتح الإسلامي كان مليونين ونصف، وحتى أيام نابليون كان أقل من ثلاثة ملايين؛ لأن الناس تزرع في السبعة أعوام رية واحدة التي هي الحياض وتنجب، ثم تأتي سبع سنوات أخرى يموت فيها الناس بالطواعين والأوبئة ولا يجدون طعامًا.
المقريزي ألّف كتاب [إغاثة الأمة بكشف الغمة] أو تاريخ المجاعات في مصر. ولما جاء محمد علي أجرى تجربة الريات فأصبحنا نروي ثلاث ريات ونزرع ثلاث زراعات بدلًا من رية واحدة، ومنذ ذلك التاريخ تعداد الشعب المصري يزيد بشكل مطرد.
انحراف مصر نحو الاستهلاك وترك الإنتاج وضرورة التكامل الاقتصادي العربي
[الشيخ محمد عمارة]: والأرض الزراعية استلمها [محمد علي] اثنان مليون [فدان] وسلمها أكثر من أربعة ملايين في عهد محمد علي. أما فكرة الإنتاج فالناس الذين كان لديهم أموال يقيمون فنادق ومنتجعات سياحية لكي نخدم الأجانب.
وبعد أن كان حلم الطالب المصري أن يصبح طبيبًا ويصبح مهندسًا ويصبح ضابطًا، أصبح أن يدخل كلية الفندقة ويبقى عملهم للأجانب في السياحة. أي أن فكرة الاستهلاك دخلنا فيها وتركنا فكرة الإنتاج.
نحن لو عملنا تكاملًا زراعيًا مع السودان - أنا أعرف وقال لي هذا الكلام الدكتور حسن الترابي أيام ما كان في السلطة في السودان وجاء وقابل حسني مبارك - طلب من حسني مبارك خمسة ملايين فلاح، قال له: يأتون للسودان يزرعون طعامنا وطعامكم. مصر رفضت، وبدأنا ننفق على توشكى أو توشكي.
مصر ليست فقيرة لكنها منهوبة والإنتاج هو الطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية
[الشيخ محمد عمارة]: يعني أموال كان يمكن أن تُزرع في السودان برخص التراب. فكرة التكامل مع السودان، مع ليبيا، مع هذه البلدان.
إذن أقول: نحن لسنا فقراء، نحن لدينا خير كثير في مصر، ولكن مصر منهوبة من السماسرة الذين - يعني أنت تعلم أنه في الأيام التي سبقت ثورة يوليو كان الإقطاعي يستطيع أن يسرق ويشتري عزبة إذا استطاع ويساعد الناس لتأكل فيها عيش.
لكن الآن أصبح الذي يسرق ويهرب إلى الخارج، أي أنهم أصبحوا أسوأ من الإقطاعيين الذين قامت الثورة ضدهم في عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين.
إذن أنا أؤمن بفكرة الإنتاج في الزراعة، في الصناعة، في التجارة، والإبداع في التعليم الذي أشار إليه فضيلة المفتي. أقول إنه هو طريقنا إلى ألا تبقى لدينا اشتراكية الفقر ومساواة الفقر، وإنما يبقى لدينا غنى والناس تستثمر وتستمتع بهذا الغنى مع العدل الاجتماعي.
العدالة الاجتماعية لا تتحقق دون عمل وعطاء وهي تكليف وتشريف معًا
[المذيع]: في الختام مع فضيلة مفتي الديار المصرية، هل يمكن أن تتحقق العدالة الاجتماعية أو العدل الاجتماعي دون عمل وعطاء؟ فضيلة المفتي.
[الشيخ]: لا يمكن. أن يكون هو العدل كما ذكرت لحضرتك، الاجتماعي هو تكليف وتشريف. فلا بد من أن يعلم الناس ما سيأتي، أنه عندما يقول هذا العامل لا يعمل إلا ثمانية وعشرين دقيقة فيطالب بعدالة اجتماعية! أين يطالب بعدالة أصلًا؟ أين يطالب بمجتمع يعيش فيه هو وأبناؤه؟ كيف؟
العالم كله قام بالعمل. صحيح. ففي اليابان يعمل الرجل ثماني ساعات، وعندما يريد أن يُضرب يضع على يديه علامة بأنه غاضب فيُضرب ويستمر في العمل.
نموذج اليابان في الانتماء والعمل والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة
[الشيخ]: وهناك الإمبراطور [الياباني] مرة أصدر نداءً إلى الشعب الياباني قائلًا: أرجوكم اشتروا السلع الأجنبية! لأن لديهم انتماء فلا يرضون بشراء السلع الأجنبية.
فحقق لهم فائض كبير في ميزان المدفوعات الخاص بهم، فاختلت العلاقة مما هدد الأمر وجرّه إلى السياسة. أي أن الاقتصاد هنا والسياسة أصبحا متلازمين وليس بينهما أي حد.
تصور أنه يدعوهم إلى ماذا! في حين نحن نقول: لا، نقول شجّع الصناعة الوطنية، اشترِ من الصناعة الوطنية؛ لأن هذا هو حالنا. لماذا؟ لأننا لدينا ضعف في الأداء.
العدالة الاجتماعية مطلب أساسي يحتاج إلى العمل والتكليف قبل المطالبة بالحقوق
[الشيخ]: فأنا أريد أن أقول إن العدالة الاجتماعية كما أنها مطلب أساسي ولا بد منه، وأن بها الأمن الاجتماعي والمجتمعي والسياسي والاقتصادي وكذا إلى آخره، وهذه هي ثمرتها، إلا أنها تحتاج دائمًا إلى أن نبدأ نحن بالتكليف وبالعمل.
والعمل هذا هو الأساس، وإلا فتصبح هذه الأمور خيالات، تصبح هذه، تصبح مطالب بلا واقع. ولذلك لا بد لنا من العمل وفي جميع المجالات.
خاتمة البرنامج وتلخيص أهم ركائز تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام
[المذيع]: نشكر فضيلتكم، فضيلة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا أستاذنا الدكتور علي جمعة على كل ما أفاض الله به عليكم واستمتعنا به في حلقة اليوم. شكرًا جزيلًا.
شكرًا أيضًا للعالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء، شكرًا جزيلًا دكتور عمارة.
والأمر واضح جلي مشاهدينا الكرام، نحن مهيئون فعلًا لتحقيق هذا المفهوم المهم في الإسلام. ومفهوم العدالة الاجتماعية أحد أهم أركان ثورة يناير المصرية، ولكن الأمر يستلزم دائمًا الإرادة وحسن الإدارة والعمل والأخلاق والاهتمام بالتعليم. دمتم في أمان الله ورعايته.
